ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 02-04-18, 06:34 PM
أمين يوسف الأحمدي أمين يوسف الأحمدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-10-09
المشاركات: 272
افتراضي النبوة والموت

النبوة والموت

بقلم: أمين قادري

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير أنبيائه وصفوة رسله نبينا محمد، من كان مبعثه رحمة، وتعليمه نعمة، وذكره شرفا، والصلاة عليه سنة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فقد شهدت خطبة الجمعة بمسجدنا ليومنا المبارك هذا، المعطر بالصلاة على سيد النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فذكر الإمام المصيبة بموت الوالدين، وما فيها من الفجيعة بفوت أسباب الخير والبر وسد جنس من أجناس مسالك الجنة، ومهَّد لذلك تمهيدا حسنا بذكر أعظم مصائب الموت، وهو مصاب الأمة بوفاة النبي عليه الصلاة والسلم، والفجيعة بانقطاع الوحي وارتفاع سبب من أسباب الرحمة.

وقد كان من حسن التمهيد أن شغلني الفكر فيه عن إعمال الفكر في تابعه من الكلام، فتفكرت في السبب الموجب لكَتْب الموت على محمد صلى الله عليه وسلم وإجراء سنة قبض الروح عليه كما أجريت على سائر الخلق، وعدم تخصيصه -لا بالخلد-، ولكن بالبقاء ما بقيت الدنيا، خصيصة لمقام الهداية، أو كرامة لمقام النبوة، فحرك السؤال من فكري ما كر به على سبق مما قرأته أو لقنته، وساقني الفكر إلى اقتضاء مقام النبوة للموت لذاته، لا انقطاعه به، وهذا بيانه.

فمن المعلوم بالضرورة فضيلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمقام النبوة الذي هو الإنباء عن الغيب بالغيب من طريق الوحي، فإذا أُلبس المصطفون الأخيار خِلعة النبوة، نُقِلوا في مقام الشهود إلى عالم الغيب، وفتح عليهم من عيان الخفي ما حجب عن العيون الترابية بأصل الخلقة. فكان بعضُ معاشهم-بعد بعثهم-مِن معجّل معادهم، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة في المنام جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة، لما فيها من عيان القابل القريب أو البعيد الذي هو من علم الغيب الذي استأثر المولى سبحانه بجملته وتفصيله، وأعطى من شاء من خلقه لمح بصر منه تثبيتا لقلوب أهل كرامته، وتنبيها لقلوب من أراد بهم خيرا، وتحقيقا لماضي أقداره ليعلم الكفار ألا معقب لحكمه ولا راد لقضائه. ولذلك فمن صدّق الرؤيا كان غده قبل يومه، ولم يكن يومه إلا مهادا لغده، يقينا بوعد الله سبحانه.

وكان محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء والرسل، باصطفاء الله تعالى له من أصل الطينة الآدمية فيما سبق من علمه سبحانه عز شأنه قبل أن يخلق السماوات والأرض، ثم بتمهيد الله تعالى له أمر الأفضلية بأن أرسل إليه من أهل السماء أفضل الرسل، وأنزل عليه من أمره سبحانه أفضل الكتب، وبعثه في خير أمة أخرجت للناس، وكان عليه الصلاة والسلام في كل يوم من أيامه أقرب إلى مولاه من أمسه الذي قبله، لما لا يزال يتنزل عليه من أسباب حياة الروح من كلام الله وموعظته.

وقد كان من تعليم الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام ما علَّمه الأمةَ من الكتاب والسنة اللذين فيهما نجاتها وسعادتها، وما فضله الله تعالى به من نفاذ الفهم فيهما والفقه عمن علمه من فوق سبع سماوات، وما خصه به من المعارف المناسبة لمقام النبوة، والتي لم يعلق الله بها تكليفا للأمة، وإنما رقَّى بها نبيه في مدارج الولاية العظمى.

فلما انقضى أمر الوحي وانقضى الكتاب المنزل، كان النبي صلى الله عليه وسلم على الغاية القصوى من تمام معاني النبوة في ذاته الشريفة عليه الصلاة والسلام، فتم له بذلك موجب العيش في الغيب الذي نُبِّئه، ولم يبق فيه صلى الله عليه وسلم موجب لعيش الدينا، فلم تنقطع عنه النبوة بانقطاع تنزيل الكتاب، بل كملت وتمت وانتهت إلى أوفى المقادير، ولم يكن في انقطاع التنزيل انقطاع للوحي-وحاشاه صلى الله عليه وسلم-، وإنما كان فيه تمام الوحي واكتماله، وقد تم التكليف المخصوص-دون المطرد في حقه عليه الصلاة والسلام لمّا خيِّر بين البقاء واللقاء، فعلم عليه الصلاة والسلام أن فيما أنزل عليه في سني نبوته صلاحَ أمته للبشارة والنذارة، وصلاح نفسه لأكرم المنازل في الآخرة، فقال: بل الرفيق الأعلى.

فلمقام النبوة موضعان: موضع في حق المبعوث إليهم، يقتضي التصديق والمحبة والتعظيم والانقياد، وموضع في حق المبعوث نفسه-عليه الصلاة والسلام، يقتضي استكمال عدة المعرفة والعمل للقاء المولى سبحانه، فليس الموت للأنبياء انقطاعا للنبوة، بل هو كمالها وتمامها وانقضاء بنيانها وبلوغها محلها للسير إلى الدار الآخرة، فإن مقامات الانبياء في الآخرة لا تنزَل إلا عند تمام تحقق معنى الوحي في قلوبهم، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من وجهين، أولهما: أن بشارات الله تعالى له في القرآن كلها بشارات أخروية، فعلم أن مقام النبوة موضوع لأمر الآخرة، والثاني أنه عليه الصلاة والسلام لما عارضه جبريل القرآن مرتين علم أنه التمام، وأنه يفضي به إلى ما قدّر له ابتداء.

ولما كان حال أمته المختارة شعبة من تمام حاله عليه الصلاة والسلام، كان كمال حال شريعته واتساق أمر كتابها مؤذنا بأنها آخر الأمم، وأنه ليس بينها وبين الدار الآخرة إلا الانقياد التام والعمل الصالح، فقد أقيمت الحجة، واستقامت المحجة، ولم يبق إلا قلب عارف وقلب منكر.

وقد سن النبي صلى الله عليه وسلم لأمته سؤال حسن الختام، وأن يقبض العبد على أجمل الأحوال، فإن في ذلك من شبه صورة الحال بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يرجى به النجاة عند المولى سبحانه وتعالى، فإنه من أحسن فيما بقي غفر له ما مضى.

نسأل الله تعالى أن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها وأن يعيذنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأن يكتبنا في السعداء، ويوفقنا لعمل السعداء، ويجعلنا في المحيا والممات من الشهداء، وأن يحفظ علينا عقد الإسلام، يتم لنا أمر الإيمان، ويرقينا في مراتب الإحسان، إنه حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على معلم الخير نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:12 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.