ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 10-10-11, 02:23 AM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ ابو عبد الباري
لي وقفات على كلامك:

الوقفة الاولى: قولكم ان الإستدلال في القصة إنما هي عموم الإذن في المكفرات فجواب المانعون من وجهين:
الوجه الاول: أن حديث الحجاج من طريق معمر عن ثابت عن أنس, وصحة هذا الإسناد من مواضع النزاع بين أهل الحديث لما في رواية معمر عن ثابت من الكلام. وقد أخرج البخاري تعليقًا حديثًا واحدًا من رواية معمر عن ثابت عن أنس. قال ابن المديني: (في أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب ومنكرة. وذكر أنها أحاديث أبان بن أبي عياش).
وقال العقيلي : (أنكرهم رواية عن ثابت: معمر).
وذكر ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قال: (حديث معمر عن ثابت مضطرب كثير الأوهام).

الوجه الثاني: ولو سلموا صحة هذا الحديث, فاستدلال المجيزون بهذا الحديث يكون بالعموم ودلالة العام على كل فرد بخصوصه ظنية على الراجح لاحتماله للتخصيص, وقد ورد التخصيص وهو عدم إذنه للمكفرات للضرورة او غيرها إلا حالة الإكراه في الظاهر. ومما يخصص عموم هذا الحديث حديث عمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأبيه ياسر وأمه وهم يعذبون فقال: صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. فلم يرخص لهم في إظهار الكفر وهم مكرهون وكان قبل نزول أية الإكراه, فاستثنى الله حالة الإكراه, ومفهوم الإستثناء دال على عدم جواز إرتكاب المكفر لغير الإكراه. فيخصص المانعون العموم في حديث الحجاج بدليل الخطاب لأن المفهوم في الأية دال على عدم جواز إرتكاب المكفر بخصوصه والعموم الإذن في حديث الحجاج يدل على جواز إرتكاب المكفر في جملة أفراده والأول أقوى على ذلك الفرد من الثاني. وهو الواضح فتحصل من حديث الحجاج أنه أذن لحجاج كل شيء إلا المكفر.
تنبيه : وقد ورد عن رسول الله تشديد الإنكار على إرتكاب المكفر ولو على الإكراه منها حديث أبي درداء أن رسول الله قال: لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت أو حرقت. رواه ابن ماجه (4034)

الوقفة الثانية: قولكم أن نفي الكفر عن فعل الحجاج لا يصح بل أظهر الفرح والسرور بهزيمة المسلمين وانتصار الكفار عليهم وأن هذا كفر.
فجواب المانعون بالمنع وذلك أن غاية ما في الحديث أنه كذب وقال لإمرأته اجمعي ما كان عندك فإني اريد ان اشتري من غنائم محمد وأصحابه فإنهم قد استبحوا وأصيبت أموالهم, و هذا كذب والحرب خدعة, وليس في الحديث أنه اظهر الفرح والسرور وإنما المشركون هم الذين اظهروا الفرح والسرور

الوقفة الثالثة. قولكم أن الإضرار عذر في ترك الهجرة بدليل قوله إلا المستضعفين من الرجال والنساء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فمردود عند المانعين وذلك أن الله عذر من لا يستطيع الهجرة, ولا تكليف مع عدم الإستطاعة, وليس في الإستثناء أنهم مضطرون في بقاء البلد وإنما الإستثناء عدم الإستطاعة كما لا يخفى.
أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه قال: الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي انفسهم إلى قوله وساءت مصير قال: كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا مع قومهم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت هذه الأية إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان, فعذر الله أهل العذر منهم وهلك من لا عذر له قال ابن عباس: كنت انا وأمي ممن كان له عذر.
واخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله لا يستطيعون حيلة قال نهوضاً إلى المدينة ولا يهتدون سبيلاً طريقاً إلى المدينة. قلت: وهذه صفات من لا يستطيع الهجرة اصلا, وليس من هو مضطر إلى بقاء البلد.

الوقفة الرابعة: قولكم أن المنع على أصله إل ما استثني بوجه شرعي من نص وقياس وأن القياس يخصص به العام ويقيد به المطلق فمسلم عند المانعين, ولكن على المانعين إيضاح الفرق البين بين الإضطرار والإكراه وعدم القياس الإضطرار على الإكراه. وعلى المجيزون جواب الإعتراضات والقوادح. ومما يستشهد من اقوال أهل العلم قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/470)" إنّ المحرمات منها ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئاً لضرورة ولا غير ضرورة، كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وان تقولوا على الله مالا تعلمون}، فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع، وبتحريمها بعث الله جميع الرسل، ولم يبح منها شيئاً ولا في حال من الأحول، ولهذه أنزلت في هذه السورة المكية) اهـ.
وقال أيضاً: (وما هو محرم على كل أحد في كل حال لا يباح منه شيء، وهو: الفواحش، والظلم، والشرك، والقول على الله بلا علم"
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - بعد أن ذكر نواقض الإسلام العشرة: (ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، والخائف إلا المكره)
قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه في هداية الطريق رسالة الدفاع عن أهل السنة والإتباع: ص 151 رداً على من قاس الإضطرار على الإكراه في الكفر: (قال تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه}، فشرط بعد حصول الضرر أن لا يكون المتناول باغياً ولا عادياً، والفرق بين الحالتين لا يخفى على ذي عينين، ثم يقال أيضاً: وهل في إباحة الميتة للمضطر ما يدل على جواز الردة اختياراً؟ وهل هذا إلا كقياس تزوج الأخت والبنت بإباحة تزوج الحر المملوكة عند خوف العنت وعدم الطول، فقد زاد هذا المشبه على قياس الذين قالوا: {إنما البيع مثل الربا})

ومما بحث هذه المسالة من المشيخ زياداً على ما ذكرت الشيخ أحمد بن حمود الخالدي في رسالته المسمىالتبيان لما وقع في الضوابط منسوباً لأهل السنة بلا برهان وكذلك الشيخ علي خضير الخضير في بعض رسائله.

تنبيهان:
التنبيه الاول: استشهاد قصة حصار عكا زمن صلاح الدين في هذه المسالة لا يستقيم, وذلك أن غاية ما في القصة أنهم لبسوا الصليب, وشدوا الزنانير وفيه خلاف, فمن العلماء من لا يعتبره مكفرة ومنهم من يعتبره. وهذا ليس في محل الخلاف.
وهذه هي القصة الكاملة: قال ابن كثير: (وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم، وشدوا الزنانير، واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة، فعبرت الميناء فامتلا الثغر بها خيرا، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية).
البداية والنهاية – (12 / 412)
والذين اعتبروه مكفرة فيعللون إلى واحدة من علتين:
الأولى: كونه تشبه بالكفار ولا يكون التشبه كفراً إلا إذا قصد التشبه مع العلم ان هذا من خصائص الكفار سواء كان هذاه الخصائص من أمور دينهم أو من امور دنياهم, فيكون هذا المتشبه كافراً. وعلى هذا فقد انتفى أصحاب قصة عكا عن هذه العلة, فإنهم لم يقصدوا التشبه وإنما قصدهم إعانة المسلمين.
الثانية: أنه علامة على الكفر, وعلى هذا فلا يكون كفراً بذاته, وبناء على هذا فقد انتفى أيضاً أصحاب قصة عكا عن هذه العلة لأننا قد علمنا قصدهم.

التنبيه الثاني.
وقد قيل في هذه المسالة إجماع, فعلى صاحب هذا القول نقل الإجماع في هذه المسالة, فإن صححنا إجماعه فيعود المسالة جواز خرق الإجماع بالمخالفة.
أسأل الله أن يرينا الحق
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 10-10-11, 10:35 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: تعقيبات

أولا: ما ذكرتموه من الكلام في رواية معمر عن ثابت صحيح، وقد قيل فيه أكثر مما ذكرتم، ولكن المجيز يرى أنه صحيح.
وقد احتج بمعمر عن ثابت الإمام مسلم في صحيحه فهو على شرطه فقط، وجرى على تصحيح حديثه الكثير من أهل العلم بالحديث، وجمع بين اختلافهم الإمام الذهبي فقال:" ما نزال نحتج بمعمر حتى يلوح لنا خطؤه بمخالفة من هو أحفظ منه " اهـ فقيد تضعيف روايته بمخالفته لغيره، وهو لم يخالف هنا أحدا فيما أعلم.
فإن كان تضعيف الخبر بهذه العلة جواب المانعين، فهو دليل القائلين بالجواز، وهو عندهم صحيح، وتصحيح مرويات معمر عن ثابت أو تضعيفها مذهبان مشهوران عن أهل العلم، فيكون الجواب التضعيف جواب التزام وليس بجواب إلزام كما لا يخفى.

ثانيا: ما ذكرتم من قصة عمار قبل آية الإكراه فأنتم تعترفون بأنه منسوخ، لأن آية الإكراه نزلت بعده، والبحث ليس في الأفضلية، بل في الرخص، وفرق بين الأمرين لا يخفى على المانعين، وكذلك فقصة الحجاج بن علاط بعد خيبر، والنسخ كان في مكة، فلا يكون المنسوخ المتقدم جوابا للمتأخر عنه بعد نسخه.

ثالثا: ما يتعلق بفعل الحجاج بن علاط وإظهار السرور والفرح أراه جليا، فهذه العبارات التي وردت في الأثر هي سبب انكسار قلوب المسلمين، وفرح المشركين، ولولا أنها تفيد ذلك لما كان لها هذا الأثر على الفريقين، والأصل البناء على ظاهر الكلام.

رابعا: ما ذكرتم في قصة الحجاج بن علاط من أن هذا من خدعة الحرب، فجوابه منع ذلك، فقريش كانت في عهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحجاج لم يكن يطلب مال حربي، وإنما كان يجمع ماله، ولا علاقة لهذا بالحرب وخدعته، إذ لم تكن قريش محاربة، ولا كانت خديعتهم لأجل الحرب جائزة في العهد.
خامسا: أيهما أعم : المنع من الكفر أم تجويزه بالضرورة ؟
ما يراه المجيز هو أن المنع أعم من الجواز، وأنه ملحق بالإكراه للمنع من أثر ارتكاب المكفر، وفي رأيي أن المنع من شيء مطلقا أعم من جواز نفس الشيء بالضرورة أو غيرها.
سادسا: ما نقلتم من أقوال العلماء يعارضها نقل المجيز أقوالا أخرى عن أهل العلم، ويبقى البحث في الدلائل والترجيح، وهو ضرب من الاجتهاد تتباين فيه أنظار أهل العلم.
وقد سبق النقل عن السبكي.
وخذ هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية مثالا:
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (الفتاوى الكبرى (1/56) ومجموع الفتاوى (1/372): عمن يبوس الأرض دائما هل يأثم؟ وفيمن يفعل ذلك لسبب أخذ رزق وهو مكره كذلك؟ فقال:"
الجواب: أما تقبيل الأرض ووضع الرأس ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز، بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضا كما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا.
ولما رجع معاذ من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذه يا معاذ قال يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال: كذبوا عليهم، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من أجل حقه عليها، يا معاذ إنه لا ينبغي السجود إلا لله، وأما فعل ذلك تدينا وتقربا فهذا من أعظم المنكرات.
ومن اعتقد مثل هذا قربة ودينا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل.
وأما إذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى إلى ضربه أو حبسه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر، فإنه يجوز عند أكثر العلماء، فإن الإكراه عند أكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الخمر ونحوه، وهو المشهور عن أحمد وغيره، ولكن عليه مع ذلك أن يكرهه بقلبه، ويحرص على الامتناع منه بحسب الإمكان.
ومن علم الله منه الصدق أعانه الله تعالى، وقد يعافى ببركة صدقه من الأمر بذلك.
وذهب طائفة إلى أنه لا يبيح إلا الأقوال دون الأفعال، ويروى ذلك عن ابن عباس ونحوه، قالوا: إنما التقية باللسان، وهو الرواية الأخرى عن أحمد، وأما فعل ذلك لأجل فضل الرياسة والمال فلا، وإذا أكره على مثل ذلك ونوى بقلبه أن هذا الخضوع لله تعالى كان حسنا مثل أن يكرهه على كلمة الكفر وينوي معنى جائزا، والله أعلم
سابعا: ما ذكرتموه من نفي صحة الاستدلال بقصة حصار عكا من أجل أن لبس الصليب وشد الزنار من المكفر المختلف فيه، أو أنه ليس مكفرا لذاته كما ذكرتم.
فجواب المجيزين أن العبرة في قول من اعتبر ذلك مكفرا ثم أجازه للمصلحة الراجحة، وقد لخصه جامعوا الموسوعة الكويتية الفقهية، فقد جاء فيها(12/5):
" ذهب الحنفية على الصحيح عندهم، والمالكية على المذهب، وجمهور الشافعية إلى: أن التشبه بالكفار في اللباس- الذي هو شعار لهم يتميزون به عن المسلمين - يحكم بكفر فاعله ظاهرا، أي في أحكام الدنيا، فمن وضع قلنسوة المجوس على رأسه يكفر، إلا إذا فعله لضرورة الإكراه، أو لدفع الحر أو البرد، وكذا إذا لبس زنار النصارى، إلا إذا فعل ذلك خديعة في الحرب وطليعة للمسلمين، أو نحو ذلك لحديث:" من تشبه بقوم فهو منهم"، لأن اللباس الخاص بالكفار علامة الكفر، ولا يلبسه إلا من التزم الكفر، والاستدلال بالعلامة والحكم بما دلت عليه مقرر في العقل والشرع "اهـ.
وجه الاستشهاد عند المجيز هو:
أن هؤلاء الفقهاء حكموا أولا بأن ذلك كفر، ثم أباحوا ارتكابه لدفع البرد والحر، وخديعة الحرب، و اطلاع أخبار الكفار للمسلمين، وليس شيء من ذلك إكراها، وإنما لمصلحة عامة في خديعة الحرب والاطلاع على أخبارهم، أو لمصلحة خاصة ضرورية في دفع البرد والحر.

ثامنا:ما ذكره المجيزون من القياس فيمكن سياقته مع الإجابة عن الاعتراضات كما يلي وإن لم أكن رأيت أحدا منهم ساقه لكني وجدت هذا في متفرقات كلامهم:
بيانه: أن يقال: يجوز ارتكاب المكفر للمصلحة الضرورية، قياسا على الإكراه بجامع الضرورة، في كلٍّ.
توضيح القياس:
ولتصحيح هذا القياس يقتضي المقام بيان مقدمتين وهما:
أولا: أن علة العذر في الإكراه هي مراعاة المصلحة الضرورية الراجحة.
ثانيا: أن الضروريات بمنزلة واحدة في الجملة ويجري القياس بينها.
أما المقدمة الأولى وهي: أن الإكراه معلل بالمصلحة الراجحة فيه
فبيانه: أن علة الإكراه هي حماية نفس المؤمن واستبقاؤها، وأن مصلحة استبقائها مقدمة على مفسدة جريان الكفر على اللسان أو الجوارح وإنما قُدِّم ذلك لأمرين:
أولهما: أن حقوق الله تعالى مبناها المسامحة، وحقوق العباد مبناها المشاحَّة، ولذلك تضمن المتلفات من حقوق العباد في الإكراه دون حقوق الله سبحانه وتعالى.
ومن هذا قول الرازي في تفسر آية التقية:" إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة ، وقد تجوز أيضاً فيما يتعلق بإظهار الدين، فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين ، فذلك غير جائز ألبتة اهـ.
ففَرَّق بين ما يرجع لحق الله تعالى، وما يرجع لحق الآدمي بناء على القاعدة التي ذكرناها.
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا:" الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، و ظلم يغفره، و ظلم لا يتركه، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله: { إن الشرك لظلم عظيم }، و أما الظلم الذي يغفره فظلم العباد أنفسهم فيما بينهم و بين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدبر لبعضهم من بعض " رواه الطيالسي والبزار (وهو في صحيحة الألباني رقم 1927).
وهذا الحديث دليل على أن حقوق الله تعالى مبناها المسامحة، وأما حقوق العباد فمبناها المشاحة والله أعلم.
ثانيهما: أن نفس الإنسان من الضرورات التي اتفقت الشرائع بحفظها، ومنع العذر فيها تشديد لا تطيقه أكثر النفوس، والشريعة مبناها التيسير ورفع الحرج كلما ضاق الأمر على العباد، ونصوص التيسير كثيرة، فكان العذر في الإكراه من يسر الشريعة وسماحتها التي تنافي التشديد.
قال الأستاذ عياض النامي في " أصول الفقه التي لا يسع الفقيه جهلها ( ص 65).:" التكليف مع الإكراه فيه حرج شديد، ومشقة عظيمة " اهـ.
والمتحصل من ذلك:
أن الإعذار في الإكراه من باب تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، وأن مصلحة استبقاء نفس المؤمن أولى من مفسدة جريان الكفر على اللسان والجوارح، وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر عند الترمذي وغيره مرفوعا:" لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم".
قال العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله تعالى:" التقية إنما تجوز عند الضرورة القصوى للمستضعف الذي يخشى على نفسه الفتنة، أن يجيب مكرهيه إلى ظاهر اللفظ مضطرا على أن يطمئن قلبه بالإيمان والحق، ينظر في ذلك إلى حفظ حياته ومصلحة المسلمين، وعلى أن لا يكون ممن يقتدى به فيخشى أن يخفى الحق على الجاهلين (انظر: جمهرة مقالات أحمد شاكر 2/868).
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: العلة ليست هي ما ذكرتم، وإنما هي لسلب الاختيار، وفقد الرضى.
فالجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن التعليل بذلك لا يضر على تسليمه، وذلك أن الضرورة أيضا تسلب الاختيار، وتفقد الرضى، فيبقى القياس صحيحا على هذا التقدير.
ألا ترى أن المضطر لأكل الميتة، أو من أبيحت له المحرمات بالضرورة، لا يقال إنه رضي بأكل المحرمات، أو اختار أكل المحرمات.
نعم: فيه نوع اختيار وتقديم مصلحة على مفسدة، وهذا أيضا في الإكراه على الكفر، لأنه مخير بين التلفظ بكلمة الكفر، وبين اختيار تنفيذ التهديد فيه، فكلاهما يختار أيسر الأمرين عليه.
الوجه الثاني: أن هذا لا ينافي التعليل بالمصلحة، إذ هي الغاية من تشريع الحكم، ولا يصح التعليل مع فقدان الحكمة التي هي المصالح والمفاسد، وقد تقرر أن الصحيح جواز التعليل بالمصالح.
وعليه: فالقياس صحيح، سواء عللنا بفقدان الرضا وسلب الاختيار، أو عللنا بغايته التي هي ترجيح المصالح والمفاسد، وما يترتب على الفعل والقول من المصلحة والمفسدة.
الوجه الثالث: أن الاختيار والرضى أمران باطنان لا يمكن الاطلاع عليهما حقيقة، وإنما يستدل عليهما بالقرائن والأمارات، وقد أكثر الأصوليون من القول باشتراط التعليل بالوصف الظاهر، وعليه فلا يصلح هذا التعليل في مقياس هؤلاء الأصوليين، فيكون التعليل بالحكمة أولى وأصح من التعليل بالأوصاف الخفية.
وأما المقدمة الثانية: وهي تنزيل الضرورات منزلة النفس في الشرع.
فبيانه: أن الشرائع اتفقت على حفظ الضرورات الخمس، والنفس في الجملة من هذه الضرورات، فإذا ثبت ذلك في بعض الضرورات بالنص قِيسَ عليها ما كان بمنزلتها من الضرورات، لأن العلماء جعلوا الضرورات في الجملة بمرتبة واحدة، وهي تبيح المحظورات، والقياس حجة في الشرع على أصح القولين، ومن منع القياس في بعض الأبواب مطلقا فليس معه دليل معتبر فيما كان معقول العلة والمعنى، وهذا الباب كذلك.
وإذا كانت الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة بشروطها فتنزيل بعض الضرورات في منزلة بعضها أولى وأحرى.
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: الضرورات ليست بمنزلة واحدة، والنفس تقع في المرتبة الثانية بعد الدين، فلا يلحق بها ما دونها في الحفظ والصيانة، لأنه من باب القياس مع الفارق؟.
فالجواب: أن هذا الإطلاق لا يصح، فقد يكون للمال وللعرض أثر أكثر من أثر النفس في الصيانة والحماية، وبيان ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن بذل المال في الجهاد مقدم على بذل النفس والمهج، وجميع آيات القرآن التي جمعت الجهاد بالنفس والمال قدمت الجهاد بالمال إلا آية واحدة في سورة التوبة.
وقد علل بعض العلماء ذلك بأن الجهاد بالمال قد يكون أنفع من الجهاد بالنفس.
قال ابن القيم في عدة الصابرين(ص 223 تحقيق وكريا علي يوسف/ ط. دار المعرفة – بيروت ): والجهاد ذروة سنام العمل، وتارة يكون بالنفس، وتارة يكون بالمال، وربما كان الجهاد بالمال أنكى وأنفع، وبأي شئ فضل عثمان على علي، وعلي أكثر جهادا بنفسه وأسبق إسلاما من عثمان ".
يؤيده:
الوجه الثاني: أن الشرع جعل بذل النفس في سبيل حماية المال والعرض من التعدي شهادة، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث منها: حديث سعيد بن زيد عند الثلاثة وأحمد وغيرهم:" من قتل دون ماله فهو شهيد، و من قتل دون دمه فهو شهيد، و من قتل دون دينه فهو شهيد، و من قتل دون أهله فهو شهيد " وصححه الألباني.
فدل ذلك على أن الشرع رغب في حماية المال والعرض ببذل النفوس، وذلك يدل على أن المال والعرض ليسا بأقل مرتبة عن حماية النفس من كل الجهات، وإذا كان الشرع قد أباح الكفر لضرورة حماية النفس، فلا يبعد أن يبيحه لضرورة سائر الضروريات.
قال الرازي في تفسير آية التقية:"
الحكم الخامس: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، لقوله صلى الله عليه وسلّم:"حرمة مال المسلم كحرمة دمه"، ولقوله صلى الله عليه وسلّم: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
ولأن الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن النص ورد في مساواة المال للنفس في الحرمة، فروى أبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" حرمة مال المسلم كحرمة دمه " وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
وقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين النفس والمال والعرض في خطبته المشهورة الصحيحة في حجة الوداع يوم النحر فقال:" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت " متفق عليه من حديث أبي بكرة.
الوجه الرابع: أن حماية العرض مقدمة على حماية النفس عند كثير من أهل العلم، وذلك أنهم - مع قولهم بجواز الاستسلام لمن يريد قتله - يقولون بتحريم ترك انتهاك الأعراض ووجوب بذل النفس لحمايته، وأقوالهم معروفة في مواضعها.
الوجه الخامس: أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة كما تقرر عند أهل العلم، وهو معروف ومشهور في مواضعه من كتب الفقه وأصوله، فيكون من باب أولى تنزيل بعض الضرورات منزلة بعضها.
الوجه السادس: أن بعض العلماء نزلوا المال منزلة النفس في الإكراه، فجعلوا التهديد بأخذ المال وإفساده مثل التهديد بالقتل في باب الإكراه مما يدل على أنهما من جنس واحد، ومرتبة واحدة في ارتكاب المكفر.
قال ابن العربي في أحكام القرآن، في المسألة الثانية من مسائل أية الإكراه في النحل: وقد اختلف الناس في التهديد هل هو إكراه أم لا؟
والصحيح أنه إكراه؛ فإن القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك، أو ضربتك، أو أخذت مالك، أو سجنتك، ولم يكن له من يحميه إلا الله، فله أن يقدم على الفعل، ويسقط عنه الإثم في الجملة، إلا في القتل (أحكام القرآن لابن العربي/ المسألة الثانية من آية الإكراه في النحل - آية 106).
وقال ابن حزم في المحلى(8/330 ط. البنداري ):" والإكراه: هو كل ما سمي في اللغة إكراها، وعرف بالحس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل، أو ضرب، أو سجن، أو إفساد مال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه.
وقال ابن قدامة في المغني (8/280):" الثالث : أن يكون مما يستضر به ضررا كثيرا كالقتل والضرب الشديد، والقيد والحبس الطويلين، فأما الشتم والسب فليس بإكراه رواية واحدة، وكذلك أخذ المال اليسير، فأما الضرر اليسير: فإن كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه، وإن كان من ذوي المروءات على وجه يكون إخراقا بصاحبه وغضا له، وشهرة في حقه، فهو كالضرب الكثير في حق غيره، وإن توعد تعذيب ولده: فقد قيل ليس بإكراه، لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى أن يكون إكراها، لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا ".
والمتحصل من ذلك: أن إلحاق بعض الضرورات ببعض ليس غريبا في قواعد الشرع، وليس هناك فارق معتبر يمنع من قياس غير المنصوص على المنصوص بجامع وصف الضرورة في كل منها.
اعتراض آخر وجوابه:
فإن قيل: الإكراه من الرخص المستثناة من أصل الثبات على الدين، وما عداه يبقى على حكم الأصل، والقياس يضعف عن معارضة هذا الأصل، لا سيما وفي آية الإكراه حصر العذر المبيح لارتكاب المكفر بالإكراه، فيكون هذا القياس فاسد الاعتبار لمصادمته للمنصوص.
فالجواب: أن ذلك لا يضر قياس سائر الضروريات على النفس
بيانه: لا شك أن العذر في الإكراه من رخص الشريعة التي استثنيت من أصل الثبات على الدين، وتحريم الوقوع في الكفر والتشديد في ذلك، والقياس يجري في الرخص الشرعية في أصح أقوال العلماء، وقد حقق المسألة الدكتور الأصولي عبد الكريم النملة في كتابه الماتع " الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس " فمن رام التفصيل راجعه.
وإذا تقرر هذا: فيقاس على العذر بالإكراه ما كان من هذا الباب مما تشتد الحاجة إليه، ويشبه فواته فوات النفس، ولا يمنع كونه رخصة من القياس عليه.
والقياس دليل شرعي يخصص به العام، ويُقَيَّدُ به المطلق عند كثير من العلماء، ومن هذا الباب القياس في الرخص، فإن حقيقته إخراج بعض الصور من أصل العزيمة بالقياس، والصحيح جواز ذلك ووقوعه كما فصل فيه الدكتور النملة في كتابه المذكور.

تنبيه: قدر ذكرتم أن الآية أفادت المنع من الضرورة بمفهوم الاستثناء، فإن صح هذا فينبغي النظر في أمرين:
أولهما: أن حجية المفهوم من مواضع النزاع، ومن العلماء من لا يرى الاحتجاج به، وهو معروف في موضعه من كتب الأصول.
ثانيهما: النظر في الراجح عند التعارض بين مفهوم الاستثناء، وبين القياس، وقد بحثها الأصوليون
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 10-10-11, 11:57 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ ابو عبد الباري: عندي بعض وقفات على كلامك

الوقفة الاولى: جواب المانعين عن حديث الحجاج كانت من وجهين, فاجاب المجيزون عن وجه الاول, فبقي وجه الثاني. وقصة عمار كانت استشهاداً وعمدة التخصيص هي الأية والأية محكمة.

أما ما يتعلق بفعل الحجاج, فغاية ما في الحديث انه قال قولا إنقمع بسببه المسلمون وأظهر المشركون فرحاً وسروراً, فأين أنه أظهر السرور والفرح.؟
وحجاج يريد ان يجمع ماله من العدو وهذا نوع من أنواع الحرب, فله ان يكذب من اجل جمع ماله, وليس هذا الجواب عمدة عند المانعين أصلاً وإنما العمدة على ما ذكرنا.

الوقفة الثانية: سؤالكم ايهما اعم: المنع من الكفر أم تجويزه بالضرورة؟ محاولة عن جواب الوجه الثاني من إعتراضات المانعين على حديث الحجاج.
ما يراه المانعون هو أن مفهوم الإستثناء يدل على المنع لغير الإكراه وعموم حديث الحجاج يدل على الجواز مطلقاً سواء للإكراه او للضرورة او غيرهاـو ولا يخفى ان الثاني أعم من الأول.

ما نقلتمم من كلام شيخ الإسلام لايدل على محل النزاع, لأن كلام الشيخ عن سجود التحية وهذا محرم بالإجماع وليس مكفرا بدليل قول الشيخ في هذا الفتوى "وأما إذا أكره الرجل على ذلك بحيث لو لم يفعله لأفضى غلى ضربه او حسبه أو أخذ ماله أو قطع رزقه الذي يستحقه من بيت المال ونحو ذلك من الضرر فإنه يجوز عند أكثر العلماء فإن الإكراه عند اكثرهم يبيح الفعل المحرم كشرب الجمر ونحوه " واما سجود العبادة فإنه قال في هذا الفتوى "وأما فعل ذلك تديناً وتقرباً فهذا من أعظم المنكراتومن اعتقد مثل هذا قربة وديناً فهو ضال مفتر بل يبين له ان هذا ليس بدين ولا قربة فغن اصر على ذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل"
وحسبك قوله"إنّ المحرمات منها ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئاً لضرورة ولا غير ضرورة، كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وان تقولوا على الله مالا تعلمون}، فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع، وبتحريمها بعث الله جميع الرسل، ولم يبح منها شيئاً ولا في حال من الأحول، ولهذه أنزلت في هذه السورة المكية) اهـ.

الوقفة الثالثة: ما ذكرتموه في قصة حصار عكا من أن عمدة المجيزين هو قول من اعتبر ذلك مكفرا ثم اجازه للمصلحة, فجواب المانعون هو أن الذين اعتبروه مكفرا عللوه من إحدى علتين, إما لكونه تشبه بالكفار ولا يكون التشبه كفراً إلا إذا قصد التشبه مع العلم ان هذا من خصائص الكفار, وجامعوا الموسوعة الكويتية الفقهية إختاروا هذه العلة حيث قالوا" لحديث من تشبه بقوم فهو منهم لأن اللباس الخاص بالكفار علامة الكفر..."
وإما لكونه علامة على الكفر وكلا العلتين منتف عن اصحاب قصة حصار عكا, والفقهاء أجازوا لهم لأن العلة إنتفت عنهم وليس أنهم حكموا أولا بان ذلك كفر ثم أباحوا ارتكابه لدفع البرد أو للمصلحة.

الوقفة الرابعة: القياس وهي أهم الدليل عند المجيزين, والكلام عليه من وجوه.

الوجه الأول: تعريف الإكراه
قال ابن حجر في الفتح(12/311) " الإكراه: هو الزام الغير بما لا يريده"
وقال عبد الغني الحنفي في اللباب شرح الكتاب (4/16) " وهو لغة : حمل الإنسان على أمر يكرهه وشرعا : حمل الغير على فعل بما يعدم رضاه دون اختياره لكنه قد يفسده وقد لا يفسده" وقال السرخسي في المبسوط (7/269) "الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الأهلية" وقال ابن الجوزي في زاد المسير(4/140)" فصل الإِكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها .وفي الإِكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان : إحداهما : أنه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إِن لم يفعل ما أُمر به .والثانية : أن التخويف لا يكون إِكراها حتى يُنَال بعذاب . وإِذ ثبت جواز «التَّقِيَة» فالأفضل ألاَّ يفعل ، نص عليه أحمد ،
وقال الشوكاني في السيل الجرار(4/409)" وأما قوله وبالإكراه فوجهه واضح, إذا بلغ الحد الذي يصير به الفعل منه كلافعل , وأما لو بقي له فعل فلا يجوز كما تقدم في باب الإكراه."
قال ابن حجر : شروط الإكراه أربعة :
1_ أن يكون فاعله قادرا ً على ايقاع ما يهدد به , والمأمور عاجزا ً عن الدفع ولو بالفرار .
2_ أن يغلب على ظنه أنه لو امتنع أوقع به ذلك .
3_ أن يكون ما هدد به فورياً فلو قال ان لم تفعل كذا ضربتك غدا ً , لا يعد مكرها ً . ويستثنى ما إذا ذكر زمنا ً قريبا ً جداً , أو جرت العادة بأنه لا يخلف .
4_ أن لا يظهر من المأمور ما يدل على
.
وهذه هي المسمى بالإكراه الذي هو عذر في الكفر. والإكراه على نوعين: نوع يعدم الرضاء ويفسد الإختيار وهو الملجيء ونوع يعدم الرضاء ولا يفسد الإختيار وهو الذي لا يلجئ

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى(5/489) " تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون غلا بالتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون الكلام إكراهاً. وقد نص على أن الإمراة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه فلها أن ترجع على أنها لا تهب له إلا إذا خافت ان يطلقها أو يسيء عشرتها فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراهاً ولفظه في موضع آخر لأنه أكرها ومثل هذا لا يكون إكراهاً على الكفر فإن الاسير إن خشي الكفار أن لا يزوجوه أو ان يحولوا بينه بين غمراته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر." وعلق عليى الشيخ حمد بن عتيق في سبيل النجاة وقال" المقصود منه ان الإكراه على كلمة الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب او قتل"

وسؤال المطروح هو فهل الضرورة بمنزلة هذا الإكراه الموصوف بصفات المتقدم من حيث الصفة؟ أليس هذا قياس مع الفارق؟

الوجه الثاني: مجموع هذه الأوصاف والشروط المذكورة يدل على أن علة الإكراه إنما هو عدم التكليف, فعلة في إباحة الكفر للمكره هو سقوط التكليف عنه لأن تكليفه بدفع ما لا يقدر على دفعه من الإكراه هو من باب التكليف بما لا يطاق ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. ومجموع الشروط شرط في الإكراه فكأنه علة مركبه, فإذا انتفى شرط من شروط المذكورة فهو من قبيل إنتفاء العلة لانتفاء شرط وجودها لا لوجود علة عدمها.
ولو كان علة الإكراه هي حماية النفس واستبقائها لكان أكل الميتة من باب الإكراه وليس من باب الإضطرار, ولكان الإضطرار والإكراه بمعنى واحد ولما احتاج غلى قياس الشرعي, بجامع قياس اللغوي.

الوجه الثالث: فإن كان علة الجامع بين الإكراه والضرورة هي الضرورة كما قلت "بيانه أن يقال: يجوز ارتكاب المكفر للمصلحة الضرورة قياساً على الإكراه بجامع الضرورة في كل" فجواب المانعين أنه يشترط في الفرع المقيس وجود علة الاصل بتمامها لا بعضها كما قال في المراقي:
وجود جامع به متتممى شرط وفي القطع إلى القطع انتمى
فالفرع ليس فيه تمام العلة,لأن علة الضرورة في الإكراه ليس كعلة الضرورة في الإضطرار وهو واضح.


الوجه الرابع: منع دليل العلة: ما ذكرتم من دليل علتكم وهي أن حقوق الله مبناها المسامحة فمسلم ولكن هذا هو الاصل إلا ما استثنى الله ولم يبح إرتكاب المكفر إلا في حالة الإكراه بمفهوم الإستثناء, فالعلة غير مسلم عند المانعين لمنع دليله.

الوجه الرابع: تنزيل الضروريات بمنزلة واحدة, فجواب المانعون بالمنع , والمعلوم أن حفظ المال ليست بمرتبة حفظ النفس, فإن في الشرع ما يباح من أجل حفظ النفس و لا يباح ذلك الشيء من اجل حفظ المال, ولو كانت بمنزلة واحدة لأبيح لجل حفظ المال.
أما استدلال تقديم المال على النفس في آيات الجهاد فغير مسلم وذلك أن حاجة المال للجهاد اكبر من حاجته للنفس, فالجهاد يتطلب أموالاً باهضة ونفقات هائلة لا سيما في عصرنا الراهن. وليس هذا من باب أن حفظ المال بمنزلة حفظ النفس.
وما ذكرتم من أن الشرع جعل بذل النفس في سبيل حماية المال شهادة, فيقال ان الشرع إنما جوَز أو وجب على احد القولين المقاتلة لأجل حماية المال, ولم يبح بذل النفس لأجل حماية المال كما لا يخفى الفرق بين الحالين على المجيزين.
أما إستدلال قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين النفس والمال والعرض في خطبته فمبني على دلالة الإقتران ولا يخفي ضعفه على المستدل.

الوقفة الخامسة: ما ذكرتم من أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة ليس على إطلاقه, فإنما هي حاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة. قال السيوطي في الأشباه والنظائر " الإجارة والجعالة والحوالة ونحوها جُوزت على خلاف القياس، لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة، وفي الثانية من الجهالة، وفي الثالثة من بيع الدين بالدين، لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة"

تنبيه: لا ينبغي ان يستدل إختلاف العلماء في مسمى الإكراه على مسالة جواز إرتكاب المكفر للضرورة. والله أعلم

التعديل الأخير تم بواسطة عبد العزيز كرعد الصومالي ; 11-10-11 الساعة 12:10 AM سبب آخر: تعقبات
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 11-10-11, 07:20 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: تعليقات موجزة

الأخ عبد العزيز سلمه الله تعالى
هذه تعقيبات موجزة على ما ذكره المانعون بناء على مذهب المجيزين:
أولا: ما يتعلق بشيخ الإسلام ابن تيمية فالبحث يطول، والنقول عن هذا الإمام يستأنس بها كل من المانعين والمجيزين، وكلامه في المصالح والمفاسد معلوم، وليس هو إلا أحد أهل العلم، وهو كغيره قد يختار قولا يراه صوابا، ولسنا هنا في تحقيق مذهبه الذي تضاربت الأقوال فيه.
ثانيا: ما يتعلق بالإكراه، فهذان تنبيهات في هذا الباب:
التنبيه الأول: مما ينبغي أن يعلم أن الإكراه الوارد في النصوص ليس فيه تفصيل الشروط، وما يقع عليه الإكراه وما لا يقع، وهذه التفصيلات المذكورة في كتب الفقهاء أكثرها أو كلها من باب الاجتهاد في الفروع، ولهذا اتفقوا في بعض الشروط، واختلفوا في بعضها، ولا تزال تتجدد صور من الإكراه بتغير الحياة وظروفها، فتكون من نوازل الإكراه التي لا يخوضها إلا الخواص من أهل العلم والخبرة.
وفائدة هذا التنبيه هي: أن يفرق بين التنصيص على أصل الإكراه، وبين الاجتهاد في ضوابطه وشروطه، وأن تقرير الأصل نصا، لا يعني كون مسائله منصوصة.
التنبيه الثاني: ومما ينبغي أن يعلم أن العلماء اختلفوا فيما يكون به الإكراه، وهل يستوي في ذلك الإكراه على الكفر، والإكراه على غيره من المعاصي؟ ثم هل المعاصي كلها بمنزلة واحدة، أم أنها تختلف باختلاف منزلتها في التحريم ؟.
1) فاختلف الفقهاء في اشتراط كون الضرر أو التهديد به واقعا على المكره، أو عدم اشتراط ذلك، فيصح الإكراه بسبب الضرر الواقع على والده، أو ولده ممن يغتم له.
فذهب الحنفية والصحيح في مذهب الحنابلة إلى ذلك إكراه، زاد بعضهم استحسانا لا قياساً.
قال السرخسي في المبسوط (24/143-144 ):" فالإنسان لا يكون راضيا عادة بقتل أبيه أو ابنه، ثم هذا يلحق الهم والحزن به، فيكون بمنزلة الإكراه بالحبس، والإكراه بالحبس يمنع نفوذ البيع ... الخ كلامه في المسألة.
وقال ابن قدامة في المغني (7/120) :" وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى: أن يكون إكراهاً لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا " اهـ.
وقال علاء الدين المرداوي في الإنصاف (8/141):" ضرب ولده وحبسه ونحوهما: إكراه لوالده، على الصحيح من المذهب، صححه في الفروع، والقواعد الأصولية، وغيرهما " اهـ.
وعلل بعض من قال ذلك من الفقهاء بقولهم:" لأن المكره يلحقه الغم والاهتمام والجزن والحرج إذا أصاب أحدا من محارمه مكروه، فيندفع إلى الإتيان بما أمر به كما لو وقع الضرر به أو أشد " (انظر: لإكراه وأثره في التصرفات د. عيسى شقرة، (ص 60،61) نقلا عن نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (2/8).
2) واختلفوا أيضا في التهديد بإفساد المال هل يكون إكراها مبيحا لارتكاب الكفر أم لا؟ على قولين.
قال ابن العربي في أحكام القرآن، في المسألة الثانية من مسائل أية الإكراه في النحل:" وقد اختلف الناس في التهديد، هل هو إكراه أم لا ؟.
والصحيح أنه إكراه؛ فإن القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك، أو ضربتك، أو أخذت مالك، أو سجنتك، ولم يكن له من يحميه إلا الله، فله أن يقدم على الفعل، ويسقط عنه الإثم في الجملة، إلا في القتل.
وقال ابن حزم في المحلى (8/330 ):" والإكراه: هو كل ما سمي في اللغة إكراها، وعرف بالحس أنه إكراه كالوعيد بالقتل ممن لا يؤمن منه إنفاذ ما توعد به، والوعيد بالضرب كذلك، أو الوعيد بالسجن كذلك، أو الوعيد بإفساد المال كذلك، أو الوعيد في مسلم غيره بقتل، أو ضرب، أو سجن، أو إفساد مال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه.
وخالفهم آخرون:
فقال الجصاص في أحكام القرآن- أول تفسير سورة الممتحنة -:" وفي هذه الآية دلالة على أن الخوف على المال والولد لا يبيح التقية في إظهار الكفر، وأنه لا يكون بمنزلة الخوف على نفسه، لأن الله نهى المؤمنين عن مثل ما فعل حاطب مع خوفه على أهله وماله، وكذلك قال أصحابنا: إنه لو قال لرجل لأقتلن ولدك، أو لتكفرن إنه لا يسعه إظهار الكفر، ومن الناس من يقول فيمن له على رجل مال فقال: لا أقر لك حتى تحط عني بعضه، فحط عنه بعضه، أنه لا يصح الحط عنه، وجعل خوفه على ذهاب ماله بمنزلة الإكراه على الحط، وهو فيما أظن مذهب ابن أبي ليلى، وما ذكرناه يدل على صحة قولنا.
ويدل على أن الخوف على المال والأهل لا يبيح التقية: أن الله فرض الهجرة على المؤمنين، ولم يعذرهم في التخلف لأجل أموالهم وأهلهم، فقال {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم}الآية، وقال { قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } ".
3) واختلفوا أيضا في التفريق بين ضابط الإكراه على الكفر وغيره هل هما واحد أم لا ؟
فأكثر العلماء من الفقهاء والمفسرين – فيما رأيت - لا يذكرون تفريقا بينهما، وكذلك كثيرون ممن تكلموا على الإكراه كمانع من موانع التكفير، وعن بعض العلماء التفريق بين الإكراه على الكفر وغيره، وبين المعاصي بعضها دون بعض.
قال عبد الحق بن عطية في تفسير (1/426):" ... وهذه كلها بحسب حال المكره وبحسب الشيء الذي يكره عليه، فكم من الناس ليس السجن فيهم بإكراه وكذلك الرجل العظيم يكره بالسجن والضرب غير المتلف ليكفر فهذا لا تتصور تقيته من جهة عظم الشيء الذي طلب منه ومسائل الإكراه هي من النوع الذي يدخله فقه الحال ..." اهـ.
وقال أبو العباس ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 5/490): تأملت المذهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، فليس الإكراه المعتبر في كلمة الكفر، كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها، فإن أحمد قد نص في غير موضع: على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بتعذيب من ضرب أو قيد، ولا يكون الكلام إكراها. وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها أو مسكنها، فلها أن ترجع بناء على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها، أو يسيء عشرتها، فجعل خوف الطلاق، أو سوء العشرة إكراها في الهبة، ولفظه في موضع آخر: لأنه أكرهها، ومثل هذا لا يكون إكراها على الكفر، فإن الأسير إذا خشي من الكفار أن لا يزوجوه، وأن يحولوا بينه وبين امرأته، لم يبح له التكلم بكلمة الكفر اهـ.
تنبيه: الذي رأيته في كثير من المصادر أن لفظ " المذهب " بالإفراد، وعليه فكلامه في مذهب الحنابلة، وما نقلتموه بلفظ " المذاهب " بالجمع يفيد غير هذا، فليحرر الصواب من ذلك.
وهذا الاختلاف على سعته وتشعبه من باب الاجتهاد السائغ في الجملة، يقوى قول المخالف تارة، ويضعف تارة، ويستخرج كل فريق من العلماء ما يراه دليلا على ما ذهب إليه، وقد تقدم أن تفاصيل ذلك من باب الاجتهاد الذي ليس فيه نص قاطع يجب المصير إليه.
التنبيه الثالث: أكثر أهل العلم – فيما اطلعت عليه - على أن التقية داخلة في الإكراه، وأنها بعض صوره، ومن قرأ أقوال العلماء في ذلك علم أن التقية لا يلزم فيها التهديد بالأذية، بل الخوف من شرهم يكفي للعمل بالتقية ظاهرا، لا سيما فيمن يعيش بين ظهورهم، وتحت سلطانهم.
وعلى هذا فللإكراه صورتان رئيستان:
إحداهما: ما يكون بسبب الخوف ولو من غير تهديد مباشر، كمن يعيش بين الكفار فيخفي إسلامه، أو يتقيهم بلسانه، وعليه تدل آية التقية.
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم ما بين الإكراه والتقية من المغايرة، لا حاجة للتطويل بها لشهرتها، وليس في قول هؤلاء العلماء قيد التهديد أو الأذية الفعلية.
وثانيهما: حمل المكره على الكفر، وتهديده بالأذى على اختلاف في نوع الأذى، وعليه تدل آية الإكراه.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهما عذران متغايران، وأن الإكراه غير التقية، فجعلوا الإكراه حالة، والتقية حالة أخرى، وأجابوا عن الاعتراضات الواردة عليهم، وهي من موارد الاجتهاد فينظر فيه، منهم أبو بصير مصطفى حليمة، ومحمد سعيد القحطاني، ونايف علي الشحود.
ثالثا: ما ذكرتموه من " أن علة الإكراه إنما هو عدم التكليف, فعلة في إباحة الكفر للمكره هو سقوط التكليف عنه، لأن تكليفه بدفع ما لا يقدر على دفعه من الإكراه هو من باب التكليف بما لا يطاق، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها
فالجواب عند المجيزين: أن هذا ليس بتعليل صحيح، وبيان ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا الكلام قد اشتمل على ما هو أثر العلة أو الحكم، وهو سقوط التكليف، والبحث في علة سقوط التكليف عنه، فتعليل السقوط بالسقوط دور.
الوجه الثاني: أن عد هذا من باب التكليف بما لا يطاق غير صحيح، وقد اختلف العلماء في بقاء التكليف مع الإكراه، ويدل لبقائه جزئيا تفضيل الأخذ بالعزيمة في حالة الإكراه على الكفر.
ومثل هذا مقدور عليه للمكلف لكن مع المشقة، والمشاق تجلب التيسير بشروطها، فليس هذا من باب التكليف بما لا يطاق عند أكثر من العلماء.
ولبيان هذه الصورة واختلاف العلماء في حقيقة الإكراه وأقسامه نذكر ما حرره الأستاذ عياض النامي في كتابه " أصول الفقه التي لا يسع الفقيه جهلها (ص 61-62)" فإنه حرر وأوجز فقال:
" الإكراه : وهو حمل غيره على فعل لا يفعله لو خلي ونفسه.
وقد قسمه الحنفية والجمهور إلى ملجئ وغير ملجئ، ولكن اختَلَف اصطلاحهم في تعريف الإكراه الملجئ وغير الملجئ على النحو التالي:
الإكراه الملجئ عند الجمهور: هو الذي لا يكون للمكره فيه قدرة على الامتناع ويكون كالآلة في يد المكره، ومثلوه بما لو ألقاه من مكان مرتفع على صبي فمات، أو ربطه وأدخله في دار حلف ألا يدخلها.
وغير الملجئ عندهم: ماعدا ذلك من أنواع الإكراه كالتهديد بالقتل أو الضرب أو السجن.
والإكراه الملجئ عند الحنفية: هو أن يكون التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مبرح أو حبس مدة طويلة ممن يستطيع أن يفعل ذلك.
فهم حددوا ما يسمى إكراها ملجئا بالنظر إلى نوع التهديد، فإن كان متَحَمَّلا سُمّي غير ملجئ، وإن كان غير متحمل عادة سُمي ملجئا. ولهذا اختلفوا في بعض أنواع من التهديد هل يعد الإكراه بها مُلجئا؟ مثل حبس الوالد أو الولد، أو ضربهما أو قتلهما، إلى غير ذلك.
وغير الملجئ عند أكثر الحنفية: هو ما كان التهديد فيه بأقل مما ذكر في الملجئ.
تحرير محل النزاع:
أما الإكراه الملجئ باصطلاح الشافعية ومن وافقهم فهو يمنع التكليف باتفاق؛ لأن المكلف لا ينسب إليه شيء من العمل فهو كالآلة.
ولكن الحنفية لا يسمون هذا النوع إكراها، بل يقولون الفعل لا ينسب إلى الإنسان أصلا، فلا يقال أكره عليه, فإذا أُلقِي الإنسان من مكان مرتفع على طفل فمات الطفل فالقاتل ليس الملقَى، بل الملقي، والملقى لا يعدو أن يكون آلةً، فهو كالحجر.
وأما الإكراه غير الملجئ باصطلاح الحنفية فهو لا يمنع التكليف باتفاق، لأنه تهديد بما يمكن تحمله، فإقدام المكره على الفعل يكون باختياره؛ لأنه متمكن من الصبر على الأذى الذي هدد به. ويبقى الإكراه الملجئ باصطلاح الحنفية وهو ما كان التهديد فيه بقتل أو قطع طرف أو جرح أو ضرب مؤلم ونحو ذلك ممن يمكنه فعل ما هدد به.
فهذا مختلف فيه على أقوال :
القول الأول: أن الإكراه لا يمنع التكليف وهو مذهب الشافعية والحنفية وجمهور الأصوليين، ولكن الحنفية يعبرون بعبارة أخرى وهى قولهم : « لا يؤثر في أهلية الوجوب ولا في أهلية الأداء » لأنهم لا يعبرون بالتكليف.
القول الثاني: أنه يمنع التكليف بما يوافق مراد الشارع ولا يمنع التكليف بنقيضه، وهذا مذهب أكثر المعتزلة. ومعناه أن من أكره على فعل مراد للشارع فَفَعَله لأجل الإكراه لا يعد مكلفا فلا يثاب على هذا الفعل. وإن امتنع يعد مكلفا فيعاقب على الترك، وإن أكره على فعل يخالف مراد الشارع كالزنا وسب الرسول صلى الله عليه وسلم فإن امتنع فهو مكلف ويثاب، وإن فعل فليس بمكلف، فلا يعاقب.
والسبب في هذا القول أنهم يربطون بين التكليف والثواب والعقاب، فحيث وجد التكليف فلا بد من الثواب أو العقاب، وحيث عدم التكليف فلا ثواب ولا عقاب.
والجمهور مع قولهم إن الإكراه لا يمنع التكليف لا يقولون إن المكره يؤاخذ على كل ما يقوله أو يفعله؛ لأن التكليف عندهم الخطاب بأمر أو نهي، والمُكرَه مخاطب، وكونه مخاطبا لا يلزم منه حصول الثواب أو العقاب ولا يلزم منه صحة جميع تصرفاته " اهـ.
وانظر ما ذكره في: الإبهاج للسبكي (1/123-124 ط.دار الكتب العلمية) والبحر المحيط للزركشي (2/75 وما بعدها ) ونهاية السول للآسنوي (1/321 وما بعدها ) وغيرها.
والمتحرر من هذا: أن العلماء اختلفوا في ضابط الإكراه الملجئ، وأن ما نبحثه في باب الإكراه واختيار العزيمة إنما هو غير الملجئ عند الجمهور وهو الملجئ عند الحنفية: لا يمنع التكليف، وإنما الذي يمنع التكليف هو الملجئ في مذهب الجمهور على ما حكاه الأستاذ النامي.
رابعا: ما ذكرتم في آخر كلامكم من عدم بناء الكلام على الخلاف في الإكراه وشروطه، فغير صحيح، لأن المانع إذا بنى تعليله وتفريعه على بعض الأقوال التي يراها هي الراجحة، فلا مانع من بناء المجيز تعليله وتفريعه على قول آخر يراه صوابا، فمن كان مثلا يرى من الإكراه التهديد بإفساد المال – وقد نقلنا بعض أقوالهم – فلا مانع عنده من بناء التفريعات على ذلك، كما أنه لا مانع من بناء التفريعات على عدم اعتبار التهديد بإفساد المال عذرا من الإكراه.
خامسا: ما يتعلق بما يفيده كلام الحجاج بن علاط، فيقال:
فإذا فرح المشركون بكلامه الذي أدخل به عليهم السرور والفرح، وانقمع المسلمون – كما قلتم – بسببه وأدخل عليهم الحزن والأسى، فيدل هذا على اتفاق المسلمين والمشركين على أن هذا يفيد بظاهره الفرح والسرور.
ويؤكد هذا أن ابن القيم تأول الكلام وعذر الحجاج بأنه أراد بكلامه غير ظاهره فقال في إعلام الموقعين (4/322):
وفيه دليل: على أن الكلام إذا لم يرد به قائلة معناه إما لعدم قصده له، أو لعدم علمه به، أوانه أراد به غير معناه، لم يلزمه ما لم يرده بكلامه، وهذا هو دين الله الذي أرسل به رسوله، ولهذا لم يلزم المكره على التكلم بالكفر الكفر، ولم يلزم زائل العقل بجنون أو نوم أو سكر ما تكلم به، ولم يلزم الحجاج ابن علاط حكم ما تكلم به، لأنه أراد به غير معناه، ولم يعقد قلبه عليه، وقد قال تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} وفي الآية الأخرى {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}، فالأحكام في الدنيا والآخرة مرتبة على ما كسبه القلب وعقد عليه وأراده من معنى كلامه " اهـ.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 11-10-11, 10:04 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ ابو عبد الباري
أولا: ما ذكرتموه من الإكراه
لا بد ان نقرر أنه لا رخصة في الكفر إلا في حد الإكراه الملجئ. وبيانه من وجوه
الوجه الأول: تصوير صورة الملجئ
فالإكراه الملجئ هي حالة التي يعدم معه الرضا ويفسد الإختيار, فإن قيل لو هدد شخص بالقتل او بالكفر فهو أمام خيارين وهذه الصورة معتبر بالإكراه. قلنا أن الصورة الحقيقية هي أن هذا الشخص لا خيار أمامه لأنه مدفوع لإظهار الكفر ولقد الجئه الشخص الذي هدده إلى إظهار الكفر بالله, والحقيقة لا خيار أمامه, وبما انه لا يقدر على دفعه من الإكراه أعتبر عذراً.

وعلة الإكراه هو عدم القدرة على الدفع واثره سقوط التكليف, ولا مانع من التعليل بأثر العلة
والخيار الموجود في الصورة لا يعتبر مقبولا عند النفس البشرية كما هو واضح.
قال ابن عبد البر في التمهيد(1/120) "الإكراه إن كان ملجئا وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار كالإلقاء من شاهق فلا يصح معه تكليف لا بالفعل المكره عليه لضرورة وقوعه ولا بضده لامتناعه والتكليف بالواجب وقوعه والممتنع وقوعه محال لأن التكليف شرطه القدرة والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك
وإن كان غير ملجىء كما لو قال إن لم تكفر أو تقتل زيدا وإلا قتلتك وعلم أو غلب على ظنه أنه إن لم يفعل وإلا قتله فلا يمتنع معه التكليف بل يصح أن يكلف ويدل عليه بقاء تحريم القتل والزنا مع الإكراه" انهـــ انظر تمثيله بالإكراه غير الملجئ.
وفي البدائع والصنائع (6/184) " فصل : بيان أنواع الإكراه وأما بيان أنواع الإكراه فنقول : إنه نوعان :نوع يوجب الإلجاء والاضطرار طبعا كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو.... وهذا النوع يسمى إكراها تاما, ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار وهو الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه التلف وليس فيه تقدير لازم سوى أن يلحقه منه الاغتمام البين من هذه الأشياء أعني الحبس والقيد والضرب وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراها ناقصا" انهـــ
قال الجصاص في أحكام القرآن (5/13) " قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان روى معمر عن عبدالكريم عن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان قال أخذ المشركون عمارا وجماعة معه فعذبوهم حتى قاربوهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى رسول الله ص - قال كيف كان قلبك قال مطمئن بالإيمان قال فإن عادوا فعد قال أبو بكر" هذا اصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أمره به فأبيح له في هذه الحال أن يظهر كلمة الكفر ويعارض بها غيره إذا خطر ذلك بباله." انهــــ
قال السرخسي في المبسوط (7/269)" ثم في الإكراه يعتبر معنى في المكره ومعنى في المكره ومعنى فيما أكره عليه ومعنى فيما أكره به فالمعتبر في المكره تمكنه من إيقاع ما هدده به فإنه إذا لم يكن متمكنا من ذلك فإكراهه هذيان وفي المكره المعتبر أن يصير خائفا على نفسه من جهة المكره في إيقاع ما هدده به عاجلا لأنه لا يصير ملجأ محمولا طبعا إلا بذلك وفيما أكره به بأن يكون متلفا أو مزمنا أو متلفا عضوا أو موجبا عما ينعدم الرضا باعتباره وفيما أكره عليه أن يكون المكره ممتنعا منه قبل الإكراه إما لحقه أو لحق آدمي آخر أو لحق الشرع وبحسب اختلاف هذه الأحوال يختلف الحكم."انهـــ
وجاء في لسان العرب في تعريف لجأ قال " ألجاه إلى الشيء أي إضطره إليه"

وما نقلتم من الحنفية والحنابلة من انهم ذهبوا إلى عدم إشتراط كون الضرر أو التهديد به واقعاً على المكره فليس بصحيح, فإن مذهب الحنفية في الإكراه على الكفر أن يكون الإكراه تاماً قال الكاساني في البدائع(6/186) " وأما النوع الذي هو مرخص فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان القلب بالإيمان إذا كان الإكراه تاما.......هذا إذا كان الإكراه تاما فإن كان ناقصا من الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه تلف النفس والعضو لا يرخص له أصلا ويحكم بكفره وإن قال : كان قلبي مطمئنا بالإيمان فلا يصدق في الحكم" انهـــ
وقال ايضاً "ولو لم يخطر بباله شيء لا يحكم بكفره ويحمل على جهة الإكراه على ما مر والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان الإكراه على الكفر تاما فأما إذا كان ناقصا يحكم بكفره لأنه ليس بمكره في الحقيقة لأنه ما فعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه ولو قال : كان قلبي مطمئنا بالإيمان لا يصدق في الحكم لأنه خلاف الظاهر كالطائع إذا أجرى الكلمة ثم قال : كان قلبي مطمئنا بالإيمان ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى" انهـــ
ومما يدل على التفريق بين الإكراه على الكفر والإكراه على غيره وأنهما ليسا بمرتبة واحد قول القادوري في مختصره(1/290) " كتاب الإكراه: الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطانا كان أو لصا وإذا أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة أو على أن يقر لرجل بألف أو يؤاجر داره - وأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس المديد - فباع أو اشترى فهو بالخيار : إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه وإن كان قبض الثمن طوعا فقد أجاز البيع وإن كان قبضه مكرها فليس بإجازة وعليه رده إن كان قائما في يده وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته وللمكره أن يضمن المكره إن شاء ومن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر - وأكره على ذلك بحبس أو ضرب أو يد لم يحل له إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه ولا يسعه أن يصبر على ما توعد به فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم. وإن أكره على الكفر بالله عز وجل أو سب النبي عليه الصلاة والسلام : بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراها حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر ما أمروه به ويوري فإذا أظهر ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه وإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجوراانهــ انظر كيف فرق بين الإكراه على الكفر والإكراه على غيره.
قال عبد الغني الحنفي في شرحه على مختصر القدوري المسمى اللباب(4/16) " ( ومن أكره على أن يأكل الميتة ) أو الدم أو لحم الخنزير ( أو يشرب الخمر وأكره على ذلك ) بغير ملجئ بأن كان ( بحبس أو قيد أو ضرب ) لا يخاف منه على تلف على النفس أو عضو من الأعضاء ( لم يحل له ) الإقدام إذ لا ضرورة في إكراه غير ملجئ إلا أنه لا يحد بالشرب للشبهة ولا يحل له الإقدام ( إلا أن يكره ) بملجئ أي ( بما يخاف منه على ) تلف ( نفسه أو على ) تلف ( عضو من أعضائه فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه ) بل يجب عليه ولذا قال ( ولا يسعه ) أي لا يجوز له ( أن يصبر على ما توعد به ) حتى يواقعوا به الفعل ( فإن صبر حتى أوقعوا به ) فعلا ( ولم يأكل فهو آثم ) لأنه لما أبيح له ذلك كان بالامتناع معاونا لغيره على إهلاك نفسه فيأثم كما في حالة المخمصة. ( وإن أكره على الكفر بالله ) عز وجل ( أو سب النبي صلى الله عليه وسلم بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراها ) لأن الإكراه بهذه الأشياء ليس بإكراه في شرب الخمر كما مر ففي الكفر أولى بل ( حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه فإذا خاف ذلك وسعه أن يظهر ) على لسانه ( ما أمروه به ويورى ) وهي أن يظهر خلاف ما يضمر ( فإذا أظهر ذلك ) على لسانه ( وقلبه مطمئن بالإيمان فلا إثم عليه ) لأنه بإظهار ذلك لا يفوت الإيمان حقيقة لقيام التصديق وفي الامتناع فوت النفس حقيقة فيسعه الميل إلى إظهار ما طلبوه ( وإن صبر ) على ذلك ( حتى قتلوه ولم يظهر الكفر كان مأجورا ) لأن الامتناع لإعزاز الدين عزيمة" انهـــ
ومما يدل أن الإكراه المعتبر ما كان فيه التهديد بالقتل أو القطع أو تلف الاعضاء سبب نزول أية الإكراه وصورة السبب قطعي الدخول في النص قال ابن حجر في الفتح(12/311) " قوله وقول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وساق إلى عظيم وهو وعيد شديد لمن ارتد مختارا وأما من أكره على ذلك فهو معذور بالآية لأن الاستثناء من الاثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال اخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له كيف تجد قلبك قال مطمئنا بالإيمان قال فان عادوا فعد وهو مرسل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق وعنه عبد بن حميد وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في السند فقال عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه وهو مرسل أيضا" انهــــ
وقد قال البخاري في كتاب الإكراه في صحيحه " باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر"
قال أبي السعود في تفسيره المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (5/ 143)" ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين. أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون. روى أن قريشا أكرهوا عمارا وأبويه ياسرا وسمية على الارتداد فأباه أبواه فربطوا سمية بين بعيرين ووجئت بحربة في قبلها وقالوا إنما أسلمت من أجل الرجال فقتلوها وقتلوا ياسرا وهما أول قتيلين في الإسلام وأما عمار فأعطاهم بلسانه ما أكرهوا عليه فقيل يا رسول الله إن عمارا كفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا إن عمارا مليء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال مالك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. وهو دليل على جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه الملجئ وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازا للدين كما فعله أبواه وروى أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين فقال لأحدهما ما تقول في محمد قال رسول الله قال فما تقول في قال أنت أيضا فخلاه وقال للآخر ما تقول في محمد قال رسول الله قال فما تقول في قال أنا أصم فأعاد ثلاثا فأعاد جوابه فقتله فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما الأول فقد أخذ برخصة وأما الثاني فقد صدع بالحق."انهــــ
فالإكراه المعتبر فى اظهار الكفر بالله العظيم هو الاكراه الملجئ وهو الاكراه الذى يعدم فيه الرضا ويفسد الاختيار وهذا لايتحقق الا اذا كان ماهدد به الشخص هو القتل او قطع احد الاعضاء او الضرب الشديد الذى يخاف منه تلف احد الاعضاء ومادون ذلك فليس بأكراه معتبر لاظهار الكفر بالله, أما الإكراه غير الكفر فيعتبر غير ما ذكرنا والله اعلم.


ثانياً: ما يتعلق بما يفيده كلام الحجاج بن علاط: نعم كلام الحجاج يفيد بظاهره عند المشركين الفرح والسرور ولذلك أظهروه وعند المسلمين الحزن, ولكن الحجاج لم يظهر الفرح والسرور وإنما قال قولا ظاهره الكذب ولذلك أوله ابن قيم. فقول الحجاج لا يدل أنه فرح بهزيمة النبي والمسلمين حتى نفرع عن هذه المسألة بأن ظاهر فعله الكفر.

التعديل الأخير تم بواسطة عبد العزيز كرعد الصومالي ; 11-10-11 الساعة 10:13 PM سبب آخر: تعقبات
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 12-10-11, 07:55 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد:تعليق واستدراك

الأخ عبد العزيز سلمه الله تعالى وحفظه

لم أر في جوابكم الأخير على لسان المانعين جديدا يقتضي التعليق عليه، وكل ما أريد أن أقوله هنا أمران:
الأمر الأول: حد الإكراه و تقسيمه
أما ما يتعلق بحد الإكراه فالخلاف مشهور، وقد قرره غير واحد من أهل العلم، وكل ما ذكر من شروطه من باب الاجتهاد، وليس فيه نص قاطع للنزاع يجب المصير إليه، واشتراط التهديد بما ذكرتم هو قول بعض أهل العلم، وقد نقلت عن غيرهم ما يخالف مقتضى قولهم في نوع التهديد، ومنه التهديد بإفساد المال، ولا يخفى عليكم أن قول بعض أهل العلم مما ليس فيه نص قاطع، أو إجماع ثابت لا يصح الاستدلال به على المخالف المتمسك بقول بعض أهل العلم، وقد سبق قول المجيزين بأن المانع إذا احتج بقول بعض أهل العلم فلا مانع من احتجاج المجيز بقول آخر لأهل العلم يراه صوابا، وهذا من هذا الباب.
وأما التفريق بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ، فقد وضح مما حرره الأستاذ النامي – وقد سبق في المشاركة الماضية – ونقلتم مثله عن ابن عبد البر في التمهيد أن اصطلاح الجمهور مخالف لاصطلاح الأحناف، فيصح القول بعدم التكليف في الإكراه الملجئ على مذهب الجمهور فقط، وأما الملجئ على مذهب الأحناف فلا يصح القول بعدم التكليف في الإكراه الملجئ، نعم يبقى التكليف لكن مع الترخيص، ولا يخفى عليكم أن تفضيل اختيار الموت أو العذاب على التلفظ بكلمة الكفر يعني بقاء التكليف بغير إلزام.
الأمر الثاني: ما أظهره الحجاج بن علاط
ما ذكرتم عن الحجاج بن علاط من موافقتكم على أن ظاهر كلامه يفيد الفرح والسرور كاف في المطلوب، لأن الحجاج هو المتكلم بهذا الظاهر، ونحن لا ننكر أنه لم يقصد من قلبه ذلك، لكن العلم بما في القلوب محجوب، والمرء محاسب على ما ظهر على لسانه، وهو قد تكلم بهذا، وفرق بين كونه أراد ذلك من قلبه، وبين كونه أظهره على لسانه، وهذا جلي لا أظن يخفى عليكم.
استدراك:
أرى الموضوع انتقل إلى باب الإكراه وهو باب واسع كثير الخلاف والتفريع كما سبق التنبيه عليه، وليست دلائل المجيزين محصورة على ما ذكر من قصة الحجاج والقياس، بل لهم دلائل أخرى لعل من المفيد المرور عليها، دون الخروج عن الموضوع إلى باب الإكراه.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 12-10-11, 02:17 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ أبو عبد الباري أحسن الله إليك
السؤال: هل أظهر الحجاج الفرح والسرور؟ فالجواب عند المانعين:لا
على العموم فننتظر أدلة المجيزين غير ما ذكر من قصة الحجاج والقياس, وحبذا لو تفضلتم على ذكره.
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 13-10-11, 07:25 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

ومن أدلة المجيزين: قصة محمد بن مسلمة في قتل كعب بن الأشرف
فأخرج البخاري في صحيحه (رقم 4037) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله " فقام محمد ابن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحبُّ أن أقتله؟ قال: " نعم "، قال: فأذنْ لي أن أقول شيئاً، قال: " قلْ "، فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقةً، وإنه قد عنَّانا، وإني قد أتيتُك أستسلفُك، قال: وأيضاً والله لتملُّنه، قال: إنا قد اتبعناه فلا نحبُّ أن ندعَهُ، ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره، وقد أردنا أن تسلفنا وسقاً أو وسقين.. إلى آخر الحديث وفيه: فلما استمكن منه قال: دونَكم، فقتلوه. ثم أتَوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه.

والاستشهاد بهذه القصة عند المجيزين: عموم إذن النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة.
وهذا يعني النظر إلى استئذان محمد بن مسلمة وإذن النبي صلى الله عليه وسلم له، سواء وقع القول أو لم يقع، وذلك أنه كان مأذونا في ما لو قاله في غير تلك الحالة لكان كفرا.
وظاهر السياق يدل على عموم الاستئذان، فإن قوله: فأذن لي أن أقول شيئا، قال:" قل". وأنه ليس خاصا في النيل من النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقال إنه كان بتنازل النبي صلى الله عليه وسلم من حقه الخاص.
ويؤيد هذا العموم:
ما ذكر ابن إسحاق كما في البداية لابن كثير (4/8) أن محمد بن مسلمة قال في استئذانه :" يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول، قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك.
وهكذا ذكره ابن عبد البر في الدرر في اختصار المغازي والسير (ص 39) وابن الأثير في الكامل في التاريخ (1/290)
فقوله " فقولوا ما بدا لكم " عام لكل ما يتمكنون به من الحيلة في قتله، ولول كان مكفرا.
ويؤيده أيضا:
ما ذكر عمر بن شبة في تاريخ المدينة (1/251 تحقيق ياسين سعد الدين و علي محمد دندل) من أن محمد بن مسلمة قال: يا رسول الله أمحللي مما قلت لابن الأشرف ؟ قال: " أنت في حلٍّ مما قلت ".
و قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (7/392): قد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوه أن يشكوا منه ويعيبوا رأيه "اهـ
وقال ابن بطال في شرح البخاري (5/189) :" إنما أذن له أن يقول ما لو قاله بغير إذن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسمع منه لكان دليلا على النفاق، ولكن لما أذن له في القول لم يكن معدودًا عليه أنه نفاق " اهـ.
وقرر ابن القيم في بدائع الفوائد أن في هذه القصة ما ينافي الإيمان فقال (3/703):"
فائدة: استشكال في حديث قتل ابن الأشرف
استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وذلك ينافي الإيمان، وقد أذن لهم فيه، وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرا مع طمأنينة القلب وبالإيمان، وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرض على قتالهم، وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك، فكان إكراه الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه، فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان، وليس هذا بقوى الجواب.
الجواب الثاني: أن ذلك القول والكلام لم يكن صريحا بما يتضمن كفرا، بل تعريضا وتورية، فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه، وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة.
الجواب الثالث: إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه، والحق له، وصاحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة، لم يكن ذلك محظورا".
وفي كلام ابن القيم – عند المجيز - تقرير أن بعض العلماء قالوا بأن الاضطرار من جنس الإكراه، وذلك لأنه ليس في الأم تهديد، ولا هي من باب التقية كما لا يخفى.
وقد استدل بهذه القصة بعض العلماء على إلحاق المصلحة الراجحة بالإكراه في جواز ارتكاب المكفر كما فعل السبكي فقال – كما تقدم - في الأشباه والنظائر قصة من هذا الباب وعلق عليها، فقال (2/134):"
قد علم أن لبس زي الكفار، وذكر كلمة الكفر من غير إكراه كفر؛ فلو مصلحة المسلمين إلى ذلك، واشتدت حاجتهم إلى من يفعله، فالذي يظهر أنه يصير كالإكراه.
وقد اتفق مثل ذلك للسلطان صلاح الدين؛ فإنه لما صعب عليه أمر ملك صيدا، وحصل للمسلمين به من الضرر الزائد ما ذكره المؤرخون، ألبس السلطان صلاح الدين اثنين من المسلمين لبس النصارى، وأذن لهما في التوجه إلى صيدا، على أنهما راهبان، وكانا في الباطن مجهزين لقتل ذلك اللعين غيلة؛ ففعلا ذلك وتوجها إليه، وأقاما عنده على أنهما راهبان، ولا بد أن يتلفظا عنده بكلمة الكفر، وما برحا حتى اغتالاه، وأراحا المسلمين منه، ولو لم يفعلا ذلك لتعب المسلمون تعبًا مفرطًا، ولم يكونوا على يقين من النصرة عليه.
ومما يدل على هذا قصة محمد بن مسلمة في كعب بن الأشرف فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لكعب بن الأشراف فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله ؟ قال: نعم. قال: فأذن لي -فأذن له: فأقول: قال: قد فعلت.
وهذا الذي قاله السبكي قريب من الجواب الأول، وإن استضعفه ابن القيم، لكنه يتقوى بما له من الشواهد عند المجيز.
فإن قيل: هذا من خصائص الحرب وخديعة الكفار فيه، فيجوز التظاهر بالكفر لمصلحة الخديعة في الحرب كما يقول بعض المانعين في مساجلاتهم.
فالجواب: أن هذا محتمل، والحديث في الحرب وخديعة أهله، لكن البحث في جواز القياس عليه فيما ترجحت مصلحته على مفسدته، وذلك بناء على أمرين:
الأمر الأول: أن هذه الخديعة في الحرب من باب تحقيق المصلحة الراجحة، فيجوز إلغاء لفظ " الحرب " ولفظ "الخديعة في الحرب " من التعليل، ويؤيده هذا الإلغاء الأمر الثاني:
الأمر الثاني: أن الترخيص في هذا ورد في غير قصة الحرب كما تقدم في قصة الحجاج بن علاط، وقد بينا أنها ليست في الحرب ولا في خديعته، فيقوى إلغاء هذه القيود من التعليل، وقد علم – وقد تقدم – جواز القياس في الرخص الشرعية على الراجح من أقوال العلماء.

وإن قيل: لم يكن فيما فعله محمد بن مسلمة كفر صريح، وإنما فيه تلويح وألفاظ محتملة للكفر كما يقول المانعون أو بعضهم
فجواب المجيزين: المنع ، وتقرير أن كلامه وفعله قد تضمن الكفر الصريح، ولهذا قال صاحب عون المعبود (7/321):" إن التلفظ بأمثال هذه الكلمات لا يجوز قطعا في غير هذه الحالة .. ".
وقال ابن بطال – كما تقدم - في شرح البخاري (5/189) :" إنما أذن له أن يقول ما لو قاله بغير إذن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسمع منه لكان دليلا على النفاق، ولكن لما أذن له في القول لم يكن معدودًا عليه أنه نفاق " اهـ.
وقد بسط بعض ما في هذه القصة أبو بصير الطرطوسي فيما كتبه في الحالات التي يجوز إظهار الكفر فيها، وفي الحالة الثالثة منها تحديدا فقال:
" ومظاهر الكفر بادية في هذا الحديث من جهات عدة:
فذكر أمورا منها قوله:"
ومنها: قوله: " وإنه قد عنَّانا "؛ أي أتعبنا بسؤاله لنا الصدقة ونحن لا نجد ما نصدقه.. هذا المفهوم من سياق الكلام، وهذا لا شك أنه كفر لتضمنه التذمر وعدم الرضى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند ربه.
وقال أيضا:
ومنها: أن هذا المفهوم من قوله " قد عنَّانا " المتقدم الذكر هو الذي حمل كعباً على أن يقول:" وأيضاً والله لتملنَّه " أي سيأتي اليوم الذي تملون فيه النبي ودعوته بسب هذا الظلم، وهو سؤاله لكم الصدقة وأنتم لا تجدون ما تصدقونه..
وقال أيضا:
ومنها: قوله: " فلا نُحبُّ أن ندعه ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره "، أي أن وقوفنا معه قائم على اعتبار العاقبة، فإن كانت العاقبة له كنا معه وأصابنا الخير بسبب ذلك، وإن كانت العاقبة لغيره تركناه وتخلينا عنه.. فنحن ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمره.. وهذا لا شك أنه كفر.
وقال أيضا:
ومنها: قول عدو الله ورسوله كعب: " لتملنَّه ..." هو من الطعن والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم الظاهر.. ومع ذلك لم ينكر عليه الصحابة، وبقوا معه وفي مجلسه إلى أن تمكنوا من تنفيذ مهمتهم فيه..
والشاهد أن الجلوس في مجالس الكفر والاستهزاء بالدين من غير إنكار ولا إكراه ولا قيام هو كفر أكبر، ومع ذلك الصحابة فعلوه ليتمكنوا من استئصال الكفر الأكبر المتمثل في الطاغية كعب بن الأشرف لعنه الله.
ومنها: أن استئذان الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - النبيَّ في أن يقولوا فيه كلاماً؛ أي الكلام الذي يفيد الذم والتجريح الذي لا يجوز أن يُقال في الحالات الطبيعية إلا إذا آثر صاحبه الكفر على الإيمان.. وإلا فإن الكلام المباح لا يحتاج إلى استئذان! .
وهذا المعنى يوضحه ابن حجر في الفتح (7/392) حيث يقول: قوله" فأذن لي أن أقول شيئاً، قال قل.." كأن استأذنه أن يفتعل شيئاً يحتال به، ومن ثم بوب عليه المصنف " الكذب في الحرب " وقد ظهر من سياق ابن سعد للقصة أنهم استأذنوا أن يشكوا منه ويُعيبوا رأيه! .
وفي مرسل عكرمة:" وأذَنْ لنا أن نصيب منك فيطمئن لنا، قال: قولوا ما شئتم!" انتهى. ". هذا كله كلام أبي بصير بلفظه مع بعض اختصار.
تنبيهان:
الأول: ما ذكره الحافظ عن ابن سعد ورايته في الطبقات الكبرى هو فيه (2/32) بدون سند فينظر في صحة ذلك.
الثاني: ما ذكره أبو بصير من لفظة "وسررتني " لم أره من وجه صحيح، ولهذا حذفته، ولعل فيما صح من قول كعب " والله لتملنه " غنية عن المحذوف.
وقال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد (3/191):" ... وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة، وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد، فلما انتهوا إليه، قدموا سلكان بن سلامة إليه، فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعاما، ويرهنونه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك".
فأشار ابن القيم إلى عموم الإذن بقوله:" فأذن لهم أن يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به".
وأشار أيضا إلى ما تضمنه عمل سلكان بن سلامة – من أصحاب محمد بن مسلمة – من الكفر بقوله:" فأظهر له موافقته على الانحراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

ولهم دلائل أخرى ذكروها في رسائلهم ومساجلاتهم ربما يأتي ذكرها في حلقات تالية إن شاء الله تعالى.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 14-10-11, 08:33 PM
عبد العزيز كرعد الصومالي عبد العزيز كرعد الصومالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-09
المشاركات: 82
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

أولا ما نقلتم من كلام ابن قدامة أنه قال: وقال ابن قدامة في المغني (7/120) :" وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى: أن يكون إكراهاً لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا " اهـ.
وقال علاء الدين المرداوي في الإنصاف (8/141):" ضرب ولده وحبسه ونحوهما: إكراه لوالده، على الصحيح من المذهب، صححه في الفروع، والقواعد الأصولية، وغيرهما " اهـ.
هذا في باب النكاح وقد ذكروا هذا في باب النكاح والمذهب الحنابلة يفرقون ابين الإكراه على الكفر بين غيره كما هو مذهب غيرهم.

ثانياً:حديث مسلمة جوابه كجواب حديث الحجاج
ثالثاً: إنما أذن له النيل منه صلى الله عليه وسلم ولم يؤذن له غيره

رابعاً: قولكم: وهذا يعني النظر إلى استئذان محمد بن مسلمة وإذن النبي صلى الله عليه وسلم له، سواء وقع القول أو لم يقع، وذلك أنه كان مأذونا في ما لو قاله في غير تلك الحالة لكان كفرا.اهـــ يناقض قولكم والاستشهاد بهذه القصة عند المجيزين: عموم إذن النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة.

خامساً: ما نقلتم من أبي بصير من أن مظاهر الكفر بادية في هذا الحديث يعارض جميع الشراح الذين قالوا أن قول ابن مسلمة كان تعريضاً وتورية, وأن قوله يحتمل عدة معاني, فمثل هذا يستفصل مراده, قال النووي في شرحه (12/161) " هذا من التعريض الجائز, بل من المستحب لآن معناه في الباطن: انه أدبنا بآداب الشرع التي فيه تعب لكنه تعب في مرضاة الله فهو محبوب لنا والذي فهم المخاطب منه: العناء الذي ليس بمحبوب"
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 15-10-11, 12:16 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: قصة محمد بن مسلمة ودلالتها ( تعقيب )

ما ذكرتم من تناقض قول المجيزين، مما نصه الآتي:
رابعاً: قولكم: وهذا يعني النظر إلى استئذان محمد بن مسلمة وإذن النبي صلى الله عليه وسلم له، سواء وقع القول أو لم يقع، وذلك أنه كان مأذونا في ما لو قاله في غير تلك الحالة لكان كفرا.اهـ يناقض قولكم والاستشهاد بهذه القصة عند المجيزين: عموم إذن النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة.
يدل على أنكم لم تفهموا الكلام، وإلا فهو بعيد عن التناقض، بل هو واضح في التناسق، وبيان ذلك":
أن المراد بالعموم هو أن الإذن في النيل منه وغيره من المكفرات، فهذه هي جهة العموم في الإذن، ومعناه أن الإذن لم يكن خاصا في النيل منه صلى الله عليه وسلم.
وأما الحالة الخاصة: فهي العملية التي كان يقوم بها، فلو قال ما قال بغير ذلك الإذن في قصة قتل كعب بن الأشرف لكان دليلا على النفاق.
وأما ما ذكرتم في الفقرة الخامسة عندكم من أن قول أبي بصير مخالف لجميع شراح الحديث فلا يصح لأمور ذكرا في المشاركة السابقة:
الأول: أن هذا ينافي الإيمان عند بعض العلماء كما تقدم عن ابن القيم، ولا يقال مثل هذا في التعريض، وقد بين أن اعتبار هذا من التعريض قول بعض أهل العلم وهو الجواب الثاني، كما تقدم عن السبكي القياس عليه فيما تعلقت به مصلحة المسلمين.
الثاني: ما تقدم ابن بطال في شرح البخاري في شرح البخاري (5/189) :" إنما أذن له أن يقول ما لو قاله بغير إذن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وسمع منه لكان دليلا على النفاق، ولكن لما أذن له في القول لم يكن معدودًا عليه أنه نفاق " اهـ
فهذا تقرير أن ما فعلوه كفر عند ابن بطال، وليس من باب التعريض، مما يبطل حكايتكم اتفاق شراح الحديث على أنه تعريض.
الثالث: ما ذكره ابن القيم وقد تقدم من أنهم أظهروا له موافقتهم على الانحراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه ضيق حاله، فكلمه في أن يبيعه وأصحابه طعاما، ويرهنونه سلاحهم، فأجابهم إلى ذلك.
وأما ما ذكره النووي وآخرون فظاهر أنه تأويل للقول عن ظاهره، والأصل عدم التأويل، والمانع من حمل الظاهر على معناه لا يوافق عليه المجيز
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:24 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.