ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 20-02-07, 05:43 PM
أبو زيد الشنقيطي أبو زيد الشنقيطي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 2,771
افتراضي فوائد تفسيرية من استشكالات العلامة الجهبذ/ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله..!!

فوائد منتقاة من أضواء البيان للشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله
________________________________________
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع سنته وهداه..
وبعد/
فهذه أجوبةٌ لبعض الإشكالات المتضمنة للكثير من الفوائدِ منتقاةٌ من كتاب أضواء البيان للحبر العلامة (محمد الأمين الشنقيطي) رحمه الله تعالى وغفر له, والتي أظن أن الشيخ كان يطرحها ليدرأ بها ما يتوقع وروده على ذهن القارئ من تساؤلات وإشكالات!!


1- عند قوله تعالى{الرحمن الرحيم} في سورة الفاتحة قال الشيخ رحمه الله(هما وصفان لله تعالى واسمان من أسمائه الحسنى مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة, والرحمن أشد مبالغة من الرحيم لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا,وللمؤمنين في الآخرة,والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة, وعلى هذ أكثر العلماء , وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا.
وفي تفسيربعض السلف ما يدل عليه كما قاله ابن كثير ويدل له الأثر المروي عن عيسى
- كما ذكره ابن كثير وغيره - أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام (الرحمن رحمن الدنيا والآخرة , والرحيم لرحيم الآخرة ) وقد اشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال تعالى{ثم استوى على العرش الرحمن}وقال{الرحمن على العرش استوى}فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته,قــاله ابن كثير, ومثله قوله تعالى{أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن} أي: ومن رحمانيته لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء, ومن أظهر الأدلة على ذلك قوله تعالى {الرحمن* علم القرآن *... إلى قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان*} وقال{وكان بالمؤمنين رحيما} فخصهم باسم الرحيم..
فإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم وبين ما جا في الدعا المأثور من قوله صلى الله عليه وسلم{رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما}؟؟؟

فالظاهر في الجواب - والله أعلم - أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا , لكنه لا يختص بهم في الآخرة؛ بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضا فيكون معنى رحيمهما:رحمته بالمؤمنين فيهما.
والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى{هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته وإخراجه إياهم من الظلمات إلى النور رحمة بهم في الدنيا وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضا.
وكذلك قوله تعالى {ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} فإنه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجار للضمير الواقع على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار, وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا.
والعلم عند الله تعالى)


2- عند قول الله تعالى (ومما رزقناهم ينفقون) في سورة البقرة,
قال الشيخ - رحمه الله -(عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله, ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه والذي ينبغي إمساكه, ولكنه بين في مواضع أخر أن القدرالذي ينبغي إنفاقه هو الزائد عن الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها, وذلك كقوله {ويسألونك ما ذا ينفقون قل العفو} والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات وهو مذهب الجمهور.
ومنه قوله تعالى{حتى عفوا} أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: نقيض الجهد, وهو أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه الجهد , واستفراغ الوسع ومنه قول الشاعر:
خذي العفو مني تستديمي مودتي **** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وهذا القول راجع إلى ما ذكرنا وبقية الأقوال ضعيفة ..
وقوله تعالى {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط..} فنهاه عن البخل بقوله{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} ونهاه عن الإسراف بقوله {ولا تبسطها كل البسط} فيتعين الوسط بين الأمرين, كما بينه بقوله{والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير وبين البخل والاقتصاد , فالجود غير التبذير والاقتصاد غير البخل.
فالمنع في محل الإعطاء مذموم وقد نهى الله عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} واإعطاء في محلالمنع مذموم أيضا وقد نهى الله عنه نبيه صلى لله عليه وسلم بقوله {ولا تبسطها كل البسط } وقد قال الشاعر:
لا تمدحنَّ ابن عباد وإن هطلت...........يداه كالمزن حتى تخجل الديــما
فأنها فلتــــات من وســــاوسه............ يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقد بين تعالى أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا غذا كان مصرفه الذيصرف فيه مما يرضى الله, كقوله تعالى (قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين)..الآية , وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله تعالى {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة...}الآية. وقد قال الشاعر:
إن الصنيعة لا تعدُّ صنيعةً.............حتى يصاب بها طريق المصنع

فإن قيل : هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا وذلك في قوله {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة...}الآية

فالظاهر في الجواب - والله تعالى أعلم - هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً, ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا, وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة كنفقة الزوجات ونحوها , فتبرع بالإنفاق في غير واجب , وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم(وابدأ بمن تعول) وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم , فلا يجوز له ذلك.
والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال وأما على القول بأن قوله تعالى {ومما رزقناهم ينفقون} يعني به الزكاة فالأمر واضح -والعلم عند الله تعالى )..

3- قوله تعالى {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} قال الشخ رحمه الله:
(لا يخفى أن الواو في قوله (وعلى سمعهم وعلى أبصارهم) محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها وأن تكون استئنافية.
ولم يبيَّن ذلك هنا ولكن بُيِّن في موضع آخر أن قوله (وعلى سمعهم) معطوف على قوله (على قلوبهم) وأن قوله (وعلى أبصارهم) استئناف , والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو (غشاوة) وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادُها على الجار والمجرور قبلها , ولذلك يجب تقديم هذا الخبر لأنه هو الذي سوغ الإبتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله:
ونحو عندي درهم ولي وطر..........ملتزم فيه تقدم الخبر
فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع , وأن الغشاوة على الأبصار وذلك في قوله تعالى{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة}
والختم هو الاستيثاق من الشيئ حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه , والغشاوة:الغطا على العين يمنعها من الرؤية.ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص:
هويتك إذ عيني عليها غشاوة.............. فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
وعلى قراة من نصب (غشاوة) فهي منصوبة بفعل محذوف أي: (وجعل على بصره غشاوة) كما في سورة الجاثية. وهو كقوله :
علفتها تبنا وماءا باردا.............. حتى شتت همالة عيناها
وقول الاخر:
ورأيت زوجك في الوغى................ متقلدا سيفا ورمحا
وقول الآخر:
إذا ما الغانيات برزن يوما................وزججن الحواجب والعيونا
كما هو معروف في النحو, وأجاز بعضهم كونه معطوفا على محل المجرور...

فإن قيل:
قد يكون الطبع على الأبصار أيضاً,كما في قوله تعالى في سورة النحل{أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم}الآية

فالجواب:
أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية والعلم عند الله تعالى)..

قال الشيخ رحمه الله :
(قوله تعالى {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنَّ ....}الآية.
ظاهر عمومه شمول الكتابيات,ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم,وهيقوله تعالى {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب},

فإن قيل:الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله{لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين.} , وقوله{إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين}, وقوله {ما يود الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين } والعطف يقتضي المغايرة.

فالجواب:أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله {وقالت اليهود عزيرٌ ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون* اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيحَ ابنَ مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا غله إلا هو سبحانه عما يشركون }

وعند قوله تعالى{فأتوا حرثكم أنى شئتم} قال الشيخ رحمه الله بعد مناقشته لمسألة إتيان النِّساء في أعجازهنَّ وذكره لقول القرطبي رحمه الله تعالى (وفي إجماعهم هذا - يعني على الحرمة - دليلٌ على ان الدبر ليس بموضع وطء,ولوكان موضعاً للوطء ما ردت من لا يوصَلُ إلى وطئها في الفرج.
قال الشيخ:

فإن قيل: قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل, فلا ينافي أنها توطأ في الدبر.

فالجواب: أن العقم لا يرد به , ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل لكان العقم موجبا للرد..


قال الشيخ رحمه الله تعالى في شروط الإمام الكبر عند قوله تعالى{إني جاعل في الرض خليفة}
(3- من شروط الإمام الأكبر كونه حرّاً , فلا يجوز أن يكون عبداً , ولا خلاف في هذا بين العلماء.

فإن قيل:ورد في الصحيح ما يدل على إمامة العبد.
فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمعوا واطيعوا وإن استُعمِل عليكم عبدٌ حبشيٌّ كأن رأسه زبيبة) ولمسلم من حديث أم الحصين (اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله) ولمسلم أيضاً من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال(أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع وإن كان عبداً حبشيّاً مجدعَ الأطراف).

فالجواب من أوجه:
الأول:أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود , فإطلاق العبد الحبشي لأجل لمبالغة في الأمر بالطاعة , وغن كان لا يُتَصوَّر شرعا أن يليَ ذلك . ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي .
ويشبه هذا الوجه قوله تعالى{قل إن كان للرحمن ولدٌ فأنا أول العابدين}.

الثاني:أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤموراً من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد, وهو أظهرها فليس هو الإمام الأعظم.

الثالث:أن يكون أطلق عليه اسم العبد نظراً لاتصافه بذلك سابقا مع أنه وقت التولية حر,ونظيره إطلاق اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقاً في قوله تعالى{وآتوا اليتامى أموالهم} الآية , وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار.
أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب , إخمادا للفتنة وصونا للدماء , ما لم يأمر بمعصة كما تقدمت الإشارة إليه , والمراد بالزبيبة في هذا الحديث واحدة الزبيب المأكول المعروف الكائن من العنب إذا جفَّ , والمقصود من التشبيه: التحقير وتقبيح الصورة , لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال,إلا فالمعصية كما يأتي . ويشبه قوله صلى الله عله وسلم(كأنه زبيبة) قول الشاعر هجو رجلا أسودَ:
دنس الثياب كأن فروة رأسه...............غرست فأنبت جانباها فلفلا(


ويقول الشيخ رحمه الله عند قول الله تعالى (الطلاق مرتان) بعد سرده لأقوال من أوقع الثلاث طلقةً واحدة ومن عدها ثلاثا محرِّمةً
يقول:

فإن قيل:غضب النبي صلى الله عليه وسلم وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعبٌ بكتاب الله يدل على أنها لا تقع , لقوله صلى الله عليه وسلم(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد( وفي رواية (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)

فالجواب:أن كونه ممنوعا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع , ويدل له ما سيأتي قريبا عن ابن عمر لمن سأله: وإن كنتَ طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك , وعصيت له فيما أمرك من طلاق امرأتك , ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع , وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح ,ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله قريبا من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له (كانت تبين منك وتكون معصية) ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله عن ابن عباس بإسنادٍِ صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة : إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا,عصيت ربك , وبانت منك امرأتك .وبالجملة فالمناسب لمرتكب المعصية التشديد لا التخفيف بعد الإلزام(

قال الشيخ رحمه الله تعالى عند قول الحق سبحانه{إن يمسسكم قرحٌ فقد مسَّ القوم قرحٌ مثله}

قال:
فإن قيل:ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله (قرحٌ مثله) وبين التثنية في قوله(قد أصبتم مثليها).

فالجواب والله تعالى اعلم:أن المراد بالتثنية قتل سبعين , وأسر سبعين يوم بدر, في مقابلة سبعين سوم أحد كما عليه جمهور العلماء.
والمراد بإفراد المثل: تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم, والقراءتان السبعيتان في قوله{إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرحٌ مثله}بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد , فهما لغتان كالضَّعف والضُّعف.
وقال الفراء:القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه.اهــ
ومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي:
قعيدك ألاَّ تُسمعيني ملامةً...............ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا(

قال الشيخ رحمه الله عند قول الحق تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم}

تنبيه:فإن قيل عموم قوله تعالى (إلا ما ملكت أيمانكم) لا يختص بالمسبيات بل ظاهر هذا العموم أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل آخر فهي تحل له بملك اليمين , ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك,والآية وإن نزلت في خصوص المسبيات كما ذكرنا فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب؛؛

فالجواب:أن جماعة من السلف قالوا بظاهر هذا العموم فحكموا بأن بيع الأمة مثلاً يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية , ويروى هذا القولُ عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن ومعمر كما نقله عنهم ابن كثير وغيره.
ولكنَّ التحقيق في هذه المسألة هو ما ذكرنا من اختصاص هذا الحكم بالمسبية دون غيرها من المملوكات بسبب آخر غير السبي , كالبيع مثلاً وليس من تخصيص العام بصورة سببه , وأوضح دليل في ذلك قصة بريرة المشهورة مع زوجها مغيث.
قال ابن كثير في تفسير هذه الاية :بعد ذكره أقوال الجماعة التي ذكرنا في أن البيع طلاق ما نصه(وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثاً فرأوا ان بيع الأمة ليس طلاقا لها , لأن المشتري نائب عن البائع , والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنه,واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما , فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث بل خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء فاختارت الفسخ , وقصتها مشهورة فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم , فلما خيرها دل على بقاءالنكاح وأن المراد من الآية المسبيات فقط .والله أعلم اهــ منه بلفظه.


فإن قيل: إن كان المشتري امراةلم ينفسخ النكاحُ لأنها لا تملك الاستمتاع ببضع الأمة بخلاف الرجل , وملك اليمين أقوى من ملك النكاح كما قال بهذا جماعة, ولا يرد على هذا القول حديث بريرة.

فالجواب : هو ما حرره العلامة ابن القيم رحمه الله وهو أنها إن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها فهي تملك المعاوضة عليه وتزويجها وأخذ مهرها وذلك كملك الرجل وإن لم يستمتع بالبضع.
فإذا حققت ذلك علمت أن التحقيق في معنى الاية (والمحصنات من النساء) أي المتزوجات (إلا ملكت أيمانكم) بالسبي من الكفارفلا منع في وطئهن بملك اليمين بعد الاستبراء , لانهدام الزوجية الأولى بالسبي كما قررنا , وكانت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها متزوجة برجل اسمه مسافع فسبيت في غزوة بني المصطلق وقصتها معروفة.
قال ناظم قرة البصار في جويرية رضي الله عنها:
وقد سباها في غزاة المصطلق.............من بعلها مسافع بالمنزلق.
ومراده بالمنزلق: السيف.
ثم إن العلماء اختلفوا في السبي هل يبطل حكم الزوجية الأولى مطلقاً ولو سبي الزوج معها , وهو ظاهر الآية ؟
أو لا يبطله إلا إذا سبيت وحدها دونه؟
فإن سبي معها فحكم الزوجية باقٍ , وهو قول أبي حنيفة وبعض أصحاب أحمد والعلم عند الله تعالى…

قال الشيخ رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن الصعيد الطيب هل هو خاص بما له غبار يعلق باليد أم هو متناول لغيره من أنواع الصعيد , عند قوله تعالى (فتيمموا صعيدا طيباً)..

فإن قيل:
ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد, دون غيره من أنواع الصعيد , فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{فضلنا على الناس بثلاث:جعلت صفوفنا كصفوف االملائكة , وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً, وجعلت تربتها لنا طهوراً,إذا لم نجد الماء..}الحديث, فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك,

فالجواب من ثلاثة أوجه:
1- ]أن كون الأمر مذكوراً في معرض الامتنان, مما يمنع فيع اعتبار مفهوم المخالفة , كما تقرر في الأصول قال في مراقي السعود:
أوامتنانٍ أو وِفاقِ الواقعِ***والجهل والتأكيدِ عند السامعِ.
ولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله خص اللحم الطري منه في قوله{وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طرياًّ} لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان فلا مفهومَ مخالفة له , فيجوز أكل القديد مما في البحر.

2- أن مفهوم التربة مفهوم لقب, وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء , وهو الحق كما هو معلوم في الأصول.

3-أن التربة فرد من أفراد الصعيد , وذكرُ بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصا له عند الجمهور , سواء ذُكرا في نص واحد كقوله تعالى{حافظوا على الصلوَات والصلوة الوسطى} أو ذُكرا في نصين كحديث{أيما إهاب دبغ فقد طهر} عند أحمد ومسلم وابن ماجة والترمذي وغيرهم, مع حديث{هلاَّ انتفعتم بجلدها} يعني شاةً ميتتةً, عند الشيخين, كلاهما من حديث ابن عباس.
فذكر الصلاة الوسطى في الأول , وجلد الشاة في الأخير لا يقتضي أن غيرهما من الصلوات في الأول , ومن الجلود في الثاني ليس كذلك , قال في مراقي السعود - عاطفا على ما لا يُخَصَّصُ به العموم-:
وذكرُ ما وافقه من مفرَدِ*** ومذهب الراوي على المعتمَدِ.
ولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام , إلا أبو ثور محتجاًّ بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص.
وأجيب من قِبَل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة, وفائدة ذكر البعض نفيُ احتمال إخراجه من العام , والصعيد في اللغة وجه الأرض , كان عليه ترابٌ , أو لم يكن , قاله الخليل,وابن الأعرابي , والزجاج...

قال الشيخ رحمه الله تعالى عند قول الحق سبحانه {إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً......}الآية.

فإن قيل:وهل يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟؟

فالجواب: نعم , والدليل قوله تعالى{يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربَـوا إن كنتم مؤمنين* فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله..}

ثم قال بعد ذلك: واستشكل بعض العلماء ثمثيله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين, لأنه سمل أعينهم , مع قطع الأيدي والأرجل مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به؛؛

قال رحمه الله بعد ذكره لعدة أجوبة لعلماء السلف:

والتحقيق في الجواب هو أنه صلى الله عليه وسلم فعل بهم ذلك قصاصاً, وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم إنما سمل أعينهم قصاصاً لأنهم سملوا اعين رعاة اللقاح...

قال رحمه الله تعالى عند قول الله سبحانه{ويحرم عليهم الخبائث} عند تناوله للخلاف في لحم الكلب وهل هو محرم كما قال الجمهورأم مكروه كما روي ضعيفا جداً عن الإمام مالك؟

ومنها(أي أدلة التحريم) أنه لو جاز أكله لجاز بيعه , وقدثبت النهي عن ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري مقرونا بحلوان الكاهن ومهر البغي , وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة , واخرجه مسلم من حديثرافع بن خديج رضي الله عنه بلفظ(ثمن الكلب خبيث) الحديث.
وذلك نص في التحريم لقوله تعالى{ويحرم عليهم الخبائث} الآية.

فإن قيل:ما كل خبيث يحرم, لِـمَا ورد في الثوم انه خبيث , وفي كسب الحجام أنه خبيث , مع أنه لم يحرم واحد منهما.

فالجواب : أن ما ثبت بنص انه خبيث كان ذلك دليلاً على تحريمه , وما أخرجه دليل يخرج , ويبقى النص حجةً فيما لم يقم دليل على إخراجه , كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب والسنة, يخرج منها بعض الأفراد بمخصص وتبقى حجة في الباقي.
وهذا مذهب الجمهور, وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
وهو مخصص لدى الأكثر إن*** مخصصا له معينا يبن.

فإن قيل: تحريم الخبائث لعلةالخبث,وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك نقضاً في العلة , لا تخصيصاً لها؛؛

فالجواب أن أكثر العلماء على أن النقض تخصيص للعلة لا إبطال لها.قال في مراقي السعود:
منها وجود الوصف دون الحكمِ***ســـــمَّـــاه بالنقص وعاة العلمِ
والأكـــثـــرون عندهـــم لا يقدحُ***بل هو تخصيصٌ, وذا مصححُ
....إلخ كما حررناه في غير هذا الموضع.

قال الشيخ -رحمه الله تعالى - في سورة الأعراف عند آية{وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا...}الآية.

فإن قيل: الهلاكُ الذي أصاب قومَ شعيب ذكر الله تعالى في الأعراف أنه رجفة , وذكر في هود أنه صيحة , وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة.

فالجواب: ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله , أصابهم عذاب يوم الظلة وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نارولهب ووهج عظيم , ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم , فزهــقــت الأرواح , وفاضت النفوس , وخمدت الأجسام. اهــ منه.
__________________
قال علقمـةُ رضي الله عنهُ: كان العلمُ كريماً يتلاقاهُ الرجالُ بينهم , فلمَّـا دخلَ في الكتابِ دخل فيهِ غيرُ أهله ..!
حسابي في تويتر:@mkae2
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-03-07, 08:41 PM
طالبة علم الشريعة طالبة علم الشريعة غير متصل حالياً
وفقها الله
 
تاريخ التسجيل: 09-03-07
المشاركات: 190
افتراضي

جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 11-03-07, 08:56 AM
ابو احمد الحسيني ابو احمد الحسيني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-03-07
المشاركات: 91
افتراضي

احسنت الجمع والإنتقاء
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 25-03-07, 12:21 AM
ابو عبدالله السبيعي ابو عبدالله السبيعي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 09-02-07
المشاركات: 178
افتراضي

جزاك الله الجنة

وزدنا بارك الله فيك ونفع بك
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-03-08, 12:34 AM
محمد عبدالكريم محمد محمد عبدالكريم محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-12-06
المشاركات: 921
افتراضي

جزاك الله خيراً وبارك فيك وجعل لك لسان صدق في الآخرين ونحن في انتظار المزيد من درر ذلك الشيخ الخِرِّيت
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-03-08, 12:20 PM
أبو زيد الشنقيطي أبو زيد الشنقيطي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-02-06
المشاركات: 2,771
افتراضي

للأمانة: الموضوع منقول وما لي فيه حظ ولا نصيب غير النسخ واللصق.
وهذا رابطه:

http://www.tafsir.org/vb/showthread.php?t=5752

قال الشيخ - رحمنا الله وإياه - عند تفسيره لقوله تعالى{واعلموا أنما غنمتم من شيئ فأن لله خمسه....} الآية.

واختلف العلماء فيما إذا ادعى أنه قتله , ولم يقم على ذلك بينةً , فقال الأوزاعي: يعطاه بمجرد دعواه , وجمهور العلماء على أنه لا بد من بينة على انه قتله .

قال مقيده عفا الله عنه:لا ينبغي أن يختلف في اشتراط البينة , لقوله صلى الله عليه وسلم (من قتل قتيلاً له عليه بينة) الحديث, فهو يدل بإيضاح على أنه لا بد من البينة.

فإن قيل:فأين البينة التي أعطى بها النبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة سلب قتيله السابق ذكره؟؟ (يقصد الشيخ حديث الشيخين المتفق عليه عنى أبي قتادة رضي الله عنه قال:خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين , فلما التقينا كانت للمسلمين جولة قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين , فاستدرتُ إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه.............. وفي آخره قال صلى الله عليه وسلم : صدق فأعطه إياه فأعطاني)الحديث.

فالجواب من وجهين:
1- ما ذكره القرطبي في تفسيره: قال سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبامحمد عبد العظيم يقول:إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة الأسود بن خزاعى وعبد الله بن أنيس, وعلى هذا يندفع النزاع يزول الإشكال ويطرد الحكم.اهــ .
2- انه أعطاه إياه بشهادة الرجل الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(صدَقَ, سلبُ ذلك القتيل عندي) الحديث , فإن قوله (صدق) شهادة صريحة لأبي قتادة أنه هو الذي قتله والاكتفاء بواحد في باب الخبر والأمور التي لم يقع فيها ترافعٌ قال به كثير من العلماء وعقده ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله:
وواحد يجزئ في باب الخبر**** واثنان أولى عند كل ذي نظر.
وقال القرطبي في تفسير إن أكثر العلماء على إجزاء شهادة واحد , وقيل: يثبت ذلك بشاهد ويمين . والله أعلم
وأما على قول من قال: إن السلب موكول إلى نظر الإمام فللإمام أن يعطيه إياه ولو لم تقم بينة , وإن اشترطها فله ذلك . قاله القرطبي.
والظاهرعندي أنه لا بد من بينة, لورود النص الصحيح بذلك.


قال الشيخ رحمه الله تعالى عند قول الحق عز وجل {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}.
وفي الآية أقوالٌ أُخر أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقةً تطهرهم بها}الآية.
وذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضا.
وبه قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك اهــ .
ثم قال رحمه الله
(فإن قيل:ما الجواب عما رواه الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال: مات رجل من أهل الصفة وترك دينارين أو درهمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كَيَّتَانِ , صلوا على صاحبكم).اهـ
وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينارٌ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيَّة , ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:كيتان ).
وما روي عن عبد الرزاق وغيره عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تبا للذهب والفضة يقولها ثلاثاً فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : أي مال نتخذ؟ فقال عمر رضي الله عنه: أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: لسانا ذاكرا وقلبا شاكراً وزوجة تعين أحدكم على دينه).. ونحو ذلك من الأحاديث

فالجواب -والله تعالى أعلم -:أن هذا التغليظ كان أولاً ثم نسخ بفرض الزكاة كما ذكره البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما.


قال الشيخ رحمه الله تعالى عند قول الحق سبحانه {ولقد همت به وهم بها}.
فإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على برائته عليه السلام مما لا يننبغي في الآيات المتقدمة ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى {وهمَّ بها}؟؟

فالجواب من وجهين:
الأول: أن المراد بهمَّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى , وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى , وهذا لا معصية فيه لأنه أمرٌ حبليٌّ لا يتعلق به التكليف كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول(اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك) يعني: ميل القلب الطبيعي.
ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد , مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم , وقد قال صلى الله عليه وسلم (ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة) لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفا من الله وامتثالاً لأمره كما قال تعالى {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى}.
وهمُّ بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحدٍ كهمِّ يوسف هذا , بدليل قوله {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما} لأن قوله {والله وليهما} يدل على أن ذلك الهمَّ ليس معصيةً لأن إتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.
والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه : هذا ما يهُمني , ويقول فيما يحبه ويشتهيه : هذا أهم الأشياء إليَّ , بخلاف هم امرأة العزيز فإنه هم عزم وتصميم بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها, ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه , مثل هذا التصميم على المعصية معصية يؤاخذ بها صاحبها بد ليل الحديث الثابت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث أبي بكرة رضي الله عنه (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار, قالوا : يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه) فصرح صلى الله عليه وسلم بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.
وأما تأويلهم هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله أي قاربت أن أقتله , كما قاله الزمخشري.
وتأويل الهم بأنه هم بضربها أو هم بدفعها عن نفسه فكل ذلك غير ظاهر, بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.

الجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيان أن يوسف لم يقع منه هم أصلاً, بل هو منفي عنه لوجود البرهان , قال مقيده عفا الله عنه:هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف يُذكَر قبله ما يدل عليه كقوله {فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه فالأول دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب ,لأن جواب الشروط وجواب لولا لا يتقدم ولكن يكون المذكور قبله دليلاً عليه كالآية المذكورة , وكقوله {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم , وعلى هذا القول فمعنى الآية: {وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} أي: لولا أن رآه هم بها.
فما قبل لولا هو دليل الجواب المحذوف كما هو الغالب في القرآن واللغة , ونظير ذلك قوله تعالى {إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها} فما قبل لولا دليل الجواب أي : لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.
واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب لولا وتقديم الجواب في سائر الشروط , وعلى هذا القول يكون جواب لولا في قوله (لولا أن رأى برهان ربه) هو ما قبله من قوله {وهم بها} وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون ومن أعلام البصريين أبو العباس المبرد وأبو زيد الأنصاري.


قال الشيخ رحمه الله عند قول الحق تعالى {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}
فإن قيل: (ربما) لا تدخل إلا على الماضي فما وجه دخولها على المضارع في هذا الموضع؟؟

فالجواب ان الله تعالى لما وعد بوقوع ذلك صار ذلك الوعد للجزم بتحقيق وقوعه كالواقع بالفعل , ونظيره قوله تعالى {أتى امر الله} الآية , ونحوها من الآيات , فعبر بالماضي تنزيلاً لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع بالفعل.


ويقول رحمه الله تعالى عند آية {وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر...} الاية.
قد يقال في هذه الآية الكريمة: كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكرُ وينسبونه للجنون مع ذلك؟؟

والجواب: أن قولهم(يأيها الذي نزل عليه الذكرُ) يعنون في زعمه تهكماً منهم به,ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه في مواضع أخر, كقوله تعالى عن فرعون مع موسى{إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} وقوله عن قوم شعيب{إنك لأنت الحليم الرشيد}.


ويقول رحمه الله تعالى عند آية {وحفظناها من كل شيطان رجيم} بعد كلام طويل على ما يتشدق به الأفاكون الذين يزعمون أنهم سيصلون للسماء وما فوقها ويبنون على القمر, وبعد تفنيده لتلك المزاعم بالتفصيل..

قال: فإن قيل:يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء أن يكون المعنى: لتركبن أيها الناس طبقا بعد طبق, أي سماءاً بعد سماء حتى تصعدوا فوق السماء السابعة, كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم, وإذا كان هذا جائزا في لغة القرآن فما المانع من حمل المعنى عليه؟؟

فالجواب من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول:أن ظاهر القرآن يدل على ان المراد بالطبق الحالُ المتَنَقَّلُ إليها من موت ونحوه وهو هول القيامة بدليل قوله بعده مرتباً له عليه بالفاء(فما لهم لا يؤمنون* وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا يتنقلون من حال إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك الشدائد ويؤيده أن العرب تسمي الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم.

الوجه الثاني:أن الصحابة رضي الله عنهم هم المخاطبون الأولون بهذا الخطاب وهم أولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي ولم يركب أحد منهم سماءا بعد سماء بإجماع المسلمين , فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الاية, ولو كان هو معناها لما خرج منه المخاطَبون الأولون بلا قرينة على ذلك.

الوجه الثالث:هو ما قدمنا من الايات المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل شيطان رجيم كائنا من كان فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على صعود اصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق, والواقع المستقبل سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة.



قال الشيخ رحمنا الله وإياه عند آية{وحفظناها من كل شيطان رجيم}

فإن قيل:هذه الآيات التي استدللتم بها على حفظ السماء من الشياطين واردة في حفظها من استراق السمع , وذلك إنما يكون من شياطين الجن , فدل ذلك على اختصاص الآيات المذكوة بشياطين الجن؟؟

فالجواب:أن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها اللغوية شياطين الإنس من الكفار , قال في لسان العرب:(والشيطان معروف , وكل عات متمرد من الإنس والجن والدواب شيطان).
وقال في القاموس:(والشيطان معروف , وكل عات متمرد من إنس أو جن أو دابة)اهـ .

ولا شك أن من أشد الكفار تمرداً وعتواً الذين يحاولون بلوغ السماء , فدخولهم في اسم الشيطان لغة لاشك فيه.
وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عاتٍ فقوله تعالى{وحفظناها من كل شيطان رجيم} صريح في حفظ السماء من كل متمرد عاتٍ كائنا من كان , حمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجبٌ إلا لدليل يدل على تخصيصها أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها كما هو مقرر في الأصول , وحفظ السماء من الشياطين معناه: حراستها منهم.
قال الجوهري في صحاحه: (حفظت الشيء حفظاً اي : حرسته) اهـ.
وقال صاحب لسان العرب:(وحفظت الشيء حفظاً اي حرسته) اهـ.وهذا معروف في كلام العرب فيكون مدلول هذه الاية بدلالة المطابقة {وحفظناها من كل شيطان رجيم}أي: وحرسناها,أي السماء من كل عات متمرد.
ولا مفهوم مخالفة لقوله {رجيم} وقوله{مارد} لأن مثل ذلك من الصفات الكاشفة , فكل شيطان يوصف بأنه رجيم وبأنه مارد, وإن كان بعضهم أقوى تمرداص من بعض وما حرسه الله جل وعلا من كل عات متمرد لا شك أنه لايصل إليه عاتٍ متمردٌ كائنا من كان {ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسيرٌ}والعلم عند الله تعالى اهـ.



قال الشيخ رحمه الله تعالى عند كلامه على الصلاة في مرابض الإبل الغنم وذلك عند تفسير آية{ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين}.
قد علمتَ أن الحجر المذكور في هذه الآية في قوله{ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين} هي ديارثمود وأنه ورد النهي عن الصلاة في مواضع الخسف فبهذه المناسبة نذكر الماكن التي نهي عن الصلاة فيها ونبين ما صح فيه النهي وما لم يصح , والمواضع التي ورد النهي عن الصلاةفيها تسعة عشر موضعا ستأتي كلها..اهــ
ثم بعد كلامه على مرابض الغنم والإبل قال رحمه الله:

فإن قيل:ما حكم الصلاة في مبارك القبر؟؟

فالجواب: أن اكثر العلماء يقولون إنها كمرابض الغنم, ولو قيل إنها كمرابض الإبل لكان لذلك وجه.
قال ابن حجر - رحمه الله - في فتح الباري(وقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مرابض الغنم ولا يصلي في مرابض الإبل والبقر, قال: وسنده ضعيف, فلو ثبت لأفاد أن حكم البقر حكم الإبل بخلاف ما ذكره ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم )اهــ كلام ابن حجر.
وما يقوله أبو داود رحمه الله من أن العمل بالحديث الضعيف خيرٌ من العمل بالرأي له وجه وجيه , والعلم عند الله تعالى .



قال الشيخ رحمه الله تعالى: - عند قول الله جل وعز {كما أنزلنا على المقتسمين}-
فإن قيل:بم تتعلق الكاف في قوله{كما أنزلنا على المقتسمين}؟؟

فالجواب: ما ذكره الزمخشري في كشافه قال:(فإن قلت:بم تعلق قوله(كما انزلنا)؟
قلت:فيه وجهان :
احدهما:أن يتعلق بقوله{ولقد آتيناك سبعا من المثاني..} أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما , فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه , وقيل: كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم سورة البقرة لي ويقول الاخر سورة آل عمران لي (إلى أن قال).
الوجه الثاني: ان يتعلق بقوله{وقل إني أنا النذير المبين} أي وأنذر قريشاً مثل ما أنزلناه من العذاب على المقتسمين(يعني اليهود) وهو ما جرى على قريظة والنضير.
جعل المتوقع بمنزلةالواقع وهو من الإعجاز لأنه إخبار بما سيكون وقد كان.انتهى محل الغرض من كلام صاحب الكشاف ,ونقل كلامه بتمامه أبو حيان في البحر المحيط ثم قال أبو حيان: اما الوجه الأول وهو تعلق (كما)ب(آتيناك) فذكره أبو البقاء على تقديروهو ان يكون في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف تقديره:آتيناك سبعا من المثاني إيتاءًا كما انزلنا,أو إنزالاً كما أنزلنا, لأن آتيناك بمعنى أنزلنا عليك..



قال الشيخ رحمه الله تعالى عند تناوله لقول الله تعالى{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}
المسألة الرابعة: اعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ والمرجان لأن الله جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه عاطفا على الأكل{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}, وهذا الخطاب خطاب الذكور كما هو معروف,ونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر{ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها}.
قال القرطبي في تفسيره:امتن الله على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحرفلا يحرم عليهم شيئ منه, وإنما حرم تعالى على الرجال الذهب والحرير.
وقال صاحب الإنصاف:يجوز للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه, وهو الصحيح من المذهب.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلاً,ولا أعلم مستندا للتحريم إلا عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال بالنساء,كالعكس؛
قال البخاري في صحيحه:{باب المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال}(وساق الشيخ سند البخاري)عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
فهذا الحديث نص صريحٌ في أن تشبه الرجال بالنساء حرام,لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يلعن أحدا إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة.
ولا شك أن الرجل إذا لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء.

فإن قيل:يجب تقديم الآية على الحديث من وجهين:
الأول:أن الآية نص متواتر,والحديث المذكور خبر آحاد, والمتواتر مقدم على الآحاد.
الثاني:أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء,والآية خاصة في إباحة الحلية المستخرجة من البحر,والخاص مقدم على العام.

فالجواب:أنَّا لم نرَ من تعرض لهذا.
والذي يظهر لنا-والله تعالى أعلم-أن الآية الكريمة وإن كانت أقوى سندا وأخص في محل النزاع, فإن الحديث أقوى دلالةً على محل النزاع منها,وقوةُ الدلالة في نص صالح للاحتجاج على محل النزاع أرجحُ من قوة السند لأن قوله تعالى{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}يحتمل معناه احتمالا قوياً:أن وجه الامتنان به أن نسائهم يتجملن لهم به,فيكون تمتعهم وتلذذهم بذلك الجمال والزينة الناشئ عن تلك الحلية من نعم الله عليهم,وإسناد اللباس إليهم لنفعهم به,وتلذذهم بلبس أزواجهم له.
بخلاف الحديث فهو نص صريح غير محتمل في لعن من تشبه بالنساء,ولا شك أن المتحلي باللؤلؤ مثلاً متشبه بهنَّ,فالحديث يتناوله بلا شك.
__________________
قال علقمـةُ رضي الله عنهُ: كان العلمُ كريماً يتلاقاهُ الرجالُ بينهم , فلمَّـا دخلَ في الكتابِ دخل فيهِ غيرُ أهله ..!
حسابي في تويتر:@mkae2
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:25 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.