ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 15-10-16, 11:24 AM
أنس الرفاتي أنس الرفاتي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-01-12
الدولة: عمان-الأردن
المشاركات: 54
افتراضي شبه وردود حول المذهب الحنبلي - د. عصر النصر

شبه وردود حول المذهب الحنبلي

يمثل الرجوع إلى المذهب الفقهي التقليدي مسلكا واختيارا لكثير من طلاب العلم في أيامنا هذه, وهذا يفترض إعادة إنتاج لكثير من المسائل التي احتفت بتأريخ المذاهب, وفي ذات الوقت تتشابه طرائق الناس في معالجتها حتى في الأمزجة والطبائع, وهذا بطبيعة الحال يتطلب إعادة إجابة عن مشكلات مفترضة سيختلف حولها الناس كنوع إعمالٍ لتلك المذاهب, وإن كان هذا الأمر يتعدى مسألة الدفاع عن مذهب ما إلى نوع تفضيل وتسويغ للعمل به, ولما كان المذهب الحنبلي هو واحد من المذاهب الفقهية المتبوعة المشار إليها كان له نصيب من تلك المسائل ذات الصبغة الجدلية والتي طال حولها النقاش, ومن هذه المسائل : نزعة الإمام أحمد الحديثية, وتشدد الحنابلة, حيث نقف في هذا المقال مع هاتين المسألتين, هذا وإن كان الزمن قد تجاوز الكلام في هذا النوع من المسائل إلا أنها كما تقدم تثار باعتبارات أخرى تتعلق بإعادة العمل بالمذهب, وأهم من هذا أن الإجابة عن هذه المسائل يمثل مسلكا مهما في فهم البنية المنهجية لتكوين المذهب بما يعود بالنفع على دارسه والمعتني به.

المسألة الأولى : نزعة الإمام أحمد الحديثية :
من المسائل التي تثار حول المذهب الحنبلي النزعة الحديثية للإمام أحمد –رحمه الله- وفقهه, ويأتي ذكر هذه النزعة في سياق الرتبة الفقهية للإمام, وأخص من ذلك نزول رتبته عن مرتبة الأئمة المتبوعين, وقد ورد نحو هذا في السجالات المذهبية واختلاف أتباع المذاهب فيما بينهم, هذا وإن كان الزمان قد تجاوز حقيقة هذه المسألة ومعناها, فقد استقر مذهب الحنابلة وانتشرت كتبه واتبعه الناس قديما وحديثا, وهنا تحسن الإشارة إلى مسائل مهمة في سياق النشأة, الأولى من هذه المسائل :
أن ملامح الفقه العامة تبلورت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, وبدأت بالظهور شيئا فشيئا, حيث مثل العمل بها سبيل نضوج, وقد اتضحت معالم الفقه وارتسمت مساراته مع مرور الوقت وقد مثلت مدارس التابعين أهم تلك المراحل وعنها انبعثت المذاهب الفقهية المشهورة التي بلغت ثلاثة عشر مذهبا متبوعا, عمل بها الناس في وقتها, وقد مثلت مذاهب الأئمة نوع اختيار تتأثر ملامحه بأشياء متعددة؛ كطبيعة الإمام النفسية وخصوصيته العلمية بحيث يغلب عليه علم من العلوم فيظهر أثره, والمقصود أن المذاهب انتقال إلى تخصيص وإظهار لمنازع وطرائق فقهية أكثر تحديدا, وعطفا على ما تقدم تقريره فإن مذاهب الأئمة تمثلت ذلك الفقه واتبعها الناس, فهي مذاهب معتمدة يبقى لها اعتبارها والذي تترتب عليه أحكام؛ كخروج القول عن الشذوذ إذا قال به أحدهم في الجملة, وجواز العمل به, ونحو ذلك, وأما بقاء ما بقي من مذاهب الأئمة المتبوعين؛ فإنه يعود لأسباب موضوعية, فتأسيس مذهب ما واستقراره يحتاج إلى وجود الاختيارات الفقهية والمنهج الأصولي, ثم التدوين والنقل والانتشار, فهذه متطلبات المذهب, وأما ما ورد في تفضيل إمام من الأئمة وتقديمه أو تقديم مذهبه, حتى كتبت في فضائلهم كتب, فهذا له فقه يتعلق بتنزيل هذه المذاهب بمنزلة الشرائع المتبوعة, حيث يقدم كل عالم مسوغا لاختياره ذلك المذهب مع قوله بجواز العمل بغيره جملة, وفي تطور المذاهب وتشابه مساراتها, يقول أبو زهرة –رحمه الله- :" ...ولما فرع أتباعه –أي الإمام أحمد- من بعده الفروع على مذهبه وقواعده التي استنبطوها كان لا بد من الفروض والتقدير؛ لأن التفريع والفقه لا يتم إلا بذلك "( ابن حنبل ص159), ويقول :" كان أحمد يجتهد بالقياس, ولذلك القياس في الفقه الحنبلي مقام, ولعل الحنابلة أعطوه من العناية أكثر مما أعطى أحمد -رضي الله عنه- وقد دفعهم إلى ذلك حاجة الزمن..."( المصدر السابق ص213) وقد ذكر –رحمه الله- في هذا السياق نقولا مهمة يرجع إليها في كتابه المشار إليه, والمقصود هنا بيان اشتراك المذاهب عموما في الأصول العامة, ويبقى النظر بعد ذلك في التفضيل بين المذاهب, فللعلماء مسالك في هذا تجدها في موضعها, وبالعودة إلى شروط تكوّن المذاهب فبعضها كان أسبق من بعض, وكيفما كان من أمر فإن الاختلاف في هذا يعود لأسباب موضوعية تتعلق بزمن ظهور الأئمة وتدوين مذاهبهم, ومن هذا الباب تأخر مذهب الإمام أحمد –رحمه الله- حيث استقر مذهبه متأخرا قياسا بغيره من الأئمة الأربعة, كما تأخر انتشاره لأسباب أخرى, وفي هذا السياق يأتي ما ذكره جمع من العلماء عند عدّ الأئمة أصحاب الخلاف حيث اقتصر عدد منهم على الأئمة الثلاث أبي حنيفة ومالك والشافعي –رحمهم الله- كما فعل ذلك الطبري والطحاوي وابن عبد البر وغيرهم, وقد تذرع من نحى هذا المنحى بذرائع من أهمها نزول الرتبة الفقهية للإمام, ولتوضيح هذه المسالة لابد من تقرير أصل وهو أن الإمام أحمد –رحمه الله- من مدرسة أهل الحديث وإمامها سعيد بن المسيب –رحمه الله- ومن رحم هذه المدرسة خرج عدد من المذاهب الفقهية؛ كمذهب مالك وابن راهوية وابن جرير وابن عيينة وغيرها, وقد امتازت هذه المدرسة بفقهها الأثري وقربها من النص, وإن كان الأئمة يتفاوتون في إعمال هذه الخصيصة لما لكل واحد منهم من منازع ومدارك له منها قدر من التميز الاختصاص, وفي هذا السياق يقول الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان :" ظهر على الساحة الأصولية اتجاه فكري جديد هو عرض المسائل الأصولية وقضاياها الكلامية من جهة النظر السلفية, والمتمثلة في مؤلفات الحنابلة الأصولية ..."( الفكر الأصولي 2\444), وقد تمثلت النزعة النصية في كثير من اختيارات الحنابلة الفقهية والأصولية, هذا وإن كانت بنية الفقه وأصوله لا تقف كما هو متقرر عند هذا المقدار وهذه الجزئية, إلا أن السؤال المفترض هنا : هل النزعة النصية صادرة عن ضعف المنهج الأصولي ؟ وبعبارة أخرى هل العمل بالنزعة النصية يخالف مخرجات المنهج الأصولي ؟
هذا هو السؤال المفترض في معرض النقاش حول الرتبة الفقهية للإمام ومن بعده من أصحابه وعلماء مذهبه, والجواب الأولي للسؤال : نفي الأثر السلبي للنزعة النصية التي هي خصيصة لمدرسة أهل الحديث ( المدينة ), بل العمل بالنص والقرب منه شأن كثير من الأئمة كما تقدم ولا يختص بالإمام أحمد –رحمه الله- وقد أوجب هذه النزعة جملة أسباب, منها :
- الأخذ بآثار الصحابة –رضي الله عنهم- حيث مثلت آثار الصحابة رافدا مهما للمذهب الحنبلي, وقد كان للإمام مزيد فضل في الإطلاع على هذه الآثار, وأجتمع بين يديه ما لم يكن لغيره, حيث أغنت الإمام ومن بعده علماء المذهب عن كثير من مسالك النظر.
- ومن الأسباب التوسع في قبول الأحاديث والآثار, وتقديمها على العموم, وفي تقرير هذه المسألة يقول أبو زهرة –رحمه الله- :" قد بينا في هذا الجزء من بحثنا أن أحمد يجعل السنة مفسرة لظاهر القرآن وأنها مبينة لمعناه, وأن الآحاد ترتفع إلى مرتبة تخصيص عام القرآن, وأن ذلك في الواقع قد يعد هو فيصل التفرقة بين الفقهاء الذين غلب عليهم الرأي والفقهاء الذين غلب عليهم الأثر"( ابن حنبل ص170) هذه أمثلة مختصرة لتوضيح المسألة وإلا فإن الأمثلة أكثر, وقد تكلم العلماء عنها كما فعل أبو زهرة –رحمه الله- في كتابه المتقدم.
ولكن بقيت لنا باقية أحب الإشارة إليها وهي أن الفقه المعاصر وجد في الفقه الحنبلي ملاذا في التعامل مع النوازل والمستجدات ولا غرابة في هذا, فإن هذا المذهب الأثري أخذ من النص خصائصه, ومنها حيويته وقابليته للاستمرار, يقول أبو زهرة :" كان فقه أحمد بمقتضى ذلك فقها قابلا للنمو؛ لأنه لا يقيد إلا بفتوى السلف و أقضيتهم ومعاني السنة والقرآن الكريم, وما استنبطه السلف الصالح تحت ظلهما, وقد لا حظنا من الاستقراء الفقهي أن الفقه الذي يكثر فيه التفريع, ويضبط بضوابط قياسية كالفقه الحنفي بشكل خاص, والفقه الشافعي الذي يقاربه...
ولقد وجدنا مذهب مالك وأحمد يسيران على الفتوى فيما يقع, على تفاوت بينهما في قدر الاستمساك, ووجدنا خصبا فيهما معالجة المسائل التي تجد في الأزمنة المختلفة على ضوء ما قال الأقدمون "( ابن حنبل ص276).

المسألة الثانية : وصف الفقه الحنبلي بالتشدد :
حيث اشتهر عند أتباع المذاهب الأخرى أن الفقه الحنبلي في قدر من التشدد, وقد غفل كثير من الناس عن أصل هذا القول حتى أصبح سمة ينظر من خلالها إلى الفقه الحنبلي, وقد غاب في طيات هذا التعميم كثير من المعاني المتميزة حتى اختلط البعد الفقهي بالبعد العقدي, والسؤال هنا هل بنية الفقه الحنبلي تقتضي هذا الوصف ؟ أم هناك أسباب أخرى ؟ وللإجابة عن هذا السؤال لا بد من أن نقدم بمقدمات توضح هذا الأمر :
أولا : إن قضيتي التشدد والتساهل قضيتان نسبيتان تختلف فيهما الأنظار فما يراه بعض الناس تشددا يخالفهم فيه غيرهم ، ومثله التساهل ، والمرجع في هذا هو الرد إلى الكتاب والسنة ، وأما نظر الناس المجرد فلا يؤخذ منه هذا الحكم .
ثانيا : أن الحنبلية مصطلح تاريخي يحمل أكثر من معنى ، فالحنبلية اسم من أسماء أهل السنة في مدة زمنية مضت ، وقد ظهر هذا المصطلح في القرن الرابع في بغداد ، حيث اشتد الخصام بين أهل السنة – الحنابلة – والأشاعرة والشيعة ، وأما ما نقل عن تشدد الحنابلة في تلك المدة فمنقول عن المخالفين لهم من علماء التاريخ مثل ابن الأثير في " الكامل " من ذلك قوله :" وَفِيهَا –أي سنة ثلاث وعشرين بعد الثلاثمئة- عَظُمَ أَمْرُ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ، وَصَارُوا يَكْسِبُونَ مِنْ دُورِ الْقُوَّادِ وَالْعَامَّةِ، وَإِنْ وَجَدُوا نَبِيذًا أَرَاقُوهُ، وَإِنْ وَجَدُوا مُغَنِّيَةً ضَرَبُوهَا وَكَسَرُوا آلَةَ الْغِنَاءِ، وَاعْتَرَضُوا فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ"( 6\413).
ويطلق الحنابلة على من اتبع الإمام احمد في الفروع ولو خالفه في بعض المسائل الأصلية – مثل القاضي أبي بعلى وهو من كبار علماء المذهب وابن الجوزي وابن عقيل ، ... فهؤلاء العلماء حنابلة في الفروع مع مخالفتهم للإمام احمد في بعض المسائل الأصلية, وهذه هي النسبة المشهورة.
ثالثا : أن المعتبر في المذهب هي الرواية التي تجري على مقاييس علماء لمذهب ، حيث وضعوا ضوابط لكل مرحلة من مراحل المذهب وهي ثلاث مراحل , متقدمين – متوسطين – متأخرين وكل مرحلة لها أصولها وضوابطها وخصائصها ، إذن فليس كل رواية في المذهب تعتبر هي المذهب بل ما صُحح وجرى عليه العمل بشرطه .
رابعا : لا يصح أن يوصف الرأي في الفقه بأنه متشدد أو متساهل إذا وافق الدليل من كتاب أو سنة أو بني على أصل صحيح .
ومن المناسب في هذا المقام بيان أثر النزعة التعبدية لدى الحنابلة في سلوكهم حيث تعظم لديهم الأعمال ومظاهر التعبد, وقد أشار ابن تيمية –رحمه الله- إلى أن من أصحاب أحمد من يميل إلى نوع من الغلو في باب الإيمان وباب الإثبات, وفي ذات السياق ما ذكره ابن عقيل –رحمه الله- عن الحنابلة حيث قال :" فأما أصحاب أحمد فإنه كل من تعلق بطرف من العلم إلا يخرجه ذلك إلى التعبد والزهد, لغلبة الخير على القوم, فيقطعون عن التشاغل بالعلم "( المناقب لابن الجوزي ), ولكن هل يكفي هذا المسلك لتفسير ما وصف به المذهب بالتشدد عند مخالفيه,
وهذا يحتاج منا الوقوف على أمثلة مما ذكر للدلالة على تشدد الحنابلة ، مع العلم أن التشدد عند من يطلق ذلك يقصد به العبادات دون المعاملات حيث عرف عنهم أنهم يتوسعون فيها.
المثال الأول : طهارة سؤر الكلب ، حيث روي عن الإمام احمد أن الطهارة تكون بثماني غسلات إحداها بالتراب ، وهذه الرواية خالفت ما عند أصحاب المذاهب الأخرى فاستُدلَ بها على تشدد الحنابلة في هذا الأمر .
- الجواب :
- إن هذه الرواية ليست هي المذهب، بل المذهب كما ذكره المرداوي في "الإنصاف" -وهو المعتمد في بيان صحيح الروايات- هو القول بسبع غسلات ، وعليه فتلك الرواية من حيث نسبتها للمذهب غير معتمدة فلا يصح أن تجعل هي المذهب ثم يبنى عليها مثل هذا الحكم .
- كما أن القول بثماني غسلات ورد فيه ، حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا شك أن من صح عنده الحديث عمل به ولو على سبيل الاحتياط ، وقد كانت عادة الإمام احمد العمل بكل ما ورد في الباب الواحد إذا أمكن .
- المثال الثاني : ذهب الحنابلة إلى أن من وجد معه إناءان احدهما طاهر والأخر نجس وأراد أن يتوضأ واشتبه عليه الطاهر بالنجس فعليه أن يرقهما ثم يتيمم .
- الجواب:
تقدم معنا أن المذهب في باب العبادات يقوم على الاحتياط للعبادة ، وان الأصل في المسلم أن لا يقدم على العبادة إلا على يقين وتثبت ،وفي مسألتنا هذه ، اختلط الطاهر بالنجس في موضع لا تبيحه الضرورة ، فإن القول بالتحري يعني أن يجري الاحتمال بنسبة متساوية بين طاهر تصح معه العبادة, ونجس تبطل معه، وقد تقرر عند أهل العلم أن التيمم لا يكون إلا عند فقد الماء .
وفي حالتنا هذه الماء موجود فاشترط لصاحبه أن يريقه ليحصل له اليقين في عبادته .
ومع أن هذه علل معتبرة وهي مبنية على أصول صحيحة يقتضيها النظر ، إلا أن المذهب والمقدم كما ذكره المرداوي في "الإنصاف" هو عدم اشتراط إراقة الماء وأما القول بعدم التحري فهي إحدى الروايات في الباب وهي المقدمة في المذهب .

لعلي اكتفي بهذين المثالين ، فالمراد توضيح عدم صحة نسبة التشدد للمذهب وان دراسة المذاهب ينبغي أن يراعي فيها أصول المذهب وطرق الترجيح فيه .

كتبه:
د. عصر محمد النصر

صفحة الدكتور على الفيسبوك:

www.facebook.com/asur.naser
صفحته على تويتر:
http://twitter.com/ibnmajjah77


رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:07 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.