ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 01-10-13, 02:54 PM
أبو حبيب علي العزوني أبو حبيب علي العزوني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 51
افتراضي ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

البواكير...(1)

...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب
-1-
بقلم : سيد علي قورية


...كنت قد شرعت في تسويد
ورقاتألخص فيها أقاويل أهل التأويل في تفسير فاتحة التنزيل، رمت فيها الجمع بين مدرستي التفسير بالمأثور و التفسير بالرأي(المحمود) - مع عدم إغفال الكلام عن جملة من لطائف الإشارات و دقيق النكات- كل ذلك (على سبيل الاختصار و الاقتصار على أدنى المقدار ، فإن البسط مما يطول فيه المقام ، و يتطلب مجلدات كبار و مجالس كثار)[1]

كيف لا و موضوع
البحث أم القرآن و قد قال صاحب (التفسير الكبير)[2] :

( اعْلَمْ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى لِسَانِي فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الْكَرِيمَةَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ فَوَائِدِهَا وَنَفَائِسِهَاعَشَرَةُ آلَافِ مَسْأَلَةٍ، فَاسْتَبْعَدَ هَذَا بَعْضُ الْحُسَّادِ، وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْغَيِّ وَالْعِنَادِ، وَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى مَا أَلِفُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مِنَ التَّعَلُّقَاتِ الْفَارِغَةِ عَنِ الْمَعَانِي، وَالْكَلِمَاتِ الْخَالِيَةِ عَنْ تَحْقِيقِ الْمَعَاقِدِ وَالْمَبَانِي ) اه

أعود إلى ما كنا فيه فأقول :

كنت قد شرعت في رقم سطور هذا البحث ، و لكن قصور الهمة حال دون إتمامه ، و حقيقة هذا البحث أنه عبارة عن(
تقييداتليس لي فيها من عمل سوى : الجمع ثم الترتيب ثم التعبير ثم التلخيص)[3].

و ليس
تفسيرا فالمفسر محتاج إلى خمسة عشر علما ذكرها السيوطي[4] و غيره - لا أجيد منها علما واحدا (و أي سماء تظلني و أي أرض تقلني إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ) [5]

و قد استمددت مادة هذه
التقييدات من كتب التفسير ، و من أهم تلك الكتب :

1- (تفسير الطبري) – و هو أجلها و أكثرها نفعا و صاحبه سلفي العقيدة أثري الطريقة –
2- (النكت و العيون)للماوردي
3- (المحرر الوجيز) لابن عطية
4- )زاد المسير( لابن الجوزي
5- )مدارك التنزيل و حقائق التأويل( للنسفي
6- (روح المعاني) للألوسي
7- )محاسن التأويل( للقاسمي
8- ( تفسير المراغي )
9- ( التحرير و التنوير) لابن عاشور
10- ( أضواء البيان ) للشنقيطي
...و تفاسير أخرى – ستأتي الإشارة إلى بعضها -

...فأحببت أن أقتبس منه –أي البحث المشار إليه-آنفا- جملة من الفوائد(النفيسة)والإشارات(اللطيفة) و النكت(العزيزة)العقدية والسلوكية و اللغوية-، مع إتمام النقض الحاصل في الأصل [6]

فما سأذكره ليس تفسيرا للسورة،

و إنما ومضات
تعين على تدبرها
و تكشف عن بعض كنوزها
و تجلي بعض أسرارها
و تشير إلى شيء من إعجازها
و تطلع على بعض أسرار ترتيب كلماتها و آياتها
تظهر لقارئها بجلاء و تتبين من غير خفاء
تلك الحقيقة(المطلقة) المتمثلة في صدق هذه المعجزة الخالدة

{ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }

{ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}

{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}

...و ما سيأتي ذكره إنما هو قليل من كثير ، و قطرة من بحر ، و فيض من قيض ، فهذا باب طويل الذيل كثير النيل -...بل بحر لا ساحل له –

و لكنها إشارات ينتفع بها الفطن ، و يستدل بها على نظائرها ...
و الأمر كما قيل : ما لا يدرك جله لا يترك كله و (حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق)

و بين الزوايا خبايا ...! !

و الله الموفق وحده
(لا رب غيره ، و لا إله سواه)

[1] من باب الأمانة -و لكي لا أكون متشبعا بما لم أعط - ما بين هلالين تعبير كنت قرأته في بعض الكتب " قديما " و علق بالذاكرة – و منها أنقل – لا أتذكر قائله .

[2] " التفسير الكبير" للرازي 1/21
و صاحبه رجل زائغ العقيدة عنده طوام و بلايا...منها قوله في تفسيره 27/582 : "وَاعْلَمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَوْرَدَ اسْتِدْلَالَ أَصْحَابِنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَمَّاهُ «بِالتَّوْحِيدِ» ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كِتَابُ الشِّرْكِ " و لا يخفى على المنصف أن كتاب التوحيد لابن خزيمة يحوي على زبدة عقيدة أهل التوحيد و السنة .
و من أشنع ما نقل عنه أنه ألف رسالة في عبادة الكواكب و النجوم سماها السر المكتوم في مخاطبة الكواكب و النجوم انظر حول نسبة هذه الرسالة إليه: "مجموع الفتاوى" 13/180 ، 5/548 ، 6/254 ، 10/451 ، 13/181 "الدرر السنية "10/517-518 ،11/452 -453"سيرأعلام النبلاء "21/501 "كشف الظنون" 2/989

التأصيل لأصول التخريج و قواعد الجرح و التعديل لبكر بن عبد الله أبو زيد 1/11[3]

[4] انظر "الإتقان" ص 555-فما بعدها

[5] مقطع من أثر يروى عن أبي بكر – رضي الله عنه -

[6] كنت قد وصلت – في الأصل- إلى قوله تعالى ( إياك نعبد و إياك نستعين )

__________________
صفحتي على الفايسبوك :https://www.facebook.com/ali.djazaairi
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-10-13, 04:00 PM
أبو حبيب علي العزوني أبو حبيب علي العزوني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 51
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب
-2-

سورة الفاتحة:
مكيةويقال مدنية، وهي سبع آيات إلا أن المكي والكوفي عدّا التسمية آية دون أنعمت عليهم ومذهب المدني والبصري والشامي بالعكس

كلماتها :خمس وعشرون
حروفها : مائة وثلاثة وعشرون


قوله سبحانه
{الْحَمْد لِلَّهِ}

1- لما افتتح سبحانه كتابه بالبسملة و هي نوع من الحمد ناسب أن يردفها بالحمد الكلي الجامع لجميع أفراده – البالغ أقصى درجات الكمال - .

2- عبر في الآية بالحمد و لم يعبر بالمدح لأن الحمد غير المدح – عند الجمهور – للأمور الآتية :

أ‌- الحمد يختص بالثناء على الفعل الاختياري و لذوي العلم ، و المدح يكون في الاختياري و غيره لذوي العلم و غيرهم .

ب‌- الحمد يشترط صدوره عن علم لا ظن ، و المدح قد يكون عن ظن .

ت‌- الحمد يشترط فيه أن تكون الصفات المحمودة صفات كمال ، و المدح يكون على الصفة المستحسنة و إن كان فيها نقص ما .

ث‌- في الحمد من التعظيم و الفخامة ما ليس في المدح ، و هو أخص بالعقلاء و العظماء و أكثر ما يطلق على الله – جل و علا –

ج‌- الحمد إخبار عن محاسن الغير يتضمن الإنشاء-كما سيأتي - ، و المدح خبر محض .

ح‌- الحمد مأمور به مطلقا (ذكر بعضهم – الألوسي – حديثا : " من لم يحمد الناس لم يحمد الله"و لم أعثر عليه بهذا اللفظ ) و المدح ليس كذلك لحديث" احثوا في وجوه المداحين التراب " أخرجه أحمد و له طرق .

3- و الألف و اللام في الحمد لاستغراق جميع المحامد و في الحديث : "اللهم لك الحمد كله و لك الملك كله"أخرجه أحمد و غيره .
4
-
و اللام في لله للاستحقاق و للاختصاص .
5- و جملة {الْحَمْد لِلَّهِ} هل هي خبرية أم إنشائية ؟
قولان :

1/الأول :أنها خبر و اختلف القائلون بذلك إلى مذهبين:

1-1المذهب الأول : أنها خبر باق على الخبرية و لا إشعار فيه بالإنشائية .

· و أورد عليه بأن المتكلم لا يكون حامدا مع أن القصد أن يكون مثنيا و حامدا لله .

· و أجيب :

أ-بأن في ثبوت الخبر اعتراف بأنه موصوف بالجميل – و الحمد هو عين الوصف بالجميل – و يكفي أن يحصل الوصف .

ب- و أيضا : المخبر داخل في عموم خبره عند جمهور الأصوليين .

ت-و أيضا : كون المتكلم حامدا يحصل بالالتزام العرفي فاعترافه بحمد الناس و المخلوقات له يلزم منه أن يقتدي بهم .

*و يرد عليه : أن حمد المتكلم لا يكون مقصودا أصالة بل بالتبع مع أن المقام مقام حمد المتكلم لا غيره من الناس .

*و أجيب : بأن المعنى المطابقي قد يؤتى به لأجل المعنى الالتزامي لأنه وسيلة له . و منه قولهم طويل النجاد أي طويل القامة .

1-2 : المذهب الثاني : أنها خبر أريد منه الإنشاء مع اعتبارالخبرية كما يراد من الخبر إنشاء التحسر في مثل قوله تعالى إني وضعتها أنثى

2/ القول الثاني : أنها إنشاء محض لا إشعار له بالخبرية على أنها صيغة من الصيغ التي نقلتها العرب من الإخبار إلى إنشاء الثناء كما نقلت العرب صيغ العقود و أفعال المدح و الذم مع عدم إماتة المعنى الخبري في الاستعمال فقد تقول الحمد لله جوابا لمن سأل لمن الحمد ؟

6- و قوله {الْحَمْد لِلَّهِ} حمد سبحانه نفسه و أثنى عليها ثم علم ذلك عباده و فرض عليهم تلاوته اختبارا منه لهم و ابتلاء فقال لهم قولوا{الْحَمْد لِلَّهِ رب العالمين...} و دليل قولوا أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلمة و لم تشك أن سامعها يعرفها بما أظهرت من منطقها حذفت حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها لا سيما إذا كانت تلك الكلمة التي حذفت قولا أو تأويل قول .
و منه قول الشاعر :
و رأيت زوجك في الوغى***متقلدا سيفا و رمحا .
و منه أيضا قولهم للمسافر مصاحبا معافى يحذفون سر .
و ذلك لما علم من قوله إياك نعبد و إياك نستعين من معنى أمر عباده أغنت دلالة ما ظهر عليه من القول عن إبداء ما حذف .

و قد روي عن ابن عباس أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه و سلم : "قل يا محمد الحمد لله رب العالمين".


قوله
:{رب العالمين}
7
-يطلق
الربلغة على ثلاثة معان :

أ-السيد المطاع ب-الرجل المصلح للشيء ج- المالك .
و الرب -هنا- إما مصدر أو صفة مشبهة على وزن فعل – بسكون العين – من ربه يربه -بتشديد الباء – بمعنى رباه ، ويجوز أن يكون من ربه بمعنى ملكه – بفتح اللام و الكاف –

و قد قال بعضهم بأنه مشتق من ربه بمعنى رباه و ساسه لأنه لو حمل على معنى المالك لكان قوله تعالى بعد ذلك ملك يوم الدين كالتأكيد –و هو خلاف الأصل –قال : ( إلا أن يجاب بأن العالمينلا يشمل إلا عوالم الدنيا فيحتاج إلى بيان أنه ملك الآخرة كما أنه ملك الدنيا )

و الأظهر
أنه لا مانع من إرادة المعنيين معا و تكون الآية التي بعدها من قبيل عطف الخاص على العام لإفادة مزيد الاهتمام .

8-و الرب – بالألف و اللام – لا يقال إلا لله -عز و جل- و هو في غيره على التقييد بالإضافة -كرب الدار – و منه في التنزيل : "ارجع إلى ربك" "إنه ربي أحسن مثواي"

9-العالمين جمع عالم و العالمجمعلا واحد له من لفظه كالأنام و الرهط و الجيش و نحو ذلك .

10- و العالم اسم لأصناف الأمم ، و كل صنف منها عالم ، و أهل كل قرن من كل صنف عالم ذلك القرن و ذلك الزمان .
فالإنس عالم ، و كل أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان .
يشهد لهذا المعنى قول العجاج : فخندف هامة هذا العالم
فجعله عالم زمانه .

11- أل في العالمين للاستغراق -بقرينة المقام الخطابي – ( و ذلك أنه إذا لم يكن عهد خارجي و لم يكن للحمل على الحقيقة و لا على المعهود الذهني تمحض التعريف للاستغراق أفاده ابن عاشور في التحرير و التنوير 1/168 )

12- و أتي بصيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته لجميع الأجناس قال القاسمي : (و إيثار صيغة الجمع لبيان شمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس ،و التعريف لاستغراق كل منها بأسرها )

13- نكتة : العالم بنته العرب على وزن فاعل – بفتح العين – و هذا البناء مختص بالدلالة على الآلة غالبا كخاتم و قالب و طابع فجعلوا العوالم لكونها كالآلة للعلم بالخالق قال سبحانه إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب و الآية في اللغة العلامة .

14-لطيفة : جمعوه – أي العالم- جمع العقلاء مع أن منه ماليس بعاقل تغليبا للعاقل
__________________
صفحتي على الفايسبوك :https://www.facebook.com/ali.djazaairi
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-10-13, 11:41 PM
سعد أبو إسحاق سعد أبو إسحاق غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-10-05
المشاركات: 1,249
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

جزاكم الله خيرا درر جميلة
__________________
أبو إسحاق
خويدم ومحب القرءان الكريم والسنة الشريفة
عفا الله عنه وعن والديه والمسلمين أجمعين
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-10-13, 01:14 AM
أبو زيد العزوني أبو زيد العزوني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-10-10
الدولة: الجزائر
المشاركات: 1,443
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

فوائد ودرر...وفقكم المولى
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-10-13, 12:54 PM
أبو حبيب علي العزوني أبو حبيب علي العزوني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 51
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

إلى الأخوين الكريمين... "أبو إسحاق" و "أبو زيد" :
بارك الله فيكما و جزاكما الله خيرا .

__________________
صفحتي على الفايسبوك :https://www.facebook.com/ali.djazaairi
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-10-13, 01:06 PM
أبو حبيب علي العزوني أبو حبيب علي العزوني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-10-10
المشاركات: 51
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب
-3-
قوله {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

15-ليس في الإتيان بالرحيم بعد الرحمان تكرار لأن الرحمان هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق ، و الرحيم ذو الرحمة للمؤمنين.

و يشهد لهذا المعنى حديث أبي سعيد مرفوعا :(إن عيسى بن مريم قال : الرحمان رحمان الآخرة و الدنيا ، و الرحيم رحيم الآخرة )

قال الشنقيطي : ( وعلى هذا أكثر العلماء، وفِي كلام ابن جرير ما يفهم منه حِكَايَةُ الِاتِّفَاقِ عَلَى هَذَا، وَفِي تَفْسِيرِ بَعْضِ السَّلَفِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَهُ ابن كثير )

و مما يدل على أن الرحمان هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق:

أ‌- قوله سبحانه : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، فَذَكَرَ الِاسْتِوَاءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمَنُ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِرَحْمَتِهِ

ب‌- و قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) أَيْ: وَمِنْ رَحْمَانِيَّتِهِ: لُطْفُهُ بِالطَّيْرِ، وَإِمْسَاكُهُ إِيَّاهَا صَافَّاتٍ وَقَابِضَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ.

ت‌- وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ) إِلَى قَوْلِهِ: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)


ومما يدل على اختصاص الرحيم بالمؤمنين :

أ‌- قوله سبحانه : (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) فَخَصَّهُمْ بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ

ب‌- و قوله : ( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) فَإِنَّهُ جَاءَ فِيهِ بِالْبَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرَّحِمِ الْجَارَّةِ لِلضَّمِيرِ الْوَاقِعِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَتَوْبَتُهُ عَلَيْهِمْ رَحْمَةٌ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَتْ سَبَبَ رَحْمَةِ الْآخِرَةِ أَيْضًا.

(تنبيه :اختلفوا هل الرحمن والرحيم مشتقان من رحمة واحدةٍ؟أم أنهما مشتقان من رحمتين؟
و اختلف أصحاب القول الثاني إلى ثلاثة أقوال:
الأول : ما ذكرناه .
و الثاني: أن الرحمن مشتق من رحمة الله تعالى لأهل الدنيا والآخرة , والرحيم مشتق من رحمتِهِ لأهل الدنيا دُون الآخرة.
والقول الثالث: أن الرحمن مشتق من الرحمة التي يختص الله تعالى بها دون عباده , والرحيم مشتق من الرحمة التي يوجد في العباد مثلُها
...فهذه أربعة أقوال
انظرالنكت و العيون للماوردي 1/53 )


16-زعم بعضهم أن الرحمان الرحيم من المؤخر الذي حقه التقديم ،
فكأن الكلام الحمد لله الرحمان الرحيم رب العالمين ملك يوم الدين

فقالوا : أن قوله ملك يوم الدين تعليم من الله عبده أن يصفه بالمُلْك في قراءة من قرأ ملِك، وبالمِلْك في قراءة من قرأ " مالك ".

قالوا: فالذي هو أولى أن يكونَ مجاورَ وصفه بالمُلْك(أو المِلْك)، ما كان نظيرَ ذلك من الوصف؛ وذلك هو قوله: "ربّ العالمين"- الذي هو خبر عن مِلْكه جميع أجناس الخلق-

وأن يكون مجاورَ وصفه بالعظمة والألُوهة ما كان له نظيرًا في المعنى من الثناء عليه، وذلك قوله: (الرحمن الرحيم ) .

و قالوا : أن لذلك نظائر في لغة العرب من ذلك قول جرير بن عطية:
طَافَ الخَيَالُ - وأَيْنَ مِنْكَ - لِمَامَا ... فَارْجِعْ لزَوْرِكَ بالسَّلام سَلاما
بمعنى طاف الخيال لمامًا، وأين هو منك؟

و في التنزيل : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا) بمعنى : الحمدُ لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيِّمًا ولم يجعل له عوجًا.

17- و استدلوا بهذا الفهم على كون البسملة ليست بآية من فاتحة الكتابإذ لو كانت آية بمعنى واحد و لفظ واحد مرتين من غير فصل يفصل بينهما ، و غير موجود في شيء من كتاب الله آيتان متجاورتان مكررتان بلفظ واحد حكاه الطبري .

قال النسفي - في تفسير قوله الرحمان الرحيم- : ذكرهما قد مر وهو دليل على أن التسمية ليست من الفاتحة إذ لو كانت منها لما أعادهما لخلو الإعادة عن الإفادة

18- و في هذا الاستدلال نظر ، قال الألوسي :واستدل بعض ساداتنا بتكرارهما على أن البسملة ليست آية من الفاتحة وليس بالقوي لأن التكرار لفائدة، فذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عز شأنه، وذكرهما هنا تعليل لاستحقاقه تعالى الحمد
(تنبيه : قال صاحب تفسير المنار : إِنَّنِيلَاأَرَى وَجْهًا لِلْبَحْثِ فِي عَدِّ ذِكْرِ " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ تَكْرَارًا أَوْ إِعَادَةً مُطْلَقًا )

19- ذكر بعضهم لطيفة و نكتة في تكرار التقدير كأنه قيل له – أي العبد -: ...اذكر أني إله وربمرة واحدة
... واذكر أني رحمن رحيممرتين
... لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور
...ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال:
...لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين
... ونظيره قوله تعالى: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ

20- تكلم المفسرون على حكمة تأخيرالوصف بالرحمة - الرحمان الرحيم- على الوصف بالربوبية -رب العالمين- فذكورا نكاتا منها :

أ-إرداف الترهيب بالترغيب ، قال القرطبي :
لَمَّا كَانَ فِي اتِّصَافِهِ بِ" رَبِّ الْعالَمِينَ" تَرْهِيبٌ قَرَنَهُ بِ" الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"، لِمَا تَضَمَّنَ مِنَ التَّرْغِيبِ، لِيَجْمَعَ فِي صِفَاتِهِ بَيْنَ الرَّهْبَةِ مِنْهُ، وَالرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ أَعْوَنَ عَلَى طَاعَتِهِ ..
الجامع لأحكام القرآن 1/139

ب-الإيذان بتفضله -سبحانه- على العالمين بالتربية ، قال أبو السعود :
{الرحمن الرحيم} صفتان لله فإن أريد بما فيهما من الرحمة ما يختص بالعقلاء من العالمين أو ما يَفيضُ على الكل بعد الخروج إلى طوْر الوجودِ من النعم فوجهُ تأخيرِهما عن وصف الربوبية ظاهرٌ وإنْ أُريدَ ما يعمّ الكلَّ في الأطوار كلِّها حسبما في قوله تعالى وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فوجهُ الترتيب أن التربية لا تقتضي المقارنة للرحمة فإيرادُهما في عقبها للإيذان بأنه تعالى متفضلٌ فيها فاعلٌ بقضية رحمتِه السابقةِ من غير وجوبٍ عليه وبأنها واقعةٌ على أحسنِ ما يكون
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 1/15
و قال في حكمة الاقتصار على نعته تعالى بهما في البسملة :
والاقتصارُ على نعته تعالى بهما في التسمية لما أنه الأنسبُ بحال المتبرِّك المستعين باسمه الجليل والأوفقُ لمقاصده1/15

ج-بيان أن ربوبيته –جل جلاله-ربوبية رحمة ، قال المراغي:
وقد ذكر سبحانه هذين الوصفين ليبين لعباده أن ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان، ليقبلوا على عمل ما يرضيه وهم مطمئنو النفوس منشر حو الصدور، لا ربوبية جبروت وقهر لهم
تفسير المراغي 1/31 و انظر تفسير المنار 1/43

د-بيان أن تربيته -سبحانه- للعالمين ليست لحاجة به إليهم و إنما لعموم رحمته ، قال في تفسير المنار :
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُمَا وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي إِعَادَتِهِمَا، وَالنُّكْتَةُ فِيهَا ظَاهِرَةٌ وَهِيَ أَنَّ تَرْبِيَتَهُ تَعَالَى لِلْعَالَمِينَ لَيْسَتْ لِحَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِمْ كَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعِ مَضَرَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ وَشُمُولِ إِحْسَانِه1/43
ِ
· و قدم الوصف بالربوبية للتنبيه على أصل النشأة ، قال ابن عرفة :
قدم أولا الوصف برَبّ العَالمِينَ تنبيها على أصل النشأة، وأنه هو الخالق المبدئ، ثم ثنى بحال الإنسان في الدّنيا من النعم والإحسان، فلولا رحمة الله تعالى لما كان ذلك 1/98
21- قد يقال : إن الوصف بالربوبية يقتضي الوصف بالرحمة لأنها-أي الربوبية- إبلاغ الشيء إلى كماله شيئا فشيئا و ذلك يجمع النعم كلها فلماذا احتيج إلى ذكر كونه رحمانا ؟

فالجواب : أن ذكر الرحمة فيه تنبيه على أن ذلك الإبلاغ )إلى الكمال( لم يكن على وجه الإعنات بل كان برعاية ما يناسب كل نوع و فرد و يلائم طوقه و استعداده قاله ابن عاشور .
__________________
صفحتي على الفايسبوك :https://www.facebook.com/ali.djazaairi
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 02-09-16, 05:40 PM
أبو عمر المكي الفهيدي أبو عمر المكي الفهيدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-01-09
المشاركات: 81
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

أين التتمة؟؟
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18-09-16, 11:52 AM
ابو انس السلفى صعيدى ابو انس السلفى صعيدى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-04-13
المشاركات: 653
افتراضي رد: ...من أسرار و لطائف فاتحة الكتاب

بارك الله فيكم درر طيبه نفع الله بكم
__________________
بالله عليكم لاتنسوا العبد الفقير من الدعاء
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:18 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.