ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى طالبات العلم الشرعي
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 18-12-15, 02:37 AM
طويلبة علم حنبلية طويلبة علم حنبلية غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-06-09
الدولة: اللهم بارك لنا في شامِنا
المشاركات: 4,020
Lightbulb وقفاتٌ حِسان معَ فِقهِ الاستحسان(المُجاملة)!

كثيرا ما كانت تعتريني الحيرة حيالَ لفظةِ (مجاملة) و فَهم النّفوسِ لها ، واختلافِ التصوّراتِ عنها ، وقد طالَ بي الأمرُ حقيقة، وتقلّبتْ عندي المفاهيم ، وتمازجت في ذهني؛ فلم أعد أسطيعُ معها استقرارا وإبصارا !

قدّرَ اللهُ أن أطالع بحثا قبلَ ما يُقارب السنة ؛ فكأنّي بي حينها قد وقفتُ على أولى المحطّات وأبصرتُ أوّل الطريقِ حيالَه.
أمّا اليوم فأراني قد وقفتُ على محطاتٍ حِسانٍ ، وعيتُ على إثرها مفاهيمَ هذا المصطلح ، و تثبتّ حقيقةَ أمرِه ، وأبصرتُ حالهُ وعرفتُه بعد طويلِ استقراءَ وتجربة !

وقد أزمعتُ أن أوقفَ القارئَ على تلكم النّقاط ، وأضعها بين يديْهِ ، يتأمّلها، ويُمعِن فيها نظرَه ، وماكانَ من سدادٍ ؛ فمنَ الله ، وما كانَ من خطإٍ ؛ فمن نفسي والشّيطان .

- دعونا نتّفق باديَ الأمر أنّ حُسنَ معاملة الخلق ؛ سبيلٌ للرّفعةِ عندَ الله ، و مودّةِ عبادِه . وإن طالَ الأمد ، فالنتائج لا محالة ستظهر يوماً مثلَ فلقِ الصّبح .

- المعاملة الطيّبة ظاهراً لا بُدّ وأن تكونَ مقرونة بنيّة سليمة صالحة في الباطن ، ليست ترمي لنيلِ غرضٍ شخصيّ أو لتلفيقٍ و مُداهنةٍ أو خديعة . فكل ذلك خارج إطارِ ذا المقال لأنّه لا يصحّ أن يُجعَل تحتَ مفهوم (الاستحسان) وقلّ من يراهُ كذلك .

- المُسايرة والمجاراة ؛ إن كانت مصلحتُها أرجحَ وأظهرَ على مفسدتِها ؛ فيُلجئ إليها لا محالة ، وأكثر من يُحتاج لسلوكِ هذا المسلك معهم ، وجعلهِ ديدناً في معاملتهم :
الطّاعنينَ في السنّ ، الوالديْن ، الشّخص الغضوب ، الشّاكي المهموم ، المسكين ، السّفيه ، والطّفل .

- للمجاراة والمداراة ضابطان مهمّان يجب ألا نتخطّاهما ألبتّة :
الأوّل : ألا تكون المجاراة على حسابِ الشّرع ، فتحصُل مجاوزات ومخالفات بائنة واضحة ، لا يصح معها هزّ الرّأس وصمت اللسان عن الإنكار، بل يُعرضُ قولُ الشّارع ، ويُبلّغُ الحقّ للخلق .

الضابط الثّاني : المداراة التي فيها ضياع للحقوق و مجاوزةٌ في حيف وجورٍ يقعُ عليك .
فلا يستوي هُنا أن تجاري وتساير ! هذه نُصرة للظالمِ على ظُلمه ، و مدعاةٌ لمجاوزتهِ معكَ ومعَ غيرك .

- حينما ترى نفسكَ مُحوَجاً لقولِ شيء أنتَ لا تؤمنُ بهِ ولا تعتقدُه ولا تراهُ عدلا أو صوابا!
تنبّه حينها من اعتقاد - ممدوحِ - ما صنعت !

وإنّما قصّر على نفسك الطريق، و أبدي وجهةَ نظرِك، ولا تبخسه لمجرّد أن الذي أمامك يرى ضدّه .
قلهُ وأبنهُ وانتبه أن تُجاري بما لا تعتقد ؛ فتظهر بعينِ المتناقض ؛ تخفيهِ هُنا-مجاراةً- وتُبديهِ هُناك .
وتنبّه من المجاوزةِ في عرضِ رأيك ، وإلزامِ الخلقِ به ؛ هاتِ ما عندَك ، و لكلٍ وجهةٌ هوَ مولّيها .

- مجاملتك لرفيق في جمالِ هِندامٍ ، أو غرضٍ دنيويّ من بيتٍ وفراشٍ ومركَب ؛ كلّ ذلك مما لا ينبغي فيهِ النّزاع .
إذ لا يعدو أن يدخل في الاستحسانات الطيّبة ، و جبرِ الخواطر ، و إدخالِ السّرورِ على النفوس.
والنّاسُ لا تتشابهُ أعينُهم، ولا تتساوى نظرتهم ؛ لكلّ سجيّته وذوقــُه .
فكُن حُلوَ اللسان ، عذبَ الكلامِ والوَصف.

- المُجاملة للعاصي في بعضِ أحوالِه ؛ واردة ؛ بُغيةَ تأليفِ قلبِه ، وتقريبِ الخطواتِ له ، والأخذِ على يدِه شيئا فشيئا للسموّ والنّهوض .
وليسَ نهجُ الأنبياء عليهم صلواتُ اللهِ علينا ببعيد ؛ بدءً بإبراهيمَ مع أبيهِ ومعَ النّمرود ، ويوسفَ حينَ أسرّها في نفسِه ، وموسى وهارون وقولهما اللين مع فرعون ، وسيّد الأولينَ محمّد مع المشركين .
والعاصي المُسلم أحقّ من الكافر بكلّ ذلك .

- المجاملة بين الأقارب ، والأشقّاء ، وبينَ الزّوجين ؛ يُحتاجُ لها ، وهي مُستحسنة بل مرغّبٌ فيها لا شكّ مالم تتنافى معَ الضابطين الآنفيْن .
- و ممّا يُستملحُ ذِكره في مثلِ هذا الباب ، قول الإمام ابن حجر عليهِ رحماتُ الله على شرح حديث المرأة من ضلع .... ،قال:
(وفي الحديث الندب إلى المدَاراة لاستمالة النفوس، وتألف القلوب، وفيه سياسة النساء بأخذ العفو منهنَّ، والصبر على عوجهنَّ، ..
وأنَّ من رام تقويمهنَّ فاته الانتفاع بهن، مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها، ويستعين بها على معاشه، فكأنَّه قال: الاستمتاع بها لا يتمُّ إلا بالصبر عليها).

- وأخيرا :
ليُعلم أنّ من المجاملة ما هو ممدوح ، ومنها ما هو مذموم كما سلَف ، والعاقل من يُحسن مجاراتِه لما يرى ويسمع ، ويقايس قبلَ أن يتّخذ أيّ وِجهةٍ نهجا لهُ ودستورا ؛
فليسَ الصّمتُ حكمةً دائما ، وليسَ العقلُ في المعارضة .

وإنما شيءٌ من تأمّلٍ بما سبَق . وقف عندَ ذي الأقوال ؛ ففيها الغُنية ، والإحاطة :

(*) عن وُهيب بن الورد قال: ( قلت لوهب بن مُنبِّه: إني أريد أن أعتزل الناس.
فقال لي: لا بدَّ لك من الناس وللناس منك؛ لك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعًا، أعمى بصيرًا، سكوتًا نطوقًا).

(*) قال الحسن البصري: (كانوا يقولون: المدَاراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلُّه).

(*) ويقول محمد بن الحنفية، قال: (ليس بحليم من لم يعاشر بالمعروف، من لا يجد من معاشرته بدًّا، حتى يجعل الله له فرجًا، أو قال: مخرجًا).

هذا واللهَ أسأل أن يوفقنا جميعا لأحسنِ المُعاملة ، وأن يرزقنا وإياكم البصيرةَ و الحكمةَ وفصلَ الخِطاب .

السّلام .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:56 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.