ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #331  
قديم 01-08-15, 02:06 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

قال ابن القيم رحمه الله :

للعبد ستر بينه وبين الله وستر بينه وبين الناس فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس

الفوائد ( 1 / 31 )
رد مع اقتباس
  #332  
قديم 10-08-15, 12:41 AM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

https://youtu.be/fA2VKayhe1c

جاء رجل الى الامام أحمد بن حنبل فقال له : زوجتي لا تصلي . فقال له : طلقها لا خير فيها
رد مع اقتباس
  #333  
قديم 22-08-15, 07:46 AM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

سئل فضيلة الشيخ ( محمد بن صالح العثيمين رحمه الله ) - أعلى الله مكانه ومكانته عنده -: ما حكم استعمال السبحة؟

فأجاب فضيلته بقوله: السبحة ليست بدعة دينية، وذلك لأن الإنسان لا يقصد التعبد لله بها، وإنما يقصد ضبط عدد التسبيح الذي يقوله، أو التهليل، أو التحميد، أو التكبير، فهي وسيلة وليس مقصودة، ولكن الأفضل منها أن يعقد الإنسان التسبيح بأنامله - أي بأصابعه - لأنهن "مستنطقات" كما أرشد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن عد التسبيح ونحوه بالمسبحة يؤدي إلى غفلة الإنسان، فإننا نشاهد كثيرا من أولئك الذين يستعملون المسبحة نجدهم يسبحون وأعينهم تدور هنا وهناك لأنهم قد جعلوا عدد الحبات على قدر ما يريدون تسبيحه، أو تهليله أو تحميده، أو تكبيره، فتجد الإنسان منهم يعد هذه الحبات بيده وهو غافل القلب، يتلفت يمينا وشمالا، بخلاف ما إذا كان يعدها بالأصابع فإن ذلك أحضر لقلبه غالبا، الشيء الثالث أن استعمال المسبحة قد يدخله الرياء، فإننا نجد كثيرا من الناس الذين يحبون كثرة التسبيح يعلقون في أعناقهم مسابح طويلة كثيرة الخرزات، وكأن لسان حالهم يقول: انظروا إلينا فإننا نسبح الله بقدر هذه الخرزات.وأنا أستغفر الله أن أتهمهم بهذا، لكنه يخشى منه، فهذه ثلاثة أمور كلها تقتضي بأن يتجنب الإنسان التسبيح بالمسبحة، وأن يسبح الله سبحانه وتعالى بأنامله. ثم أن الأولى أن يكون عقد التسبيح بالأنامل في اليد اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيمينه (1) واليمنى خير من اليسرى بلا شك، ولهذا كان الأيمن مفضلا على الأيسر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله وأمر أن يأكل الإنسان بيمينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك وكل مما يليك" . وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يأكلن أحدكم بشماله، ولا يشربن بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" . فاليد اليمنى أولى بالتسبيح من اليد اليسرى اتباعا للسنة، وأخذا باليمين فقد: "كان النبي عليه الصلاة والسلام يعجبه التيامن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله" . وعلى هذا فإن التسبيح بالمسبحة لا يعد بدعة في الدين؛ لأن المراد بالبدعة المنهي عنها هي البدع في الدين، والتسبيح بالمسبحة إنما هو وسيلة لضبط العدد، وهي وسيلة مرجوحة مفضولة، والأفضل منها أن يكون عد التسبيح بالأصابع.


الكتاب :مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
المؤلف : محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى : 1421هـ)
جمع وترتيب : فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان
الناشر : دار الوطن - دار الثريا
رد مع اقتباس
  #334  
قديم 02-09-15, 01:15 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

( حكم صيام يوم السبت )


الإعلام بما تضمنه حديث آل بسر من الأحكام

أبوسامي العبدان
حسن التمام


















بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
[النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71]
أما بعد :
فمن المسلَّم به عند المسلمين جميعًا أن الحديث الصحيح حجة بنفسه ، ولا تجوز مخالفته بأي حال من الأحوال , ولا يضرب له الأمثال , فالواجب على المسلم
الانقياد والتسليم له,والتصديق به , وعليه أن ينكر أشد الإنكار على من يسلك غير هذا السبيل , قال الله تعالى :
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ .. } [النساء: 80] وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
[النساء: 65] وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
وقال: { .. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .. } [الحشر: 7]
وقال :{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } النور(63)
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) : " ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح : عملاً ، و لا رأيا ، و لا قياساً ، و لا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ، و يقدمونه على الحديث الصحيح ، و قد كذّب أحمد من ادعى هذاالإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ".
وقال كما في مختصر ((الصواعق المرسلة)):" ,إن أهل السنة إذا صحت لهم السنة عن رسول الله لم يتوقفوا عن العمل بها ، من غير نظر إلى من وافقها أو خالفها ، و قد نص الشافعي على ذلك في كثير من كتبه ، و عاب على من يقول لا أعمل بالحديث حتى أعرف من قال به
ذهب إليه ، بل الواجب على من بلغته السنة الصحيحة أن يقبلها و أن يعاملها بما كان يعاملها الصحابة حين يسمعونها من رسول الله فينزل نفسه منزلة من سمعها منه صلى الله عليه و سلم".
وقال شارح الطحاوية: "فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم
والانقياد والإذعان كما نوحد المرْسِل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل".
وعن ابن أبي ذئب أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث فقال له رجل: يا أبا الحارث أتأخذ بهذا ؟ فضرب صدره وصاح عليه صياحاً كثيراً
ونال منه وقال: أحدِّثُك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به؟ نعم آخذ به وذلك فرضٌ عليَّ، وعلى من سمعه، إن الله تبارك وتعالى اختار محمداً
من الناس فهداهم به، وعلى يديه واختار لهم ما اختار له على لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك. قال:وما سكت حتى تمنى أن يسكت)).
وعن ابن خزيمة قال: قلت لأحمد بن نصر ـ المقرئ النيسابوري ـ وحدث بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أتأخذ به ؟ فقال: أترى على وسطي زناراً؟
لا تقل بخبر النبي صلى الله عليه وسلم أتأخذ به؟ وقل أصحيح هو ذا؟ فإذا صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قلتُ به شئتُ أم أبيتُ))((ذم الكلام)) (175/2).
ومن المسائل الفقهية التي اختلف فيها النَّاس قديماً وحديثاً , وتباينت فيها الأراء مسألة صيام يوم السبت في غير الفريضة ، فمن المستنكر لها جملة وتفصيلا وعادّاً القول بها من شذوذ الأقوال ويَزعم أن هذا لم يقل به أحد من السلف , ويُطالب بسلف للقائل , ومايدري هذا المسكين أن
هذا هو قول سيد السلف وإمامهم صلى الله عليه وآله وسلم , والسعيد مَنْ إتبّع الدليل , وأعرض عن أراء الرجال , وعمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به , قال الإمام الشافعي : " يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ، و إن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر
الذي قبلوا ، إن حديث رسول الله يثبت بنفسه ، لا بعمل غيره بعده "
وقال النووي في((شرح صحيح مسلم))- باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعاً لرمضان -:" قال مالك في الموطأ : ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها- يعني الستة من شوال - ، قالوا : فيكره لئلا يظن وجوبه ، و دليل الشافعي و موافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح ، و إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها ".
وأصل الخلاف ومداره رواية ودراية حول حديث آل بسر رضي الله عنهم مرفوعا:

((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم , فإنْ لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه))
وقد جعلت هذه المسألة على فصلين :



الأول : تخريج الحديث والحكم عليه من حيث القبول والرد على قواعد أهل هذا الفن .

والثاني : ماتضمنه هذا الحديث الشريف من أحكام .

فلنشرع بالمقصود ونسأل الله التوفيق والسداد فهو المأمول وحده .


وكتب
أبوسامي العبدان
( حسن التمام )
15 - شوال - 1436 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم






الفصل الأول

تخريج حديث آل بسر رضي الله عنهم والحكم عليه من حيث القبول والرد على قواعد أهل هذا الفن


(( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه )).
صحيح - أخرجه أبوداود (2421) والترمذي (744), ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة))(1806), وابن ماجه (1726), والنسائي في ((الكبرى))
( 2775),(2776),(2777), وأحمد (6/368) ,وابن بشكوال في ((الغوامض والمبهمات ))(2/797), وعلّقه الدارقطني في ((العلل))(311/15) , والطبراني في الكبير 24/ (818), (819), (820) ,(821) ,وفي((مسند الشاميين ))(1/245), وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3411) ,والحاكم (435/1),وأبونعيم في ((معرفة الصحابة))(6/3380), والدارمي (1749) ، وابن خزيمة (2163) ، والطحاوي في ((شرح المعاني ))(80/2) ,والطبراني في الكبير (24/325) –ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (35/218)- وابن منده في الصحابة
كما في "الإصابة" 13/23 , وأبونعيم في ((معرفة الصحابة ))(6/3380) ,والبيهقي (302/4), وفي فضائل الأوقات (307) ,وتمام الرازي في ((فوائده))(199/1-الروض البسام),والضياء المقدسي في ((المنتقى من مسموعاته بمرو))(109/1): عن جمع من الرواة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: فذكره .
وقال الترمذى:
" حديث حسن , ومعنى كراهيته فى هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام , لأن اليهود تعظم يوم السبت ".
وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخارى "وأقره الذهبى , وهو كما قالا .
وصححه ابن السكن كما فى " تلخيص الحبير "
(2/216) .
وصححه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والضياء المقدسي وابن قدامة والنووي وابن الملقن والعراقي .
وتابع خالدَ بنَ معدان ,ابنُ عبدالله بن بسر :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2773), وابن خزيمة (2164)لكن سقط منه (( ابن ))!: من طريق مُعَاوِيَة بْنِ صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّتِهِ الصَّمَّاءِ اخت بسر انها كانت تقول :
(( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ، وَيَقُولُ: ((ِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودًا أَخْضَرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ )).
لكن عدّها الإمام ابنُ خزيمة مخالفة لرواية ثور , فقال :
" خالف معاوية بن صالح ثور بن يزيد في هذا الاسناد فقال ثور عن اخته يريد اخت عبدالله بن بسر , قال معاوية :عن عمته الصماء اخت بسر عمة
ابيه عبدالله بن بسر لا اخت ابيه عبد الله بن بسر ".
قال الألباني في ((الإرواء))(121/4):" ولكنى لم أعرف ابن عبد الله بن بسر هذا , وقد تبادر إلى ذهنى أن قول عبد الله بن بسر ( كذا وقد سقط منه ابن )
" عن عمته " يعنى عمته هو , وليس عمة أبيه ,وإن كان يحتمل العكس , فإن كان كما تبادر إليّ فهو شاهد لا بأس به , وإن كان الآخر لم يضر لضعفه.
قلت : لكن في نفس الرواية أنها أخت بسر , فالمقصود أنها عمة عبدالله بن بسر , والصماء صحابية بلا شك لكن اختلف في قرابتها من عبدالله بن بسر ,
هل هي أخته , أم عمته , أم خالته , وهو اختلاف لايضر أصل الحديث وسيأتي بيان ذلك .
وتابع ثوراً لقمانُ بن عامر :
أخرجه أحمد 6/368: من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن لقمان، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء.
قلت : وهو المحفوظ عن ثور , وقد اختُلف عليه فيه على ثلاثة أوجه :

الوجه الأول : عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالله بن بسر مرفوعا .
أخرجه بن ماجه (1726),والنسائي في الكبرى (2774), وعبد بن حميد (508- المنتخب) ,والضياء في ((المختارة))(64/9),
وعلّقه الدارقطني في ((العلل))( 311/15),وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))(398) , وأبونعيم في الحلية (5/218).
وتابعه عتبةَ بن السكن :
أخرجه تمام الرازي في ((فوائده))(200/2-الروض البسام).
قلت : عتبة بن السكن : متروك كما قال الدارقطني في ((سننه)) , وانظر ((الميزان))(28/3), و((اللسان))(368/5), ولم يعتد أبونعيم بهذه
المتابعة فقال :
" غريب من حديث خالد، تفرد به عيسى عن ثور ".
وعيسى بن يونس : ثقة , لكنه روايته عن ثور مخالفة لرواية الجماعة , وعلى كل حال إن هذا الوجه لا يضرّ الحديث لأن عبدالله بن بسر صحابي ,
وسيأتي التصريح بسماعه هذا الخبر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

الوجه الثاني : بَقِيَّة، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ الصَّمَّاءِ
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2778).
قلت: بقية ضعيف وقد خالف جمهور الرواة عن ثور في جعلها عمة عبد الله بن بسر , ومن إضطرابه به أنه قال :: حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِيبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ .
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2779).
وأخرج النسائي أيضا في ((الكبرى )) (2782):عن سَعِيد بْن عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ خَالَتِهِ الصَّمَّاءِ.
وخالف بقيةَ , إسماعيلُ بن عياش :
أخرجه أحمد 6/368 : من طريقه عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن لقمان، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء.
قال الحافظ في ((التقريب)): "إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي بالنون أبو عتبة الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم".
قلت : وهذا من روايته عن أهل بلده فهي طريق جيدة.
لكن أخرجه الطبراني في ((الشاميين))(1591) من طريق ضمرة بن ربيعة، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن الزُّبيدي، عن لقمان بن عامر، عن عبد الله بن بُسر،
عن أخته الصماء، قالت:
نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصوم أحدكم يوم السبت.
فأسقط من إسناده خالدَ بنَ مَعْدان بين لقمان بن عامر وعبد الله بن بُسْر.
قلت : ومهما يكن فإن هذا الوجه لا يؤثّر في الحديث لأن بقية لاتعتد بمخالفته , فلايُعارض به الصحيح مما تقدم.

الوجه الثالث : أبو بكر عبد الله بن يزيد المقرئ قال: سمعت ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان عن عبد الله بن بُسْر عن أمّه .
أخرجه تمام الرازي في ((الفوائد))(198/2-الروض البسام).
قلت : خالف جمهورَ الرواة عن ثور: أبو بكر عبد الله بن يزيد المقرئ , وقال عنه أبو حاتم: شيخ، ونقل عن دحيم أنه وصفه بالصدق والستر، فمثله
لا تحتمل روايته عند المخالفة.

الوجه الرابع : العلاء عن داود بن عبيد الله، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن
عائشة .
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2784).
قلت : داود بن عبيدالله : لايعرف .
قال الذهبي في ((الميزان))( 12/2) :
"داود بن عبيد الله عن خالد بن معدان في النهى عن صوم السبت : لا يعرف , تفرد بالحديث عنه العلاء، وكأنه ابن الحارث ".
قلت : وعبدالله بن بسر صحابي , وكذا أخته الصماء , وقد نقل أبوعمر ابن عبدالبر في ((الإستيعاب)) ,والحافظ في ((الإصابة))(748/7):
عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال: قال لي دحيم: " أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه و سلم بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء ".
قلت : الصماء صحابية لكن اختلف في قرابتها من عبدالله بن بسر , قال الحافظ في ((الإصابة)) : " " الصماء بنت بسر المازنية لها ولأبويها وأخيها عبد الله بن بسر صحبة روت عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن صوم يوم السبت وقيل هي عمة عبد الله وقيل خالته فأخرج بن منده من طريق الوليد بن مسلم وغيره عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء وأخرجه بعلو عن أبي عاصم عن ثور من طريق معاوية بن صالح عن أبي عبد الله بن بسر عن أبيه عن عمته الصماء ومن طريق فضيل بن فضالة عن عبدالله بن بسر عن خالته الصماء أخرج حديثها أصحاب السنن من طريق ثور وأكثر النسائي من تخريج طرقه وبيان اختلاف رواته ورجح دحيم الأول قال أبو زرعة الدمشقي قال لي دحيم
أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه و سلم بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء "
وفي التهذيب (382/12) : " الصماء بنت بسر المازنية من مازن قيس، واسمها نهيمة , ويقال: بهمية، وهي أخت عبد الله بن بسر، وقيل: عمته، وقيل: خالته ...".
قلت : فالإختلاف في مدى قربتها من عبدالله بن بسر لا يضرّ الحديث ,وقد ثبتت صحبة عبدالله بن بسر , وجاء هذا الحديث من طريقين صحيحين عنه أنه سمعه من النبي
صلى الله عليه وآله وسلم :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2772), والدولابي في ((الكنى والأسماء))(1795),وابن حبان (3615) , والضياء في ((المختارة))(58/9):
من طريق مُبَشِّر بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: تَرَوْنَ يَدِي هَذِهِ؟ قَدْ بَايَعَتْ بِهَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
(( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فَرِيضَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهَا )).
وتُوبع مبشر:
أخرجه أحمد (17690- الرسالة) , والضياء في ((المختارة))(59/9) : من طريق علي بن عياش عن حسان بن نوح به .
وتابع حسانا : يحي بنُ حسان :
أخرجه أحمد (17686 - الرسالة), ومن طريقه الضياء في ((المختارة))(104/9):عن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالَقَانِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ الْمَازِنِيَّ، يَقُولُ:
" تَرَوْنَ يَدِي هَذِهِ؟ فَأَنَا بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ".
وجاء هذا الحديث من رواية عبدالله بن بسر عن أبيه :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2781) , والطبراني في (مسند الشاميين))(1875):من طريق أبي تَقِيٍّ عَبْد الْحَمِيد بْن إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ،
عَنِ الزُّبَيْدِيِّ , مُفَضَّلُ ( كذا عند الطبراني , وعند النسائي الفضل )بْنُ فَضَالَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ بُسْرَ
يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ وَقَالَ: ((إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا يَمْضَغُ لَحَا شَجَرَةٍ فَلَا يَصُومُ يَوْمَئِذٍ ))
قَالَ ابْنُ بُسْرٍ: فَإِنْ شَكَكْتُمْ فَاسْأَلُوا أُخْتِي فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، فَحَدَّثْتُهُ بِذَلِكَ ".
وقال النسائي : "أَبُو تَقِيٍّ هَذَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُهُ لِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ".
قال المزي في ترجمته من ((تهذيب الكمال)): " قال المزى : قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت محمد بن عوف عنه ، فقال : كان شيخا ضريرا ،
لا يحفظ ، و كنا نكتب من نسخة عند إسحاق زبريق لابن سالم ، فنحمله إليه و نلقنه ، فكان لا يحفظ الإسناد . و يحفظ بعض المتن ، فيحدثنا ،
وإنما حملنا على الكتاب عنه شهوة الحديث . و كان محمد بن عوف إذا حدث عنه ، قال : وجدت فى كتاب عبد الله بن سالم و حدثنى أبو تقى به .
و قال أبو حاتم : كان فى بعض قرى حمص ، فلم أخرج إليه ، و كان ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم ، عن الزبيدى ، إلا أنه ذهبت كتبه ، فقال :
لا أحفظها ، فأرادوا أن يعرضوا عليه ، فقال : لا أحفظها . فلم يزاولوا به حتى لان ، ثم قدمت حمص بعد ذلك ، بأكثر من ثلاثين سنة ،
فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب .
و قالوا : عرض عليه كتاب ابن زبريق و لقنوه ، فحدثهم به ، و ليس هذا بشىء ، رجل لا يحفظ ، و ليس عنده
كتب .
و قال النسائى : ليس بشىء .
و قال فى موضع آخر : ليس بثقة .
و ذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات " .
روى له النسائى حديثا واحدا متابعة ".
وقال الحافظ : " صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه ".
قلت : ولم يتفرد به أبو تقي , فقد تابعه عمرو بن الحارث لكن الطريق إليه غير صالحة للإعتبار :
أخرجه الطبراني (1191) , وفي ((مسند الشاميين))(1875): من طريق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن زِبْرِيق الْحِمْصِيّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ،ثنا الْفُضَيْلُ بْنُ فَضَالَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَاهُ بُسْرًا، يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ )) ، فَقَالَ: ((إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَمْضَغَ لَحَى شَجَرَةٍ، فَلَا يَصُمْ يَوْمَئِذٍ ))
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ شَكَكْتُمْ فَسَلُوا أُخْتِي، قَالَ: فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثَتْهُ بِذَلِكَ .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جدًا لأجل إسحاق بن إبراهيم بن زبريق .
قال الذهبي في ((ديوان الضعفاء))(26/1)" كذبه محمد بن عوف، وقال أبو داود: ليس بشيء".
وله شاهد بإسناد جيد من حديث أبي أمامة :
أخرجه الروياني في ((مسنده))(307/2): نَا سَلَمَةُ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِي الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ )).
وتابع حسانا : عبدُالله بن دينار:
أخرجه الطبراني (7722) : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ
قَالَ: (( لَا تَصُمِ السَّبْتَ إِلَّا فَرِيضَةً، وَلَوْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا لَحَا شَجَرٍ فَأَفْطِرْ عَلَيْهِ )) .
قال الهيثمي في ((المجمع))(198/3) :
" رواه الطبراني في ((الكبير)) من طريق إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهو ضعيف فيهم ".
قال المعلمي في ((التنكيل)) رقم (52): "إسماعيل ثقة في نفسه، لكن عن غير الشاميين تخليط لكثير، فحدّه إذا روى عن غير الشاميين
أن يصلح في المتابعات والشواهد".
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 301): "صدوق".
قلت : وروايته هذه عن عبدالله بن دينار البهراني الشامي الحمصي .
قال المزي في ((تهذيب الكمال)): " قال المفضل بْن غسان الغلابي ، عَنْ يَحْيَى بْن معين : شامي ضعيف .
وقال إِبْرَاهِيم بْن يعقوب الجوزجاني : يتأني فِي حَدِيثه .
وقال أَبُو حاتم : شيخ لَيْسَ بالقوي فِي الحَدِيث .
وقال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَلِي الْحَافِظ : هُوَ عندي ثقة .
وقال الدارقطني : لا يعتبر بِهِ .
وذكره ابْن حبان فِي كتاب الثقات ,رَوَى لَهُ ابْن ماجه
حَدِيثا ".

قال الألباني في ((الإرواء))(960)-عن الإسناد الأول الذي عن أبي أمامة-: "وهذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حسان بن نوح وثقه العجلى وابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات وقال الحافظ فى (( التقريب )) : " ثقة ".
قلت - القائل الألباني - فإما أن يقال: إن حسانا له إسنادان فى هذا الحديث أحدهما عن عبد الله بن بسر , والآخر عن أبى أمامة ,
فكان يحدث تارة بهذا , وتارة بهذا ,فسمعه منه مبشر بن إسماعيل وعلى بن عياش منه بالسند الأول , وسمعه أبو المغيرة ـ واسمه
عبد القدوس بن الحجاج الخولانى ـ منه بالسند الآخر , وكل ثقة حافظ لما حدث به.
وإما أن يقال: خالف أبو المغيرة الثقتين , فروايته شاذة , وهذا أمر صعب لا يطمئن له القلب , لما فيه من تخطئه الثقة بدون حجة قوية.
فإن قيل: فقد تبين من رواية يحيى بن حسان وحسان بن نوح أن عبد الله بن بسر قد سمع الحديث منه صلى الله عليه وسلم , وهذا معناه تصحيح للوجه
الثانى أيضا من وجوه الاضطراب المتقدمة , وقد رجحت الوجه الأول عليها فيما سبق , وحكمت عليها بالشذوذ , فكيف التوفيق بين هذا التصحيح
وذاك الترجيح ؟
والجواب: إن حكمنا على بقية الوجوه بالشذوذ إنما كان باعتبار تلك الطرق المختلفة على ثور بن يزيد , فهو بهذا الاعتبار لا يزال قائما.
ولكننا لما وجدنا الطريقين الآخرين عن عبد الله بن بسر يوافقان الطريق المرجوحة بذاك الاعتبار , وهما مما لا مدخل لهما فى ذلك الاختلاف ,
عرفنا منهما صحة الوجه الثانى من الطرق المختلفة.
بعبارة أخرى أقول: إن الاضطراب المذكور وترجيح أحد وجوهه إنما هو باعتبار طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن ابن بسر , لا باعتبار
الطريقين المشار إليهما بل ولا باعتبار طريق لقمان بن عامر عن خالد بن معدان , فإنها خالية من الاضطراب أيضا , وهى عن عبد الله بن بسر
عن أخته الصماء , وهى من المرجحات للوجه الأول , وبعد ثبوت الطريقين المذكورين , يتبين أن الوجه الثانى ثابت أيضا عن ابن بسر عن
النبى صلى الله عليه وسلم بإسقاط أخته من الوسط. والتوفيق بينهما حينئذ مما لابد منه وهو سهل إن شاء الله تعالى , وذلك بأن يقال:
إن عبد الله بن بسر رضى الله عنه سمع الحديث أولا من أخته الصماء , ثم سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة , فرواه خالد بن معدان عنه
على الوجه الأول , ورواه يحيى وحسان عنه على الوجه الآخر , وكل حافظ ثقة ضابط لما روى.
ومما سبق يتبين لمن تتبع تحقيقنا هذا-يعني رحمه الله تعالى ما حققه في ((الإرواء))- أن للحديث عن عبد الله بن بسر ثلاثة طرق صحيحة ,
لا يشك من وقف عليها على هذا التحرير الذى أوردنا أن الحديث ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فمن الإسراف فى حقه ,
والطعن بدون حق فى رواته ما رووا بالإسناد الصحيح عن الزهرى أنه سئل عنه ؟ فقال:
" ذاك حديث حمصى " !
وعلق عليه الطحاوى بقوله: " فلم يعده الزهرى حديثاً يقال به , وضعفه " !
وأبعد منه عن الصواب , وأغرق فى الإسراف ما نقلوه عن الإمام مالك أنه قال: " هذا كذب " !
وعزاه الحافظ فى " التلخيص " (200) لقول أبى داود فى " السنن " عن مالك.
ولم أره فى " السنن " فلعله فى بعض النسخ أو الروايات منه. وقال ابن الملقن فى " خلاصة البدر المنير " بعد أن ذكر قول مالك هذا (103/1):
" قال النووى لا يقبل هذا منه , وقد صححه الأئمة ".
وقال في ((صحيح أبي داود))(2094)- متعقبا قول الزهري ذاك حديث حمصي-: "هذا نقد غريب لحديث الثقة الصحيح من مثل الإمام ابن شهاب
الزهري! ويكفي في ردِّهِ عليه:
أن جماعة من الأئمة قد صححوه من بعده...ولكن بمثله-أي قول الزهري- لا يردُّ حديث الثقة الصحيح؛فإن مداره على ثور بن يزيد عن خالد بن معدان
عن عبد الله بن بسر، وكل واحد منهم حمصي؛ فـ (ابن بُسْرٍ) صحابي معروف؛ أفيُرَدّ حديثه لمجرد كونه حمصياً؟!ومثله يقال في خالد وثور؛ فإنهما ثقتان
مشهوران. أفيرد حديثهما لكونهما حمصيين؟!
تالله! إنه لنقد محْدَثٌ! فمتى كان الحديث يرد بالنظر إلى بلد الراوي؟! ورحم الله الإمام الشافعي حين قال للإمام أحمد:
" أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فأعلموني به
"أيَ شيء يكون: كوفياً، أو بصرياً، أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً "(صفة الصلاة ص 32- الطبعة التاسعة) .
وشرح صاحب "عون المعبود" قول ابن شهاب المذكور بقوله (2/297) :
" يريد تضعيفه؛ لأن فيه راويان حمصيان (كذا الأصل !) ، أحدهما: ثور بن يزيد. وثانيهما: خالد بن معدان، تكلم فيهما بعض، ووثقهما بعض "!
قلت -الألباني-: وهذا تعليل مردود؛ فإن ابن معدان لم يتكلم فيه أحد إلا بالتوثيق، وحسبك فيه احتجاج الأئمة الستة وغيرهم به، وقول الحافظ ابن حجر في"التقريب "فيه: "ثقة عابد".
وأما ثور بن يزيد؛ فهو متفق على توثيقه أيضاً والاحتجاج بحديثه، ولم يتكلم فيه أحد بتضعيف؛ وإنما تكلم فيه بعضهم لقوله بالقدر، ولذلك قال الحافظ في"مقدمة الفتح " (2/120) :
" اتفقوا على تثبته في الحديث، مع قوله بالقدر... ". ونحوه قوله في " التقريب ": " ثقة ثبت، إلا أنه يرى
القدر ".
ولا يخفى على العارفين بعلم المصطلح: أن مثل هذا الرأي لا يعتبر جرحاً يُرَدّ به حديث الرجل؛ لأن العبرة في الرواية إنما هو الصدق والضبط، وليس السلامة من البدعة؛ على تفصيل معروف. ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله:
" لو تركنا الرواية عن القدرية؛ لتركنا أكثر أهل البصرة ".
قال شيخ الإسلام في " الفتاوى " (7/386) :
" وذلك لأن مسألة خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات مسألة مشكلة، وكما أن القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطأُوا فيها، فقد أخطأ فيها كثير
ممن رد عليهم أو أكثرهم؛
فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان وأتباعه، فنفوا حكمة الله في خلقه وأمره، ونفوا رحمته بعباده، ونفوا ما جعله من الأسباب خلقاً وأمراً... ".
ولذلك فلا يجوز رَدُّ حديث ثور هذا لأنه يرى القدر، لا سيما وقد قيل إنه رجع عنه؛ فكيف وقد تابعه لقمان بن عامر، كما ذكرت في "الإرواء"، وهو صدوق لم يتكلم فيه أحد إلا أنه حمصي أيضاً؟ ا".




الفصل الثاني

ماتضمنه الحديث من الأحكام

الحديث يدل بمنطوقه على عدم مشروعية صيام السبت في غير الفريضة , وأنه لايجوز صيام يوم السبت في النوافل كلِّها سواء ضُمَّ إليه يوم آخر، أو وافق صوماً معتاداً كعرفة أو عاشوراء أو ست من شوال أو الأيَّام البيض أو شهر شعبان إلى غير ذلك من صيام النَّافلة، إذ النهي يقتضي التحريم إلا لقرينة , والحديث يدل على شرعية صيام السبت في كلِّ ما فُرِضَ علينا كرمضان أو صوم الكفَّارة أو صوم القضاء أو النَّذر إلى غير ذلك من صور صيام
الفرض ,والحديث متناول للفرض فقط , وفيه مبالغة لإظهار عدم صومه (( وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه )) ولو بالتظاهر أنك غير صائم لهذا اليوم , مُظهر لفطره بمضغ عود شجرة أو لحاء عنبة .
قال العراقي: كما في ((فيض القدير)) (408/6)" هذا من المبالغة في النهي عن صومه , لأنَّ قشر شجر العنب جاف لا رطوبة فيه ألبتة بخلاف غيره من الأشجار ".
وقال الطحاوي في ((شرح المعاني))(80/2): " ذهب قوم إلى هذا الحديث ، فكرهوا صوم يوم السبت تطوعا".
قال العيني في ((نخب الأفكار))(433/8): " أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا،
واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ".
قلت :ولفظ الكراهة قد يطلق ويُراد به التحريم :
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) : " وقدغلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك ، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم ،
وأطلقوا لفظ الكراهة ، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة ، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه ، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى ، وهذا كثير جدا في تصرفاتهم ; فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة ، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين : أكرهه ، ولا أقول هو حرام ، ومذهبه تحريمه ، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان .
وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله : ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة ، ومذهبه أنه لا يجوز ، وقال في رواية أبي داود :
ويستحب أن لا يدخل الحمام إلا بمئزر له ، وهذا استحباب وجوب ، وقال في رواية إسحاق بن منصور : إذا كان أكثر مال الرجل حراما فلا يعجبني أن يؤكل ماله ، وهذا على سبيل التحريم .
وقال في رواية ابنه عبد الله : لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة ، وكل شيء ذبح لغير الله ، قال الله عز وجل :
{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } .
فتأمل كيف قال : " لا يعجبني " فيما نص الله سبحانه على تحريمه ، واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه ، وقال في رواية الأثرم :
أكره لحوم الجلالة وألبانها ، وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره ، وقال في رواية ابنه عبد الله : أكره أكل لحم الحية والعقرب ; لأن الحية لها ناب والعقرب لها حمة ولا يختلف مذهبه في تحريمه ، وقال في رواية حرب : إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني ;
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أرسلت كلبك وسميت } فقد أطلق لفظه " لا يعجبني " على ما هو حرام عنده" .
ثم ساق أقوالا عن باقي الأئمة أنهم يطلقون لفظ الكراهة ومرادهم التحريم ...
وإليك بعض نصوص الكراهة التي ذكرها الطحاوي في ((شرح المعاني)) وهي معروفةالحرمة:
قال (203/4):" وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا أكل لحوم الحمر الأهلية ".
وقال (243/4) :" وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا لبس الحرير للرجال واحتجوا في ذلك بالآثار المتواترة المروية في النهي عنه".
وقال (259/4): "وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا خواتيم الذهب للرجال".
وقال (40/3):" فَكَرِهُوا وَطْءَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ , وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ , وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ " .

وقال أبودود في ((سننه))" هذا الحديث منسوخ ".
قال الحافظ في ((التلخيص))(470/2): "وَلَا يَتَبَيَّنُ وَجْهُ النَّسْخِ فِيهِ قُلْت : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ فِي آخِرِأمْرِهِ قَالَ خَالِفُوهُمْ فَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ يُوَافِقُ الْحَالَةَ الْأُولَى وَصِيَامُهُ إيَّاهُ يُوَافِقُ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ وَهَذِهِ صُورَةُ النَّسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ".
وقال في ((الفتح))(362/10): " وناسخه حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت والأحد، يتحرى ذلك، ويقول:
"أنهما يوما عيد الكفار، وأنا أحب أن أخالفهم"
وفي لفظ: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد؛ أخرجه أحمد والنسائي، وأشار بقوله: "يوما عيد"
إلى أنَّ يوم السبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامه؛ ويستفاد من هذا: أنَّ الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيداً؛ بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد:
فالأولى أن يصاما معاً وفرادى امتثالاً لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب ".
قلت : الحديث الذي ذكره الحافظ ضعيف ودونك بيان ذلك :
وهو حديث أم سلمة :عن كريب مولى ابن عباس قال : إن ابن عباس وناسا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياما ؟ فقالت : يوم السبت والأحد ، فرجعت إليهم فأخبرتهم ، فكأنهم أنكروا ذلك فقاموا
بأجمعهم إليها فقالوا : إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا ، فذكر أنك قلت كذا وكذا ، فقالت : صدق ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد ، وكان يقول : " إنهما يوما عيد للمشركين ، وأنا أريد أن أخالفهم " .
ولفظ النسائي : ((مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَوْمِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَيَقُولُ: «هُمَا عِيدَانِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ نُخَالِفَهُمْ )).
قلت وهذا الحديث ضعيف - أخرجه أحمد (324/6) , والنسائي في (( الكبرى))(2775 , 2776 ), وابن خزيمة ( 2167 ) , وابن حبان ( 3616 , 3646)
والحاكم ( 436/1 ) , والطبراني في ((الكبير))(ج 23 برقم 616 , 964 ) و في ((الأوسط)) (3869) , والبيهقي ( 4/303 ):
من طرق عن عبدالله بن المبارك عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال : حدثنا أبي عن كريب به .
وقال الحاكم :
" إسناده صحيح " ووافقه الذهبي !
قلت : بل إن إسناده ضعيف فيه عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب , الملقب ب ( دافن )
قال يعقوب بن شيبة كما في (( تهذيب الكمال ))( 94/16) عن على بن المديني : هو وسط .
وقال مغلطاي في (( إكمال تهذيب الكمال))(185/8): " ذكره ابن خلفون في كتاب ((الثقات)) ".
قلت : وذكره ابن حبان في كتاب (( الثقات)) (1/7-2)
وقال :
" يخطئ ويخالف " , ولهذا قال الحافظ في ترجمته من
(( التقريب ))(3620):
" مقبول ". يعني حيث يُتابع ، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة ولم يتابع على هذا الحديث، فهو لين , وهذا هو المُراد من قول الإمام علي بن المديني " هو
وسط "
أي : صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به , جاء في ((تحرير علوم الحديث)) :" قولهم: (وسط)
تقع في كلام ابن المديني، ومن المتأخرين الذهبي.
وهل هي مرتبة تعديل، أم لا؟
دلالتها من لفظها تضع الموصوف بها في مرتبة بين التعديل والتجريح، ومن كان كذلك فلا يحسن أن يلحق بمراتب التعديل، كما لا يصار به إلى الجرح، فحديثه موقوف على المرجح، وهو المتابعات والشواهد، وعليه يقال: هي مرتبة صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به.
ومما يبين ذلك من استعمالهم:
قول يحيى بن سعيد القطان في (يزيد بن كيسان اليشكري): "ليس هو ممن يعتمد عليه، وهو صالح وسط " .
وقول علي بن المديني في (محمد بن مهاجر): " كان
وسطاً " .
وقوله في (موسى بن أعين): " كان صالحاً وسطاً " .
وقول أبي زرعة الرازي في (محمد بن الزبرقان أبي همام): " صالح، هو وسط " .
قلت: فدلالة هذه العبارة لا تعدو صلاحية حديث الراوي للاعتبار عند من قالها في حق من قيلت فيه ".
وأعله ابن القطان في (( الوهم والإيهام)) بأبيه فقال:
" ضعيف، فلا يعرف حال محمد بن عمر " .
قلت : محمد بن عمر قال فيه الذهبي في ((الكاشف))الترجمة (5073 ):
"محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه وعمه بن الحنفية وعنه الثوري وابن جريج ثقة ".
وقال في ميزان الاعتدال (668/3) :
"محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الهاشمي، أحد الأشراف بالمدينة.روى عن أبيه، وعن عبيد الله بن أبي رافع، وعن عمه ابن الحنفية، وعن العباس بن عبيد الله وعنه ابن جريج، وهشام بن سعد، ومحمد بن سعد ، ومحمد بن موسى الفطري.
وعاش إلى دولة السفاح، وهو ابن عم زين العابدين على بن الحسين، وكان يشبه بجده الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه ما علمت به بأسا، ولا رأيت لهم فيه كلاما.
وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث".
وقال الحافظ في (( التقريب )) : " صدوق " .
وروى عنه جمع وذكره ابن حبان في (( الثقات )), فعلة الحديث إنما هو ابنه عبدالله بن محمد بن عمر .
وقد إستدلوا أيضا بحديث عائشة" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ " .
وإسناده ضعيف أيضا , فقد أخرجه الترمذي في ((سننه))(746), وفي ((الشمائل))(292), ومن طريقه البغوي في (( الأنوار في شمائل النبي المختار))(694): َ
حدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : فذكره .
وقَالَ الترمذي :
" هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ !، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ".
وقال الحافظ في ((الفتح) : "وهو - أي الموقوف- أشبه" .
قلت : لأن معاوية بن هشام وهو القصار : صدوق له أوهام ومثله لا يحتمل مخالفة إمام الضَّبط والإتقان عبدالرحمن بن مهدي , ولا تنفعه متابعة أبي أحمد وهو الزبيري لأنه يخطئ في حديث الثوري خاصة كما نص الأئمةُ على ذلك , وله علة أخرى وهي أن خيثمة لم يسمع من عائشة رضي الله عنها, فقد قال ابن القطان كما في (( تهذيب التهذيب )):
" ينظر في سماعه من عائشة رضي الله عنها".
وجزم بذلك أبوداود في (( سننه))تحت الحديث رقم (2128) بقوله :
" خيثمة لم يسمع من عائشة" .
قلت : وهذان الحديثان فيهما نكارة ففي حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( كان يكثر من صوم هذين اليومين )) ,
بينما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يصومهما غير مرة واحدة في الشهر . فأيهما يقدم على الآخر ؟!
فثبت ضعف الحديثين سندًا ونكارتهما متنًا ، وقال ابن القيم في ((تهذيب السنن ))(ص : 1194 - طبعة مكتبة
المعارف ):
" وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم ".
قلت : والذي يظهر لي أن أبا داود لم يقصد ما ذكره الحافظ لأنه أتبع حديث الصماء , بحديث جويرية , وبوّب عليه :
((باب :الرخصة في ذلك )), وقد جاء هذا صريحًا في بعض نسخ سنن أبي داود , جاء فيها : " قال أبوداود : عبدالله بن بسر حمصي , وهذا الحديث منسوخ , نسخه حديث جويرية ".
ودعوى النسخ لا تقبل إلا بشرطين:
الشرط الأول: ((تعذر الجمع بين الدليلين)).
قال المرداوي في ((التحبير))(6/ 2983): (قوله: (لا نسخ مع إمكان الجمع)؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منسوخ إذا تعذر علينا الجمع بينهما،
فإذا لم يتعذر وجمعنا بينهما بمقبول فلا نسخ ".
قال المجد في ((المسودة))وغيره: "لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا .."
وقال ابن قدامة المقدسي في المغني (1/122): " من شروط النسخ: تعذر الجمع ".
الشرط الثاني: العلم بتأخر الناسخ:
قال ابن الجوزي في " نواسخ القرآن" (ص/23): "الشرط الثاني أن يكون الحكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ ... فمتى ورد الحكمان
مختلفين على وجه لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك الآخر ولم يثبت تقديم أحدهما على صاحبه بأحد الطريقين امتنع ادعاء النسخ في أحدهما ".
وطرق معرفة العلم بتأخر الناسخ لا يكون إلا بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ .
قال الآمدي في ((الإحكام))-وهو يُعدد شروط النسخ -: ((وأن يكون الدليل الدال على إرتفاع الحكم شرعياً متراخياً عن الخطاب المنسوخ حكمه))
أي متأخِراً.
وقال الغزالي في ((المستصفى)) -وهو يتكلم عن تعارض الأدلة-: ((فإذا تعارض فيها دليلان: فأما أن يستحيل الجمع أو يُمكن؛ فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلاً: ((من بدل دينه فاقتلوه)) , من بدل دينه فلا تقتلوه، لا يصح نكاح بغير ولي، يصح نكاح بغير ولي، فمثل هذا: لا بد أن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، فإن أشكل التاريخ: فيطلب الحكم من دليل آخر)).
وفي مسألتنا هذه قد تعذّر معرفة التاريخ , فكيف يُعرف النَّاسخ من المنسوخ , هذا مع إمكانية الجمع بين الحديثين كما سيأتي .
فلو قال المانعون من صيام السبت في غير الفرض
أن حديث الصماء هو ناسخ لأحاديث الجواز لكانوا أولى بذلك لسببين اثنين :
الأول : أن راوي حديث المنع وهو عبدالله بن بسر من آخر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم موتًا من أهل الشام.
قال البخاري في (( التاريخ الكبير ))(14/5) : قال علي - يعني ابن المديني -: سمعت سفيان ، يقول : قلت للأحوص : كان أبو أمامة آخر من مات عندكم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ قال : كان بعده عبد الله بن بسر قد رأيته ".
والثاني : وهو أن حديث المنع ناقل عن حكم الأصل وهو الإباحة فيصار إليه .
قال صاحب كتاب ((التقرير والتحبير )):"في التخصيص أو يكون من قبل الزمان حكما كالمحرم ؛ أي كتقديمه على المبيح إذا عارضه اعتبارا له ـ
أي للمحرم ـ متأخرا عن المبيح ؛ كي لا يتكرر النسخ على تقدير كون المحرم مقدما على المبيح بناء على أصالة الإباحة .
فإن المحرم حينئذ يكون ناسخا للإباحة الأصلية ثم المبيح يكون ناسخا للمحرم بخلاف تقدير كون المحرم متأخرا مع القول بأصالة الإباحة ،
فإنه لا يتكرر النسخ ؛ لأن المبيح وارد لإبقائها حينئذ والمحرم ناسخ له ، والأصل عدم التكرار .
وتقدم ما في أصالة الإباحة في المسألة الثانية من مسألتي التنزل في فصل الحاكم من البحث والتحرير فليطلب ثمة ـ ولأنه ؛ أي تقديم المحرم على المبيح الاحتياط ؛ لأن فيه زيادة حكم هو نيل الثواب بالانتهاء عنه ، واستحقاق العقاب بالإقدام عليه ؛ وهو ينعدم في المبيح
والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع ".
ولفظ حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَالَ : (( أَصُمْتِ أَمْسِ )) ؟
قَالَتْ : لَا ، قَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لَا ، قَالَ : (( فَأَفْطِرِي )) رواه البخاري (1986)وغيره .
ومثله حديث أبي هريرة مرفوعا (( لايصوم احدكم يوم الجمعة الا يوما قبله او بعده )) أخرجه البخاري (1985) , ومسلم (1144).
وهذان الحديثان فيهما النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم , فمن أفرده بالصوم يصير صيام يوم السبت فرضا بحق مَن صام الجمعة ولم يسبقها بصيام الخميس
, والامر بالافطار دليل على فرض صيام يوم مع يوم الجمعة إما يوم الخميس قبله وإما يوم السبت بعده , فيكون صيام يوم السبت داخلا في صيام
الفرض اذا لم يصم يوم الخميس , ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( أصمت أمس )) وهو يوم الخميس فأجابت بالنفي , فقال لها تصومين غدا , وهو يوم السبت لانه فرض عليها ان تصوم قبل الجمعة أو بعدها ولا يجوز افراد يوم الجمة بصيام ولهذا قال لها " فأفطري " وهذا أمر يقتضي الوجوب , ولا يجوز جمع هذه الأيام كلها بالصيام , فيصوم مع يوم الجمعة يوما قبله ويوما بعده فاذا صام قبل يوم الجمعة يوم الخميس فلا يجوز له ان يصوم يوم السبت لانه حينئذ لايكون فرضا عليه فاذا صام قبل يوم الجمعة يوم الخميس وصام بعده يوم السبت فقد وقع في النهي من جهتين , من جهة مخالفته لحديث
آل بسر وحديث أبي هريرة وحديث جويرية من جهة
اخرى .
قال الالباني في ((الصحيحة))(732/2)إستدراك رقم (16- 980): " لا تعارض والحمد لله , وذلك بأن نقول: مَنْ صام يوم الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت،
وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته الإفراد ليوم الجمعة، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث السبت:
"إلا فيما افترض عليكم"؛ ولكن: هذا إنما هو لمن صام الجمعة وهو غافل عن النهي عن إفراده، ولم يكن صام الخميس معه كما ذكرنا، أما مَنْ كان على علم بالنهي: فليس له أن يصومه، لأنه في هذه الحالة يصوم ما لا يجب أو يفرض عليه، فلا يدخل – والحالة هذه - تحت العموم المذكور ، ومنه يعرف الجواب عما إذا اتفق يوم الجمعة مع يوم فضيلة فلا يجوز إفراده كما تقدم ، كما لو وافق ذلك يوم السبت ، لانه ليس ذلك فرضا عليه ".
قلت : فتبيّن أنه لاتعارض بين حديث آل بسر وحديث جويرية لإمكان الجمع بينهما .
وقد استدل المبيحون لصيام يوم السبت في غير الفرض بأدلة عامة تدل على استحباب صيام أيام محددة , مثل صيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم
وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام أكثر شعبان، وصيام شهر الله المحرَّم , فقالوا:
قد حثَّ الشرع بالأدلة الصحيحة على استحباب هذه الأيام، ولابدَّ أن يكون فيها يوم السبت أو توافق يوم السبت، ولم يرد في أدلتها استثناء يوم السبت , فهذا
دليل على جواز صومها ولو وافقت يوم السبت , لأنَّ القاعدة تنص على أنَّه: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة"، ولم يبين لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدلَّ ذلك على جوازه؟
قال المانعون من جوازه:
إنَّ التخصيص نوعان: متصل وهو ما لا يستقل بنفسه .
وتخصيص منفصل : وهو ما يستقل بنفسه , فالمتصل لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ,
والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه , ولنضرب مثالا في قطع يد السارق قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
" لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا " أخرجه الشيخان .
فليس كل مَنْ سرق تقطع يده , بل السرقة مقدّرة بربع دينار فصاعدًا , وهذا التخصيص من نوع المتصل، لكن مقدار الحد الذي يُقطع منه: لم يُذكر في هذا
الحديث وإنَّما ذُكر بدليل خارج عن هذا النص ألا وهو كما بينت السنة بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب الحديث وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}
[النساء: 43، المائدة: 6] بأنها الكف أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم :
" التيمم ضربة للوجه والكفين " أخرجه الشيخان , فهذا التخصيص هو من نوع المنفصل.
فهل يقول قائل: أنا لا أتقيد بهذا الحديث وبهذا الإقرار لأنَّ الله تعالى يقول: "والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما" فكل مَنْ سرق يجب أن تقطع يده كلها من الكتف , لأنَّه لو كان هناك مقدار للمال الذي تُقطع به اليد، ومقدار للحد الذي تُقطع منه لبينه الله تعالى! , فلا أظن أن أحدا يقول بهذا
إلا مَن جهل ذلك الحديث وذلك الإقرار .
فنقول: وكذلك الإستثناء من صيام يوم السبت وإن لم يرد ذكره في تلك الأيام المستحب صيامها، لكنه ذُكر في دليل خارج عنها ألا وهو :
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)).
فإن قال قائل : لماذا لم تقبلوا الإستثناء في النهي عن صيام يوم السبت مفردا أو إذا لم يقصد صومه بعينه ؟
قيل لهم: نحن رفضنا ذلك الإستثناء لا لأنَّه ورد بدليل منفصل ولا نقبل إلا المتصل , بل لأنَّ الاستثناء الذي ادعيتموه هو مجرد رأي وليس نصاً من كلام الشرع ,
فلم يقل صوموا هذه الأيام وإن وافقت يوم السبت , بل جعل لنا قاعدة ثابتة تُنزّل على كل الأدلة العامة التي تقدم ذكرها , والقاعدة هي :
(( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ))
وهذا متناول لكل صور التطوع , فأيهما أبلغ بياناً ,أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كل حديث ورد في استحباب تلك الأيام الفاضلة عبارة:
"إلا إذا كان يوم السبت فلا تصوموا" والأحاديث كثيرة كما لا يخفى، أم أن يقول: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" هكذا , فتصبح قاعدة
عامة تبيّن للمسلم : أنَّ صيام التطوع مشروع في كل أيام السنة إلا في يوم السبت لأنه منصوص عليه بعينه بنص خاص .
قال شيخ الإسلام في ((إقتضاء الصراط المستقيم))(75/2): " ولا يقال: يحمل النهي على إفراده , لأن لفظه:
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده" .
قال الشيخ الالبانى : فى ((تمام المنة))(406) : " وتأويل الحديث بالنهى عن صيام السبت منفردا يأباه قوله((إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ )) فإنه كما قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله فى ((تهذيب السنن)) : دليل على المنع من صومه في غير الفرد مفردا أو مضافا , لأن الاستثناء
دليل التناول , وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه , إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد , لقال :
لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده , كما قال في الجمعة . فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها " .
قال الشيخ الالبانى : " قلت: وأيضا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض لأن شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران فإذا استثني الفرض وحده دل على عدم استثناء غيره كما لا يخفى ".
وقال أيضا ((الصحيحة ))(733/2) : فلا يجوز ان نضيف إليه قيدا آخر غير قيد الفريضة كقول بعضهم : (إلا لمن كان له عادة من صيام أو مفردا)
فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ولا يخفى قبحه "
وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى عن صوم يوم الفطر والنحر، كما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأخرج عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا: (( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي)).
قال ابن قدامة المقدسي في ((المغني))(169/3) : " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، مُحَرَّمٌ فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ...إلى أن قال :...وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ , وَأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهِ خِلَافٌ " .
فلو وافق الأثنين أو الخميس أو الأيام البيض أو صيام يوم وإفطار يوم في يوم العيد , فهل تبيحون صيام هذه الأيام لأنَّها لم يرد فيها استثناء
يوم العيد؟! إن قلتم:نعم , خالفتم إجماع أهل العلم، وإن قلتم: لا نصومها إذا وافقت يوم العيد , قيل لكم: وكذلك لا تصام إذا وافقت يوم السبت , بل إن النهي الوارد في صيام السبت , أوكد من النهي الواد في صيام يوم العيد , إذ ان النهي في صيام العيد إنما جاء بصغة (نهى) , أما السبت ,
فكان فيه توكد النهي بعبارة ((فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أوعود شجرة )) , فهذا النهي ظاهر وأوكد إذ يأمر من لم يجد ما يأكل أن يأكل ((لحاء عنبة أوعود شجرة)).
قال علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)):"( فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة ) بكسر اللام أي قشر حبة واحدة من العنب استعارة من قشر العود ، وقيل :
المراد بالعنبة شجرة العنب وهي الحيلة ، قال التوربشتي : اللحاء ممدود وهو قشر الشجر ، والعنبة هي الحبة من العنب ، وأما قول ابن حجر :
المراد شجرة العنب لا حبتها فخطأ فاحش لعدم صحة نفي إرادة الحبة مع أنها أظهر في المبالغة لا سيما دعوى المراد فيما يحتمل من الكتاب والسنة باطلة والقول بها مجازفة ، بل لو بولغ في هذه المقام بأن المراد بالعنبة هي الحبة من العنب لا قشر الشجرة لصح فالعنبة هي الحقيقة اللغوية ،
ففي القاموس : العنب معلوم واحدته عنبة ولم يذكر أصلا إطلاق العنب ، لا بالجنس ولا بالوحدة على الحبة ، ومما يؤيده بناء على أن الأصل في العطف التغاير خصوصا بأو قوله " أو عود شجرة " عطفا على لحاء " فليمضغه " بفتح الضاد ويضم ، في القاموس : مضغه كمنعه ونصره : لاكه بأسنانه ، وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم وإلا فشرط الصوم النية ، فإذا لم توجد لم يوجد ، ولو لم يأكل ، ونظيره المبادرة إلى أكل شيء ما في عيد الفطر تأكيدا لانتفاء الصوم المنهي عنه" .
قلت : وبنفس جوابكم وعذركم نجيب ونعتذر , لأنه لافرق بين الصورتين , من وافق صيامه أياما منهيا عنها كيوم العيد أو أيام التشريق , أو إذا وافق يوما فاضلا يستحب الصيام فيه : يوم السبت وهو منهي عنه بنص خاص لايقبل الشك والتأويل .
فإن قلتم: الأمر يختلف , لأنَّ يومي العيد مجمعٌ على حرمة صيامهما، أما السبت فمختلف فيه؛ قلنا لكم: إنَّ هذا خروج عن موضوع المشابهة , لأنَّه سواء كان ذلك اليوم المنهي عن صيامه قد ثبت النهي عنه بالنَّص أو بالإجماع؛ نقول: إذا وافق صيام مستحب فهل يُصام فيه أم لا؟ فإن قلتم:
لا يُصام إذا كان مجمع عليه , قلنا لكم: ما علاقة الإجماع وهو مبنيٌ على الحديث في حرمة صيامه؟!.
ثم اعلموا أنَّ هذا الأمر يجر إلى أمر أعظم منه ألا وهو: عدم العمل بدلالة النص إلا إذا اجتمع أهل العلم على القول به!، وهذا يعني تعطيل العمل بالكثير من النصوص لعدم الإجماع عليها , ذلك لأنَّكم فرقتم في الحكم بين صورتين متشابهتين لا لشيء إلا لكون إحداهما مجمعٌ عليها والأخرى مختلف فيها!.
وانظر إلى فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فعن عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ : نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا ، قَالَ :
أَظُنُّهُ قَال : الِاثْنَيْنِ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : " أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ ، وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ )).
أخرجه البخاري (1994) , (6706) , ومسلم (1142) .
ولايفوتك أنَّ هذا الرجل الذي جاء يسأل ابن عمر قد نذر أن يصوم يوماً فوافق يوم العيد , ومسألة النَّذر المعيَّن مختلفٌ فيها كما ذكر ابن قدامة فيما سبق عنه؛ ومع هذا أجابه بما فَهِمَ منه السائل المنع من صومه.
إنَّ هذه الأدلة الدالة على استحباب تلك الأيام عامة , بمعنى: أنَّها على مدار أيام السنة , السبت والأحد إلى آخر أيام الأسبوع , وحديث:
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) خاص في حكم صيام يوم السبت , فيكون الجمع: أنَّ هذه الأيام يشرع صيامها على مدار أيام السنة إلا في أوقات النهي , كالعيدين ويوم السبت , ولمن صام الحمعة بمفردها.
قال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)): " وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة من العام ، والأقوى أرجح ، وأيضا إجراء العام على عمومه إهمال للخاص ، وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام " .أي : لا يهمل العام مطلقا إلا في بعض صوره , فإن صادف صوم له فضيلة يوم السبت , لم يًشرع كما واضح .
والأدلة التي احتج بها المجيزون لصيام السبت منها ما هو ضعيف مثل حديث أم سلمة وعائشة وهما غير صالحين للإحتجاج بهما كما تقدم آنفا .
ومنها ما هو صحيح لكنه عام , وحديث النهي عن صيام السبت في غير الفرض خاص , وحمل العام على الخاص متعين، وقد ذكرنا وجوه الرد على تلك الأحاديث .
وأما القول لماذا لم تقبلوا توجيهنا لحديث النهي عن صيام السبت أنه لأجل تخصيصه بالصيام؟!
جوابه : لو كان المقصود من النهي تخصيص السبت بالصيام , لكان الحديث جاء بلفظ : لا تخصوا يوم السبت بصيام , كما هو الحال في يوم الجمعة
فقد روى مسلم ( 1144 ):من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ :
(( لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي ، وَلا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ )).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أفصح العرب , فلو كان يريد النهي عن تخصيص السبت بصيام , لذكره صريحا كما هو الحال في نهيه عن تخصيص الجمعة
بصيام أو قيام !
قال الشيخ الالبانى في((الصحيحة ))- تحت الحديث ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ... الحديث)).
قال : " ان هناك حديثا أخر يشبه هذا الحديث من حيث الاشتراك في النهى مع الاستثناء فيه وهو قوله صلى الله عليه وسلم (لا تصوموا يوم السبت
إلا فيما افترض عليكم...الحديث)وهو حديث صحيح يقينا ومخرج في ((ارواء الغليل ))رقم (960) فأشكل هذا الحديث على كثير من الناس قديما
وحديثا وقد لقيت مقاومة شديدة من بعض الخاصة فضلا عن العامة وتخريجه عندي كحديث الجمعة فلا يجوز ان نضيف إليه قيدا أخر غير قيد الفريضة كقول بعضهم (إلا لمن كانت له عادة من صيام) أو (مفردا) فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ولايخفى قبحه".
وقد استدل المبيحون أيضا بأنه وقع الإجماع على مشروعية صيام السبت في غير الفرض إذا ضمَّ إليه يوماً آخر، أو إذا لم يقصد تخصيصه بالصيام .
وهذه دعوى منقوضة بقول الطحاوي الذي تقدم : (( فذهب قوم إلى هذا الحديث : فكرهوا صوم يوم السبت تطوعاً، وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بصومه بأساً)) .
قال العيني في ((نخب الأفكار))(433/8): " أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ".
وقال ابن رشد القرطبي في ((بداية المجتهد))(71/2): "أما الأيام المنهي عنها : فمنها أيضا متفق عليها ، ومنها مختلف فيها , أما المتفق عليها :
فيوم الفطر ، ويوم الأضحى لثبوت النهي عن صيامهما , وأما المختلف فيها : فأيام التشريق ، ويوم الشك ، ويوم الجمعة ، ويوم السبت ،
والنصف الآخر من شعبان ، وصيام الدهر ...وأما يوم السبت : فالسبب في اختلافهم فيه ، اختلافهم في تصحيح ما روي من أنه - عليه الصلاة والسلام -
قال : " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " خرجه أبو داود ، قالوا والحديث منسوخ ، نسخه حديث جويرية بنت الحارث : " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال : صمت أمس ؟ فقالت :
لا ، فقال : تريدين أن تصومي غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري " .
وقال الشيخ ابن عثيمين : " وأما السبت , فقيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يباح، وقيل: إنه لا يجوز إلا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكن بدون إفراد)).
فهذه ثلاثة أوجه نقلها الشيخ ابن عثيمين , في صيام السبت في غير الفريضة , وهي تدل على أن الإختلاف واقع في هذه المسألة .
وللمبيحين تناقض وهو أنهم تارة يقولون هذا إجماع , وتارة يقولون هو قول جمهور أهل العلم , وهذا الثاني لا نسلّم به على إطلاقه ,
وأما الأول فظاهر البطلان , ودعوى أن هذا قول الجمهور يعوزه الدليل ونحن نعلم أن الكثير من المسائل يدعي أصحابها أنه قول الجمهور ثم يتبين خلاف ذلك !
وما أكثر المسائل التي انفرد فيها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن جمهورالعلماء من ذلك مسألة الطلاق بالثلاث (البدعي) ,هل يقع أو لايقع , وكذا شيخ الإسلام الثاني ابن القيم رحمه الله تعالى وغيرهما ممن هو موضع ثقة عند الناس ومع ذلك لا يستطيع المعترض دفعها ولا يسعه إلا التسليم بها , ولقد قرأت عجبا ممن يدّعي السلفية حيث يقول أحدهم إن هذا القول شاذ !!, ثم يقول : " مَنْ قال به من السلف " , وما يدري هذا المعترض أنه
يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لايدري ,وصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إذ قال لأحدهم:(( ويحك...اعرف الحق تعرف أهله )), وهذه حجة المقلد الضعيف الذي لا يستطيع أن يقارع الحجة بالحجة , فهذا قول سيد السلف صلى الله عليه وآله وسلم بين يديك وأمام ناظريك ثم تبحث عمن يقول به , حقيق بمن كان هذا حاله ألا يوفق للحق , ويظل راكنًا للتقليد
طوال حياته , ويدفع أحاديث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذه الحجج الواهية , وقد عافانا الله مما ابتلاهم به فنحن ندور مع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيثما دار , فحسبكم هذا التفاوت بيننا ...
قال ابن حزم : " لَمْ يَأْمُر اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا إلَى كَلَامِهِ ، وَكَلَامِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، لَا إلَى كَلَامِ صَاحِبٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَمَنْ رَدَّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى :
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} سورة الطلاق آية 1 .2".
وقال أيضا في ((المحلى)) (203/9): " فإن قيل : هو قول الجمهور ؟ قلنا : فكان ماذا ؟ وكم قصة خالفتم فيها الجمهور ؟ نعم ، وأتيتم بقول لا يعرف أحد قاله قبل من قلدتموه دينكم , وهذا الشافعي خالف جمهور العلماء في بطلان الصلاة بترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير ، وفي تحديد القلتين ، وفي تنجيس الماء بما يموت فيه من الذباب ، وفي نجاسة الشعر ، وفي أزيد من مائة قضية , وهذا أبو حنيفة خالف في زكاة البقر جمهور العلماء , وخالف في قوله : إن الخلطة لا تغير الزكاة جمهور العلماء , وخالف في وضعه في الذهب أوقاصا جمهور العلماء - وفي أزيد من ألف قضية .
وهذا مالك خالف في إيجاب الزكاة في السائمة جمهور العلماء , وفي الحامل ، والمرضع تفطران ، وفي أن العمرة تطوع - وفي مئين من القضايا ، فالآن صار أكثر من روي عنه - ولا يبلغون عشرة حجة لا يجوز خلافها ، وقد خالفهم غيرهم من نظرائهم , وكم قصة خالفوا فيها رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم كحديثه (( لا يجوز لامرأة أمر في مالها ، ولا عطية ، إذا ملك زوجها عصمتها )), وأن الدية على أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفا شاة ، وفي إحراق رحل الغال وغير ذلك - وهذا لعب وعبث في الدين ".
وقال أيضاً:وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع فإن لم يمكنهم
ذلك لم تكن عليهم مؤنة من دعوى أنه قول الجمهور وأن خلافه شذوذ وإن خصومهم ليرثون لهم من تورطهم في هذه الدعاوى الكاذبة نعوذ بالله من مثلها
وأيم الله لا أقدم على أن ينسب إلى أحد قول لم يثبت عنده أن ذلك المرء قاله إلا مستسهل الكذب مقدم عليه ساقط العدالة وأما نحن فإن صح عندنا عن إنسان أنه قال قولا نسبناه إليه وإن رويناه ولم يصح عندنا قلنا روى عن فلان فإن لم يرو لنا عنه قول لم ننسب إليه قولا لم يبلغنا عنه ولا نتكثر بالكذب ولم نذكره لا علينا ولا لنا ...".
وقال في ((إحكام الأحكام)) - لما أورد قول الخصم: "وقالوا: نرجِّح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس " فردَّ عليهم بقوله:
((ولأنَّ كثرة القائلين بالقول لا تُصَحِّح ما لم يكن صحيحاً قبل أن يقولوا به، وقلة القائلين بالقول لا تُبطِل ما كان حقاً قبل أن يقول به أحد؛ وقد بينا هذا جداً في باب: "إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة" في آخر هذا الباب، وأيضاً: فإنَّ القول قد يكثر القائلون به بعد
أن كانوا قليلاً، ويقلّون بعد أن كانوا كثيراً؛ فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ثم رجعوا إلى مذهب مالك، وقد كان جمهور
أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة وكذلك أهل العراق ثم غلب على إفريقية مذهب مالك وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي
فيلزم على هذا: أنَّ القول إذا كثر قائلوه صار حقاً وإذا قلوا كما ذكرنا عاد باطلاً؛ وهذا هو الهذيان نفسه)).
قلت : وهذا عام في كل نزاع ، والعلماء الذين تكلموا عن الإجماع وحجيته إنما كان مصدر قوة الإجماع أنهم يحيلون أن يجمع العلماء في ما لا نص فيه , قال تعالى :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} وهذا عموم في كل ما شجر بغض النظر عن الجمهرة والكثرة والقلة .
وقد اختلف الصحابة في قتال أهل الردة فكانوا فريقان :
الفريق الأول : أبو بكر رضي الله عنه وحده .
والفريق الثاني : فيه عمر المؤيد بالتنزيل في قضايا عدة وباقي الصحابة , وكلهم أئمة ومنهم بقية الخلفاء , ومعهم نص
((أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم )),
وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في((الصحيحين ))عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
(( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق بعده ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه
وحسابه على الله عز وجل)) , فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ، فقال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)) . فأبو بكر رضي الله عنه
أخذ قتالهم من قوله : " إلا بحقه " .
ومع هذا فالصواب كان حليف أبي بكر رضي الله عنه , وإلى قوله رجع الصحابة كلهم .
قلت : وهذه الأدلة العامة مبيحة , وهي تدل على استحباب صيام أيام محددة , مثل صيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام أكثر شعبان، وصيام شهر الله المحرَّم ,
وحديث آل بسر رضي الله عنهم حاظر .
قال السيوطي : " إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم والآخر الإباحة قدم التحريم في الأصح " .
وقال القرافي : " يحتاط الشرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة ؛ لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له ، فلا يقدم محل فيه مفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة ، أو يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعًا
للمفسدة بحسب الإمكان ".
وقال الألباني : " لابد لنا من لفتة نظر إلى مسألة فقهية هامة ـ أصولية هامة ـ...إذا تعارض حكمان ، أو حديثان من الأحاديث الصحيحة عن الرسول ( : أحدهما يبيح شيئًا ، والآخر ينهى عنه أو يحظر عنه أو يحرمه ،فهنا من قواعد التوفيق في علم أصول الحديث أنه يقدم الحاظر على
المبيح .
فالآن في الصورة السابقة : صوم يوم عاشوراء أو صوم يوم عرفة وقد اتفقا يوم السبت ، وقد نُهينا عن صيام يوم السبت كما ذكرنا ، حينئذ لابد من تطبيق القاعدة التي ذكرتها آنفًا : تقديم الحاظر على المبيح , يقول : لا تصوموا يوم السبت إلا في الفرض , ويوم عاشوراء ويوم عرفة ليس فرضًا
هو مباح ؛ بل هو مستحب ؛ لكن إذا تعارض الحاظر مع المبيح قدم الحاظر على المبيح ".
وقال : " فلا ينبغي للمسلم بعد مثل هذا البيان أن يتردد أو أن لا يبادر إلى الانتهاء عما نهى الله عنه على لسان نبيه
( ركونًا منه إلى القاعدة العامة وإلى الفضيلة الخاصة التي جاءت في بعض الأيام ؛ إذًا مقدم أولاً ؛ لأنه خاص ، والخاص يقضي على العام ، ولأنه حاظر ، والحاظر مقدم على المبيح " .
وقد ذكر صاحب كتاب ((حكم صوم السبت في غير
الفرض )) أمثلة تُجلّي هذه القاعدة فقال :
" وفي هذا الباب كثير من الأدلة المتعارضة في ذلك نورد بعضها كشواهد ، لأن القائلين بجواز صيام يوم السبت يقولون بحرمة ما سنذكره :

المثال الأول : صيام المرأة بدون إذن زوجها :
روى البخاري (5195) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ ... الحديث)
فلو أن امرأة أرادت أن تصوم يوم عرفة أو عاشوراء من غير إذن زوجها فهل يصح ذلك منها ولا يحرم ؟
والجواب : لا يجوز لها الصوم ويحرم عليها ذلك ؛ لأنه تعارضت السنة مع النهي الشرعي فقدم النهي على السنة . وهذا بديهي لكل عاقل .

المثال الثاني : سفر المرأة بدون محرم ولو أرادت الحج :
روى البخاري (1088) عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَم )
فهنا قد تعارض النهي مع فعل واجب ، فأكثر أهل العلم يحرم على المرأة أن تسافر من غير محرم حتى ولو كان لأداء الفريضة .
واكثر من ذلك أن هناك حديث يدل على إباحة سفر المرأة من غير محرم .
روى البخاري (3595) َ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ .
فَقَالَ : يَا عَدِيُّ ! هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ ؟
قُلْتُ : لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا
قَالَ : فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ أَحَدًا إِلا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلادَ ...... ـ
إلى أن قال ـ :قَالَ عَدِيٌّ : فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ إِلا اللَّهَ .... الحديث )
وقد استدل به البعض على جواز سفر المرأة للحج بدون محرم .

المثال الثالث : النهي عن الصيام بعد منتصف شعبان لمن ليست له عادة :
روى أبو داود ( 2337) والترمذي (738) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا ) وصححه الألباني .
فنقول لو أراد رجل أن يصوم يوم الاثنين والخميس بعد النصف ولم يكن معتادًا على ذلك هل يجوز له ذلك أم
يحرم ؟
والجواب من الجميع أنه يحرم ؛ لأنه تعارض النهي مع الإباحة فقدم النهي على الإباحة هنا . وكذلك صوم يوم السبت يحرم لأن النهي تعارض مع الإباحة .

المثال الرابع : صيام يوم الشك
وله حالتان :
الحالة الأولى : أن الذي يتقدم رمضان بيوم يأخذ بالأحوط وخاصة إذا غم عليه لئلا يضيع منه يوم فرض صيامه
والحالة الثانية : إذا صادف يوم الاثنين أو يوم الخميس ومن السنة صيامهما ؛ لكن لم يكن معتادًا ذلك .
فنرى أن في كلا الحالتين قدم النهي على الفرض والسنة ؛ وذلك للدليل الذي ورد في النهي .
روى البخاري (1906) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلالَ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ )
وروى أيضًا (1914) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ
يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ .)
فجواز صوم يوم الشك لمن كانت له عادة جاء بالدليل المستثني ، فإذا لم يكن ثم دليل فإن النهي على عمومه .

المثال الخامس : صوم العيدين
ومن المعلوم أن صوم يومي العيد ـ الفطر والأضحى ـ يحرم باتفاق ، وذلك لدليل التحريم الذي ورد حتى ولو صادف يوم الخميس أو الاثنين .
لأن النهي مقدم على الإباحة .
عن أَبُي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ )

المثال السادس : صيام أيام التشريق
قد ورد النهي عن صيامها وهي تتعارض مع من يصحح حديث صيام الأيام القمرية ؛ إذا سوف يكون يوم الثالث عشرة من أيام التشريق ، فهل تصام حتى ولو كان معتادًا ذلك ؟
والجواب : لا ؛ لأنه تعارض الحاظر مع المبيح فقدم الحاظر على المبيح .

المثال السابع : صلاة النافلة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها منهي عنها برغم من أنها مستحبة
روى مسلم (488) عن مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قَالَ : لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ
الْجَنَّةَ ـ أَوْ قَالَ قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ ـ فَسَكَتَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ .
فَالَ : سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً )
وروى أيضًا (825) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ .)
فهاهنا قدم النهي على الإباحة للتعارض ولم يقدم الإباحة على النهي لتحصيل المصلحة من فعل السجود
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا وفي كلها أكثر من يقول بجواز صوم السبت يقول بالتحريم فيها ، فلو أن كل عالم سار على منهج واحد وقواعد منضبطة لما وجدت التعارض في أقوال العالم الواحد .

المثال الثامن : روى البخاري (5473) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ ، وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ وَالْعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ )
وروى أحمد (20203) عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ : قَالَ :
اذْبَحُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ وَبَرُّوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَطْعِمُوا .
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟
قَالَ : فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ فَإِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ ـ قَالَ : أَحْسَبُهُ ـ قَالَ : عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ) وروى النسائي بسند حسنه الألباني (4225) عن عَمْرَو بْنَ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِيهِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفَرَعَ ؟
قَالَ : حَقٌّ فَإِنْ تَرَكْتَهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا فَتَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ تُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْصَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ فَتُكْفِئَ إِنَاءَكَ وَتُولِهُ نَاقَتَكَ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْعَتِيرَةُ ؟
قَالَ : الْعَتِيرَةُ حَقٌّ .)
فهنا حديثان : أحدهما ينهي في صيغة النفي ، والآخر يثبت الفرع والعتيرة ، فيقدم النهي هنا على الإباحة ، وإلا فالكثير ممن يجوزون صيام السبت
ويعللون يحرمون الذبح في أول رجب فلماذا لم يفعلوا ذلك في صيام السبت في غير فريضة ‍‍‍؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍".
ثم ذكر قاعدة مشابهة لهذه القاعدة وهي : (( إذا تعارض دليلان أحدهما ناقل عن حكم الأصل والآخر مبقي عليه فيقدم الناقل عن الأصل على المبقي )).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر ناف مبق لحكم الأصل كان الناقل أولى ؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم إلا مرة واحدة ، وإذا قدم المبقى تغير الحكم مرتين ".
وعلى هذا نقول إن صيام كل الأيام على الإباحة الأصلية ، فيكون صوم يومي العيدين ناقل عن الأصل فيقدم هو على الأصل ، وكذلك أيام التشريق ، وصوم يوم الشك ، ويضاف إلى ذلك صيام يوم السبت ؛ لأن النهي فيه ناقل عن الأصل والأحاديث التي يفهم منها جواز صيامه مبقية على حكم الأصل فيقدم النهي على الإباحة .
وقال ابن القيم في الكلام على أحاديث حكم صيام الحاجم والمحجوم المتعارضة :" لو قدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين لأنها ناقلة عن الأصل وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مفطرة والناقل مقدم على المبقي ".
ومن الملاحظ هنا أن ابن القيم قدم حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم ))على حديث صريح في نسخ هذا الحكم وهو
(( رخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة والحجامة للصائم )).
ومن المعلوم أن الترخيص لا يأتي إلا بعد حظر ، فلكي يحكم بالحظر مرة أخرى فلابد من دليل آخر ، ولا دليل ، وبرغم ذلك قدم ابن القيم الحديث
الناقل عن حكم الأصل ليس على المبقي عليه ؛ وإنما على الدليل الذي رجع حكم الأصل إلى ما كان عليه قبل النهي ".

وأخيرًا نلخّص أحكام الحديث :
الأول : لايجوز صيام يوم السبت في النوافل كلِّها سواء ضُمَّ إليه يوم آخر، أو وافق صوماً معتاداً كعرفة أو عاشوراء أو ست من شوال أو الأيَّام البيض
أو شهر شعبان إلى غير ذلك من صيام النَّافلة .
الثاني : جواز صيام يوم السبت في الفرائض : القضاء , والكفارات , والنذر .
الثالث : وجوب صومه لمن صام يوم الجمعة , ولم يصم قبلها يوم الخميس .

هذا آخر ما يسّر الله تعالى من الكلام على حديث آل بسر رضي الله عنهم من حيث الرواية والدراية , فإن أصبت فمن الله , وإن أخطأت فأسأل الله العفو والمغفرة

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
رد مع اقتباس
  #335  
قديم 02-09-15, 01:16 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

( حكم صيام يوم السبت )


الإعلام بما تضمنه حديث آل بسر من الأحكام

أبوسامي العبدان
حسن التمام


















بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
[النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71]
أما بعد :
فمن المسلَّم به عند المسلمين جميعًا أن الحديث الصحيح حجة بنفسه ، ولا تجوز مخالفته بأي حال من الأحوال , ولا يضرب له الأمثال , فالواجب على المسلم
الانقياد والتسليم له,والتصديق به , وعليه أن ينكر أشد الإنكار على من يسلك غير هذا السبيل , قال الله تعالى :
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ .. } [النساء: 80] وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
[النساء: 65] وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
وقال: { .. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .. } [الحشر: 7]
وقال :{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } النور(63)
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) : " ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح : عملاً ، و لا رأيا ، و لا قياساً ، و لا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ، و يقدمونه على الحديث الصحيح ، و قد كذّب أحمد من ادعى هذاالإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ".
وقال كما في مختصر ((الصواعق المرسلة)):" ,إن أهل السنة إذا صحت لهم السنة عن رسول الله لم يتوقفوا عن العمل بها ، من غير نظر إلى من وافقها أو خالفها ، و قد نص الشافعي على ذلك في كثير من كتبه ، و عاب على من يقول لا أعمل بالحديث حتى أعرف من قال به
ذهب إليه ، بل الواجب على من بلغته السنة الصحيحة أن يقبلها و أن يعاملها بما كان يعاملها الصحابة حين يسمعونها من رسول الله فينزل نفسه منزلة من سمعها منه صلى الله عليه و سلم".
وقال شارح الطحاوية: "فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم
والانقياد والإذعان كما نوحد المرْسِل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل".
وعن ابن أبي ذئب أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث فقال له رجل: يا أبا الحارث أتأخذ بهذا ؟ فضرب صدره وصاح عليه صياحاً كثيراً
ونال منه وقال: أحدِّثُك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به؟ نعم آخذ به وذلك فرضٌ عليَّ، وعلى من سمعه، إن الله تبارك وتعالى اختار محمداً
من الناس فهداهم به، وعلى يديه واختار لهم ما اختار له على لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك. قال:وما سكت حتى تمنى أن يسكت)).
وعن ابن خزيمة قال: قلت لأحمد بن نصر ـ المقرئ النيسابوري ـ وحدث بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أتأخذ به ؟ فقال: أترى على وسطي زناراً؟
لا تقل بخبر النبي صلى الله عليه وسلم أتأخذ به؟ وقل أصحيح هو ذا؟ فإذا صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قلتُ به شئتُ أم أبيتُ))((ذم الكلام)) (175/2).
ومن المسائل الفقهية التي اختلف فيها النَّاس قديماً وحديثاً , وتباينت فيها الأراء مسألة صيام يوم السبت في غير الفريضة ، فمن المستنكر لها جملة وتفصيلا وعادّاً القول بها من شذوذ الأقوال ويَزعم أن هذا لم يقل به أحد من السلف , ويُطالب بسلف للقائل , ومايدري هذا المسكين أن
هذا هو قول سيد السلف وإمامهم صلى الله عليه وآله وسلم , والسعيد مَنْ إتبّع الدليل , وأعرض عن أراء الرجال , وعمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به , قال الإمام الشافعي : " يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ، و إن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر
الذي قبلوا ، إن حديث رسول الله يثبت بنفسه ، لا بعمل غيره بعده "
وقال النووي في((شرح صحيح مسلم))- باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعاً لرمضان -:" قال مالك في الموطأ : ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها- يعني الستة من شوال - ، قالوا : فيكره لئلا يظن وجوبه ، و دليل الشافعي و موافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح ، و إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها ".
وأصل الخلاف ومداره رواية ودراية حول حديث آل بسر رضي الله عنهم مرفوعا:

((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم , فإنْ لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه))
وقد جعلت هذه المسألة على فصلين :



الأول : تخريج الحديث والحكم عليه من حيث القبول والرد على قواعد أهل هذا الفن .

والثاني : ماتضمنه هذا الحديث الشريف من أحكام .

فلنشرع بالمقصود ونسأل الله التوفيق والسداد فهو المأمول وحده .


وكتب
أبوسامي العبدان
( حسن التمام )
15 - شوال - 1436 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم






الفصل الأول

تخريج حديث آل بسر رضي الله عنهم والحكم عليه من حيث القبول والرد على قواعد أهل هذا الفن


(( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه )).
صحيح - أخرجه أبوداود (2421) والترمذي (744), ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة))(1806), وابن ماجه (1726), والنسائي في ((الكبرى))
( 2775),(2776),(2777), وأحمد (6/368) ,وابن بشكوال في ((الغوامض والمبهمات ))(2/797), وعلّقه الدارقطني في ((العلل))(311/15) , والطبراني في الكبير 24/ (818), (819), (820) ,(821) ,وفي((مسند الشاميين ))(1/245), وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3411) ,والحاكم (435/1),وأبونعيم في ((معرفة الصحابة))(6/3380), والدارمي (1749) ، وابن خزيمة (2163) ، والطحاوي في ((شرح المعاني ))(80/2) ,والطبراني في الكبير (24/325) –ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (35/218)- وابن منده في الصحابة
كما في "الإصابة" 13/23 , وأبونعيم في ((معرفة الصحابة ))(6/3380) ,والبيهقي (302/4), وفي فضائل الأوقات (307) ,وتمام الرازي في ((فوائده))(199/1-الروض البسام),والضياء المقدسي في ((المنتقى من مسموعاته بمرو))(109/1): عن جمع من الرواة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: فذكره .
وقال الترمذى:
" حديث حسن , ومعنى كراهيته فى هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام , لأن اليهود تعظم يوم السبت ".
وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخارى "وأقره الذهبى , وهو كما قالا .
وصححه ابن السكن كما فى " تلخيص الحبير "
(2/216) .
وصححه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والضياء المقدسي وابن قدامة والنووي وابن الملقن والعراقي .
وتابع خالدَ بنَ معدان ,ابنُ عبدالله بن بسر :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2773), وابن خزيمة (2164)لكن سقط منه (( ابن ))!: من طريق مُعَاوِيَة بْنِ صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّتِهِ الصَّمَّاءِ اخت بسر انها كانت تقول :
(( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ، وَيَقُولُ: ((ِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودًا أَخْضَرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ )).
لكن عدّها الإمام ابنُ خزيمة مخالفة لرواية ثور , فقال :
" خالف معاوية بن صالح ثور بن يزيد في هذا الاسناد فقال ثور عن اخته يريد اخت عبدالله بن بسر , قال معاوية :عن عمته الصماء اخت بسر عمة
ابيه عبدالله بن بسر لا اخت ابيه عبد الله بن بسر ".
قال الألباني في ((الإرواء))(121/4):" ولكنى لم أعرف ابن عبد الله بن بسر هذا , وقد تبادر إلى ذهنى أن قول عبد الله بن بسر ( كذا وقد سقط منه ابن )
" عن عمته " يعنى عمته هو , وليس عمة أبيه ,وإن كان يحتمل العكس , فإن كان كما تبادر إليّ فهو شاهد لا بأس به , وإن كان الآخر لم يضر لضعفه.
قلت : لكن في نفس الرواية أنها أخت بسر , فالمقصود أنها عمة عبدالله بن بسر , والصماء صحابية بلا شك لكن اختلف في قرابتها من عبدالله بن بسر ,
هل هي أخته , أم عمته , أم خالته , وهو اختلاف لايضر أصل الحديث وسيأتي بيان ذلك .
وتابع ثوراً لقمانُ بن عامر :
أخرجه أحمد 6/368: من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن لقمان، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء.
قلت : وهو المحفوظ عن ثور , وقد اختُلف عليه فيه على ثلاثة أوجه :

الوجه الأول : عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالله بن بسر مرفوعا .
أخرجه بن ماجه (1726),والنسائي في الكبرى (2774), وعبد بن حميد (508- المنتخب) ,والضياء في ((المختارة))(64/9),
وعلّقه الدارقطني في ((العلل))( 311/15),وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))(398) , وأبونعيم في الحلية (5/218).
وتابعه عتبةَ بن السكن :
أخرجه تمام الرازي في ((فوائده))(200/2-الروض البسام).
قلت : عتبة بن السكن : متروك كما قال الدارقطني في ((سننه)) , وانظر ((الميزان))(28/3), و((اللسان))(368/5), ولم يعتد أبونعيم بهذه
المتابعة فقال :
" غريب من حديث خالد، تفرد به عيسى عن ثور ".
وعيسى بن يونس : ثقة , لكنه روايته عن ثور مخالفة لرواية الجماعة , وعلى كل حال إن هذا الوجه لا يضرّ الحديث لأن عبدالله بن بسر صحابي ,
وسيأتي التصريح بسماعه هذا الخبر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

الوجه الثاني : بَقِيَّة، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ الصَّمَّاءِ
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2778).
قلت: بقية ضعيف وقد خالف جمهور الرواة عن ثور في جعلها عمة عبد الله بن بسر , ومن إضطرابه به أنه قال :: حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِيبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ .
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2779).
وأخرج النسائي أيضا في ((الكبرى )) (2782):عن سَعِيد بْن عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ خَالَتِهِ الصَّمَّاءِ.
وخالف بقيةَ , إسماعيلُ بن عياش :
أخرجه أحمد 6/368 : من طريقه عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن لقمان، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء.
قال الحافظ في ((التقريب)): "إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي بالنون أبو عتبة الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم".
قلت : وهذا من روايته عن أهل بلده فهي طريق جيدة.
لكن أخرجه الطبراني في ((الشاميين))(1591) من طريق ضمرة بن ربيعة، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن الزُّبيدي، عن لقمان بن عامر، عن عبد الله بن بُسر،
عن أخته الصماء، قالت:
نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصوم أحدكم يوم السبت.
فأسقط من إسناده خالدَ بنَ مَعْدان بين لقمان بن عامر وعبد الله بن بُسْر.
قلت : ومهما يكن فإن هذا الوجه لا يؤثّر في الحديث لأن بقية لاتعتد بمخالفته , فلايُعارض به الصحيح مما تقدم.

الوجه الثالث : أبو بكر عبد الله بن يزيد المقرئ قال: سمعت ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان عن عبد الله بن بُسْر عن أمّه .
أخرجه تمام الرازي في ((الفوائد))(198/2-الروض البسام).
قلت : خالف جمهورَ الرواة عن ثور: أبو بكر عبد الله بن يزيد المقرئ , وقال عنه أبو حاتم: شيخ، ونقل عن دحيم أنه وصفه بالصدق والستر، فمثله
لا تحتمل روايته عند المخالفة.

الوجه الرابع : العلاء عن داود بن عبيد الله، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن
عائشة .
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2784).
قلت : داود بن عبيدالله : لايعرف .
قال الذهبي في ((الميزان))( 12/2) :
"داود بن عبيد الله عن خالد بن معدان في النهى عن صوم السبت : لا يعرف , تفرد بالحديث عنه العلاء، وكأنه ابن الحارث ".
قلت : وعبدالله بن بسر صحابي , وكذا أخته الصماء , وقد نقل أبوعمر ابن عبدالبر في ((الإستيعاب)) ,والحافظ في ((الإصابة))(748/7):
عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال: قال لي دحيم: " أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه و سلم بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء ".
قلت : الصماء صحابية لكن اختلف في قرابتها من عبدالله بن بسر , قال الحافظ في ((الإصابة)) : " " الصماء بنت بسر المازنية لها ولأبويها وأخيها عبد الله بن بسر صحبة روت عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن صوم يوم السبت وقيل هي عمة عبد الله وقيل خالته فأخرج بن منده من طريق الوليد بن مسلم وغيره عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء وأخرجه بعلو عن أبي عاصم عن ثور من طريق معاوية بن صالح عن أبي عبد الله بن بسر عن أبيه عن عمته الصماء ومن طريق فضيل بن فضالة عن عبدالله بن بسر عن خالته الصماء أخرج حديثها أصحاب السنن من طريق ثور وأكثر النسائي من تخريج طرقه وبيان اختلاف رواته ورجح دحيم الأول قال أبو زرعة الدمشقي قال لي دحيم
أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه و سلم بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء "
وفي التهذيب (382/12) : " الصماء بنت بسر المازنية من مازن قيس، واسمها نهيمة , ويقال: بهمية، وهي أخت عبد الله بن بسر، وقيل: عمته، وقيل: خالته ...".
قلت : فالإختلاف في مدى قربتها من عبدالله بن بسر لا يضرّ الحديث ,وقد ثبتت صحبة عبدالله بن بسر , وجاء هذا الحديث من طريقين صحيحين عنه أنه سمعه من النبي
صلى الله عليه وآله وسلم :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2772), والدولابي في ((الكنى والأسماء))(1795),وابن حبان (3615) , والضياء في ((المختارة))(58/9):
من طريق مُبَشِّر بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: تَرَوْنَ يَدِي هَذِهِ؟ قَدْ بَايَعَتْ بِهَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
(( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فَرِيضَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهَا )).
وتُوبع مبشر:
أخرجه أحمد (17690- الرسالة) , والضياء في ((المختارة))(59/9) : من طريق علي بن عياش عن حسان بن نوح به .
وتابع حسانا : يحي بنُ حسان :
أخرجه أحمد (17686 - الرسالة), ومن طريقه الضياء في ((المختارة))(104/9):عن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالَقَانِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ الْمَازِنِيَّ، يَقُولُ:
" تَرَوْنَ يَدِي هَذِهِ؟ فَأَنَا بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ".
وجاء هذا الحديث من رواية عبدالله بن بسر عن أبيه :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2781) , والطبراني في (مسند الشاميين))(1875):من طريق أبي تَقِيٍّ عَبْد الْحَمِيد بْن إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ،
عَنِ الزُّبَيْدِيِّ , مُفَضَّلُ ( كذا عند الطبراني , وعند النسائي الفضل )بْنُ فَضَالَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ بُسْرَ
يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ وَقَالَ: ((إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا يَمْضَغُ لَحَا شَجَرَةٍ فَلَا يَصُومُ يَوْمَئِذٍ ))
قَالَ ابْنُ بُسْرٍ: فَإِنْ شَكَكْتُمْ فَاسْأَلُوا أُخْتِي فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، فَحَدَّثْتُهُ بِذَلِكَ ".
وقال النسائي : "أَبُو تَقِيٍّ هَذَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُهُ لِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ".
قال المزي في ترجمته من ((تهذيب الكمال)): " قال المزى : قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت محمد بن عوف عنه ، فقال : كان شيخا ضريرا ،
لا يحفظ ، و كنا نكتب من نسخة عند إسحاق زبريق لابن سالم ، فنحمله إليه و نلقنه ، فكان لا يحفظ الإسناد . و يحفظ بعض المتن ، فيحدثنا ،
وإنما حملنا على الكتاب عنه شهوة الحديث . و كان محمد بن عوف إذا حدث عنه ، قال : وجدت فى كتاب عبد الله بن سالم و حدثنى أبو تقى به .
و قال أبو حاتم : كان فى بعض قرى حمص ، فلم أخرج إليه ، و كان ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم ، عن الزبيدى ، إلا أنه ذهبت كتبه ، فقال :
لا أحفظها ، فأرادوا أن يعرضوا عليه ، فقال : لا أحفظها . فلم يزاولوا به حتى لان ، ثم قدمت حمص بعد ذلك ، بأكثر من ثلاثين سنة ،
فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب .
و قالوا : عرض عليه كتاب ابن زبريق و لقنوه ، فحدثهم به ، و ليس هذا بشىء ، رجل لا يحفظ ، و ليس عنده
كتب .
و قال النسائى : ليس بشىء .
و قال فى موضع آخر : ليس بثقة .
و ذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات " .
روى له النسائى حديثا واحدا متابعة ".
وقال الحافظ : " صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه ".
قلت : ولم يتفرد به أبو تقي , فقد تابعه عمرو بن الحارث لكن الطريق إليه غير صالحة للإعتبار :
أخرجه الطبراني (1191) , وفي ((مسند الشاميين))(1875): من طريق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن زِبْرِيق الْحِمْصِيّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ،ثنا الْفُضَيْلُ بْنُ فَضَالَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَاهُ بُسْرًا، يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ )) ، فَقَالَ: ((إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَمْضَغَ لَحَى شَجَرَةٍ، فَلَا يَصُمْ يَوْمَئِذٍ ))
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ شَكَكْتُمْ فَسَلُوا أُخْتِي، قَالَ: فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثَتْهُ بِذَلِكَ .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جدًا لأجل إسحاق بن إبراهيم بن زبريق .
قال الذهبي في ((ديوان الضعفاء))(26/1)" كذبه محمد بن عوف، وقال أبو داود: ليس بشيء".
وله شاهد بإسناد جيد من حديث أبي أمامة :
أخرجه الروياني في ((مسنده))(307/2): نَا سَلَمَةُ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِي الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ )).
وتابع حسانا : عبدُالله بن دينار:
أخرجه الطبراني (7722) : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ
قَالَ: (( لَا تَصُمِ السَّبْتَ إِلَّا فَرِيضَةً، وَلَوْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا لَحَا شَجَرٍ فَأَفْطِرْ عَلَيْهِ )) .
قال الهيثمي في ((المجمع))(198/3) :
" رواه الطبراني في ((الكبير)) من طريق إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهو ضعيف فيهم ".
قال المعلمي في ((التنكيل)) رقم (52): "إسماعيل ثقة في نفسه، لكن عن غير الشاميين تخليط لكثير، فحدّه إذا روى عن غير الشاميين
أن يصلح في المتابعات والشواهد".
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 301): "صدوق".
قلت : وروايته هذه عن عبدالله بن دينار البهراني الشامي الحمصي .
قال المزي في ((تهذيب الكمال)): " قال المفضل بْن غسان الغلابي ، عَنْ يَحْيَى بْن معين : شامي ضعيف .
وقال إِبْرَاهِيم بْن يعقوب الجوزجاني : يتأني فِي حَدِيثه .
وقال أَبُو حاتم : شيخ لَيْسَ بالقوي فِي الحَدِيث .
وقال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَلِي الْحَافِظ : هُوَ عندي ثقة .
وقال الدارقطني : لا يعتبر بِهِ .
وذكره ابْن حبان فِي كتاب الثقات ,رَوَى لَهُ ابْن ماجه
حَدِيثا ".

قال الألباني في ((الإرواء))(960)-عن الإسناد الأول الذي عن أبي أمامة-: "وهذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حسان بن نوح وثقه العجلى وابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات وقال الحافظ فى (( التقريب )) : " ثقة ".
قلت - القائل الألباني - فإما أن يقال: إن حسانا له إسنادان فى هذا الحديث أحدهما عن عبد الله بن بسر , والآخر عن أبى أمامة ,
فكان يحدث تارة بهذا , وتارة بهذا ,فسمعه منه مبشر بن إسماعيل وعلى بن عياش منه بالسند الأول , وسمعه أبو المغيرة ـ واسمه
عبد القدوس بن الحجاج الخولانى ـ منه بالسند الآخر , وكل ثقة حافظ لما حدث به.
وإما أن يقال: خالف أبو المغيرة الثقتين , فروايته شاذة , وهذا أمر صعب لا يطمئن له القلب , لما فيه من تخطئه الثقة بدون حجة قوية.
فإن قيل: فقد تبين من رواية يحيى بن حسان وحسان بن نوح أن عبد الله بن بسر قد سمع الحديث منه صلى الله عليه وسلم , وهذا معناه تصحيح للوجه
الثانى أيضا من وجوه الاضطراب المتقدمة , وقد رجحت الوجه الأول عليها فيما سبق , وحكمت عليها بالشذوذ , فكيف التوفيق بين هذا التصحيح
وذاك الترجيح ؟
والجواب: إن حكمنا على بقية الوجوه بالشذوذ إنما كان باعتبار تلك الطرق المختلفة على ثور بن يزيد , فهو بهذا الاعتبار لا يزال قائما.
ولكننا لما وجدنا الطريقين الآخرين عن عبد الله بن بسر يوافقان الطريق المرجوحة بذاك الاعتبار , وهما مما لا مدخل لهما فى ذلك الاختلاف ,
عرفنا منهما صحة الوجه الثانى من الطرق المختلفة.
بعبارة أخرى أقول: إن الاضطراب المذكور وترجيح أحد وجوهه إنما هو باعتبار طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن ابن بسر , لا باعتبار
الطريقين المشار إليهما بل ولا باعتبار طريق لقمان بن عامر عن خالد بن معدان , فإنها خالية من الاضطراب أيضا , وهى عن عبد الله بن بسر
عن أخته الصماء , وهى من المرجحات للوجه الأول , وبعد ثبوت الطريقين المذكورين , يتبين أن الوجه الثانى ثابت أيضا عن ابن بسر عن
النبى صلى الله عليه وسلم بإسقاط أخته من الوسط. والتوفيق بينهما حينئذ مما لابد منه وهو سهل إن شاء الله تعالى , وذلك بأن يقال:
إن عبد الله بن بسر رضى الله عنه سمع الحديث أولا من أخته الصماء , ثم سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة , فرواه خالد بن معدان عنه
على الوجه الأول , ورواه يحيى وحسان عنه على الوجه الآخر , وكل حافظ ثقة ضابط لما روى.
ومما سبق يتبين لمن تتبع تحقيقنا هذا-يعني رحمه الله تعالى ما حققه في ((الإرواء))- أن للحديث عن عبد الله بن بسر ثلاثة طرق صحيحة ,
لا يشك من وقف عليها على هذا التحرير الذى أوردنا أن الحديث ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فمن الإسراف فى حقه ,
والطعن بدون حق فى رواته ما رووا بالإسناد الصحيح عن الزهرى أنه سئل عنه ؟ فقال:
" ذاك حديث حمصى " !
وعلق عليه الطحاوى بقوله: " فلم يعده الزهرى حديثاً يقال به , وضعفه " !
وأبعد منه عن الصواب , وأغرق فى الإسراف ما نقلوه عن الإمام مالك أنه قال: " هذا كذب " !
وعزاه الحافظ فى " التلخيص " (200) لقول أبى داود فى " السنن " عن مالك.
ولم أره فى " السنن " فلعله فى بعض النسخ أو الروايات منه. وقال ابن الملقن فى " خلاصة البدر المنير " بعد أن ذكر قول مالك هذا (103/1):
" قال النووى لا يقبل هذا منه , وقد صححه الأئمة ".
وقال في ((صحيح أبي داود))(2094)- متعقبا قول الزهري ذاك حديث حمصي-: "هذا نقد غريب لحديث الثقة الصحيح من مثل الإمام ابن شهاب
الزهري! ويكفي في ردِّهِ عليه:
أن جماعة من الأئمة قد صححوه من بعده...ولكن بمثله-أي قول الزهري- لا يردُّ حديث الثقة الصحيح؛فإن مداره على ثور بن يزيد عن خالد بن معدان
عن عبد الله بن بسر، وكل واحد منهم حمصي؛ فـ (ابن بُسْرٍ) صحابي معروف؛ أفيُرَدّ حديثه لمجرد كونه حمصياً؟!ومثله يقال في خالد وثور؛ فإنهما ثقتان
مشهوران. أفيرد حديثهما لكونهما حمصيين؟!
تالله! إنه لنقد محْدَثٌ! فمتى كان الحديث يرد بالنظر إلى بلد الراوي؟! ورحم الله الإمام الشافعي حين قال للإمام أحمد:
" أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فأعلموني به
"أيَ شيء يكون: كوفياً، أو بصرياً، أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً "(صفة الصلاة ص 32- الطبعة التاسعة) .
وشرح صاحب "عون المعبود" قول ابن شهاب المذكور بقوله (2/297) :
" يريد تضعيفه؛ لأن فيه راويان حمصيان (كذا الأصل !) ، أحدهما: ثور بن يزيد. وثانيهما: خالد بن معدان، تكلم فيهما بعض، ووثقهما بعض "!
قلت -الألباني-: وهذا تعليل مردود؛ فإن ابن معدان لم يتكلم فيه أحد إلا بالتوثيق، وحسبك فيه احتجاج الأئمة الستة وغيرهم به، وقول الحافظ ابن حجر في"التقريب "فيه: "ثقة عابد".
وأما ثور بن يزيد؛ فهو متفق على توثيقه أيضاً والاحتجاج بحديثه، ولم يتكلم فيه أحد بتضعيف؛ وإنما تكلم فيه بعضهم لقوله بالقدر، ولذلك قال الحافظ في"مقدمة الفتح " (2/120) :
" اتفقوا على تثبته في الحديث، مع قوله بالقدر... ". ونحوه قوله في " التقريب ": " ثقة ثبت، إلا أنه يرى
القدر ".
ولا يخفى على العارفين بعلم المصطلح: أن مثل هذا الرأي لا يعتبر جرحاً يُرَدّ به حديث الرجل؛ لأن العبرة في الرواية إنما هو الصدق والضبط، وليس السلامة من البدعة؛ على تفصيل معروف. ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله:
" لو تركنا الرواية عن القدرية؛ لتركنا أكثر أهل البصرة ".
قال شيخ الإسلام في " الفتاوى " (7/386) :
" وذلك لأن مسألة خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات مسألة مشكلة، وكما أن القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطأُوا فيها، فقد أخطأ فيها كثير
ممن رد عليهم أو أكثرهم؛
فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان وأتباعه، فنفوا حكمة الله في خلقه وأمره، ونفوا رحمته بعباده، ونفوا ما جعله من الأسباب خلقاً وأمراً... ".
ولذلك فلا يجوز رَدُّ حديث ثور هذا لأنه يرى القدر، لا سيما وقد قيل إنه رجع عنه؛ فكيف وقد تابعه لقمان بن عامر، كما ذكرت في "الإرواء"، وهو صدوق لم يتكلم فيه أحد إلا أنه حمصي أيضاً؟ ا".




الفصل الثاني

ماتضمنه الحديث من الأحكام

الحديث يدل بمنطوقه على عدم مشروعية صيام السبت في غير الفريضة , وأنه لايجوز صيام يوم السبت في النوافل كلِّها سواء ضُمَّ إليه يوم آخر، أو وافق صوماً معتاداً كعرفة أو عاشوراء أو ست من شوال أو الأيَّام البيض أو شهر شعبان إلى غير ذلك من صيام النَّافلة، إذ النهي يقتضي التحريم إلا لقرينة , والحديث يدل على شرعية صيام السبت في كلِّ ما فُرِضَ علينا كرمضان أو صوم الكفَّارة أو صوم القضاء أو النَّذر إلى غير ذلك من صور صيام
الفرض ,والحديث متناول للفرض فقط , وفيه مبالغة لإظهار عدم صومه (( وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه )) ولو بالتظاهر أنك غير صائم لهذا اليوم , مُظهر لفطره بمضغ عود شجرة أو لحاء عنبة .
قال العراقي: كما في ((فيض القدير)) (408/6)" هذا من المبالغة في النهي عن صومه , لأنَّ قشر شجر العنب جاف لا رطوبة فيه ألبتة بخلاف غيره من الأشجار ".
وقال الطحاوي في ((شرح المعاني))(80/2): " ذهب قوم إلى هذا الحديث ، فكرهوا صوم يوم السبت تطوعا".
قال العيني في ((نخب الأفكار))(433/8): " أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا،
واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ".
قلت :ولفظ الكراهة قد يطلق ويُراد به التحريم :
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) : " وقدغلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك ، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم ،
وأطلقوا لفظ الكراهة ، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة ، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه ، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى ، وهذا كثير جدا في تصرفاتهم ; فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة ، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين : أكرهه ، ولا أقول هو حرام ، ومذهبه تحريمه ، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان .
وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله : ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة ، ومذهبه أنه لا يجوز ، وقال في رواية أبي داود :
ويستحب أن لا يدخل الحمام إلا بمئزر له ، وهذا استحباب وجوب ، وقال في رواية إسحاق بن منصور : إذا كان أكثر مال الرجل حراما فلا يعجبني أن يؤكل ماله ، وهذا على سبيل التحريم .
وقال في رواية ابنه عبد الله : لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة ، وكل شيء ذبح لغير الله ، قال الله عز وجل :
{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } .
فتأمل كيف قال : " لا يعجبني " فيما نص الله سبحانه على تحريمه ، واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه ، وقال في رواية الأثرم :
أكره لحوم الجلالة وألبانها ، وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره ، وقال في رواية ابنه عبد الله : أكره أكل لحم الحية والعقرب ; لأن الحية لها ناب والعقرب لها حمة ولا يختلف مذهبه في تحريمه ، وقال في رواية حرب : إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني ;
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أرسلت كلبك وسميت } فقد أطلق لفظه " لا يعجبني " على ما هو حرام عنده" .
ثم ساق أقوالا عن باقي الأئمة أنهم يطلقون لفظ الكراهة ومرادهم التحريم ...
وإليك بعض نصوص الكراهة التي ذكرها الطحاوي في ((شرح المعاني)) وهي معروفةالحرمة:
قال (203/4):" وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا أكل لحوم الحمر الأهلية ".
وقال (243/4) :" وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا لبس الحرير للرجال واحتجوا في ذلك بالآثار المتواترة المروية في النهي عنه".
وقال (259/4): "وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا خواتيم الذهب للرجال".
وقال (40/3):" فَكَرِهُوا وَطْءَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ , وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ , وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ " .

وقال أبودود في ((سننه))" هذا الحديث منسوخ ".
قال الحافظ في ((التلخيص))(470/2): "وَلَا يَتَبَيَّنُ وَجْهُ النَّسْخِ فِيهِ قُلْت : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ فِي آخِرِأمْرِهِ قَالَ خَالِفُوهُمْ فَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ يُوَافِقُ الْحَالَةَ الْأُولَى وَصِيَامُهُ إيَّاهُ يُوَافِقُ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ وَهَذِهِ صُورَةُ النَّسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ".
وقال في ((الفتح))(362/10): " وناسخه حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت والأحد، يتحرى ذلك، ويقول:
"أنهما يوما عيد الكفار، وأنا أحب أن أخالفهم"
وفي لفظ: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد؛ أخرجه أحمد والنسائي، وأشار بقوله: "يوما عيد"
إلى أنَّ يوم السبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامه؛ ويستفاد من هذا: أنَّ الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيداً؛ بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد:
فالأولى أن يصاما معاً وفرادى امتثالاً لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب ".
قلت : الحديث الذي ذكره الحافظ ضعيف ودونك بيان ذلك :
وهو حديث أم سلمة :عن كريب مولى ابن عباس قال : إن ابن عباس وناسا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياما ؟ فقالت : يوم السبت والأحد ، فرجعت إليهم فأخبرتهم ، فكأنهم أنكروا ذلك فقاموا
بأجمعهم إليها فقالوا : إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا ، فذكر أنك قلت كذا وكذا ، فقالت : صدق ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد ، وكان يقول : " إنهما يوما عيد للمشركين ، وأنا أريد أن أخالفهم " .
ولفظ النسائي : ((مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَوْمِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَيَقُولُ: «هُمَا عِيدَانِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ نُخَالِفَهُمْ )).
قلت وهذا الحديث ضعيف - أخرجه أحمد (324/6) , والنسائي في (( الكبرى))(2775 , 2776 ), وابن خزيمة ( 2167 ) , وابن حبان ( 3616 , 3646)
والحاكم ( 436/1 ) , والطبراني في ((الكبير))(ج 23 برقم 616 , 964 ) و في ((الأوسط)) (3869) , والبيهقي ( 4/303 ):
من طرق عن عبدالله بن المبارك عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال : حدثنا أبي عن كريب به .
وقال الحاكم :
" إسناده صحيح " ووافقه الذهبي !
قلت : بل إن إسناده ضعيف فيه عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب , الملقب ب ( دافن )
قال يعقوب بن شيبة كما في (( تهذيب الكمال ))( 94/16) عن على بن المديني : هو وسط .
وقال مغلطاي في (( إكمال تهذيب الكمال))(185/8): " ذكره ابن خلفون في كتاب ((الثقات)) ".
قلت : وذكره ابن حبان في كتاب (( الثقات)) (1/7-2)
وقال :
" يخطئ ويخالف " , ولهذا قال الحافظ في ترجمته من
(( التقريب ))(3620):
" مقبول ". يعني حيث يُتابع ، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة ولم يتابع على هذا الحديث، فهو لين , وهذا هو المُراد من قول الإمام علي بن المديني " هو
وسط "
أي : صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به , جاء في ((تحرير علوم الحديث)) :" قولهم: (وسط)
تقع في كلام ابن المديني، ومن المتأخرين الذهبي.
وهل هي مرتبة تعديل، أم لا؟
دلالتها من لفظها تضع الموصوف بها في مرتبة بين التعديل والتجريح، ومن كان كذلك فلا يحسن أن يلحق بمراتب التعديل، كما لا يصار به إلى الجرح، فحديثه موقوف على المرجح، وهو المتابعات والشواهد، وعليه يقال: هي مرتبة صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به.
ومما يبين ذلك من استعمالهم:
قول يحيى بن سعيد القطان في (يزيد بن كيسان اليشكري): "ليس هو ممن يعتمد عليه، وهو صالح وسط " .
وقول علي بن المديني في (محمد بن مهاجر): " كان
وسطاً " .
وقوله في (موسى بن أعين): " كان صالحاً وسطاً " .
وقول أبي زرعة الرازي في (محمد بن الزبرقان أبي همام): " صالح، هو وسط " .
قلت: فدلالة هذه العبارة لا تعدو صلاحية حديث الراوي للاعتبار عند من قالها في حق من قيلت فيه ".
وأعله ابن القطان في (( الوهم والإيهام)) بأبيه فقال:
" ضعيف، فلا يعرف حال محمد بن عمر " .
قلت : محمد بن عمر قال فيه الذهبي في ((الكاشف))الترجمة (5073 ):
"محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه وعمه بن الحنفية وعنه الثوري وابن جريج ثقة ".
وقال في ميزان الاعتدال (668/3) :
"محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الهاشمي، أحد الأشراف بالمدينة.روى عن أبيه، وعن عبيد الله بن أبي رافع، وعن عمه ابن الحنفية، وعن العباس بن عبيد الله وعنه ابن جريج، وهشام بن سعد، ومحمد بن سعد ، ومحمد بن موسى الفطري.
وعاش إلى دولة السفاح، وهو ابن عم زين العابدين على بن الحسين، وكان يشبه بجده الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه ما علمت به بأسا، ولا رأيت لهم فيه كلاما.
وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث".
وقال الحافظ في (( التقريب )) : " صدوق " .
وروى عنه جمع وذكره ابن حبان في (( الثقات )), فعلة الحديث إنما هو ابنه عبدالله بن محمد بن عمر .
وقد إستدلوا أيضا بحديث عائشة" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ " .
وإسناده ضعيف أيضا , فقد أخرجه الترمذي في ((سننه))(746), وفي ((الشمائل))(292), ومن طريقه البغوي في (( الأنوار في شمائل النبي المختار))(694): َ
حدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : فذكره .
وقَالَ الترمذي :
" هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ !، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ".
وقال الحافظ في ((الفتح) : "وهو - أي الموقوف- أشبه" .
قلت : لأن معاوية بن هشام وهو القصار : صدوق له أوهام ومثله لا يحتمل مخالفة إمام الضَّبط والإتقان عبدالرحمن بن مهدي , ولا تنفعه متابعة أبي أحمد وهو الزبيري لأنه يخطئ في حديث الثوري خاصة كما نص الأئمةُ على ذلك , وله علة أخرى وهي أن خيثمة لم يسمع من عائشة رضي الله عنها, فقد قال ابن القطان كما في (( تهذيب التهذيب )):
" ينظر في سماعه من عائشة رضي الله عنها".
وجزم بذلك أبوداود في (( سننه))تحت الحديث رقم (2128) بقوله :
" خيثمة لم يسمع من عائشة" .
قلت : وهذان الحديثان فيهما نكارة ففي حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( كان يكثر من صوم هذين اليومين )) ,
بينما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يصومهما غير مرة واحدة في الشهر . فأيهما يقدم على الآخر ؟!
فثبت ضعف الحديثين سندًا ونكارتهما متنًا ، وقال ابن القيم في ((تهذيب السنن ))(ص : 1194 - طبعة مكتبة
المعارف ):
" وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم ".
قلت : والذي يظهر لي أن أبا داود لم يقصد ما ذكره الحافظ لأنه أتبع حديث الصماء , بحديث جويرية , وبوّب عليه :
((باب :الرخصة في ذلك )), وقد جاء هذا صريحًا في بعض نسخ سنن أبي داود , جاء فيها : " قال أبوداود : عبدالله بن بسر حمصي , وهذا الحديث منسوخ , نسخه حديث جويرية ".
ودعوى النسخ لا تقبل إلا بشرطين:
الشرط الأول: ((تعذر الجمع بين الدليلين)).
قال المرداوي في ((التحبير))(6/ 2983): (قوله: (لا نسخ مع إمكان الجمع)؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منسوخ إذا تعذر علينا الجمع بينهما،
فإذا لم يتعذر وجمعنا بينهما بمقبول فلا نسخ ".
قال المجد في ((المسودة))وغيره: "لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا .."
وقال ابن قدامة المقدسي في المغني (1/122): " من شروط النسخ: تعذر الجمع ".
الشرط الثاني: العلم بتأخر الناسخ:
قال ابن الجوزي في " نواسخ القرآن" (ص/23): "الشرط الثاني أن يكون الحكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ ... فمتى ورد الحكمان
مختلفين على وجه لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك الآخر ولم يثبت تقديم أحدهما على صاحبه بأحد الطريقين امتنع ادعاء النسخ في أحدهما ".
وطرق معرفة العلم بتأخر الناسخ لا يكون إلا بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ .
قال الآمدي في ((الإحكام))-وهو يُعدد شروط النسخ -: ((وأن يكون الدليل الدال على إرتفاع الحكم شرعياً متراخياً عن الخطاب المنسوخ حكمه))
أي متأخِراً.
وقال الغزالي في ((المستصفى)) -وهو يتكلم عن تعارض الأدلة-: ((فإذا تعارض فيها دليلان: فأما أن يستحيل الجمع أو يُمكن؛ فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلاً: ((من بدل دينه فاقتلوه)) , من بدل دينه فلا تقتلوه، لا يصح نكاح بغير ولي، يصح نكاح بغير ولي، فمثل هذا: لا بد أن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، فإن أشكل التاريخ: فيطلب الحكم من دليل آخر)).
وفي مسألتنا هذه قد تعذّر معرفة التاريخ , فكيف يُعرف النَّاسخ من المنسوخ , هذا مع إمكانية الجمع بين الحديثين كما سيأتي .
فلو قال المانعون من صيام السبت في غير الفرض
أن حديث الصماء هو ناسخ لأحاديث الجواز لكانوا أولى بذلك لسببين اثنين :
الأول : أن راوي حديث المنع وهو عبدالله بن بسر من آخر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم موتًا من أهل الشام.
قال البخاري في (( التاريخ الكبير ))(14/5) : قال علي - يعني ابن المديني -: سمعت سفيان ، يقول : قلت للأحوص : كان أبو أمامة آخر من مات عندكم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ قال : كان بعده عبد الله بن بسر قد رأيته ".
والثاني : وهو أن حديث المنع ناقل عن حكم الأصل وهو الإباحة فيصار إليه .
قال صاحب كتاب ((التقرير والتحبير )):"في التخصيص أو يكون من قبل الزمان حكما كالمحرم ؛ أي كتقديمه على المبيح إذا عارضه اعتبارا له ـ
أي للمحرم ـ متأخرا عن المبيح ؛ كي لا يتكرر النسخ على تقدير كون المحرم مقدما على المبيح بناء على أصالة الإباحة .
فإن المحرم حينئذ يكون ناسخا للإباحة الأصلية ثم المبيح يكون ناسخا للمحرم بخلاف تقدير كون المحرم متأخرا مع القول بأصالة الإباحة ،
فإنه لا يتكرر النسخ ؛ لأن المبيح وارد لإبقائها حينئذ والمحرم ناسخ له ، والأصل عدم التكرار .
وتقدم ما في أصالة الإباحة في المسألة الثانية من مسألتي التنزل في فصل الحاكم من البحث والتحرير فليطلب ثمة ـ ولأنه ؛ أي تقديم المحرم على المبيح الاحتياط ؛ لأن فيه زيادة حكم هو نيل الثواب بالانتهاء عنه ، واستحقاق العقاب بالإقدام عليه ؛ وهو ينعدم في المبيح
والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع ".
ولفظ حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَالَ : (( أَصُمْتِ أَمْسِ )) ؟
قَالَتْ : لَا ، قَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لَا ، قَالَ : (( فَأَفْطِرِي )) رواه البخاري (1986)وغيره .
ومثله حديث أبي هريرة مرفوعا (( لايصوم احدكم يوم الجمعة الا يوما قبله او بعده )) أخرجه البخاري (1985) , ومسلم (1144).
وهذان الحديثان فيهما النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم , فمن أفرده بالصوم يصير صيام يوم السبت فرضا بحق مَن صام الجمعة ولم يسبقها بصيام الخميس
, والامر بالافطار دليل على فرض صيام يوم مع يوم الجمعة إما يوم الخميس قبله وإما يوم السبت بعده , فيكون صيام يوم السبت داخلا في صيام
الفرض اذا لم يصم يوم الخميس , ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( أصمت أمس )) وهو يوم الخميس فأجابت بالنفي , فقال لها تصومين غدا , وهو يوم السبت لانه فرض عليها ان تصوم قبل الجمعة أو بعدها ولا يجوز افراد يوم الجمة بصيام ولهذا قال لها " فأفطري " وهذا أمر يقتضي الوجوب , ولا يجوز جمع هذه الأيام كلها بالصيام , فيصوم مع يوم الجمعة يوما قبله ويوما بعده فاذا صام قبل يوم الجمعة يوم الخميس فلا يجوز له ان يصوم يوم السبت لانه حينئذ لايكون فرضا عليه فاذا صام قبل يوم الجمعة يوم الخميس وصام بعده يوم السبت فقد وقع في النهي من جهتين , من جهة مخالفته لحديث
آل بسر وحديث أبي هريرة وحديث جويرية من جهة
اخرى .
قال الالباني في ((الصحيحة))(732/2)إستدراك رقم (16- 980): " لا تعارض والحمد لله , وذلك بأن نقول: مَنْ صام يوم الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت،
وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته الإفراد ليوم الجمعة، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث السبت:
"إلا فيما افترض عليكم"؛ ولكن: هذا إنما هو لمن صام الجمعة وهو غافل عن النهي عن إفراده، ولم يكن صام الخميس معه كما ذكرنا، أما مَنْ كان على علم بالنهي: فليس له أن يصومه، لأنه في هذه الحالة يصوم ما لا يجب أو يفرض عليه، فلا يدخل – والحالة هذه - تحت العموم المذكور ، ومنه يعرف الجواب عما إذا اتفق يوم الجمعة مع يوم فضيلة فلا يجوز إفراده كما تقدم ، كما لو وافق ذلك يوم السبت ، لانه ليس ذلك فرضا عليه ".
قلت : فتبيّن أنه لاتعارض بين حديث آل بسر وحديث جويرية لإمكان الجمع بينهما .
وقد استدل المبيحون لصيام يوم السبت في غير الفرض بأدلة عامة تدل على استحباب صيام أيام محددة , مثل صيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم
وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام أكثر شعبان، وصيام شهر الله المحرَّم , فقالوا:
قد حثَّ الشرع بالأدلة الصحيحة على استحباب هذه الأيام، ولابدَّ أن يكون فيها يوم السبت أو توافق يوم السبت، ولم يرد في أدلتها استثناء يوم السبت , فهذا
دليل على جواز صومها ولو وافقت يوم السبت , لأنَّ القاعدة تنص على أنَّه: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة"، ولم يبين لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدلَّ ذلك على جوازه؟
قال المانعون من جوازه:
إنَّ التخصيص نوعان: متصل وهو ما لا يستقل بنفسه .
وتخصيص منفصل : وهو ما يستقل بنفسه , فالمتصل لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ,
والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه , ولنضرب مثالا في قطع يد السارق قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
" لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا " أخرجه الشيخان .
فليس كل مَنْ سرق تقطع يده , بل السرقة مقدّرة بربع دينار فصاعدًا , وهذا التخصيص من نوع المتصل، لكن مقدار الحد الذي يُقطع منه: لم يُذكر في هذا
الحديث وإنَّما ذُكر بدليل خارج عن هذا النص ألا وهو كما بينت السنة بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب الحديث وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}
[النساء: 43، المائدة: 6] بأنها الكف أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم :
" التيمم ضربة للوجه والكفين " أخرجه الشيخان , فهذا التخصيص هو من نوع المنفصل.
فهل يقول قائل: أنا لا أتقيد بهذا الحديث وبهذا الإقرار لأنَّ الله تعالى يقول: "والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما" فكل مَنْ سرق يجب أن تقطع يده كلها من الكتف , لأنَّه لو كان هناك مقدار للمال الذي تُقطع به اليد، ومقدار للحد الذي تُقطع منه لبينه الله تعالى! , فلا أظن أن أحدا يقول بهذا
إلا مَن جهل ذلك الحديث وذلك الإقرار .
فنقول: وكذلك الإستثناء من صيام يوم السبت وإن لم يرد ذكره في تلك الأيام المستحب صيامها، لكنه ذُكر في دليل خارج عنها ألا وهو :
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)).
فإن قال قائل : لماذا لم تقبلوا الإستثناء في النهي عن صيام يوم السبت مفردا أو إذا لم يقصد صومه بعينه ؟
قيل لهم: نحن رفضنا ذلك الإستثناء لا لأنَّه ورد بدليل منفصل ولا نقبل إلا المتصل , بل لأنَّ الاستثناء الذي ادعيتموه هو مجرد رأي وليس نصاً من كلام الشرع ,
فلم يقل صوموا هذه الأيام وإن وافقت يوم السبت , بل جعل لنا قاعدة ثابتة تُنزّل على كل الأدلة العامة التي تقدم ذكرها , والقاعدة هي :
(( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ))
وهذا متناول لكل صور التطوع , فأيهما أبلغ بياناً ,أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كل حديث ورد في استحباب تلك الأيام الفاضلة عبارة:
"إلا إذا كان يوم السبت فلا تصوموا" والأحاديث كثيرة كما لا يخفى، أم أن يقول: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" هكذا , فتصبح قاعدة
عامة تبيّن للمسلم : أنَّ صيام التطوع مشروع في كل أيام السنة إلا في يوم السبت لأنه منصوص عليه بعينه بنص خاص .
قال شيخ الإسلام في ((إقتضاء الصراط المستقيم))(75/2): " ولا يقال: يحمل النهي على إفراده , لأن لفظه:
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده" .
قال الشيخ الالبانى : فى ((تمام المنة))(406) : " وتأويل الحديث بالنهى عن صيام السبت منفردا يأباه قوله((إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ )) فإنه كما قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله فى ((تهذيب السنن)) : دليل على المنع من صومه في غير الفرد مفردا أو مضافا , لأن الاستثناء
دليل التناول , وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه , إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد , لقال :
لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده , كما قال في الجمعة . فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها " .
قال الشيخ الالبانى : " قلت: وأيضا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض لأن شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران فإذا استثني الفرض وحده دل على عدم استثناء غيره كما لا يخفى ".
وقال أيضا ((الصحيحة ))(733/2) : فلا يجوز ان نضيف إليه قيدا آخر غير قيد الفريضة كقول بعضهم : (إلا لمن كان له عادة من صيام أو مفردا)
فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ولا يخفى قبحه "
وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى عن صوم يوم الفطر والنحر، كما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأخرج عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا: (( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي)).
قال ابن قدامة المقدسي في ((المغني))(169/3) : " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، مُحَرَّمٌ فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ...إلى أن قال :...وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ , وَأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهِ خِلَافٌ " .
فلو وافق الأثنين أو الخميس أو الأيام البيض أو صيام يوم وإفطار يوم في يوم العيد , فهل تبيحون صيام هذه الأيام لأنَّها لم يرد فيها استثناء
يوم العيد؟! إن قلتم:نعم , خالفتم إجماع أهل العلم، وإن قلتم: لا نصومها إذا وافقت يوم العيد , قيل لكم: وكذلك لا تصام إذا وافقت يوم السبت , بل إن النهي الوارد في صيام السبت , أوكد من النهي الواد في صيام يوم العيد , إذ ان النهي في صيام العيد إنما جاء بصغة (نهى) , أما السبت ,
فكان فيه توكد النهي بعبارة ((فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أوعود شجرة )) , فهذا النهي ظاهر وأوكد إذ يأمر من لم يجد ما يأكل أن يأكل ((لحاء عنبة أوعود شجرة)).
قال علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)):"( فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة ) بكسر اللام أي قشر حبة واحدة من العنب استعارة من قشر العود ، وقيل :
المراد بالعنبة شجرة العنب وهي الحيلة ، قال التوربشتي : اللحاء ممدود وهو قشر الشجر ، والعنبة هي الحبة من العنب ، وأما قول ابن حجر :
المراد شجرة العنب لا حبتها فخطأ فاحش لعدم صحة نفي إرادة الحبة مع أنها أظهر في المبالغة لا سيما دعوى المراد فيما يحتمل من الكتاب والسنة باطلة والقول بها مجازفة ، بل لو بولغ في هذه المقام بأن المراد بالعنبة هي الحبة من العنب لا قشر الشجرة لصح فالعنبة هي الحقيقة اللغوية ،
ففي القاموس : العنب معلوم واحدته عنبة ولم يذكر أصلا إطلاق العنب ، لا بالجنس ولا بالوحدة على الحبة ، ومما يؤيده بناء على أن الأصل في العطف التغاير خصوصا بأو قوله " أو عود شجرة " عطفا على لحاء " فليمضغه " بفتح الضاد ويضم ، في القاموس : مضغه كمنعه ونصره : لاكه بأسنانه ، وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم وإلا فشرط الصوم النية ، فإذا لم توجد لم يوجد ، ولو لم يأكل ، ونظيره المبادرة إلى أكل شيء ما في عيد الفطر تأكيدا لانتفاء الصوم المنهي عنه" .
قلت : وبنفس جوابكم وعذركم نجيب ونعتذر , لأنه لافرق بين الصورتين , من وافق صيامه أياما منهيا عنها كيوم العيد أو أيام التشريق , أو إذا وافق يوما فاضلا يستحب الصيام فيه : يوم السبت وهو منهي عنه بنص خاص لايقبل الشك والتأويل .
فإن قلتم: الأمر يختلف , لأنَّ يومي العيد مجمعٌ على حرمة صيامهما، أما السبت فمختلف فيه؛ قلنا لكم: إنَّ هذا خروج عن موضوع المشابهة , لأنَّه سواء كان ذلك اليوم المنهي عن صيامه قد ثبت النهي عنه بالنَّص أو بالإجماع؛ نقول: إذا وافق صيام مستحب فهل يُصام فيه أم لا؟ فإن قلتم:
لا يُصام إذا كان مجمع عليه , قلنا لكم: ما علاقة الإجماع وهو مبنيٌ على الحديث في حرمة صيامه؟!.
ثم اعلموا أنَّ هذا الأمر يجر إلى أمر أعظم منه ألا وهو: عدم العمل بدلالة النص إلا إذا اجتمع أهل العلم على القول به!، وهذا يعني تعطيل العمل بالكثير من النصوص لعدم الإجماع عليها , ذلك لأنَّكم فرقتم في الحكم بين صورتين متشابهتين لا لشيء إلا لكون إحداهما مجمعٌ عليها والأخرى مختلف فيها!.
وانظر إلى فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فعن عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ : نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا ، قَالَ :
أَظُنُّهُ قَال : الِاثْنَيْنِ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : " أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ ، وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ )).
أخرجه البخاري (1994) , (6706) , ومسلم (1142) .
ولايفوتك أنَّ هذا الرجل الذي جاء يسأل ابن عمر قد نذر أن يصوم يوماً فوافق يوم العيد , ومسألة النَّذر المعيَّن مختلفٌ فيها كما ذكر ابن قدامة فيما سبق عنه؛ ومع هذا أجابه بما فَهِمَ منه السائل المنع من صومه.
إنَّ هذه الأدلة الدالة على استحباب تلك الأيام عامة , بمعنى: أنَّها على مدار أيام السنة , السبت والأحد إلى آخر أيام الأسبوع , وحديث:
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) خاص في حكم صيام يوم السبت , فيكون الجمع: أنَّ هذه الأيام يشرع صيامها على مدار أيام السنة إلا في أوقات النهي , كالعيدين ويوم السبت , ولمن صام الحمعة بمفردها.
قال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)): " وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة من العام ، والأقوى أرجح ، وأيضا إجراء العام على عمومه إهمال للخاص ، وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام " .أي : لا يهمل العام مطلقا إلا في بعض صوره , فإن صادف صوم له فضيلة يوم السبت , لم يًشرع كما واضح .
والأدلة التي احتج بها المجيزون لصيام السبت منها ما هو ضعيف مثل حديث أم سلمة وعائشة وهما غير صالحين للإحتجاج بهما كما تقدم آنفا .
ومنها ما هو صحيح لكنه عام , وحديث النهي عن صيام السبت في غير الفرض خاص , وحمل العام على الخاص متعين، وقد ذكرنا وجوه الرد على تلك الأحاديث .
وأما القول لماذا لم تقبلوا توجيهنا لحديث النهي عن صيام السبت أنه لأجل تخصيصه بالصيام؟!
جوابه : لو كان المقصود من النهي تخصيص السبت بالصيام , لكان الحديث جاء بلفظ : لا تخصوا يوم السبت بصيام , كما هو الحال في يوم الجمعة
فقد روى مسلم ( 1144 ):من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ :
(( لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي ، وَلا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ )).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أفصح العرب , فلو كان يريد النهي عن تخصيص السبت بصيام , لذكره صريحا كما هو الحال في نهيه عن تخصيص الجمعة
بصيام أو قيام !
قال الشيخ الالبانى في((الصحيحة ))- تحت الحديث ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ... الحديث)).
قال : " ان هناك حديثا أخر يشبه هذا الحديث من حيث الاشتراك في النهى مع الاستثناء فيه وهو قوله صلى الله عليه وسلم (لا تصوموا يوم السبت
إلا فيما افترض عليكم...الحديث)وهو حديث صحيح يقينا ومخرج في ((ارواء الغليل ))رقم (960) فأشكل هذا الحديث على كثير من الناس قديما
وحديثا وقد لقيت مقاومة شديدة من بعض الخاصة فضلا عن العامة وتخريجه عندي كحديث الجمعة فلا يجوز ان نضيف إليه قيدا أخر غير قيد الفريضة كقول بعضهم (إلا لمن كانت له عادة من صيام) أو (مفردا) فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ولايخفى قبحه".
وقد استدل المبيحون أيضا بأنه وقع الإجماع على مشروعية صيام السبت في غير الفرض إذا ضمَّ إليه يوماً آخر، أو إذا لم يقصد تخصيصه بالصيام .
وهذه دعوى منقوضة بقول الطحاوي الذي تقدم : (( فذهب قوم إلى هذا الحديث : فكرهوا صوم يوم السبت تطوعاً، وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بصومه بأساً)) .
قال العيني في ((نخب الأفكار))(433/8): " أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ".
وقال ابن رشد القرطبي في ((بداية المجتهد))(71/2): "أما الأيام المنهي عنها : فمنها أيضا متفق عليها ، ومنها مختلف فيها , أما المتفق عليها :
فيوم الفطر ، ويوم الأضحى لثبوت النهي عن صيامهما , وأما المختلف فيها : فأيام التشريق ، ويوم الشك ، ويوم الجمعة ، ويوم السبت ،
والنصف الآخر من شعبان ، وصيام الدهر ...وأما يوم السبت : فالسبب في اختلافهم فيه ، اختلافهم في تصحيح ما روي من أنه - عليه الصلاة والسلام -
قال : " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " خرجه أبو داود ، قالوا والحديث منسوخ ، نسخه حديث جويرية بنت الحارث : " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال : صمت أمس ؟ فقالت :
لا ، فقال : تريدين أن تصومي غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري " .
وقال الشيخ ابن عثيمين : " وأما السبت , فقيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يباح، وقيل: إنه لا يجوز إلا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكن بدون إفراد)).
فهذه ثلاثة أوجه نقلها الشيخ ابن عثيمين , في صيام السبت في غير الفريضة , وهي تدل على أن الإختلاف واقع في هذه المسألة .
وللمبيحين تناقض وهو أنهم تارة يقولون هذا إجماع , وتارة يقولون هو قول جمهور أهل العلم , وهذا الثاني لا نسلّم به على إطلاقه ,
وأما الأول فظاهر البطلان , ودعوى أن هذا قول الجمهور يعوزه الدليل ونحن نعلم أن الكثير من المسائل يدعي أصحابها أنه قول الجمهور ثم يتبين خلاف ذلك !
وما أكثر المسائل التي انفرد فيها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن جمهورالعلماء من ذلك مسألة الطلاق بالثلاث (البدعي) ,هل يقع أو لايقع , وكذا شيخ الإسلام الثاني ابن القيم رحمه الله تعالى وغيرهما ممن هو موضع ثقة عند الناس ومع ذلك لا يستطيع المعترض دفعها ولا يسعه إلا التسليم بها , ولقد قرأت عجبا ممن يدّعي السلفية حيث يقول أحدهم إن هذا القول شاذ !!, ثم يقول : " مَنْ قال به من السلف " , وما يدري هذا المعترض أنه
يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لايدري ,وصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إذ قال لأحدهم:(( ويحك...اعرف الحق تعرف أهله )), وهذه حجة المقلد الضعيف الذي لا يستطيع أن يقارع الحجة بالحجة , فهذا قول سيد السلف صلى الله عليه وآله وسلم بين يديك وأمام ناظريك ثم تبحث عمن يقول به , حقيق بمن كان هذا حاله ألا يوفق للحق , ويظل راكنًا للتقليد
طوال حياته , ويدفع أحاديث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذه الحجج الواهية , وقد عافانا الله مما ابتلاهم به فنحن ندور مع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيثما دار , فحسبكم هذا التفاوت بيننا ...
قال ابن حزم : " لَمْ يَأْمُر اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا إلَى كَلَامِهِ ، وَكَلَامِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، لَا إلَى كَلَامِ صَاحِبٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَمَنْ رَدَّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى :
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} سورة الطلاق آية 1 .2".
وقال أيضا في ((المحلى)) (203/9): " فإن قيل : هو قول الجمهور ؟ قلنا : فكان ماذا ؟ وكم قصة خالفتم فيها الجمهور ؟ نعم ، وأتيتم بقول لا يعرف أحد قاله قبل من قلدتموه دينكم , وهذا الشافعي خالف جمهور العلماء في بطلان الصلاة بترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير ، وفي تحديد القلتين ، وفي تنجيس الماء بما يموت فيه من الذباب ، وفي نجاسة الشعر ، وفي أزيد من مائة قضية , وهذا أبو حنيفة خالف في زكاة البقر جمهور العلماء , وخالف في قوله : إن الخلطة لا تغير الزكاة جمهور العلماء , وخالف في وضعه في الذهب أوقاصا جمهور العلماء - وفي أزيد من ألف قضية .
وهذا مالك خالف في إيجاب الزكاة في السائمة جمهور العلماء , وفي الحامل ، والمرضع تفطران ، وفي أن العمرة تطوع - وفي مئين من القضايا ، فالآن صار أكثر من روي عنه - ولا يبلغون عشرة حجة لا يجوز خلافها ، وقد خالفهم غيرهم من نظرائهم , وكم قصة خالفوا فيها رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم كحديثه (( لا يجوز لامرأة أمر في مالها ، ولا عطية ، إذا ملك زوجها عصمتها )), وأن الدية على أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفا شاة ، وفي إحراق رحل الغال وغير ذلك - وهذا لعب وعبث في الدين ".
وقال أيضاً:وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع فإن لم يمكنهم
ذلك لم تكن عليهم مؤنة من دعوى أنه قول الجمهور وأن خلافه شذوذ وإن خصومهم ليرثون لهم من تورطهم في هذه الدعاوى الكاذبة نعوذ بالله من مثلها
وأيم الله لا أقدم على أن ينسب إلى أحد قول لم يثبت عنده أن ذلك المرء قاله إلا مستسهل الكذب مقدم عليه ساقط العدالة وأما نحن فإن صح عندنا عن إنسان أنه قال قولا نسبناه إليه وإن رويناه ولم يصح عندنا قلنا روى عن فلان فإن لم يرو لنا عنه قول لم ننسب إليه قولا لم يبلغنا عنه ولا نتكثر بالكذب ولم نذكره لا علينا ولا لنا ...".
وقال في ((إحكام الأحكام)) - لما أورد قول الخصم: "وقالوا: نرجِّح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس " فردَّ عليهم بقوله:
((ولأنَّ كثرة القائلين بالقول لا تُصَحِّح ما لم يكن صحيحاً قبل أن يقولوا به، وقلة القائلين بالقول لا تُبطِل ما كان حقاً قبل أن يقول به أحد؛ وقد بينا هذا جداً في باب: "إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة" في آخر هذا الباب، وأيضاً: فإنَّ القول قد يكثر القائلون به بعد
أن كانوا قليلاً، ويقلّون بعد أن كانوا كثيراً؛ فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ثم رجعوا إلى مذهب مالك، وقد كان جمهور
أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة وكذلك أهل العراق ثم غلب على إفريقية مذهب مالك وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي
فيلزم على هذا: أنَّ القول إذا كثر قائلوه صار حقاً وإذا قلوا كما ذكرنا عاد باطلاً؛ وهذا هو الهذيان نفسه)).
قلت : وهذا عام في كل نزاع ، والعلماء الذين تكلموا عن الإجماع وحجيته إنما كان مصدر قوة الإجماع أنهم يحيلون أن يجمع العلماء في ما لا نص فيه , قال تعالى :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} وهذا عموم في كل ما شجر بغض النظر عن الجمهرة والكثرة والقلة .
وقد اختلف الصحابة في قتال أهل الردة فكانوا فريقان :
الفريق الأول : أبو بكر رضي الله عنه وحده .
والفريق الثاني : فيه عمر المؤيد بالتنزيل في قضايا عدة وباقي الصحابة , وكلهم أئمة ومنهم بقية الخلفاء , ومعهم نص
((أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم )),
وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في((الصحيحين ))عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
(( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق بعده ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه
وحسابه على الله عز وجل)) , فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ، فقال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)) . فأبو بكر رضي الله عنه
أخذ قتالهم من قوله : " إلا بحقه " .
ومع هذا فالصواب كان حليف أبي بكر رضي الله عنه , وإلى قوله رجع الصحابة كلهم .
قلت : وهذه الأدلة العامة مبيحة , وهي تدل على استحباب صيام أيام محددة , مثل صيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام أكثر شعبان، وصيام شهر الله المحرَّم ,
وحديث آل بسر رضي الله عنهم حاظر .
قال السيوطي : " إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم والآخر الإباحة قدم التحريم في الأصح " .
وقال القرافي : " يحتاط الشرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة ؛ لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له ، فلا يقدم محل فيه مفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة ، أو يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعًا
للمفسدة بحسب الإمكان ".
وقال الألباني : " لابد لنا من لفتة نظر إلى مسألة فقهية هامة ـ أصولية هامة ـ...إذا تعارض حكمان ، أو حديثان من الأحاديث الصحيحة عن الرسول ( : أحدهما يبيح شيئًا ، والآخر ينهى عنه أو يحظر عنه أو يحرمه ،فهنا من قواعد التوفيق في علم أصول الحديث أنه يقدم الحاظر على
المبيح .
فالآن في الصورة السابقة : صوم يوم عاشوراء أو صوم يوم عرفة وقد اتفقا يوم السبت ، وقد نُهينا عن صيام يوم السبت كما ذكرنا ، حينئذ لابد من تطبيق القاعدة التي ذكرتها آنفًا : تقديم الحاظر على المبيح , يقول : لا تصوموا يوم السبت إلا في الفرض , ويوم عاشوراء ويوم عرفة ليس فرضًا
هو مباح ؛ بل هو مستحب ؛ لكن إذا تعارض الحاظر مع المبيح قدم الحاظر على المبيح ".
وقال : " فلا ينبغي للمسلم بعد مثل هذا البيان أن يتردد أو أن لا يبادر إلى الانتهاء عما نهى الله عنه على لسان نبيه
( ركونًا منه إلى القاعدة العامة وإلى الفضيلة الخاصة التي جاءت في بعض الأيام ؛ إذًا مقدم أولاً ؛ لأنه خاص ، والخاص يقضي على العام ، ولأنه حاظر ، والحاظر مقدم على المبيح " .
وقد ذكر صاحب كتاب ((حكم صوم السبت في غير
الفرض )) أمثلة تُجلّي هذه القاعدة فقال :
" وفي هذا الباب كثير من الأدلة المتعارضة في ذلك نورد بعضها كشواهد ، لأن القائلين بجواز صيام يوم السبت يقولون بحرمة ما سنذكره :

المثال الأول : صيام المرأة بدون إذن زوجها :
روى البخاري (5195) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ ... الحديث)
فلو أن امرأة أرادت أن تصوم يوم عرفة أو عاشوراء من غير إذن زوجها فهل يصح ذلك منها ولا يحرم ؟
والجواب : لا يجوز لها الصوم ويحرم عليها ذلك ؛ لأنه تعارضت السنة مع النهي الشرعي فقدم النهي على السنة . وهذا بديهي لكل عاقل .

المثال الثاني : سفر المرأة بدون محرم ولو أرادت الحج :
روى البخاري (1088) عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَم )
فهنا قد تعارض النهي مع فعل واجب ، فأكثر أهل العلم يحرم على المرأة أن تسافر من غير محرم حتى ولو كان لأداء الفريضة .
واكثر من ذلك أن هناك حديث يدل على إباحة سفر المرأة من غير محرم .
روى البخاري (3595) َ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ .
فَقَالَ : يَا عَدِيُّ ! هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ ؟
قُلْتُ : لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا
قَالَ : فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ أَحَدًا إِلا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلادَ ...... ـ
إلى أن قال ـ :قَالَ عَدِيٌّ : فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ إِلا اللَّهَ .... الحديث )
وقد استدل به البعض على جواز سفر المرأة للحج بدون محرم .

المثال الثالث : النهي عن الصيام بعد منتصف شعبان لمن ليست له عادة :
روى أبو داود ( 2337) والترمذي (738) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا ) وصححه الألباني .
فنقول لو أراد رجل أن يصوم يوم الاثنين والخميس بعد النصف ولم يكن معتادًا على ذلك هل يجوز له ذلك أم
يحرم ؟
والجواب من الجميع أنه يحرم ؛ لأنه تعارض النهي مع الإباحة فقدم النهي على الإباحة هنا . وكذلك صوم يوم السبت يحرم لأن النهي تعارض مع الإباحة .

المثال الرابع : صيام يوم الشك
وله حالتان :
الحالة الأولى : أن الذي يتقدم رمضان بيوم يأخذ بالأحوط وخاصة إذا غم عليه لئلا يضيع منه يوم فرض صيامه
والحالة الثانية : إذا صادف يوم الاثنين أو يوم الخميس ومن السنة صيامهما ؛ لكن لم يكن معتادًا ذلك .
فنرى أن في كلا الحالتين قدم النهي على الفرض والسنة ؛ وذلك للدليل الذي ورد في النهي .
روى البخاري (1906) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلالَ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ )
وروى أيضًا (1914) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ
يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ .)
فجواز صوم يوم الشك لمن كانت له عادة جاء بالدليل المستثني ، فإذا لم يكن ثم دليل فإن النهي على عمومه .

المثال الخامس : صوم العيدين
ومن المعلوم أن صوم يومي العيد ـ الفطر والأضحى ـ يحرم باتفاق ، وذلك لدليل التحريم الذي ورد حتى ولو صادف يوم الخميس أو الاثنين .
لأن النهي مقدم على الإباحة .
عن أَبُي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ )

المثال السادس : صيام أيام التشريق
قد ورد النهي عن صيامها وهي تتعارض مع من يصحح حديث صيام الأيام القمرية ؛ إذا سوف يكون يوم الثالث عشرة من أيام التشريق ، فهل تصام حتى ولو كان معتادًا ذلك ؟
والجواب : لا ؛ لأنه تعارض الحاظر مع المبيح فقدم الحاظر على المبيح .

المثال السابع : صلاة النافلة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها منهي عنها برغم من أنها مستحبة
روى مسلم (488) عن مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قَالَ : لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ
الْجَنَّةَ ـ أَوْ قَالَ قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ ـ فَسَكَتَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ .
فَالَ : سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً )
وروى أيضًا (825) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ .)
فهاهنا قدم النهي على الإباحة للتعارض ولم يقدم الإباحة على النهي لتحصيل المصلحة من فعل السجود
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا وفي كلها أكثر من يقول بجواز صوم السبت يقول بالتحريم فيها ، فلو أن كل عالم سار على منهج واحد وقواعد منضبطة لما وجدت التعارض في أقوال العالم الواحد .

المثال الثامن : روى البخاري (5473) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ ، وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ وَالْعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ )
وروى أحمد (20203) عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ : قَالَ :
اذْبَحُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ وَبَرُّوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَطْعِمُوا .
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟
قَالَ : فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ فَإِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ ـ قَالَ : أَحْسَبُهُ ـ قَالَ : عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ) وروى النسائي بسند حسنه الألباني (4225) عن عَمْرَو بْنَ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِيهِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفَرَعَ ؟
قَالَ : حَقٌّ فَإِنْ تَرَكْتَهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا فَتَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ تُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْصَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ فَتُكْفِئَ إِنَاءَكَ وَتُولِهُ نَاقَتَكَ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْعَتِيرَةُ ؟
قَالَ : الْعَتِيرَةُ حَقٌّ .)
فهنا حديثان : أحدهما ينهي في صيغة النفي ، والآخر يثبت الفرع والعتيرة ، فيقدم النهي هنا على الإباحة ، وإلا فالكثير ممن يجوزون صيام السبت
ويعللون يحرمون الذبح في أول رجب فلماذا لم يفعلوا ذلك في صيام السبت في غير فريضة ‍‍‍؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍".
ثم ذكر قاعدة مشابهة لهذه القاعدة وهي : (( إذا تعارض دليلان أحدهما ناقل عن حكم الأصل والآخر مبقي عليه فيقدم الناقل عن الأصل على المبقي )).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر ناف مبق لحكم الأصل كان الناقل أولى ؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم إلا مرة واحدة ، وإذا قدم المبقى تغير الحكم مرتين ".
وعلى هذا نقول إن صيام كل الأيام على الإباحة الأصلية ، فيكون صوم يومي العيدين ناقل عن الأصل فيقدم هو على الأصل ، وكذلك أيام التشريق ، وصوم يوم الشك ، ويضاف إلى ذلك صيام يوم السبت ؛ لأن النهي فيه ناقل عن الأصل والأحاديث التي يفهم منها جواز صيامه مبقية على حكم الأصل فيقدم النهي على الإباحة .
وقال ابن القيم في الكلام على أحاديث حكم صيام الحاجم والمحجوم المتعارضة :" لو قدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين لأنها ناقلة عن الأصل وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مفطرة والناقل مقدم على المبقي ".
ومن الملاحظ هنا أن ابن القيم قدم حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم ))على حديث صريح في نسخ هذا الحكم وهو
(( رخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة والحجامة للصائم )).
ومن المعلوم أن الترخيص لا يأتي إلا بعد حظر ، فلكي يحكم بالحظر مرة أخرى فلابد من دليل آخر ، ولا دليل ، وبرغم ذلك قدم ابن القيم الحديث
الناقل عن حكم الأصل ليس على المبقي عليه ؛ وإنما على الدليل الذي رجع حكم الأصل إلى ما كان عليه قبل النهي ".

وأخيرًا نلخّص أحكام الحديث :
الأول : لايجوز صيام يوم السبت في النوافل كلِّها سواء ضُمَّ إليه يوم آخر، أو وافق صوماً معتاداً كعرفة أو عاشوراء أو ست من شوال أو الأيَّام البيض
أو شهر شعبان إلى غير ذلك من صيام النَّافلة .
الثاني : جواز صيام يوم السبت في الفرائض : القضاء , والكفارات , والنذر .
الثالث : وجوب صومه لمن صام يوم الجمعة , ولم يصم قبلها يوم الخميس .

هذا آخر ما يسّر الله تعالى من الكلام على حديث آل بسر رضي الله عنهم من حيث الرواية والدراية , فإن أصبت فمن الله , وإن أخطأت فأسأل الله العفو والمغفرة

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
رد مع اقتباس
  #336  
قديم 02-09-15, 01:17 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

( حكم صيام يوم السبت )


الإعلام بما تضمنه حديث آل بسر من الأحكام

أبوسامي العبدان
حسن التمام


















بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}
[النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70، 71]
أما بعد :
فمن المسلَّم به عند المسلمين جميعًا أن الحديث الصحيح حجة بنفسه ، ولا تجوز مخالفته بأي حال من الأحوال , ولا يضرب له الأمثال , فالواجب على المسلم
الانقياد والتسليم له,والتصديق به , وعليه أن ينكر أشد الإنكار على من يسلك غير هذا السبيل , قال الله تعالى :
{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ .. } [النساء: 80] وقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
[النساء: 65] وقال: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36]
وقال: { .. وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .. } [الحشر: 7]
وقال :{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } النور(63)
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) : " ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح : عملاً ، و لا رأيا ، و لا قياساً ، و لا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ، و يقدمونه على الحديث الصحيح ، و قد كذّب أحمد من ادعى هذاالإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ".
وقال كما في مختصر ((الصواعق المرسلة)):" ,إن أهل السنة إذا صحت لهم السنة عن رسول الله لم يتوقفوا عن العمل بها ، من غير نظر إلى من وافقها أو خالفها ، و قد نص الشافعي على ذلك في كثير من كتبه ، و عاب على من يقول لا أعمل بالحديث حتى أعرف من قال به
ذهب إليه ، بل الواجب على من بلغته السنة الصحيحة أن يقبلها و أن يعاملها بما كان يعاملها الصحابة حين يسمعونها من رسول الله فينزل نفسه منزلة من سمعها منه صلى الله عليه و سلم".
وقال شارح الطحاوية: "فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم ، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال، وزبالة أذهانهم، فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم
والانقياد والإذعان كما نوحد المرْسِل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل".
وعن ابن أبي ذئب أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحديث فقال له رجل: يا أبا الحارث أتأخذ بهذا ؟ فضرب صدره وصاح عليه صياحاً كثيراً
ونال منه وقال: أحدِّثُك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به؟ نعم آخذ به وذلك فرضٌ عليَّ، وعلى من سمعه، إن الله تبارك وتعالى اختار محمداً
من الناس فهداهم به، وعلى يديه واختار لهم ما اختار له على لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك. قال:وما سكت حتى تمنى أن يسكت)).
وعن ابن خزيمة قال: قلت لأحمد بن نصر ـ المقرئ النيسابوري ـ وحدث بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أتأخذ به ؟ فقال: أترى على وسطي زناراً؟
لا تقل بخبر النبي صلى الله عليه وسلم أتأخذ به؟ وقل أصحيح هو ذا؟ فإذا صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قلتُ به شئتُ أم أبيتُ))((ذم الكلام)) (175/2).
ومن المسائل الفقهية التي اختلف فيها النَّاس قديماً وحديثاً , وتباينت فيها الأراء مسألة صيام يوم السبت في غير الفريضة ، فمن المستنكر لها جملة وتفصيلا وعادّاً القول بها من شذوذ الأقوال ويَزعم أن هذا لم يقل به أحد من السلف , ويُطالب بسلف للقائل , ومايدري هذا المسكين أن
هذا هو قول سيد السلف وإمامهم صلى الله عليه وآله وسلم , والسعيد مَنْ إتبّع الدليل , وأعرض عن أراء الرجال , وعمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به , قال الإمام الشافعي : " يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه ، و إن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر
الذي قبلوا ، إن حديث رسول الله يثبت بنفسه ، لا بعمل غيره بعده "
وقال النووي في((شرح صحيح مسلم))- باب استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعاً لرمضان -:" قال مالك في الموطأ : ما رأيت أحداً من أهل العلم يصومها- يعني الستة من شوال - ، قالوا : فيكره لئلا يظن وجوبه ، و دليل الشافعي و موافقيه هذا الحديث الصحيح الصريح ، و إذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو كلهم لها ".
وأصل الخلاف ومداره رواية ودراية حول حديث آل بسر رضي الله عنهم مرفوعا:

((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم , فإنْ لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه))
وقد جعلت هذه المسألة على فصلين :



الأول : تخريج الحديث والحكم عليه من حيث القبول والرد على قواعد أهل هذا الفن .

والثاني : ماتضمنه هذا الحديث الشريف من أحكام .

فلنشرع بالمقصود ونسأل الله التوفيق والسداد فهو المأمول وحده .


وكتب
أبوسامي العبدان
( حسن التمام )
15 - شوال - 1436 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم






الفصل الأول

تخريج حديث آل بسر رضي الله عنهم والحكم عليه من حيث القبول والرد على قواعد أهل هذا الفن


(( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه )).
صحيح - أخرجه أبوداود (2421) والترمذي (744), ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة))(1806), وابن ماجه (1726), والنسائي في ((الكبرى))
( 2775),(2776),(2777), وأحمد (6/368) ,وابن بشكوال في ((الغوامض والمبهمات ))(2/797), وعلّقه الدارقطني في ((العلل))(311/15) , والطبراني في الكبير 24/ (818), (819), (820) ,(821) ,وفي((مسند الشاميين ))(1/245), وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3411) ,والحاكم (435/1),وأبونعيم في ((معرفة الصحابة))(6/3380), والدارمي (1749) ، وابن خزيمة (2163) ، والطحاوي في ((شرح المعاني ))(80/2) ,والطبراني في الكبير (24/325) –ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (35/218)- وابن منده في الصحابة
كما في "الإصابة" 13/23 , وأبونعيم في ((معرفة الصحابة ))(6/3380) ,والبيهقي (302/4), وفي فضائل الأوقات (307) ,وتمام الرازي في ((فوائده))(199/1-الروض البسام),والضياء المقدسي في ((المنتقى من مسموعاته بمرو))(109/1): عن جمع من الرواة عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر السلمي عن أخته الصماء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: فذكره .
وقال الترمذى:
" حديث حسن , ومعنى كراهيته فى هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام , لأن اليهود تعظم يوم السبت ".
وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخارى "وأقره الذهبى , وهو كما قالا .
وصححه ابن السكن كما فى " تلخيص الحبير "
(2/216) .
وصححه أيضا ابن خزيمة وابن حبان والضياء المقدسي وابن قدامة والنووي وابن الملقن والعراقي .
وتابع خالدَ بنَ معدان ,ابنُ عبدالله بن بسر :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2773), وابن خزيمة (2164)لكن سقط منه (( ابن ))!: من طريق مُعَاوِيَة بْنِ صَالِح، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّتِهِ الصَّمَّاءِ اخت بسر انها كانت تقول :
(( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ، وَيَقُولُ: ((ِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودًا أَخْضَرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ )).
لكن عدّها الإمام ابنُ خزيمة مخالفة لرواية ثور , فقال :
" خالف معاوية بن صالح ثور بن يزيد في هذا الاسناد فقال ثور عن اخته يريد اخت عبدالله بن بسر , قال معاوية :عن عمته الصماء اخت بسر عمة
ابيه عبدالله بن بسر لا اخت ابيه عبد الله بن بسر ".
قال الألباني في ((الإرواء))(121/4):" ولكنى لم أعرف ابن عبد الله بن بسر هذا , وقد تبادر إلى ذهنى أن قول عبد الله بن بسر ( كذا وقد سقط منه ابن )
" عن عمته " يعنى عمته هو , وليس عمة أبيه ,وإن كان يحتمل العكس , فإن كان كما تبادر إليّ فهو شاهد لا بأس به , وإن كان الآخر لم يضر لضعفه.
قلت : لكن في نفس الرواية أنها أخت بسر , فالمقصود أنها عمة عبدالله بن بسر , والصماء صحابية بلا شك لكن اختلف في قرابتها من عبدالله بن بسر ,
هل هي أخته , أم عمته , أم خالته , وهو اختلاف لايضر أصل الحديث وسيأتي بيان ذلك .
وتابع ثوراً لقمانُ بن عامر :
أخرجه أحمد 6/368: من طريق إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن لقمان، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء.
قلت : وهو المحفوظ عن ثور , وقد اختُلف عليه فيه على ثلاثة أوجه :

الوجه الأول : عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبدالله بن بسر مرفوعا .
أخرجه بن ماجه (1726),والنسائي في الكبرى (2774), وعبد بن حميد (508- المنتخب) ,والضياء في ((المختارة))(64/9),
وعلّقه الدارقطني في ((العلل))( 311/15),وابن شاهين في ((الناسخ والمنسوخ))(398) , وأبونعيم في الحلية (5/218).
وتابعه عتبةَ بن السكن :
أخرجه تمام الرازي في ((فوائده))(200/2-الروض البسام).
قلت : عتبة بن السكن : متروك كما قال الدارقطني في ((سننه)) , وانظر ((الميزان))(28/3), و((اللسان))(368/5), ولم يعتد أبونعيم بهذه
المتابعة فقال :
" غريب من حديث خالد، تفرد به عيسى عن ثور ".
وعيسى بن يونس : ثقة , لكنه روايته عن ثور مخالفة لرواية الجماعة , وعلى كل حال إن هذا الوجه لا يضرّ الحديث لأن عبدالله بن بسر صحابي ,
وسيأتي التصريح بسماعه هذا الخبر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

الوجه الثاني : بَقِيَّة، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَوْرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ الصَّمَّاءِ
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2778).
قلت: بقية ضعيف وقد خالف جمهور الرواة عن ثور في جعلها عمة عبد الله بن بسر , ومن إضطرابه به أنه قال :: حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ:
حَدَّثَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِيبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ .
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2779).
وأخرج النسائي أيضا في ((الكبرى )) (2782):عن سَعِيد بْن عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ،
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسرٍ، عَنْ خَالَتِهِ الصَّمَّاءِ.
وخالف بقيةَ , إسماعيلُ بن عياش :
أخرجه أحمد 6/368 : من طريقه عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن لقمان، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء.
قال الحافظ في ((التقريب)): "إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي بالنون أبو عتبة الحمصي صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم".
قلت : وهذا من روايته عن أهل بلده فهي طريق جيدة.
لكن أخرجه الطبراني في ((الشاميين))(1591) من طريق ضمرة بن ربيعة، عن إسماعيل بن عيَّاش، عن الزُّبيدي، عن لقمان بن عامر، عن عبد الله بن بُسر،
عن أخته الصماء، قالت:
نهى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصوم أحدكم يوم السبت.
فأسقط من إسناده خالدَ بنَ مَعْدان بين لقمان بن عامر وعبد الله بن بُسْر.
قلت : ومهما يكن فإن هذا الوجه لا يؤثّر في الحديث لأن بقية لاتعتد بمخالفته , فلايُعارض به الصحيح مما تقدم.

الوجه الثالث : أبو بكر عبد الله بن يزيد المقرئ قال: سمعت ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان عن عبد الله بن بُسْر عن أمّه .
أخرجه تمام الرازي في ((الفوائد))(198/2-الروض البسام).
قلت : خالف جمهورَ الرواة عن ثور: أبو بكر عبد الله بن يزيد المقرئ , وقال عنه أبو حاتم: شيخ، ونقل عن دحيم أنه وصفه بالصدق والستر، فمثله
لا تحتمل روايته عند المخالفة.

الوجه الرابع : العلاء عن داود بن عبيد الله، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن
عائشة .
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2784).
قلت : داود بن عبيدالله : لايعرف .
قال الذهبي في ((الميزان))( 12/2) :
"داود بن عبيد الله عن خالد بن معدان في النهى عن صوم السبت : لا يعرف , تفرد بالحديث عنه العلاء، وكأنه ابن الحارث ".
قلت : وعبدالله بن بسر صحابي , وكذا أخته الصماء , وقد نقل أبوعمر ابن عبدالبر في ((الإستيعاب)) ,والحافظ في ((الإصابة))(748/7):
عن أبي زرعة الدمشقي أنه قال: قال لي دحيم: " أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه و سلم بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء ".
قلت : الصماء صحابية لكن اختلف في قرابتها من عبدالله بن بسر , قال الحافظ في ((الإصابة)) : " " الصماء بنت بسر المازنية لها ولأبويها وأخيها عبد الله بن بسر صحبة روت عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن صوم يوم السبت وقيل هي عمة عبد الله وقيل خالته فأخرج بن منده من طريق الوليد بن مسلم وغيره عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء وأخرجه بعلو عن أبي عاصم عن ثور من طريق معاوية بن صالح عن أبي عبد الله بن بسر عن أبيه عن عمته الصماء ومن طريق فضيل بن فضالة عن عبدالله بن بسر عن خالته الصماء أخرج حديثها أصحاب السنن من طريق ثور وأكثر النسائي من تخريج طرقه وبيان اختلاف رواته ورجح دحيم الأول قال أبو زرعة الدمشقي قال لي دحيم
أهل بيت أربعة صحبوا النبي صلى الله عليه و سلم بسر وابناه عبد الله وعطية وأختهما الصماء "
وفي التهذيب (382/12) : " الصماء بنت بسر المازنية من مازن قيس، واسمها نهيمة , ويقال: بهمية، وهي أخت عبد الله بن بسر، وقيل: عمته، وقيل: خالته ...".
قلت : فالإختلاف في مدى قربتها من عبدالله بن بسر لا يضرّ الحديث ,وقد ثبتت صحبة عبدالله بن بسر , وجاء هذا الحديث من طريقين صحيحين عنه أنه سمعه من النبي
صلى الله عليه وآله وسلم :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2772), والدولابي في ((الكنى والأسماء))(1795),وابن حبان (3615) , والضياء في ((المختارة))(58/9):
من طريق مُبَشِّر بْن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: تَرَوْنَ يَدِي هَذِهِ؟ قَدْ بَايَعَتْ بِهَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ:
(( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فَرِيضَةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهَا )).
وتُوبع مبشر:
أخرجه أحمد (17690- الرسالة) , والضياء في ((المختارة))(59/9) : من طريق علي بن عياش عن حسان بن نوح به .
وتابع حسانا : يحي بنُ حسان :
أخرجه أحمد (17686 - الرسالة), ومن طريقه الضياء في ((المختارة))(104/9):عن إِبْرَاهِيم بْن إِسْحَاق الطَّالَقَانِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ الْمَازِنِيَّ، يَقُولُ:
" تَرَوْنَ يَدِي هَذِهِ؟ فَأَنَا بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ".
وجاء هذا الحديث من رواية عبدالله بن بسر عن أبيه :
أخرجه النسائي في ((الكبرى))(2781) , والطبراني في (مسند الشاميين))(1875):من طريق أبي تَقِيٍّ عَبْد الْحَمِيد بْن إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ،
عَنِ الزُّبَيْدِيِّ , مُفَضَّلُ ( كذا عند الطبراني , وعند النسائي الفضل )بْنُ فَضَالَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ بُسْرَ
يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ وَقَالَ: ((إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا يَمْضَغُ لَحَا شَجَرَةٍ فَلَا يَصُومُ يَوْمَئِذٍ ))
قَالَ ابْنُ بُسْرٍ: فَإِنْ شَكَكْتُمْ فَاسْأَلُوا أُخْتِي فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ، فَحَدَّثْتُهُ بِذَلِكَ ".
وقال النسائي : "أَبُو تَقِيٍّ هَذَا ضَعِيفٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُهُ لِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ".
قال المزي في ترجمته من ((تهذيب الكمال)): " قال المزى : قال عبد الرحمن بن أبى حاتم : سألت محمد بن عوف عنه ، فقال : كان شيخا ضريرا ،
لا يحفظ ، و كنا نكتب من نسخة عند إسحاق زبريق لابن سالم ، فنحمله إليه و نلقنه ، فكان لا يحفظ الإسناد . و يحفظ بعض المتن ، فيحدثنا ،
وإنما حملنا على الكتاب عنه شهوة الحديث . و كان محمد بن عوف إذا حدث عنه ، قال : وجدت فى كتاب عبد الله بن سالم و حدثنى أبو تقى به .
و قال أبو حاتم : كان فى بعض قرى حمص ، فلم أخرج إليه ، و كان ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم ، عن الزبيدى ، إلا أنه ذهبت كتبه ، فقال :
لا أحفظها ، فأرادوا أن يعرضوا عليه ، فقال : لا أحفظها . فلم يزاولوا به حتى لان ، ثم قدمت حمص بعد ذلك ، بأكثر من ثلاثين سنة ،
فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب .
و قالوا : عرض عليه كتاب ابن زبريق و لقنوه ، فحدثهم به ، و ليس هذا بشىء ، رجل لا يحفظ ، و ليس عنده
كتب .
و قال النسائى : ليس بشىء .
و قال فى موضع آخر : ليس بثقة .
و ذكره ابن حبان فى كتاب " الثقات " .
روى له النسائى حديثا واحدا متابعة ".
وقال الحافظ : " صدوق إلا أنه ذهبت كتبه فساء حفظه ".
قلت : ولم يتفرد به أبو تقي , فقد تابعه عمرو بن الحارث لكن الطريق إليه غير صالحة للإعتبار :
أخرجه الطبراني (1191) , وفي ((مسند الشاميين))(1875): من طريق إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن زِبْرِيق الْحِمْصِيّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ،ثنا الْفُضَيْلُ بْنُ فَضَالَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ مَعْدَانَ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ بُسْرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ، سَمِعَ أَبَاهُ بُسْرًا، يَقُولُ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(( نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ )) ، فَقَالَ: ((إِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَمْضَغَ لَحَى شَجَرَةٍ، فَلَا يَصُمْ يَوْمَئِذٍ ))
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ شَكَكْتُمْ فَسَلُوا أُخْتِي، قَالَ: فَمَشَى إِلَيْهَا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، فَسَأَلَهَا عَمَّا ذَكَرَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثَتْهُ بِذَلِكَ .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جدًا لأجل إسحاق بن إبراهيم بن زبريق .
قال الذهبي في ((ديوان الضعفاء))(26/1)" كذبه محمد بن عوف، وقال أبو داود: ليس بشيء".
وله شاهد بإسناد جيد من حديث أبي أمامة :
أخرجه الروياني في ((مسنده))(307/2): نَا سَلَمَةُ، نَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، نَا حَسَّانُ بْنُ نُوحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِي الْفَرِيضَةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ )).
وتابع حسانا : عبدُالله بن دينار:
أخرجه الطبراني (7722) : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ،
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ
قَالَ: (( لَا تَصُمِ السَّبْتَ إِلَّا فَرِيضَةً، وَلَوْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا لَحَا شَجَرٍ فَأَفْطِرْ عَلَيْهِ )) .
قال الهيثمي في ((المجمع))(198/3) :
" رواه الطبراني في ((الكبير)) من طريق إسماعيل بن عياش عن الحجازيين، وهو ضعيف فيهم ".
قال المعلمي في ((التنكيل)) رقم (52): "إسماعيل ثقة في نفسه، لكن عن غير الشاميين تخليط لكثير، فحدّه إذا روى عن غير الشاميين
أن يصلح في المتابعات والشواهد".
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص 301): "صدوق".
قلت : وروايته هذه عن عبدالله بن دينار البهراني الشامي الحمصي .
قال المزي في ((تهذيب الكمال)): " قال المفضل بْن غسان الغلابي ، عَنْ يَحْيَى بْن معين : شامي ضعيف .
وقال إِبْرَاهِيم بْن يعقوب الجوزجاني : يتأني فِي حَدِيثه .
وقال أَبُو حاتم : شيخ لَيْسَ بالقوي فِي الحَدِيث .
وقال الحاكم أَبُو عَبْد اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَلِي الْحَافِظ : هُوَ عندي ثقة .
وقال الدارقطني : لا يعتبر بِهِ .
وذكره ابْن حبان فِي كتاب الثقات ,رَوَى لَهُ ابْن ماجه
حَدِيثا ".

قال الألباني في ((الإرواء))(960)-عن الإسناد الأول الذي عن أبي أمامة-: "وهذا سند صحيح , رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير حسان بن نوح وثقه العجلى وابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات وقال الحافظ فى (( التقريب )) : " ثقة ".
قلت - القائل الألباني - فإما أن يقال: إن حسانا له إسنادان فى هذا الحديث أحدهما عن عبد الله بن بسر , والآخر عن أبى أمامة ,
فكان يحدث تارة بهذا , وتارة بهذا ,فسمعه منه مبشر بن إسماعيل وعلى بن عياش منه بالسند الأول , وسمعه أبو المغيرة ـ واسمه
عبد القدوس بن الحجاج الخولانى ـ منه بالسند الآخر , وكل ثقة حافظ لما حدث به.
وإما أن يقال: خالف أبو المغيرة الثقتين , فروايته شاذة , وهذا أمر صعب لا يطمئن له القلب , لما فيه من تخطئه الثقة بدون حجة قوية.
فإن قيل: فقد تبين من رواية يحيى بن حسان وحسان بن نوح أن عبد الله بن بسر قد سمع الحديث منه صلى الله عليه وسلم , وهذا معناه تصحيح للوجه
الثانى أيضا من وجوه الاضطراب المتقدمة , وقد رجحت الوجه الأول عليها فيما سبق , وحكمت عليها بالشذوذ , فكيف التوفيق بين هذا التصحيح
وذاك الترجيح ؟
والجواب: إن حكمنا على بقية الوجوه بالشذوذ إنما كان باعتبار تلك الطرق المختلفة على ثور بن يزيد , فهو بهذا الاعتبار لا يزال قائما.
ولكننا لما وجدنا الطريقين الآخرين عن عبد الله بن بسر يوافقان الطريق المرجوحة بذاك الاعتبار , وهما مما لا مدخل لهما فى ذلك الاختلاف ,
عرفنا منهما صحة الوجه الثانى من الطرق المختلفة.
بعبارة أخرى أقول: إن الاضطراب المذكور وترجيح أحد وجوهه إنما هو باعتبار طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن ابن بسر , لا باعتبار
الطريقين المشار إليهما بل ولا باعتبار طريق لقمان بن عامر عن خالد بن معدان , فإنها خالية من الاضطراب أيضا , وهى عن عبد الله بن بسر
عن أخته الصماء , وهى من المرجحات للوجه الأول , وبعد ثبوت الطريقين المذكورين , يتبين أن الوجه الثانى ثابت أيضا عن ابن بسر عن
النبى صلى الله عليه وسلم بإسقاط أخته من الوسط. والتوفيق بينهما حينئذ مما لابد منه وهو سهل إن شاء الله تعالى , وذلك بأن يقال:
إن عبد الله بن بسر رضى الله عنه سمع الحديث أولا من أخته الصماء , ثم سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم مباشرة , فرواه خالد بن معدان عنه
على الوجه الأول , ورواه يحيى وحسان عنه على الوجه الآخر , وكل حافظ ثقة ضابط لما روى.
ومما سبق يتبين لمن تتبع تحقيقنا هذا-يعني رحمه الله تعالى ما حققه في ((الإرواء))- أن للحديث عن عبد الله بن بسر ثلاثة طرق صحيحة ,
لا يشك من وقف عليها على هذا التحرير الذى أوردنا أن الحديث ثابت صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فمن الإسراف فى حقه ,
والطعن بدون حق فى رواته ما رووا بالإسناد الصحيح عن الزهرى أنه سئل عنه ؟ فقال:
" ذاك حديث حمصى " !
وعلق عليه الطحاوى بقوله: " فلم يعده الزهرى حديثاً يقال به , وضعفه " !
وأبعد منه عن الصواب , وأغرق فى الإسراف ما نقلوه عن الإمام مالك أنه قال: " هذا كذب " !
وعزاه الحافظ فى " التلخيص " (200) لقول أبى داود فى " السنن " عن مالك.
ولم أره فى " السنن " فلعله فى بعض النسخ أو الروايات منه. وقال ابن الملقن فى " خلاصة البدر المنير " بعد أن ذكر قول مالك هذا (103/1):
" قال النووى لا يقبل هذا منه , وقد صححه الأئمة ".
وقال في ((صحيح أبي داود))(2094)- متعقبا قول الزهري ذاك حديث حمصي-: "هذا نقد غريب لحديث الثقة الصحيح من مثل الإمام ابن شهاب
الزهري! ويكفي في ردِّهِ عليه:
أن جماعة من الأئمة قد صححوه من بعده...ولكن بمثله-أي قول الزهري- لا يردُّ حديث الثقة الصحيح؛فإن مداره على ثور بن يزيد عن خالد بن معدان
عن عبد الله بن بسر، وكل واحد منهم حمصي؛ فـ (ابن بُسْرٍ) صحابي معروف؛ أفيُرَدّ حديثه لمجرد كونه حمصياً؟!ومثله يقال في خالد وثور؛ فإنهما ثقتان
مشهوران. أفيرد حديثهما لكونهما حمصيين؟!
تالله! إنه لنقد محْدَثٌ! فمتى كان الحديث يرد بالنظر إلى بلد الراوي؟! ورحم الله الإمام الشافعي حين قال للإمام أحمد:
" أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح؛ فأعلموني به
"أيَ شيء يكون: كوفياً، أو بصرياً، أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً "(صفة الصلاة ص 32- الطبعة التاسعة) .
وشرح صاحب "عون المعبود" قول ابن شهاب المذكور بقوله (2/297) :
" يريد تضعيفه؛ لأن فيه راويان حمصيان (كذا الأصل !) ، أحدهما: ثور بن يزيد. وثانيهما: خالد بن معدان، تكلم فيهما بعض، ووثقهما بعض "!
قلت -الألباني-: وهذا تعليل مردود؛ فإن ابن معدان لم يتكلم فيه أحد إلا بالتوثيق، وحسبك فيه احتجاج الأئمة الستة وغيرهم به، وقول الحافظ ابن حجر في"التقريب "فيه: "ثقة عابد".
وأما ثور بن يزيد؛ فهو متفق على توثيقه أيضاً والاحتجاج بحديثه، ولم يتكلم فيه أحد بتضعيف؛ وإنما تكلم فيه بعضهم لقوله بالقدر، ولذلك قال الحافظ في"مقدمة الفتح " (2/120) :
" اتفقوا على تثبته في الحديث، مع قوله بالقدر... ". ونحوه قوله في " التقريب ": " ثقة ثبت، إلا أنه يرى
القدر ".
ولا يخفى على العارفين بعلم المصطلح: أن مثل هذا الرأي لا يعتبر جرحاً يُرَدّ به حديث الرجل؛ لأن العبرة في الرواية إنما هو الصدق والضبط، وليس السلامة من البدعة؛ على تفصيل معروف. ولذلك قال الإمام أحمد رحمه الله:
" لو تركنا الرواية عن القدرية؛ لتركنا أكثر أهل البصرة ".
قال شيخ الإسلام في " الفتاوى " (7/386) :
" وذلك لأن مسألة خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات مسألة مشكلة، وكما أن القدرية من المعتزلة وغيرهم أخطأُوا فيها، فقد أخطأ فيها كثير
ممن رد عليهم أو أكثرهم؛
فإنهم سلكوا في الرد عليهم مسلك جهم بن صفوان وأتباعه، فنفوا حكمة الله في خلقه وأمره، ونفوا رحمته بعباده، ونفوا ما جعله من الأسباب خلقاً وأمراً... ".
ولذلك فلا يجوز رَدُّ حديث ثور هذا لأنه يرى القدر، لا سيما وقد قيل إنه رجع عنه؛ فكيف وقد تابعه لقمان بن عامر، كما ذكرت في "الإرواء"، وهو صدوق لم يتكلم فيه أحد إلا أنه حمصي أيضاً؟ ا".




الفصل الثاني

ماتضمنه الحديث من الأحكام

الحديث يدل بمنطوقه على عدم مشروعية صيام السبت في غير الفريضة , وأنه لايجوز صيام يوم السبت في النوافل كلِّها سواء ضُمَّ إليه يوم آخر، أو وافق صوماً معتاداً كعرفة أو عاشوراء أو ست من شوال أو الأيَّام البيض أو شهر شعبان إلى غير ذلك من صيام النَّافلة، إذ النهي يقتضي التحريم إلا لقرينة , والحديث يدل على شرعية صيام السبت في كلِّ ما فُرِضَ علينا كرمضان أو صوم الكفَّارة أو صوم القضاء أو النَّذر إلى غير ذلك من صور صيام
الفرض ,والحديث متناول للفرض فقط , وفيه مبالغة لإظهار عدم صومه (( وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة , أو عود شجرة فليمضغه )) ولو بالتظاهر أنك غير صائم لهذا اليوم , مُظهر لفطره بمضغ عود شجرة أو لحاء عنبة .
قال العراقي: كما في ((فيض القدير)) (408/6)" هذا من المبالغة في النهي عن صومه , لأنَّ قشر شجر العنب جاف لا رطوبة فيه ألبتة بخلاف غيره من الأشجار ".
وقال الطحاوي في ((شرح المعاني))(80/2): " ذهب قوم إلى هذا الحديث ، فكرهوا صوم يوم السبت تطوعا".
قال العيني في ((نخب الأفكار))(433/8): " أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا،
واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ".
قلت :ولفظ الكراهة قد يطلق ويُراد به التحريم :
قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) : " وقدغلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك ، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم ،
وأطلقوا لفظ الكراهة ، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة ، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه ، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى ، وهذا كثير جدا في تصرفاتهم ; فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة وعلى الأئمة ، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين : أكرهه ، ولا أقول هو حرام ، ومذهبه تحريمه ، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان .
وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله : ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة ، ومذهبه أنه لا يجوز ، وقال في رواية أبي داود :
ويستحب أن لا يدخل الحمام إلا بمئزر له ، وهذا استحباب وجوب ، وقال في رواية إسحاق بن منصور : إذا كان أكثر مال الرجل حراما فلا يعجبني أن يؤكل ماله ، وهذا على سبيل التحريم .
وقال في رواية ابنه عبد الله : لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة ، وكل شيء ذبح لغير الله ، قال الله عز وجل :
{ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به } .
فتأمل كيف قال : " لا يعجبني " فيما نص الله سبحانه على تحريمه ، واحتج هو أيضا بتحريم الله له في كتابه ، وقال في رواية الأثرم :
أكره لحوم الجلالة وألبانها ، وقد صرح بالتحريم في رواية حنبل وغيره ، وقال في رواية ابنه عبد الله : أكره أكل لحم الحية والعقرب ; لأن الحية لها ناب والعقرب لها حمة ولا يختلف مذهبه في تحريمه ، وقال في رواية حرب : إذا صاد الكلب من غير أن يرسل فلا يعجبني ;
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا أرسلت كلبك وسميت } فقد أطلق لفظه " لا يعجبني " على ما هو حرام عنده" .
ثم ساق أقوالا عن باقي الأئمة أنهم يطلقون لفظ الكراهة ومرادهم التحريم ...
وإليك بعض نصوص الكراهة التي ذكرها الطحاوي في ((شرح المعاني)) وهي معروفةالحرمة:
قال (203/4):" وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا أكل لحوم الحمر الأهلية ".
وقال (243/4) :" وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا لبس الحرير للرجال واحتجوا في ذلك بالآثار المتواترة المروية في النهي عنه".
وقال (259/4): "وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا خواتيم الذهب للرجال".
وقال (40/3):" فَكَرِهُوا وَطْءَ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ , وَمَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ , وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ هَذَا التَّأْوِيلِ " .

وقال أبودود في ((سننه))" هذا الحديث منسوخ ".
قال الحافظ في ((التلخيص))(470/2): "وَلَا يَتَبَيَّنُ وَجْهُ النَّسْخِ فِيهِ قُلْت : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ثُمَّ فِي آخِرِأمْرِهِ قَالَ خَالِفُوهُمْ فَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ السَّبْتِ يُوَافِقُ الْحَالَةَ الْأُولَى وَصِيَامُهُ إيَّاهُ يُوَافِقُ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ وَهَذِهِ صُورَةُ النَّسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ".
وقال في ((الفتح))(362/10): " وناسخه حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم السبت والأحد، يتحرى ذلك، ويقول:
"أنهما يوما عيد الكفار، وأنا أحب أن أخالفهم"
وفي لفظ: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان أكثر صيامه السبت والأحد؛ أخرجه أحمد والنسائي، وأشار بقوله: "يوما عيد"
إلى أنَّ يوم السبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى، وأيام العيد لا تصام، فخالفهم بصيامه؛ ويستفاد من هذا: أنَّ الذي قاله بعض الشافعية من كراهة إفراد السبت وكذا الأحد ليس جيداً؛ بل الأولى في المحافظة على ذلك يوم الجمعة كما ورد الحديث الصحيح فيه، وأما السبت والأحد:
فالأولى أن يصاما معاً وفرادى امتثالاً لعموم الأمر بمخالفة أهل الكتاب ".
قلت : الحديث الذي ذكره الحافظ ضعيف ودونك بيان ذلك :
وهو حديث أم سلمة :عن كريب مولى ابن عباس قال : إن ابن عباس وناسا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بعثوني إلى أم سلمة أسألها عن أي الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر لها صياما ؟ فقالت : يوم السبت والأحد ، فرجعت إليهم فأخبرتهم ، فكأنهم أنكروا ذلك فقاموا
بأجمعهم إليها فقالوا : إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا ، فذكر أنك قلت كذا وكذا ، فقالت : صدق ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد ، وكان يقول : " إنهما يوما عيد للمشركين ، وأنا أريد أن أخالفهم " .
ولفظ النسائي : ((مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَوْمِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ، وَيَقُولُ: «هُمَا عِيدَانِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ نُخَالِفَهُمْ )).
قلت وهذا الحديث ضعيف - أخرجه أحمد (324/6) , والنسائي في (( الكبرى))(2775 , 2776 ), وابن خزيمة ( 2167 ) , وابن حبان ( 3616 , 3646)
والحاكم ( 436/1 ) , والطبراني في ((الكبير))(ج 23 برقم 616 , 964 ) و في ((الأوسط)) (3869) , والبيهقي ( 4/303 ):
من طرق عن عبدالله بن المبارك عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال : حدثنا أبي عن كريب به .
وقال الحاكم :
" إسناده صحيح " ووافقه الذهبي !
قلت : بل إن إسناده ضعيف فيه عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب , الملقب ب ( دافن )
قال يعقوب بن شيبة كما في (( تهذيب الكمال ))( 94/16) عن على بن المديني : هو وسط .
وقال مغلطاي في (( إكمال تهذيب الكمال))(185/8): " ذكره ابن خلفون في كتاب ((الثقات)) ".
قلت : وذكره ابن حبان في كتاب (( الثقات)) (1/7-2)
وقال :
" يخطئ ويخالف " , ولهذا قال الحافظ في ترجمته من
(( التقريب ))(3620):
" مقبول ". يعني حيث يُتابع ، وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة ولم يتابع على هذا الحديث، فهو لين , وهذا هو المُراد من قول الإمام علي بن المديني " هو
وسط "
أي : صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به , جاء في ((تحرير علوم الحديث)) :" قولهم: (وسط)
تقع في كلام ابن المديني، ومن المتأخرين الذهبي.
وهل هي مرتبة تعديل، أم لا؟
دلالتها من لفظها تضع الموصوف بها في مرتبة بين التعديل والتجريح، ومن كان كذلك فلا يحسن أن يلحق بمراتب التعديل، كما لا يصار به إلى الجرح، فحديثه موقوف على المرجح، وهو المتابعات والشواهد، وعليه يقال: هي مرتبة صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به.
ومما يبين ذلك من استعمالهم:
قول يحيى بن سعيد القطان في (يزيد بن كيسان اليشكري): "ليس هو ممن يعتمد عليه، وهو صالح وسط " .
وقول علي بن المديني في (محمد بن مهاجر): " كان
وسطاً " .
وقوله في (موسى بن أعين): " كان صالحاً وسطاً " .
وقول أبي زرعة الرازي في (محمد بن الزبرقان أبي همام): " صالح، هو وسط " .
قلت: فدلالة هذه العبارة لا تعدو صلاحية حديث الراوي للاعتبار عند من قالها في حق من قيلت فيه ".
وأعله ابن القطان في (( الوهم والإيهام)) بأبيه فقال:
" ضعيف، فلا يعرف حال محمد بن عمر " .
قلت : محمد بن عمر قال فيه الذهبي في ((الكاشف))الترجمة (5073 ):
"محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه وعمه بن الحنفية وعنه الثوري وابن جريج ثقة ".
وقال في ميزان الاعتدال (668/3) :
"محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله الهاشمي، أحد الأشراف بالمدينة.روى عن أبيه، وعن عبيد الله بن أبي رافع، وعن عمه ابن الحنفية، وعن العباس بن عبيد الله وعنه ابن جريج، وهشام بن سعد، ومحمد بن سعد ، ومحمد بن موسى الفطري.
وعاش إلى دولة السفاح، وهو ابن عم زين العابدين على بن الحسين، وكان يشبه بجده الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه ما علمت به بأسا، ولا رأيت لهم فيه كلاما.
وقد روى له أصحاب السنن الأربعة فما استنكر له حديث".
وقال الحافظ في (( التقريب )) : " صدوق " .
وروى عنه جمع وذكره ابن حبان في (( الثقات )), فعلة الحديث إنما هو ابنه عبدالله بن محمد بن عمر .
وقد إستدلوا أيضا بحديث عائشة" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ " .
وإسناده ضعيف أيضا , فقد أخرجه الترمذي في ((سننه))(746), وفي ((الشمائل))(292), ومن طريقه البغوي في (( الأنوار في شمائل النبي المختار))(694): َ
حدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، قَالَا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : فذكره .
وقَالَ الترمذي :
" هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ !، وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ سُفْيَانَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ".
وقال الحافظ في ((الفتح) : "وهو - أي الموقوف- أشبه" .
قلت : لأن معاوية بن هشام وهو القصار : صدوق له أوهام ومثله لا يحتمل مخالفة إمام الضَّبط والإتقان عبدالرحمن بن مهدي , ولا تنفعه متابعة أبي أحمد وهو الزبيري لأنه يخطئ في حديث الثوري خاصة كما نص الأئمةُ على ذلك , وله علة أخرى وهي أن خيثمة لم يسمع من عائشة رضي الله عنها, فقد قال ابن القطان كما في (( تهذيب التهذيب )):
" ينظر في سماعه من عائشة رضي الله عنها".
وجزم بذلك أبوداود في (( سننه))تحت الحديث رقم (2128) بقوله :
" خيثمة لم يسمع من عائشة" .
قلت : وهذان الحديثان فيهما نكارة ففي حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( كان يكثر من صوم هذين اليومين )) ,
بينما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يصومهما غير مرة واحدة في الشهر . فأيهما يقدم على الآخر ؟!
فثبت ضعف الحديثين سندًا ونكارتهما متنًا ، وقال ابن القيم في ((تهذيب السنن ))(ص : 1194 - طبعة مكتبة
المعارف ):
" وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم ".
قلت : والذي يظهر لي أن أبا داود لم يقصد ما ذكره الحافظ لأنه أتبع حديث الصماء , بحديث جويرية , وبوّب عليه :
((باب :الرخصة في ذلك )), وقد جاء هذا صريحًا في بعض نسخ سنن أبي داود , جاء فيها : " قال أبوداود : عبدالله بن بسر حمصي , وهذا الحديث منسوخ , نسخه حديث جويرية ".
ودعوى النسخ لا تقبل إلا بشرطين:
الشرط الأول: ((تعذر الجمع بين الدليلين)).
قال المرداوي في ((التحبير))(6/ 2983): (قوله: (لا نسخ مع إمكان الجمع)؛ لأنا إنما نحكم بأن الأول منسوخ إذا تعذر علينا الجمع بينهما،
فإذا لم يتعذر وجمعنا بينهما بمقبول فلا نسخ ".
قال المجد في ((المسودة))وغيره: "لا يتحقق النسخ إلا مع التعارض، فأما مع إمكان الجمع فلا .."
وقال ابن قدامة المقدسي في المغني (1/122): " من شروط النسخ: تعذر الجمع ".
الشرط الثاني: العلم بتأخر الناسخ:
قال ابن الجوزي في " نواسخ القرآن" (ص/23): "الشرط الثاني أن يكون الحكم المنسوخ ثابتا قبل ثبوت حكم الناسخ ... فمتى ورد الحكمان
مختلفين على وجه لا يمكن العمل بأحدهما إلا بترك الآخر ولم يثبت تقديم أحدهما على صاحبه بأحد الطريقين امتنع ادعاء النسخ في أحدهما ".
وطرق معرفة العلم بتأخر الناسخ لا يكون إلا بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ .
قال الآمدي في ((الإحكام))-وهو يُعدد شروط النسخ -: ((وأن يكون الدليل الدال على إرتفاع الحكم شرعياً متراخياً عن الخطاب المنسوخ حكمه))
أي متأخِراً.
وقال الغزالي في ((المستصفى)) -وهو يتكلم عن تعارض الأدلة-: ((فإذا تعارض فيها دليلان: فأما أن يستحيل الجمع أو يُمكن؛ فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلاً: ((من بدل دينه فاقتلوه)) , من بدل دينه فلا تقتلوه، لا يصح نكاح بغير ولي، يصح نكاح بغير ولي، فمثل هذا: لا بد أن يكون أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، فإن أشكل التاريخ: فيطلب الحكم من دليل آخر)).
وفي مسألتنا هذه قد تعذّر معرفة التاريخ , فكيف يُعرف النَّاسخ من المنسوخ , هذا مع إمكانية الجمع بين الحديثين كما سيأتي .
فلو قال المانعون من صيام السبت في غير الفرض
أن حديث الصماء هو ناسخ لأحاديث الجواز لكانوا أولى بذلك لسببين اثنين :
الأول : أن راوي حديث المنع وهو عبدالله بن بسر من آخر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم موتًا من أهل الشام.
قال البخاري في (( التاريخ الكبير ))(14/5) : قال علي - يعني ابن المديني -: سمعت سفيان ، يقول : قلت للأحوص : كان أبو أمامة آخر من مات عندكم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ؟ قال : كان بعده عبد الله بن بسر قد رأيته ".
والثاني : وهو أن حديث المنع ناقل عن حكم الأصل وهو الإباحة فيصار إليه .
قال صاحب كتاب ((التقرير والتحبير )):"في التخصيص أو يكون من قبل الزمان حكما كالمحرم ؛ أي كتقديمه على المبيح إذا عارضه اعتبارا له ـ
أي للمحرم ـ متأخرا عن المبيح ؛ كي لا يتكرر النسخ على تقدير كون المحرم مقدما على المبيح بناء على أصالة الإباحة .
فإن المحرم حينئذ يكون ناسخا للإباحة الأصلية ثم المبيح يكون ناسخا للمحرم بخلاف تقدير كون المحرم متأخرا مع القول بأصالة الإباحة ،
فإنه لا يتكرر النسخ ؛ لأن المبيح وارد لإبقائها حينئذ والمحرم ناسخ له ، والأصل عدم التكرار .
وتقدم ما في أصالة الإباحة في المسألة الثانية من مسألتي التنزل في فصل الحاكم من البحث والتحرير فليطلب ثمة ـ ولأنه ؛ أي تقديم المحرم على المبيح الاحتياط ؛ لأن فيه زيادة حكم هو نيل الثواب بالانتهاء عنه ، واستحقاق العقاب بالإقدام عليه ؛ وهو ينعدم في المبيح
والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع ".
ولفظ حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ ، فَقَالَ : (( أَصُمْتِ أَمْسِ )) ؟
قَالَتْ : لَا ، قَالَ : تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا ؟ قَالَتْ : لَا ، قَالَ : (( فَأَفْطِرِي )) رواه البخاري (1986)وغيره .
ومثله حديث أبي هريرة مرفوعا (( لايصوم احدكم يوم الجمعة الا يوما قبله او بعده )) أخرجه البخاري (1985) , ومسلم (1144).
وهذان الحديثان فيهما النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم , فمن أفرده بالصوم يصير صيام يوم السبت فرضا بحق مَن صام الجمعة ولم يسبقها بصيام الخميس
, والامر بالافطار دليل على فرض صيام يوم مع يوم الجمعة إما يوم الخميس قبله وإما يوم السبت بعده , فيكون صيام يوم السبت داخلا في صيام
الفرض اذا لم يصم يوم الخميس , ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (( أصمت أمس )) وهو يوم الخميس فأجابت بالنفي , فقال لها تصومين غدا , وهو يوم السبت لانه فرض عليها ان تصوم قبل الجمعة أو بعدها ولا يجوز افراد يوم الجمة بصيام ولهذا قال لها " فأفطري " وهذا أمر يقتضي الوجوب , ولا يجوز جمع هذه الأيام كلها بالصيام , فيصوم مع يوم الجمعة يوما قبله ويوما بعده فاذا صام قبل يوم الجمعة يوم الخميس فلا يجوز له ان يصوم يوم السبت لانه حينئذ لايكون فرضا عليه فاذا صام قبل يوم الجمعة يوم الخميس وصام بعده يوم السبت فقد وقع في النهي من جهتين , من جهة مخالفته لحديث
آل بسر وحديث أبي هريرة وحديث جويرية من جهة
اخرى .
قال الالباني في ((الصحيحة))(732/2)إستدراك رقم (16- 980): " لا تعارض والحمد لله , وذلك بأن نقول: مَنْ صام يوم الجمعة دون الخميس فعليه أن يصوم السبت،
وهذا فرض عليه لينجو من إثم مخالفته الإفراد ليوم الجمعة، فهو في هذه الحالة داخل في عموم قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث السبت:
"إلا فيما افترض عليكم"؛ ولكن: هذا إنما هو لمن صام الجمعة وهو غافل عن النهي عن إفراده، ولم يكن صام الخميس معه كما ذكرنا، أما مَنْ كان على علم بالنهي: فليس له أن يصومه، لأنه في هذه الحالة يصوم ما لا يجب أو يفرض عليه، فلا يدخل – والحالة هذه - تحت العموم المذكور ، ومنه يعرف الجواب عما إذا اتفق يوم الجمعة مع يوم فضيلة فلا يجوز إفراده كما تقدم ، كما لو وافق ذلك يوم السبت ، لانه ليس ذلك فرضا عليه ".
قلت : فتبيّن أنه لاتعارض بين حديث آل بسر وحديث جويرية لإمكان الجمع بينهما .
وقد استدل المبيحون لصيام يوم السبت في غير الفرض بأدلة عامة تدل على استحباب صيام أيام محددة , مثل صيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم
وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام أكثر شعبان، وصيام شهر الله المحرَّم , فقالوا:
قد حثَّ الشرع بالأدلة الصحيحة على استحباب هذه الأيام، ولابدَّ أن يكون فيها يوم السبت أو توافق يوم السبت، ولم يرد في أدلتها استثناء يوم السبت , فهذا
دليل على جواز صومها ولو وافقت يوم السبت , لأنَّ القاعدة تنص على أنَّه: "لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة"، ولم يبين لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدلَّ ذلك على جوازه؟
قال المانعون من جوازه:
إنَّ التخصيص نوعان: متصل وهو ما لا يستقل بنفسه .
وتخصيص منفصل : وهو ما يستقل بنفسه , فالمتصل لا يستقل بنفسه في إفادة معناه، بل يكون متعلقا بما اتصل به من الكلام كالاستثناء والشرط والغاية ,
والمنفصل وهو ما يستقل بنفسه في إفادة معناه , ولنضرب مثالا في قطع يد السارق قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
" لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدًا " أخرجه الشيخان .
فليس كل مَنْ سرق تقطع يده , بل السرقة مقدّرة بربع دينار فصاعدًا , وهذا التخصيص من نوع المتصل، لكن مقدار الحد الذي يُقطع منه: لم يُذكر في هذا
الحديث وإنَّما ذُكر بدليل خارج عن هذا النص ألا وهو كما بينت السنة بفعله صلى الله عليه وسلم أو فعل أصحابه وإقراره فإنهم كانوا يقطعون يد السارق من عند المفصل كما هو معروف في كتب الحديث وبينت السنة القولية اليد المذكورة في آية التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ}
[النساء: 43، المائدة: 6] بأنها الكف أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم :
" التيمم ضربة للوجه والكفين " أخرجه الشيخان , فهذا التخصيص هو من نوع المنفصل.
فهل يقول قائل: أنا لا أتقيد بهذا الحديث وبهذا الإقرار لأنَّ الله تعالى يقول: "والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما" فكل مَنْ سرق يجب أن تقطع يده كلها من الكتف , لأنَّه لو كان هناك مقدار للمال الذي تُقطع به اليد، ومقدار للحد الذي تُقطع منه لبينه الله تعالى! , فلا أظن أن أحدا يقول بهذا
إلا مَن جهل ذلك الحديث وذلك الإقرار .
فنقول: وكذلك الإستثناء من صيام يوم السبت وإن لم يرد ذكره في تلك الأيام المستحب صيامها، لكنه ذُكر في دليل خارج عنها ألا وهو :
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)).
فإن قال قائل : لماذا لم تقبلوا الإستثناء في النهي عن صيام يوم السبت مفردا أو إذا لم يقصد صومه بعينه ؟
قيل لهم: نحن رفضنا ذلك الإستثناء لا لأنَّه ورد بدليل منفصل ولا نقبل إلا المتصل , بل لأنَّ الاستثناء الذي ادعيتموه هو مجرد رأي وليس نصاً من كلام الشرع ,
فلم يقل صوموا هذه الأيام وإن وافقت يوم السبت , بل جعل لنا قاعدة ثابتة تُنزّل على كل الأدلة العامة التي تقدم ذكرها , والقاعدة هي :
(( لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ))
وهذا متناول لكل صور التطوع , فأيهما أبلغ بياناً ,أن يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كل حديث ورد في استحباب تلك الأيام الفاضلة عبارة:
"إلا إذا كان يوم السبت فلا تصوموا" والأحاديث كثيرة كما لا يخفى، أم أن يقول: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم" هكذا , فتصبح قاعدة
عامة تبيّن للمسلم : أنَّ صيام التطوع مشروع في كل أيام السنة إلا في يوم السبت لأنه منصوص عليه بعينه بنص خاص .
قال شيخ الإسلام في ((إقتضاء الصراط المستقيم))(75/2): " ولا يقال: يحمل النهي على إفراده , لأن لفظه:
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم))والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى فإنه لا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده" .
قال الشيخ الالبانى : فى ((تمام المنة))(406) : " وتأويل الحديث بالنهى عن صيام السبت منفردا يأباه قوله((إِلَّا فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ )) فإنه كما قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله فى ((تهذيب السنن)) : دليل على المنع من صومه في غير الفرد مفردا أو مضافا , لأن الاستثناء
دليل التناول , وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه , إلا صورة الفرض ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد , لقال :
لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده , كما قال في الجمعة . فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها " .
قال الشيخ الالبانى : " قلت: وأيضا لو كانت صورة الاقتران غير منهي عنها لكان استثناؤها في الحديث أولى من استثناء الفرض لأن شبهة شمول الحديث له أبعد من شموله لصورة الاقتران فإذا استثني الفرض وحده دل على عدم استثناء غيره كما لا يخفى ".
وقال أيضا ((الصحيحة ))(733/2) : فلا يجوز ان نضيف إليه قيدا آخر غير قيد الفريضة كقول بعضهم : (إلا لمن كان له عادة من صيام أو مفردا)
فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ولا يخفى قبحه "
وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى عن صوم يوم الفطر والنحر، كما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأخرج عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما قالا: (( لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي)).
قال ابن قدامة المقدسي في ((المغني))(169/3) : " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَوْمَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، مُحَرَّمٌ فِي التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ...إلى أن قال :...وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ , وَأَمَّا صَوْمُهُمَا عَنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ فَفِيهِ خِلَافٌ " .
فلو وافق الأثنين أو الخميس أو الأيام البيض أو صيام يوم وإفطار يوم في يوم العيد , فهل تبيحون صيام هذه الأيام لأنَّها لم يرد فيها استثناء
يوم العيد؟! إن قلتم:نعم , خالفتم إجماع أهل العلم، وإن قلتم: لا نصومها إذا وافقت يوم العيد , قيل لكم: وكذلك لا تصام إذا وافقت يوم السبت , بل إن النهي الوارد في صيام السبت , أوكد من النهي الواد في صيام يوم العيد , إذ ان النهي في صيام العيد إنما جاء بصغة (نهى) , أما السبت ,
فكان فيه توكد النهي بعبارة ((فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أوعود شجرة )) , فهذا النهي ظاهر وأوكد إذ يأمر من لم يجد ما يأكل أن يأكل ((لحاء عنبة أوعود شجرة)).
قال علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)):"( فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة ) بكسر اللام أي قشر حبة واحدة من العنب استعارة من قشر العود ، وقيل :
المراد بالعنبة شجرة العنب وهي الحيلة ، قال التوربشتي : اللحاء ممدود وهو قشر الشجر ، والعنبة هي الحبة من العنب ، وأما قول ابن حجر :
المراد شجرة العنب لا حبتها فخطأ فاحش لعدم صحة نفي إرادة الحبة مع أنها أظهر في المبالغة لا سيما دعوى المراد فيما يحتمل من الكتاب والسنة باطلة والقول بها مجازفة ، بل لو بولغ في هذه المقام بأن المراد بالعنبة هي الحبة من العنب لا قشر الشجرة لصح فالعنبة هي الحقيقة اللغوية ،
ففي القاموس : العنب معلوم واحدته عنبة ولم يذكر أصلا إطلاق العنب ، لا بالجنس ولا بالوحدة على الحبة ، ومما يؤيده بناء على أن الأصل في العطف التغاير خصوصا بأو قوله " أو عود شجرة " عطفا على لحاء " فليمضغه " بفتح الضاد ويضم ، في القاموس : مضغه كمنعه ونصره : لاكه بأسنانه ، وهذا تأكيد بالإفطار لنفي الصوم وإلا فشرط الصوم النية ، فإذا لم توجد لم يوجد ، ولو لم يأكل ، ونظيره المبادرة إلى أكل شيء ما في عيد الفطر تأكيدا لانتفاء الصوم المنهي عنه" .
قلت : وبنفس جوابكم وعذركم نجيب ونعتذر , لأنه لافرق بين الصورتين , من وافق صيامه أياما منهيا عنها كيوم العيد أو أيام التشريق , أو إذا وافق يوما فاضلا يستحب الصيام فيه : يوم السبت وهو منهي عنه بنص خاص لايقبل الشك والتأويل .
فإن قلتم: الأمر يختلف , لأنَّ يومي العيد مجمعٌ على حرمة صيامهما، أما السبت فمختلف فيه؛ قلنا لكم: إنَّ هذا خروج عن موضوع المشابهة , لأنَّه سواء كان ذلك اليوم المنهي عن صيامه قد ثبت النهي عنه بالنَّص أو بالإجماع؛ نقول: إذا وافق صيام مستحب فهل يُصام فيه أم لا؟ فإن قلتم:
لا يُصام إذا كان مجمع عليه , قلنا لكم: ما علاقة الإجماع وهو مبنيٌ على الحديث في حرمة صيامه؟!.
ثم اعلموا أنَّ هذا الأمر يجر إلى أمر أعظم منه ألا وهو: عدم العمل بدلالة النص إلا إذا اجتمع أهل العلم على القول به!، وهذا يعني تعطيل العمل بالكثير من النصوص لعدم الإجماع عليها , ذلك لأنَّكم فرقتم في الحكم بين صورتين متشابهتين لا لشيء إلا لكون إحداهما مجمعٌ عليها والأخرى مختلف فيها!.
وانظر إلى فقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فعن عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ رَجُلٌ : نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا ، قَالَ :
أَظُنُّهُ قَال : الِاثْنَيْنِ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ عِيدٍ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : " أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ ، وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ )).
أخرجه البخاري (1994) , (6706) , ومسلم (1142) .
ولايفوتك أنَّ هذا الرجل الذي جاء يسأل ابن عمر قد نذر أن يصوم يوماً فوافق يوم العيد , ومسألة النَّذر المعيَّن مختلفٌ فيها كما ذكر ابن قدامة فيما سبق عنه؛ ومع هذا أجابه بما فَهِمَ منه السائل المنع من صومه.
إنَّ هذه الأدلة الدالة على استحباب تلك الأيام عامة , بمعنى: أنَّها على مدار أيام السنة , السبت والأحد إلى آخر أيام الأسبوع , وحديث:
((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم)) خاص في حكم صيام يوم السبت , فيكون الجمع: أنَّ هذه الأيام يشرع صيامها على مدار أيام السنة إلا في أوقات النهي , كالعيدين ويوم السبت , ولمن صام الحمعة بمفردها.
قال الشوكاني في ((إرشاد الفحول)): " وقد تقرر أن الخاص أقوى دلالة من العام ، والأقوى أرجح ، وأيضا إجراء العام على عمومه إهمال للخاص ، وإعمال الخاص لا يوجب إهمال العام " .أي : لا يهمل العام مطلقا إلا في بعض صوره , فإن صادف صوم له فضيلة يوم السبت , لم يًشرع كما واضح .
والأدلة التي احتج بها المجيزون لصيام السبت منها ما هو ضعيف مثل حديث أم سلمة وعائشة وهما غير صالحين للإحتجاج بهما كما تقدم آنفا .
ومنها ما هو صحيح لكنه عام , وحديث النهي عن صيام السبت في غير الفرض خاص , وحمل العام على الخاص متعين، وقد ذكرنا وجوه الرد على تلك الأحاديث .
وأما القول لماذا لم تقبلوا توجيهنا لحديث النهي عن صيام السبت أنه لأجل تخصيصه بالصيام؟!
جوابه : لو كان المقصود من النهي تخصيص السبت بالصيام , لكان الحديث جاء بلفظ : لا تخصوا يوم السبت بصيام , كما هو الحال في يوم الجمعة
فقد روى مسلم ( 1144 ):من حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ :
(( لا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي ، وَلا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ )).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أفصح العرب , فلو كان يريد النهي عن تخصيص السبت بصيام , لذكره صريحا كما هو الحال في نهيه عن تخصيص الجمعة
بصيام أو قيام !
قال الشيخ الالبانى في((الصحيحة ))- تحت الحديث ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ... الحديث)).
قال : " ان هناك حديثا أخر يشبه هذا الحديث من حيث الاشتراك في النهى مع الاستثناء فيه وهو قوله صلى الله عليه وسلم (لا تصوموا يوم السبت
إلا فيما افترض عليكم...الحديث)وهو حديث صحيح يقينا ومخرج في ((ارواء الغليل ))رقم (960) فأشكل هذا الحديث على كثير من الناس قديما
وحديثا وقد لقيت مقاومة شديدة من بعض الخاصة فضلا عن العامة وتخريجه عندي كحديث الجمعة فلا يجوز ان نضيف إليه قيدا أخر غير قيد الفريضة كقول بعضهم (إلا لمن كانت له عادة من صيام) أو (مفردا) فإنه يشبه الاستدراك على الشارع الحكيم ولايخفى قبحه".
وقد استدل المبيحون أيضا بأنه وقع الإجماع على مشروعية صيام السبت في غير الفرض إذا ضمَّ إليه يوماً آخر، أو إذا لم يقصد تخصيصه بالصيام .
وهذه دعوى منقوضة بقول الطحاوي الذي تقدم : (( فذهب قوم إلى هذا الحديث : فكرهوا صوم يوم السبت تطوعاً، وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بصومه بأساً)) .
قال العيني في ((نخب الأفكار))(433/8): " أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وطاوس بن كيسان وإبراهيم وخالد بن معدان؛ فإنهم كرهوا صوم يوم السبت تطوعًا، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ".
وقال ابن رشد القرطبي في ((بداية المجتهد))(71/2): "أما الأيام المنهي عنها : فمنها أيضا متفق عليها ، ومنها مختلف فيها , أما المتفق عليها :
فيوم الفطر ، ويوم الأضحى لثبوت النهي عن صيامهما , وأما المختلف فيها : فأيام التشريق ، ويوم الشك ، ويوم الجمعة ، ويوم السبت ،
والنصف الآخر من شعبان ، وصيام الدهر ...وأما يوم السبت : فالسبب في اختلافهم فيه ، اختلافهم في تصحيح ما روي من أنه - عليه الصلاة والسلام -
قال : " لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم " خرجه أبو داود ، قالوا والحديث منسوخ ، نسخه حديث جويرية بنت الحارث : " أن النبي - عليه الصلاة والسلام - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال : صمت أمس ؟ فقالت :
لا ، فقال : تريدين أن تصومي غدا ؟ قالت : لا ، قال : فأفطري " .
وقال الشيخ ابن عثيمين : " وأما السبت , فقيل: إنه كالأربعاء والثلاثاء يباح، وقيل: إنه لا يجوز إلا في الفريضة، وقيل: إنه يجوز لكن بدون إفراد)).
فهذه ثلاثة أوجه نقلها الشيخ ابن عثيمين , في صيام السبت في غير الفريضة , وهي تدل على أن الإختلاف واقع في هذه المسألة .
وللمبيحين تناقض وهو أنهم تارة يقولون هذا إجماع , وتارة يقولون هو قول جمهور أهل العلم , وهذا الثاني لا نسلّم به على إطلاقه ,
وأما الأول فظاهر البطلان , ودعوى أن هذا قول الجمهور يعوزه الدليل ونحن نعلم أن الكثير من المسائل يدعي أصحابها أنه قول الجمهور ثم يتبين خلاف ذلك !
وما أكثر المسائل التي انفرد فيها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن جمهورالعلماء من ذلك مسألة الطلاق بالثلاث (البدعي) ,هل يقع أو لايقع , وكذا شيخ الإسلام الثاني ابن القيم رحمه الله تعالى وغيرهما ممن هو موضع ثقة عند الناس ومع ذلك لا يستطيع المعترض دفعها ولا يسعه إلا التسليم بها , ولقد قرأت عجبا ممن يدّعي السلفية حيث يقول أحدهم إن هذا القول شاذ !!, ثم يقول : " مَنْ قال به من السلف " , وما يدري هذا المعترض أنه
يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حيث لايدري ,وصدق علي بن أبي طالب رضي الله عنه
إذ قال لأحدهم:(( ويحك...اعرف الحق تعرف أهله )), وهذه حجة المقلد الضعيف الذي لا يستطيع أن يقارع الحجة بالحجة , فهذا قول سيد السلف صلى الله عليه وآله وسلم بين يديك وأمام ناظريك ثم تبحث عمن يقول به , حقيق بمن كان هذا حاله ألا يوفق للحق , ويظل راكنًا للتقليد
طوال حياته , ويدفع أحاديث نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمثل هذه الحجج الواهية , وقد عافانا الله مما ابتلاهم به فنحن ندور مع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيثما دار , فحسبكم هذا التفاوت بيننا ...
قال ابن حزم : " لَمْ يَأْمُر اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّدِّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَّا إلَى كَلَامِهِ ، وَكَلَامِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، لَا إلَى كَلَامِ صَاحِبٍ وَلَا غَيْرِهِ ، فَمَنْ رَدَّ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى :
{وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} سورة الطلاق آية 1 .2".
وقال أيضا في ((المحلى)) (203/9): " فإن قيل : هو قول الجمهور ؟ قلنا : فكان ماذا ؟ وكم قصة خالفتم فيها الجمهور ؟ نعم ، وأتيتم بقول لا يعرف أحد قاله قبل من قلدتموه دينكم , وهذا الشافعي خالف جمهور العلماء في بطلان الصلاة بترك الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير ، وفي تحديد القلتين ، وفي تنجيس الماء بما يموت فيه من الذباب ، وفي نجاسة الشعر ، وفي أزيد من مائة قضية , وهذا أبو حنيفة خالف في زكاة البقر جمهور العلماء , وخالف في قوله : إن الخلطة لا تغير الزكاة جمهور العلماء , وخالف في وضعه في الذهب أوقاصا جمهور العلماء - وفي أزيد من ألف قضية .
وهذا مالك خالف في إيجاب الزكاة في السائمة جمهور العلماء , وفي الحامل ، والمرضع تفطران ، وفي أن العمرة تطوع - وفي مئين من القضايا ، فالآن صار أكثر من روي عنه - ولا يبلغون عشرة حجة لا يجوز خلافها ، وقد خالفهم غيرهم من نظرائهم , وكم قصة خالفوا فيها رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم كحديثه (( لا يجوز لامرأة أمر في مالها ، ولا عطية ، إذا ملك زوجها عصمتها )), وأن الدية على أهل البقر مائتا بقرة ، وعلى أهل الشاء ألفا شاة ، وفي إحراق رحل الغال وغير ذلك - وهذا لعب وعبث في الدين ".
وقال أيضاً:وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب هؤلاء القوم إذا اجتمع رأيهم على شيء كان أسهل شيء عليهم دعوى الإجماع فإن لم يمكنهم
ذلك لم تكن عليهم مؤنة من دعوى أنه قول الجمهور وأن خلافه شذوذ وإن خصومهم ليرثون لهم من تورطهم في هذه الدعاوى الكاذبة نعوذ بالله من مثلها
وأيم الله لا أقدم على أن ينسب إلى أحد قول لم يثبت عنده أن ذلك المرء قاله إلا مستسهل الكذب مقدم عليه ساقط العدالة وأما نحن فإن صح عندنا عن إنسان أنه قال قولا نسبناه إليه وإن رويناه ولم يصح عندنا قلنا روى عن فلان فإن لم يرو لنا عنه قول لم ننسب إليه قولا لم يبلغنا عنه ولا نتكثر بالكذب ولم نذكره لا علينا ولا لنا ...".
وقال في ((إحكام الأحكام)) - لما أورد قول الخصم: "وقالوا: نرجِّح أحد الخبرين بأن يكون يميل إليه الأكثر من الناس " فردَّ عليهم بقوله:
((ولأنَّ كثرة القائلين بالقول لا تُصَحِّح ما لم يكن صحيحاً قبل أن يقولوا به، وقلة القائلين بالقول لا تُبطِل ما كان حقاً قبل أن يقول به أحد؛ وقد بينا هذا جداً في باب: "إبطال قول من رجح الخبر بعمل أهل المدينة" في آخر هذا الباب، وأيضاً: فإنَّ القول قد يكثر القائلون به بعد
أن كانوا قليلاً، ويقلّون بعد أن كانوا كثيراً؛ فقد كان جميع أهل الأندلس على مذهب الأوزاعي رحمه الله ثم رجعوا إلى مذهب مالك، وقد كان جمهور
أهل إفريقية ومصر على مذهب أبي حنيفة وكذلك أهل العراق ثم غلب على إفريقية مذهب مالك وعلى مصر والعراق مذهب الشافعي
فيلزم على هذا: أنَّ القول إذا كثر قائلوه صار حقاً وإذا قلوا كما ذكرنا عاد باطلاً؛ وهذا هو الهذيان نفسه)).
قلت : وهذا عام في كل نزاع ، والعلماء الذين تكلموا عن الإجماع وحجيته إنما كان مصدر قوة الإجماع أنهم يحيلون أن يجمع العلماء في ما لا نص فيه , قال تعالى :{فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} وهذا عموم في كل ما شجر بغض النظر عن الجمهرة والكثرة والقلة .
وقد اختلف الصحابة في قتال أهل الردة فكانوا فريقان :
الفريق الأول : أبو بكر رضي الله عنه وحده .
والفريق الثاني : فيه عمر المؤيد بالتنزيل في قضايا عدة وباقي الصحابة , وكلهم أئمة ومنهم بقية الخلفاء , ومعهم نص
((أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم )),
وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في((الصحيحين ))عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
(( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق بعده ، وكفر من كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر : كيف تقاتل الناس وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه
وحسابه على الله عز وجل)) , فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ، فقال عمر : فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق)) . فأبو بكر رضي الله عنه
أخذ قتالهم من قوله : " إلا بحقه " .
ومع هذا فالصواب كان حليف أبي بكر رضي الله عنه , وإلى قوله رجع الصحابة كلهم .
قلت : وهذه الأدلة العامة مبيحة , وهي تدل على استحباب صيام أيام محددة , مثل صيام يوم عرفة، وصيام عاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ست من شوال، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام أكثر شعبان، وصيام شهر الله المحرَّم ,
وحديث آل بسر رضي الله عنهم حاظر .
قال السيوطي : " إذا تعارض دليلان أحدهما يقتضي التحريم والآخر الإباحة قدم التحريم في الأصح " .
وقال القرافي : " يحتاط الشرع في الخروج من الحرمة إلى الإباحة أكثر من الخروج من الإباحة إلى الحرمة ؛ لأن التحريم يعتمد المفاسد فيتعين الاحتياط له ، فلا يقدم محل فيه مفسدة إلا بسبب قوي يدل على زوال تلك المفسدة ، أو يعارضها ويمنع الإباحة ما فيه مفسدة بأيسر الأسباب دفعًا
للمفسدة بحسب الإمكان ".
وقال الألباني : " لابد لنا من لفتة نظر إلى مسألة فقهية هامة ـ أصولية هامة ـ...إذا تعارض حكمان ، أو حديثان من الأحاديث الصحيحة عن الرسول ( : أحدهما يبيح شيئًا ، والآخر ينهى عنه أو يحظر عنه أو يحرمه ،فهنا من قواعد التوفيق في علم أصول الحديث أنه يقدم الحاظر على
المبيح .
فالآن في الصورة السابقة : صوم يوم عاشوراء أو صوم يوم عرفة وقد اتفقا يوم السبت ، وقد نُهينا عن صيام يوم السبت كما ذكرنا ، حينئذ لابد من تطبيق القاعدة التي ذكرتها آنفًا : تقديم الحاظر على المبيح , يقول : لا تصوموا يوم السبت إلا في الفرض , ويوم عاشوراء ويوم عرفة ليس فرضًا
هو مباح ؛ بل هو مستحب ؛ لكن إذا تعارض الحاظر مع المبيح قدم الحاظر على المبيح ".
وقال : " فلا ينبغي للمسلم بعد مثل هذا البيان أن يتردد أو أن لا يبادر إلى الانتهاء عما نهى الله عنه على لسان نبيه
( ركونًا منه إلى القاعدة العامة وإلى الفضيلة الخاصة التي جاءت في بعض الأيام ؛ إذًا مقدم أولاً ؛ لأنه خاص ، والخاص يقضي على العام ، ولأنه حاظر ، والحاظر مقدم على المبيح " .
وقد ذكر صاحب كتاب ((حكم صوم السبت في غير
الفرض )) أمثلة تُجلّي هذه القاعدة فقال :
" وفي هذا الباب كثير من الأدلة المتعارضة في ذلك نورد بعضها كشواهد ، لأن القائلين بجواز صيام يوم السبت يقولون بحرمة ما سنذكره :

المثال الأول : صيام المرأة بدون إذن زوجها :
روى البخاري (5195) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ ... الحديث)
فلو أن امرأة أرادت أن تصوم يوم عرفة أو عاشوراء من غير إذن زوجها فهل يصح ذلك منها ولا يحرم ؟
والجواب : لا يجوز لها الصوم ويحرم عليها ذلك ؛ لأنه تعارضت السنة مع النهي الشرعي فقدم النهي على السنة . وهذا بديهي لكل عاقل .

المثال الثاني : سفر المرأة بدون محرم ولو أرادت الحج :
روى البخاري (1088) عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَم )
فهنا قد تعارض النهي مع فعل واجب ، فأكثر أهل العلم يحرم على المرأة أن تسافر من غير محرم حتى ولو كان لأداء الفريضة .
واكثر من ذلك أن هناك حديث يدل على إباحة سفر المرأة من غير محرم .
روى البخاري (3595) َ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ .
فَقَالَ : يَا عَدِيُّ ! هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ ؟
قُلْتُ : لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا
قَالَ : فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ أَحَدًا إِلا اللَّهَ قُلْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلادَ ...... ـ
إلى أن قال ـ :قَالَ عَدِيٌّ : فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لا تَخَافُ إِلا اللَّهَ .... الحديث )
وقد استدل به البعض على جواز سفر المرأة للحج بدون محرم .

المثال الثالث : النهي عن الصيام بعد منتصف شعبان لمن ليست له عادة :
روى أبو داود ( 2337) والترمذي (738) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا ) وصححه الألباني .
فنقول لو أراد رجل أن يصوم يوم الاثنين والخميس بعد النصف ولم يكن معتادًا على ذلك هل يجوز له ذلك أم
يحرم ؟
والجواب من الجميع أنه يحرم ؛ لأنه تعارض النهي مع الإباحة فقدم النهي على الإباحة هنا . وكذلك صوم يوم السبت يحرم لأن النهي تعارض مع الإباحة .

المثال الرابع : صيام يوم الشك
وله حالتان :
الحالة الأولى : أن الذي يتقدم رمضان بيوم يأخذ بالأحوط وخاصة إذا غم عليه لئلا يضيع منه يوم فرض صيامه
والحالة الثانية : إذا صادف يوم الاثنين أو يوم الخميس ومن السنة صيامهما ؛ لكن لم يكن معتادًا ذلك .
فنرى أن في كلا الحالتين قدم النهي على الفرض والسنة ؛ وذلك للدليل الذي ورد في النهي .
روى البخاري (1906) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : ( لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلالَ وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ )
وروى أيضًا (1914) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ
يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ .)
فجواز صوم يوم الشك لمن كانت له عادة جاء بالدليل المستثني ، فإذا لم يكن ثم دليل فإن النهي على عمومه .

المثال الخامس : صوم العيدين
ومن المعلوم أن صوم يومي العيد ـ الفطر والأضحى ـ يحرم باتفاق ، وذلك لدليل التحريم الذي ورد حتى ولو صادف يوم الخميس أو الاثنين .
لأن النهي مقدم على الإباحة .
عن أَبُي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ الْعِيدَ يَوْمَ الأَضْحَى مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَدْ نَهَاكُمْ عَنْ صِيَامِ هَذَيْنِ الْعِيدَيْنِ ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَيَوْمٌ تَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ )

المثال السادس : صيام أيام التشريق
قد ورد النهي عن صيامها وهي تتعارض مع من يصحح حديث صيام الأيام القمرية ؛ إذا سوف يكون يوم الثالث عشرة من أيام التشريق ، فهل تصام حتى ولو كان معتادًا ذلك ؟
والجواب : لا ؛ لأنه تعارض الحاظر مع المبيح فقدم الحاظر على المبيح .

المثال السابع : صلاة النافلة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها منهي عنها برغم من أنها مستحبة
روى مسلم (488) عن مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قَالَ : لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ
الْجَنَّةَ ـ أَوْ قَالَ قُلْتُ بِأَحَبِّ الأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ ـ فَسَكَتَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَسَكَتَ ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ .
فَالَ : سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَإِنَّكَ لا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً )
وروى أيضًا (825) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنْ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ .)
فهاهنا قدم النهي على الإباحة للتعارض ولم يقدم الإباحة على النهي لتحصيل المصلحة من فعل السجود
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا وفي كلها أكثر من يقول بجواز صوم السبت يقول بالتحريم فيها ، فلو أن كل عالم سار على منهج واحد وقواعد منضبطة لما وجدت التعارض في أقوال العالم الواحد .

المثال الثامن : روى البخاري (5473) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ ، وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ وَالْعَتِيرَةُ فِي رَجَبٍ )
وروى أحمد (20203) عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عَتِيرَةً لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ : قَالَ :
اذْبَحُوا فِي أَيِّ شَهْرٍ مَا كَانَ وَبَرُّوا اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَطْعِمُوا .
قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّا كُنَّا نُفَرِّعُ فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَمَا تَأْمُرُنَا ؟
قَالَ : فِي كُلِّ سَائِمَةٍ فَرَعٌ تَغْذُوهُ مَاشِيَتُكَ فَإِذَا اسْتَحْمَلَ ذَبَحْتَهُ وَتَصَدَّقْتَ بِلَحْمِهِ ـ قَالَ : أَحْسَبُهُ ـ قَالَ : عَلَى ابْنِ السَّبِيلِ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ) وروى النسائي بسند حسنه الألباني (4225) عن عَمْرَو بْنَ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِيهِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْفَرَعَ ؟
قَالَ : حَقٌّ فَإِنْ تَرَكْتَهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا فَتَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ تُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْصَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ فَتُكْفِئَ إِنَاءَكَ وَتُولِهُ نَاقَتَكَ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْعَتِيرَةُ ؟
قَالَ : الْعَتِيرَةُ حَقٌّ .)
فهنا حديثان : أحدهما ينهي في صيغة النفي ، والآخر يثبت الفرع والعتيرة ، فيقدم النهي هنا على الإباحة ، وإلا فالكثير ممن يجوزون صيام السبت
ويعللون يحرمون الذبح في أول رجب فلماذا لم يفعلوا ذلك في صيام السبت في غير فريضة ‍‍‍؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍".
ثم ذكر قاعدة مشابهة لهذه القاعدة وهي : (( إذا تعارض دليلان أحدهما ناقل عن حكم الأصل والآخر مبقي عليه فيقدم الناقل عن الأصل على المبقي )).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
"إذا تعارض نصان أحدهما ناقل عن الأصل والآخر ناف مبق لحكم الأصل كان الناقل أولى ؛ لأنه إذا قدم الناقل لم يلزم تعيين الحكم إلا مرة واحدة ، وإذا قدم المبقى تغير الحكم مرتين ".
وعلى هذا نقول إن صيام كل الأيام على الإباحة الأصلية ، فيكون صوم يومي العيدين ناقل عن الأصل فيقدم هو على الأصل ، وكذلك أيام التشريق ، وصوم يوم الشك ، ويضاف إلى ذلك صيام يوم السبت ؛ لأن النهي فيه ناقل عن الأصل والأحاديث التي يفهم منها جواز صيامه مبقية على حكم الأصل فيقدم النهي على الإباحة .
وقال ابن القيم في الكلام على أحاديث حكم صيام الحاجم والمحجوم المتعارضة :" لو قدر تعارضها فالأخذ بأحاديث الفطر متعين لأنها ناقلة عن الأصل وأحاديث الإباحة موافقة لما كان الأمر عليه قبل جعلها مفطرة والناقل مقدم على المبقي ".
ومن الملاحظ هنا أن ابن القيم قدم حديث (( أفطر الحاجم والمحجوم ))على حديث صريح في نسخ هذا الحكم وهو
(( رخص النبي صلى الله عليه وسلم في القبلة والحجامة للصائم )).
ومن المعلوم أن الترخيص لا يأتي إلا بعد حظر ، فلكي يحكم بالحظر مرة أخرى فلابد من دليل آخر ، ولا دليل ، وبرغم ذلك قدم ابن القيم الحديث
الناقل عن حكم الأصل ليس على المبقي عليه ؛ وإنما على الدليل الذي رجع حكم الأصل إلى ما كان عليه قبل النهي ".

وأخيرًا نلخّص أحكام الحديث :
الأول : لايجوز صيام يوم السبت في النوافل كلِّها سواء ضُمَّ إليه يوم آخر، أو وافق صوماً معتاداً كعرفة أو عاشوراء أو ست من شوال أو الأيَّام البيض
أو شهر شعبان إلى غير ذلك من صيام النَّافلة .
الثاني : جواز صيام يوم السبت في الفرائض : القضاء , والكفارات , والنذر .
الثالث : وجوب صومه لمن صام يوم الجمعة , ولم يصم قبلها يوم الخميس .

هذا آخر ما يسّر الله تعالى من الكلام على حديث آل بسر رضي الله عنهم من حيث الرواية والدراية , فإن أصبت فمن الله , وإن أخطأت فأسأل الله العفو والمغفرة

وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .
رد مع اقتباس
  #337  
قديم 29-11-15, 03:55 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ، فاحذروا . يا أيها الناس , إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه ، إن كل مسلم أخو المسلم ، المسلمون إخوة ، ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس ، ولا تظلموا , ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )

رواه الحاكم وقال الذهبي : احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس عبد الله وله أصل في الصحيح
رد مع اقتباس
  #338  
قديم 05-02-16, 08:30 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

يقول الصحابي الجليل عبدالله بن حوالة رضي الله عنه :

كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه العري والفقر وقلة الشيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشروا فوالله لأنا من كثرة الشيء أخوف عليكم من قلته والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عز وجل أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة جندا بالشام وجندا بالعراق وجندا باليمن وحتى يعطى الرجل المئة فيسخطها قال ابن حوالة قلت يا رسول الله ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون قال والله ليفتحنها الله عز وجل عليكم حتى تظل العصابة البيض منهم قمصهم المحلقة أقفاؤهم قياما على الرويجل الأسيود المحلوق ما أمرهم من شيء فعلوه وإن بها اليوم رجالا أنتم أحقر في أعينهم من القردان في أعجاز الإبل قال ابن حوالة فقلت يا رسول الله اختر لي إن أدركني ذلك قال إني أختار لك الشام فإنه صفوة الله عز وجل من بلاده وإليه يحشر صفوته من عباده يا أهل اليمن عليكم بالشام فإنه صفوة الله عز وجل من أرض الشام ألا فمن أبى فليسق من غدر اليمن فإن الله عز وجل قد تكفل بالشام وأهله قال أبو علقمة فسمعت عبد الرحمن بن جبير يقول يعرف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي وكان على الأعاجم في ذلك الزمان فكان إذا راحوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله فعجبوا لنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وفيهم وكان أويدما قصيرا فكانوا يمرون وتلك الأعاجم قياما لا يأمرهم بالشيء إلا فعلوه فيتعجبون من هذا الحديث

يقول الهيثمي :
"رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما رجال "الصحيح "؛ غير نصر بن علقمة، وهو ثقة"!رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما رجال "الصحيح "؛ غير نصر بن علقمة، وهو ثقة
رد مع اقتباس
  #339  
قديم 07-02-16, 09:30 AM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

يقول ابن القيم رحمه الله :

وأما العلائق فهي كل ما تعلق به القلب دون الله ورسوله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتعلق بهم ولا سبيل له إلى قطع هذه الأمور الثلاثة ورفضها إلا بقوة التعلق بالمطلب الأعلى وإلا فقطعها عليه بدون تعلقه بمطلوبه ممتنع فإن النفس لا تترك مألوفها ومحبوبها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه وكلما قوي تعلقه بمطلوبه ضعف تعلقه بغيره وكذا بالعكس والتعلق بالمطلوب هو شدة الرغبة فيه وذلك على قدر معرفته به وشرفه وفضله على ما سواه

الكتاب: الفوائد
رد مع اقتباس
  #340  
قديم 10-04-16, 01:33 PM
أبو عبدالله العبدان أبو عبدالله العبدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-12
المشاركات: 373
افتراضي رد: همسات ايمانية

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ( 35 / 269 - 271 )

اللعب بالنرد والشطرنج

أ - اللعب بالنرد:

اللعب بالنرد محرم عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على الصحيح عندهم والحنابلة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه (1) . ومقابل الصحيح عند الشافعية أنه يكره اللعب بالنرد كما يكره الشطرنج عندهم (2) .

ب - اللعب بالشطرنج:

أجمع المسلمون على أن اللعب بالشطرنج حرام إذا كان على عوض أو تضمن ترك واجب مثل تأخير الصلاة عن وقتها، وكذلك إذا تضمن كذبا أو ضررا أو غير ذلك من المحرمات.

أما إذا لم يكن كذلك فاختلف الفقهاء على أقوال:

المذهب عند المالكية والحنابلة وهو اختيار الحليمي والروياني من الشافعية حرمة اللعب بالشطرنج مطلقا.

وممن قال بالتحريم: علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن المسيب والقاسم وسالم وعروة ومحمد بن الحسين ومطر الوراق، واستدلوا بأثر علي رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس جمرا حتى يطفى خير من أن يمسها (3) .

وروى مالك بلاغا أن ابن عباس رضي الله عنهما ولي مال يتيم فوجدها فيه فأحرقها. كما استدلوا بالقياس على النرد، بل إن الشطرنج شر من النرد في الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهو أكثر إيقاعا للعداوة والبغضاء، لأن لاعبها يحتاج إلى إعمال فكره وشغل خاطره أكثر من النرد، ولأن فيهما صرف العمر إلى ما لا يجدي، إلا أن النرد آكد في التحريم لورود النص بتحريمه ولانعقاد الإجماع على حرمته مطلقا.

والمذهب عند الحنفية والشافعية وهو قول عند المالكية أن اللعب بالشطرنج مكروه.

ومأخذ الكراهة أنه من اللهو واللعب وجاء في حديث جابر بن عمير رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبة أهله، وتعلم السباحة (4) "

. وفي حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ليس من اللهو ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته زوجه، ورميه بنبله عن قوسه (5) .

وقيد الشافعية قولهم بأن يكون لعب الشطرنج مع من يعتقد حله وإلا كان حراما، لأن فيه إعانة على معصية لا يمكن الانفراد بها.

ومأخذ الكراهة كذلك أنه يلهي عن الذكر والصلاة في أوقاتها الفاضلة، وقد يستغرق لاعبه في لعبه حتى يشغله عن مصالحه الأخروية.

وذهب أبو يوسف وهو قول عند الشافعية وقول عند المالكية إلى إباحة اللعب بالشطرنج لما فيه من شحذ الخواطر وتذكية الأفهام ولأن الأصل الإباحة ولم يرد بتحريمه نص ولا هو في معنى المنصوص عليه، وقيد المالكية قولهم بالإباحة بألا يلعبه مع الأوباش في الطريق بل مع نظائره في الخلوة بلا إدمان وترك مهم ولهو عن عبادة.

ويخالف الشطرنج النرد في أمرين:

الأول: أن المعول في النرد ما يخرجه اللعبان فهو يعتمد على الحزر والتخمين المؤدي إلى غاية من السفاهة والحمق فأشبه الأزلام.والمعول في الشطرنج على الحساب الدقيق والفكر الصحيح وعلى الحذق والتدبير فأشبه المسابقة بالسهام.

الثاني: أن في الشطرنج تدبير الحرب فأشبه اللعب بالحراب والرمي بالنشاب والمسابقة بالخيل. ونقل القول بالإباحة عن أبي هريرة رضي الله عنه وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير وابنه هشام وسليمان بن يسار والشعبي والحسن البصري وربيعة وعطاء (6) .

__________

(1) حديث: " من لعب بالنردشير. . . ". أخرجه مسلم (4 / 1770) من حديث بريدة بن الحصيب.
(2) مغني المحتاج 4 / 428، والمغني لابن قدامة 9 / 170.
(3) أثر علي " أنه مر على قوم يلعبون الشطرنج. . . ". أخرجه البيهقي (10 / 212) .
(4) حديث جابر بن عمير: " كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو. . . ". أخرجه الطبراني (2 / 193) وجود إسناده المنذري في الترغيب (2 / 243) .
(5) حديث: " ليس من اللهو ثلاثة. . . ". أخرجه الحاكم (2 / 95) وصححه ووافقه الذهبي.
(6) المغني 9 / 171، ومواهب الجليل 6 / 153، وحاشية ابن عابدين 5 / 252، والبناية 9 / 384، وروضة الطالبين 11 / 225. وحاشية الدسوقي 4 / 167، وكشاف القناع 6 / 423، ومطالب أولي النهى 3 / 702، ومجموع فتاوى ابن تيمية 4 / 260.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:34 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.