ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 20-06-10, 10:27 AM
خالد مبارك عريج خالد مبارك عريج غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-10-09
المشاركات: 56
افتراضي (نظرات في الأعماق


(نظرات في الأعماق)








الحمد للذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم, الحمد لمن جعل من أعظم صفات عباده الأبرار التفكر و التدبر فقال جل من قائل( إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار), و أصلي و أسلم على أعظم المتدبرين و المتفكرين و الذي كان التفكر سمة له حتى قبل البعثة فكان يذهب إلى غار حراء الليالي ذوات العدد متفكرا في ملكوت الله معتبرا , فصلى الله على خير من وطئ الأرض و خير من أقلت السماء محمد بن عبدالله و على اله و صحابته أجمعين و بعد:
فإن من أعظم ما تميز به بنو الإنس عن غيرهم من المخلوقات هو أن وهبهم الله تعالى هذا العقل , و الذي هو مناط التكليف في كثير من العبادات إن لم يكن كلها بل قد ثبت عند أصحاب السنن قوله صلى الله عليه و سلم( رفع القلم عن ثلاث: المجنون حتى يفيق , و النائم حتى يستيقظ,و الصغير حتى يبلغ) و في نظرة تحليلية لهذا الحديث نرى أن المدار فيها كلها على وجود العقل و اعتباره مناطا عظيما للتكليف فالمجنون الذي فقد عقله بالكلية لا يحاسبه الله تعالى لفقدانه مناط التكليف ,و مثله النائم و الذي فقد عقله فقدا مؤقتا فإن الله عز و جل لا يؤاخذه بما حصل منه أثناء النوم , و كذلك الصغير و الذي لم ينضج عقله النضج الكامل فيفهم مقاصد التشريع و ينقاد إليها انقيادا كاملا فهو مرفوع القلم عنه أيضا بغض النظر عن بعض التفصيلات و الذي يذكرها الفقهاء في التفريق بين حقوق الله و حقوق العباد , و لكن هذا من باب العموم , فنرى في الحديث رفع القلم عن حالات ضعف العقل الثلاثة و هي إما فقده بالكلية كالمجنون , أو فقده مؤقتا كالنائم , أو نقصه كالصغير. و اختلف العلماء في المغمى عليه هل يلحق بالنائم أم بالمجنون في مسألة فرعوا عليها بعض المسائل.
و لما كان العقل هو النقطة الفارقة بين الإنسان و غيره من الكائنات , كان لزاما على الإنسان أن يستخدم هذا العقل استخداما سليما فيما خلقه الله له و ألا يضرب هذا العقل بأي ضرر, فحرم الإسلام الخمر و كل المسكرات و المخدرات لما فيها من الضرر على العقل , و ذلك لأن حفظ العقل من الضروريات الخمس و التي أجمعت الشرائع السماوية على وجوب حفظها.
و من الأمور التي تفتق عقل الإنسان و تزيده يقينا و إيمان بالله تعالى هو التفكر و التدبر , و الفكر هو إعمال العقل في الشئ بأن تعرض أمامك مسألة أو قضية فتعمل عقلك فيها بحثا و استنتاجا فتخلص إلى النتيجة و التي تزيد إيمانك بالقضية المفكر فيها على الوجه الذي فكرت فيها به.
و من هذا الباب كان هذا الكتاب فهو إعمال لهذا العقل و الذي تحتويه جمجمتي _ و إن كان هناك من الفضلاء من قال أن العقل محله القلب لكن لا ثمرة في الخلاف _ في بعض المقتطفات التي قد تكون قرآنية بعض الأحيان و قد تكون من بحر المصطفى اغترافي لها , أو من بحار الصحابة أو السلف أو العلماء و الأدباء و الشعراء و غيرهم . و الحكمة أن نضئ إضاءات قد يكون هناك من أضاءها قبلنا و قد نكون نحن السابقون لها و لكن الهدف هو التدبر و التفكر..
كتبه: خالد مبارك عريج
خميس مشيط 8/7/1430هـ



النظرة الأولى
(يا أيها الناس)
قال تعالى( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم و الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
هذه الاية في سورة البقرة و هي في الترتيب العثماني للمصحف تقع ثانية بعد سورة الفاتحة,و سورة البقرة جلها مدنية إن لم يكن كلها , لأن القول بأن بعض السورة مدني و بعضها مكي اعترض عليه فضيلة الإمام ابن العثيمين رحمه الله تعالى , و قال إن هذا يحتاج لنص صريح في ذلك.
هذه الاية ذكرها الله تعالى بعد أن ذكر أقسام الناس من مؤمن و كافر و منافق و ضرب الامثال النارية و المائية على حد تعبير المفسر ابن كثير في ذكر حال المنافقين .
يبتدئ الله تعالى الاية بحرف النداء (يا) و ما أعظم هذا الأسلوب في شد أذهان السامعين و في لفت أنظارهم , لأن المنادي هو الله تعالى و هو ملك الملوك , و المنادى بفتح الدال هم الناس فحق لهؤلاء الناس أن يرعوا أسماعهم لما سوف يذكره الله تعالى.
(يا أيها الناس) : نداء للبشرية كلها مؤمنها و كافرها * برها و فاجرها. فالناس هم كل من كان من نسل ادم عليه السلام من أي جنس كان . يناديهم الله تعالى في أول نداء عند تقليبك لأوراق المصحف في سورة البقرة * نداء للعبودية و التي خلق الله تعالى الكون هذا و خلق الجن و الإنس لأجلها قال تعالى( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) فلما كان الهدف من خلق الجن و الإنس هو العبودية ناسب أن يكون أول نداء في ورقات المصحف هو بالأمر بالعبودية.
و انظر إلى عموم النداء (يا أيها الناس) فلم يقل ( يا أيها الذين امنوا ) و لست هنا مرجحا ترجيحا مطلقا قول من قال بأن الخطاب ب (يا أيها الناس) هو خطاب مكي بحت , و أما الخطاب ب (يا أيها الذين امنوا) خطاب مدني بحت , قد يقال أن هذا هو الغالب , لكن ليست قاعدة مطردة, و أولها هذه السورة المدنية و غيرها كثير..
لكن العبرة بالنداء العام لجميع الناس مؤمنهم و كافرهم , و ذلك بأن المؤمن يحرضه هذا النداء على زيادة العبودية و التقوى و عدم تزكية النفس , و التعود على تلقي الأوامر الربانية بالسمع و الطاعة , و عدم الترفع عليها , و أما الكافر فهو نداء له بأن يترك عبادة غير الله و يعبد الله وحده الذي لا شريك له.
فانظر إلى التناسق بين الحكمة من خلق الخلق( و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون) و الأمر الأول في المصحف ( اعبدوا).
ثم لندلف إلى كلمة (اعبدوا ) و هي فعل أمر مجردة عن القرينة فتدل على الوجوب عند الأصوليين و ذكروا _ استطرادا _ بعض الصيغ الأخرى الدالة على الأمر فمنها الفعل المضارع المقارن للام الأمر كقوله تعالى( و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا) و منها الفعل المضارع الدال على الأمر كقوله تعالى( و المطلقات يتربصن بأنفسهن) و منها المصدر الثلاثة كقوله تعالى( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) و منها كلمة عليكم * كقوله تعالى( يا أيها الذين امنوا عليكم أنفسكم).
و صيغة الأمر إذا كان من عال إلى من هو دونه كان هذا للأمر المطلق كقول الله تعالى(اعبدوا) و إذا كان من شخص إلى من هو مثله كان هذا التماس أو طلب كقول فلان لفلان ( اذهب * ارجع) و إذا كان من هو دون لمن هو أعلى منه كقول الداعي ( ربنا اغفر لنا) كان هذا دعاءا.
فالعبودية هي أعظم ما يفتخر به الشخص . و تجد في كل إنسان ميل للعبودية حتى لو كانت ضلالا كعبادة غير الله تعالى , و لكن المسلم الحق صرفها لله تعالى .
و قد وصف الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم بهذا الوصف دليل على عظم هذه المنزلة فقال تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده) .
و العبودية نقسمها لقسمين : الأول الذي يتكلم عنه علماء العقائد, و الثاني الذي يتكلم عنه علماء الفقه.
فأما الذي يتكلم عنه علماء العقائد و هو المقصود هنا فينقسم إلى قسمين :
الأول عبودية عامة : و هي العبودية القدرية و التي يقع تحت ظلالها جميع الناس مؤمنهم و كافرهم , و هي تستلزم أن جميع الناس داخلون في ملك الله تعالى و هو المتصرف فيهم و لا يخرجون عن سلطانه طرفة عين . و هي التي قال الله فيها( إن كل من في السماوات و الأرض إلا آتي الرحمن عبدا)
و الثاني : عبودية خاصة : و تنقسم إلى قسمين:
الأول : عبودية خير المرسلين محمد بن عبدالله و فيها قال الله تعالى( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا)
و الثاني: عبودية باقي المؤمنين و فيها قال الله تعالى(و عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا )
و أما العبودية و التي يتكلم عنها علماء الفقه فهي عجز حكمي سببه الكفر , و هو ضد الحرية و ينقسم العبيد إلى أقسام: , فمنهم القن و هو العبد الكامل, و منهم المبعض الذي نصفه عبد و نصفه حر, و منهم المكاتب الذي كاتب سيده على مال يدفعه إليه مقسطا حتى يعتقه, و منهم المعلق الذي علق عتقه على عمل ما ,و منهم أم الولد التي وطئها سيدها و أتت بولد فمتى مات أصبحت حرة ,و منهم المدبر الذي علق عتقه على موت سيده.
فنداء الله تعالى هنا للناس كلهم بأعظم أمر بعث الله الرسل لأجله فقال في سورة النحل( و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت)
و هنا وقفة : و هي البدء في أمور الدعوة بالأهم فالأهم , و ما حديث معاذ عندما بعثه النبي صلى الله عليه و سلم لأهل اليمن إلا دليل على هذا الأمر , فقوم مشركون لا يسوغ لنا أن نبدأ في دعوتهم بأمور الصلاة و الزكاة و الحج و الصيام قبل أن نبدأ بدعوتهم لتوحيد الله عز و جل و نبذ كل ما يعبد من دونه ( و هو الكفر بالطاغوت) و الذي بدأ بعض كتاب بني علمان في نفيه كابن بجاد و غيرهم _ هداهم الله و أراح المسلمين من شرورهم_ .
(اعبدوا ربكم الذي خلقكم): كما هو معلوم أن الخطاب هنا للناس أجمعين فانظر يا رعاك الله إلى روعة الخطاب هنا _ فالله عز و جل يأمر الناس بعبادة ربهم _ و كما هو معلوم أنه لم يعلم أحد ينكر أن الله عز و جل هو الرب الخالق الرازق من الأقوام إلا بعض من طمس الله على بصيرته كفرعون الذي امن و لات حين مناص و بعض الملاحدة , و لكن هؤلاء في قرارة أنفسهم مؤمنون بالله تعالى كما قال تعالى( و جحدوا بها و استيقنتها أنفسهم ظلما و علوا) فلما كان الناس مؤمنين بهذا الرب الخالق الرازق و هو _ توحيد الربوبية_ فإن الله عز و جل ذكر كلمة( ربكم) لأن كل الناس كما ذكرنا قد امنوا بربوبية الرب سبحانه فلا مناص إذا من الانتباه لهذا النداء الرباني.
و انظر إلى الضمير التالي (ربكم) فلعل هذا يدل على ما أسلفنا أن كل البشرية مؤمنون بهذا الرب فكان هذا الضمير دليلا على هذا, و لكن انظر إلى فعل الأمر الذي سبقه (اعبدوا ) فهذا دعوة لتوحيد الإلهية).
و لعل في هذا دليل على مخاطبة الناس على وفق ما يدركون أو يتصورون و كلنا نعلم مقولة ابن مسعود: إنك لن تحدث الناس حديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم) فالخطاب للناس كان استنادا على ما فطره الله تعالى في العباد من معرف ربهم و خالقهم و رازقهم( و لئن سألتهم من خلق السماوات و الأرض ليقولن الله).
و اذكر أن بعض الشباب الملتزمين جزاه الله خيرا * أراد أن يهدي لرجل شريطا و كان هذا الرجل فيه بادرة إيمان فأهداه شريطا عن أضرار الزنا * فرحماك ربي من بعض الإجتهادات الخاطئة و لا يعزب عنا قول القائل:
البس لكل حالة لبوسها إما نعيمها و إما بؤسها
و كذلك من الأمثلة ما يقوم به بعض أئمة المساجد من قراءة كتب ثقيلة على المأمومين كقراءة بعض الكتب التي تتكلم في تفاصيل القدر و غيرها * و هذا مخالف لما عليه أئمة الإسلام.
و يذكر أن سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز أرسل رسالة استنكارية لأحد الإخوان الذين كان لهم برنامجا في الإذاعة و كان عنوان البرنامج(تعلم و اسأل) و طريقة البرنامج أنه يعرض المسألة الفقهية جائلا بها بين كتب المذاهب الأربعة دون ترجيح. فأرسل له ابن باز مناصحا بأن هذا يلزم منه تفرق العامة و الخلط عليهم و أوصاه بإتباع الدليل من الكتاب و السنة دون الخوض في غمار كتب المذاهب.
(الذي خلقكم) : بعد أن أمر الله تعالى الناس بعبادة الله عز و جل و هو الرب جل و علا, ذكر الله عز و جل بعض صفاته و التي يعتقدها هؤلاء المشركون ألا و هي الخلق , قال تعالى( و لئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله).
قاعدة: من لا يخلق لا يستحق أن يعبد,. و إليك ما قاله الله تعالى في سورة الأحقاف( قل أرئيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض) أي يا كفار قريش :أما و قد عبدتم هذه الأصنام التي لا تضر و لا تنفع فأروني ماذا خلقت هذه الأصنام , فإن من لا يخلق لا يستحق أن يعبد من دون الله.
و الخلق أقسام فمن معانيه الإبتداء : أي أن يوجد شئ ليس بموجود أصلا و هذا لا يستطيع أحج من الناس فعله فهو خاص بالله فهو الذي أوجد الناس من العدم و خلق كل المخلوقات و لم تكن شيئا مذكورا.
و أما المعنى الثاني فهو التحويل: أي أن تحول المادة من شكل إلى شكل, فهذا الخشب تستطيع أن تصنع منه بابا أو كرسيا أو غير ذلك , فهذه قد تطلق على المخلوقين , و قد يحمل عليها قوله تعالى( تبارك الله أحسن الخالقين) و إن عارض بعض العلماء في ذلك فالمسألة اجتهادية.
أما سمعتم قول الله تعالى( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم* الذي خلقك فسواك فعدلك) فمن خلقك و سواك و عدلك ألا يستحق أن تعبده وحده, فحق لأصحاب العقول الصافية ن يدركوا مثل هذه الحكم و العظات.
( و الذين من قبلكم): أي أن الله هو الذين من قبلكم من الأقوام السابقة,
و لعل ابتداء الله عز و جل بالتذكير بأنه خلق المخاطبين قبل خلق الأمم السابقة ابتداء بالحاضر قبل الغائب فهم ينظرون أنفسهم التي بين جنبيهم فاعتبارهم بها أقوى ثم أردفها الله تعالى بخلق الأمم السابقة ثم السماوات و الأرض.
(لعلكم تتقون):
اختلفوا في لعل هنا , فأصلها كما قال أئمة اللغة هي الترجي و الطمع و التوقع و الإشفاق و هذا مستحيل على الله تعالى فاختلفت عبارات المفسرين على قولين مشهورين:
منها أنه لما كانت المخاطبة للبشر كان بمنزلة قوله لهم : افعلوا ذلك على الرجاء منكم و الطمع و بهذا قال سيبوية.
و ما رجحه ابن القيم و ابن عثيمين رحمهما الله أن لعل في القران في حق الله لا تأتي للترجي و إنما هي للسببية فيكون المعنى ( افعلوا ذلك فهو سبب لتقواكم.)و هذا أقوى.
فالتقوى هي المناط الذي يرجى تحقيقه من العبادة .
و للتقوى تعريفات مشهورة منها ما قاله الشاعر ابن المعتز:
خل الذنوب صغيرها و كبيرها ذاك التقى و كن كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى.
.اهـ.























النظرة الثانية
قال تعالى(و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)
كانت هذه الاية الكريمة بعد ذكر ايات الصيام و أحكامه, و لعل هذا يدل دلالة واضحة على تعلق شهر الصيام بالدعاء و الانطراح بين يدي خالق الأرض و السماوات , فإن العبد لما حرم نفسه من ملاذها كأكل و شرب و جماع حقيق به أن يقرع باب ربه بالدعاء بنوعيه مسألة أم عبادة و كلاهما عبادة, لكي ينهل من معين الإيمان الذي من نهل منه فاز بالحسنى..
كل العبادات التي يقوم بها العبد لا يجوز له إطلاقا أن ينسب الفضل لنفسه فيها, فإنه لو فعل ذلك لحبط عمله و لابتلي بالنكوص على الأعقاب..
بل عليه أن يعلم علما جازما أن الله عز و جل هو المتفضل بهذه النعمة عليه, و أن تفضل الله عليه بهذه العبادة نعمة تستحق أن تشكر, و من هذه العبادات الصيام , بل هو من أجلها, لأن الله عز و جل قال في الحديث القدسي( كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به) و اختلف المؤولون في تأويل هذا الحديث على أقوال لعل أنقاها ما ذكره الشيخ الشعراوي رحمه الله من أن الصيام عبادة لم يعبد بها أحد غير الله تعالى فكان هذا دليلا على أن الصوم له كله..
و في نهاية الاية التي قبل هذه الاية قال تعالى(و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون) فالتكبير عبادة باللسان و الشكر عبادة باللسان و القلب و الجوارح, و كلاهما من أقل ما يفعل العبد بعد أداءه للصيام , فالتكبير تعظيم لله الذي من عليك بنعمة الصيام’ و الشكر شكر له على إكمال نعمة الصيام:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي و لساني و الضمير المحجبا
و بعدها يأتي دور الدعاء و إعلام الله للناس بقربه منهم و استجابته لدعواتهم , فعليهم بعد أداء ركن الصيام أن يدعو الله دعاء عبادة شكرا له على إتمام الصيام, و دعاء مسألة بأن يتقبل منهم هذا الركن, و أن يبلغهم صياما آخر..
*كثير من ايات القران تستفتح بقوله تعالى( يسألونك) فمنها (عن الأنفال) (عن المحيض)(عن الأهلة) ( عن الشهر الحرام) (عن الخمر و الميسر)(ماذا ينفقون) و غالب هذه الآيات إن لم يكن كلها تعقب بقوله تعالى(قل) فمنها(قل الأنفال)( قل هو أذى)(قل قتال فيه)(قل فيهما إثم كثير)(قل ما أنفقتم من خير) ..

و لكن في هذه الاية أمران:
1: أنه ذكر فعل السؤال بالفعل الماضي و بالجملة الشرطية..
2: أنه لم يقل بعدها(قل) و لكن قال (فإني قريب )..
و لعل إيراد الجملة الشرطية و الفعل الماضي دليل على تحقق المشروط عند وجود الشرط مباشرة , فيدل على أن الله يحقق مطلوب الإنسان و يستجيب دعوته عند دعوته مباشرة...
و أما عدم قوله تعالى(قل) فلعل هذا يدل على أن الدعاء من الأمور التي تربط العبد بربه مباشرة فلم يذكر الله واسطة بينه و بين العبد..
*و قوله تعالى(عبادي) دليل على أن الله يتلطف مع عباده بناديهم بأحب الأسماء عندهم, فأفضل ما يتمناه العارفون و يشمر له المشمرون ان تطلق عليهم كلمة(عبد)..
*الله قريب من عباده , و لعل سبب نزول الاية دليل على هذا , فإن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه و سلم(هل ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه) فنزلت هذه الاية..
و هذا القرب من كمال ربوبيته عز و جل فالعلماء يقولون(ربنا قريب في علوه, علي في دنوه), و لا يتبادر إلى الأذهان قول الحلولية أو الوجودية من أن الله حال في خلقه أو أنه هو كل المخلوقات, بل هذا الكفر الصراح, و الفرق بين الحلولية و الوجودية أن أهل الحلول يقولون بالانفصال بين الخالق و المخلوق لكن الله تعالى عن قولهم حل في مخلوقاته, و أما أهل وحدة الوجود فيقولون أن كل الموجودات هي الله و لا يرون بالانفصال بين الخالق و الخلق, و هذه الفرقة من أكفر أهل الأرض و يتولى كبرهم ابن عربي و ابن الفارض و ابن سبعين و التلمساني و غيرهم..
*و لأن الله قريب من عباده فهو يجيب دعواتهم إذا دعوه , و لكن هذه الاية مخصصة بقوله تعالى( فيكشف ما تدعون إليه إن شاء) فإجابة الدعوة معلقة بالمشيئة و لكن العبد لن يعدم من هذه الدعوة خيرا, فإنه في عبادة أولا لأن الدعاء هو العبادة في حديث صحيح , و مخ العبادة في حديث اختلفوا فيه, و ثانيا : إما أن تجاب دعوته , و إما أن يصرف عنه شر منها, و إما أن تدخر له يوم القيامة...
*لعل في قوله تعالى(فإني قريب) ثم (أجيب دعوة الداع إذا دعان) دليل على أن الإنسان عليه أن يبدأ في دعاءه بالثناء على الله تعالى , فالله عز و جل قبل أن يذكر أنه يجيب دعوة الداعي , أخبر أنه قريب و هذه صفة مدح له تعالى, فعلى هذا قبل أن يدعو الإنسان ربه الأولى له أن يبدأ بذكر محامده تعالى و هذا معروف من أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم(اللهم فاطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة أن تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني....).
* أمر الله تعالى أن يستجيب له عباده بأن يدعوه و يعبدوه و يؤمنوا به تعالى..
*و لفظة(فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي) هي من صيغ الأمر عند الأصوليين).
*قوله تعالى(لعلهم يرشدون) لعل هنا سببية فسبب الرشاد هو الاستجابة لله و الإيمان به..
* و لعل مما يؤكد على الصلة الوطيدة بين الصيام و الدعاء أنه و بعد هذه الاية رجع السياق إلى ايات الصيام فقال تعالى(أحل لكم ليلة الصيام...)
*لعل هذه الاية كانت فاصلا رائعا تدل على أنه ينبغي للعبد أن يقصد بجميع عباداته وجه الله و ألا ينسى من التوجه إلى ربه بقلبه و قالبه , و ألا تلهيه مسائل الفقه_مع أهميتها_ عن عبادات القلوب, و ذلك لأنه في الآيات السابقة قبل هذه الاية ذكر الله تعالى فضل رمضان و الصيام و أحكام الرخص في الصيام كالسفر و المرض و كفارة ذلك, ثم بعد هذه الاية ذكر المفطرات التي تفطر الصائم من جماع و أكل و شرب, و وقت الإمساك و وقت الإفطار, فتنبه..

10/1/1431
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:05 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.