ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-01-15, 03:35 AM
خالد صالح محمد أبودياك خالد صالح محمد أبودياك غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-05-13
المشاركات: 87
افتراضي نفي المنافاة بين آيات المسايفة وآيات الجهاد

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ آيةَ المسايفةُ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:36) هي آيةٌ عامةٌ في قتال الكافرين كافةً وإنْ كان في الأشهر الحرم، وهي رجب وهو شهر مُفرد وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهي شهور مُتتالية، إذا بدأ الكافرون المسلمين القتالَ لقوله تعالى ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (البقرة: 194(. والقتال المُراد هنا ليس الحروب والمعارك وإنَّما الجهاد في سبيل الله لقوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216) يبينُ اللهُ تعالى أنَّ المؤمنين يكرهون القتالَ أي الحروب والمعارك لما فيها من قتلٍ ومشقةٍ وآلامٍ، أي أن المرادُ بقوله تعالى " وقاتلوا المشركين" أي وجاهدوا المشركين في سبيل الله كي تكون كلمة الله هي العليا فذلك قوله عليه الصلاة والسلام (أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ ، وفي روايةٍ: أُمِرْتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا : لا إله إلا اللهُ . فإذا قالوا : لا إله إلا اللهُ عَصَمُوا مِنِّى دماءَهم وأموالَهم إلا بحَقِّها . وحسابُهُم على اللهِ . ثم قرأ : إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [ 88 / الغاشية / آية 21 ، 22[ . الراوي: جابر بن عبدالله المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 21 خلاصة حكم المحدث: صحيح ). فقوله تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) يفيد العموم في قتال الكافرين ولكنَّ قتالَنا لهم متعلقٌ بقتالِهم لنا لقوله تعالى " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً " أي مثلما يقاتلونكم كافة، فيقول تعالى قاتلوهم جميعًا مثلما يقاتلونكم جميعًا. فالكاف في "كما يقاتلونكم " أصلها كاف التشبيه استعيرت للتعليل بتشبيه الشيء المعلول بعلته أي المُسبَب بالسببِ; لأنه يقع على منوالها كما في قوله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) أي فاستقم مثلما أمرت. أي أنَّنا مأمرون بقتالهم لقتالهم أو نيتِه لنا وهذا ما يعضده ويشهد له آيات الجهاد في قوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (البقرة: 190)، وقوله تعالى ( الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (البقرة: 194). الآية الثانية تقول أنَّ الذين لا يعتدون هم المتقون وإذا قابلنا هذا مع الآية الأولى نجد أنَّ معناها إنَّ اللهَ لا يحبُ الذين لا يتقون؛ ولأنَّ نفي نفي الشيء هو إثباتهُ إذًا معنى الآية الأولى إنَّ اللهَ يحبُ المتقين وهذا متطابقٌ تمامًا مع قوله تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)، أي أنَّ القتالَ في سبيل الله الذين يقاتلونا دونَ الإعتداء عليهم هو متطابقٌ مع قتالِ الكافرين كافةً لأنَّهم يقاتلونا كافةً وهو من صفات المتقين. ما يفيد أنَّ آيات الجهاد هي غيرُ متنافية مع آيات المسايفة فلا نسخ ولا منافاة؛ هذا من جانب.

ومن جانبٍ آخر، أنَّ القتلَ يقتضي الكراهية ولأنَّ قتالَنا هو في الدين وليسَ في أي شيءٍ آخر، فيعني أنَّنا نكره ونحبُ في الدين؛ فنكره من يقاتلنا في الدين بالضرورة، ونحبُ إخواننا في الدين بالضرورة، ونوادع ونسالمُ ونَودُّ من يوادعنا ويُسالمنا في ديننا فلا نكرههُ بالضرورة ونُحسن إليه ونَبَرُّهُ بالإختيار. وهذا ما يعضدهُ ويشهد له قوله تعالى (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:8-9) يقول تعالى أنَّه لا ينهانا عن الإحسان والبرِّ إلى من لم يُقاتلنا في الدين ويأمرنا بكراهية وعدمِ محبةِ من يقاتلنا في الدين. إذًا خلاصة القول أنَّنا أُمرنا بمقاتلة المشركين كافةً في سبيل الله لأنَّهم يجتمعون على قتالنا كافة في ديننا ولكن يُستثنى من ذلكَ تخصيص موادعة الكافرين على المتاركة، وعلى دفع الجزية، وعلى تبليغ دعوة الإسلام إليهم وفيما يلي تبيان هذه الحالات جميعها:

أ) المتاركة: لقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: ( دعوا الحبشةَ ما ودَعوكُمْ، و اتركُوا التركَ ما تركوكُمْ) (الراوي: رجل المحدث: السيوطي - المصدر: الجامع الصغير - الصفحة أو الرقم: 4218 خلاصة حكم المحدث: صحيح)، وقال عليه الصلاة والسلام (اتركوا الحبشةَ ما تركوكم فإنه لا يستخرجُ كنزَ الكعبةِ إلا ذو السويقتينِ من الحبشةِ) (الراوي: رجل من الصحابة المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم : 5/306 خلاصة حكم المحدث: رجاله رجال الصحيح غير موسى بن جبير وهو ثقة). فإذا كان من يحتج بأنَّ آياتِ المُسايفة جاءت ناسخةً لما قبلها من آياتِ التدرجِ في الجهادِ وآياتِ الموادعةِ والمسالمةِ بحجةِ أنَّها نزلت متأخرةً عنها، فإنَّ حديثَ متاركةُ الحبشةِ مثبتٌ حتى آخر الزمان عندما يخربُ ذو السويقتين من الحبشة الكعبةَ ويستخرج كنزَها. ما يعني أنَّ حكمَ الموادعةُ على المتاركةِ هو تخصيصٌ مُستثنى من عموم قتالِ الكافرين كافةً الذي جاء في آياتِ المُسايفةِ، وإذا كان ذلك كذلكَ فإنَّه من طريق الأولى والأحرى أنْ تكون الموادعةُ على دفع الجزية مثبتةٌ وغيرُ منسوخةٍ لما فيها من منفعةٍ من أموال الجزيةِ ومن تحصيلِ الأمنِ والأمانِ لِكلا المسلمين والكافرينَ. وكذا الموادعة على تبليغِ دعوةِ الإسلام إليهم وهذا ما سيتبينُ لاحقًا.

ب) دفع الجزية: يُخيرُ الكافرون بمعاهدة المسلمين ودفعهم الجزية قبل قتالِ المسلمين لهم فإن أجابوا يتم قبول ذلك منهم ويُكف عن قتالهم لأن سبب قتال الكافرين هو عدم إسلامهم وعدم معاهدتهم ودفعهم الجزية للمسلمين لقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) فإن قبلوا المعاهدة ودفع الجزية عندئذ ينتفي سبب قتالهم ويُكف عنهم لقوله تعالى (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).

ج) قبول تبليغ دعوة الإسلام إليهم:
تبيين هذا الفرع من أصلين. الأول: إذا كانت الموادعة والمسالمة على المتاركة مثبتةٌ، فإنها بطريق الأولى والأحرى مثبتةٌ على قبول الكافرين تبليغَ دعوة الإسلامِ إليهم. لأنَّ الرسولَ صلى الله عليه وسلم حثَّ المسلمين على متاركة التركَ والحبشةَ دفعًا لإذاهم الشديدِ عن المسلمينَ فقط دونَ تحقيقِ منفعةً ومصلحةً للمسلمين بذلك. إذًا فإنَّ موادعةَ الكافرين على قبولهم تبليغ دعوةِ الإسلام إليهم هو أولى وأحرى لأنَّ في ذلكَ تحقيقٌ لمنفعةٍ ليس للمسلمين فقط دون الكافرينَ وإنَّما لكليهما معًا فيأمنُ كلا الطرفين بعضهما البعض فضلاً عن تَمكنِ المسلمينَ من تبليغ دعوة الإسلام إلى الكافرين وهذا هو الأهم بل هو المقصدُ الذي من أجله شُرِع جهادُ الطلبِ من أجله.

الثاني: عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يا ويح قريشٍ لقد أكلتهم الحربُ ، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائرِ العربِ . فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ! وإن أظهرني اللهُ عليهم دخلوا في الإسلامِ وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوةٌ ، فما تظن قريشٌ ؟ فواللهِ لا أزال أجاهدُ على الذي بعثني اللهُ به حتى يظهرَه اللهُ أو تنفردُ هذه السالفةُ - يعني الموتَ .الراوي: - المحدث: الألباني - المصدر: فقه السيرة - الصفحة أو الرقم: 324 خلاصة حكم المحدث: صحيح وهو قطعة من حديث طويل في صلح الحديبية وقد أخرجه البخاري ) يعني الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّ لو قريشُ سمحت له بتبليغ دعوة الإسلام إلى العرب كافة لتجنبَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم قتالَهم عسى أنْ يدخلوا في الإسلام إذا دخل فيه العرب وإلاَّ يقاتلهم بعدما يكون قد أبلغ رسالتَه إلى العربِ؛ قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ:28). وتُستنبط من سنته عليه الصلاة والسلام هذه فائدتين عظيميتين: الأولى: أنْ يدعو المسلمون دارَ الكُفرِ إلى موادعتهم ومُسالمتهم على قبولهم تبليغَ دعوةَ الإسلامِ إليهم فإن أجابوا رضيَ المسلمونَ بذلكَ وكفوا عن تخييرهم بين الدخولِ في الإسلام أو دفعِ الجزيةَ أو القتالِ؛ وفي ذلكَ منفعتين عظيميتين. الأولى: تجنيبُ كلا المسلمينَ والكافرينَ ويلاتَ القتالِ من سفكٍ للدماء وانتهاكٍ لحرمات المسلمين إنْ وقع، أمَّا المسلمون فهم لا ينتهكونَ الحرماتِ، وضياعٍ للأموالِ وقهرٍ وإذلالٍ للأسرى والسبايا فالإسلام لم يأتي ليُذِلَ ويَقهرَ الإنسانَ المُكرم بالروح؛ فقال تعالى (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر: 29)، والمُكرم في جسده المخلوقِ في أحسن تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4)، فالإسلام يعطي للجواري وذراريهم وللأسرى حقوقًا ولا يُذلهم أو يُحقرهم. ودليل أن الإسلام لم يأتي لِيُذل الناسَ أنَّه يعطي فرصتين للكافر لا فرصة واحدة قبلَ أنْ يُقاتله ويقتله أو يأسِرَهُ وهما إمَّا الدخول في الإسلام أو دفعُ الجزيةِ.

فإنْ أبوا فتصير دارُ الكفرِ حكمَها دارُ الحربِ فدارُ الكفرِ هي عام ودارُ الحرب هي خاص لأنَّها هي دار الكفر التي تأبى موادعة ومسالمة المسلمين أو تقاتلهم أو التي تتربص بالمسلمين لقتالهم، وحينها يخيرهم المسلمونَ بين الإسلام أو دفعَ الجزية أو القتال. وقد يقول قائلٌ كيف يستقيم أنْ تكون دارُهم دارُ حربٍ ويخيرهم المسلمون بين الإسلام والموادعة والمسالمة على دفع الجزية وبين القتال. أقول أنَّ هذا من آداب القتال في الإسلام وهذا معلومٌ من الدين بالضرورة عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء الراشدين من بعده، وكونُها آداب قتالٍ فهذا يعني أنَّها آداب معاملاتٍ مع المحاربين ودار المُحاربين هي دار حربٍ، فلا تعارض ولا تناقض. وهذه الحكمة العظيمة يُقنع بها الكافرون أكثرَ من المسلمين لما فيها من مصلحةٍ لهم في الأمن والأمان وعدم دفع الجزية، أمَّا المسلمون فمنهم قد لا يرضى بذلك إمَّا لأنَّه يميل إلى القتال وهذا كائنٌ في كُلِ أمم البشر وإمَّا لأنَّه يحبذُ دفع الجزية فهولاء قد تقنعهم الحكمة الثانية.

الثانية: إنَّ في قبولِ تبليغ دعوةَ الإسلام إليهم منفعةٌ عظيمةٌ للمسلمين وهي تقويةُ شكوتِهم في دار الكفر سواء كانت دار كفرٍ أو ديار كفرٍ. فعندما يدخلُ الكافرونَ في الإسلام فإنَّ عددَهم سيزدادُ مع مرور الزمنِ وهذا يشهدُ له تاريخُ الأممِ السابقةِ وذلك لأنَّ الإسلامَ يعاملُ الكافرين معاملةً حسنةً من غير قيدٍ أو شرطٍ ولأنَّه دينُ الحق وما سواه هو باطلٌ والحق يزهق الباطل؛ فذلك قوله تعالى (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ غڑ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء:81)، وهذا سيتألَّفُ قلوب الكافرين لأنَّ إخوانهم في دارهم هم مؤمنون وهذا خيرٌ عظيم لأنهم إذا لم يؤمنوا فإنهم سوف يكونوا مُحسنين لإخواننا المؤمنين في دارهم ولا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يحب لنفسه، أو قد يَدخلُ ولاة أمورهم في الإسلام فتتبعهم رعيتهم في ذلك كما حدث سابقًا في ماليزيا لمَّا دخلت في الإسلام. وهذا كلُه لا يتعارض مع مشيئةِ اللهِ الهادي الكريم وحكمته وسنته في هداية عباده فسبحانه وتعالى لا يُكرِه على الإيمان ولا يهدي كَرْهًا أو جَبْرًا؛ فيقول تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ غڑ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:93)، ويقول تعالى (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة: 13). فهداية الناس كافةً للإسلام باللين والرفق هو أفضلُ وأنجعُ وأفلحُ من هدايتهم بالسيف لقوله عليه الصلاة والسلام (إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانه . ولا يُنزعُ من شيءٍ إلَّا شانه . وفي روايةٍ : بهذا الإسنادِ . وزاد في الحديثِ : ركِبتْ عائشةُ بعيرًا . فكانت فيه صعوبةٌ . فجعلت تُردِّدُه. فقال لها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : عليك بالرِّفقِ . ثمَّ ذكر بمثلِه. الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2594 خلاصة حكم المحدث: صحيح). لكنَّ سبحان الله حتى البلاد المفتوحة عنوةً بالسيف دخل أكثرُ أهلها في الإسلام لما رأوا أخلاق المسلمين العظيمة وهم ظاهرون عليهم قاهرون فوقهم.

أمَّا إذا أراد المسلمون فتح ديار كفر وليس دار واحدة ؛ فبنفس المنوال يمكن للمسلمين أن يفتحوا تلك الديار، مع العلمِ بأنَّ ليس جميع الديار سوف توادع المسلمين على تبليغ دعوة الإسلام إليهم فحتمًا منها سيأبى ذلك ويُقاتل المسلمين لأنَّ سنة الله في خلقه أنْ جعل مؤمنين ومنافقين وكافرين وأعداء كافرين، فلا مفر من أنْ يكون أعداءً للمؤمنين لأنَّه إذا الله الحكيم العليم ابتلى أنبياءَه بأعداءٍ ليس من الإنس فحسب وإنما من الجن كذلك؛ فذلك قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:112)، أفلا يبتلي اللهُ المؤمنين بأعداءٍ لهم من الإنس؟!!!!. ولمَّا يوادع بعضَ تلكَ الديارِ على تبليغِ دعوةِ الإسلام إليهم، وبعضها يصالح المؤمنين على دفعِ الجزية، وبعضها يُمكِنُ اللهُ لهم فتحها عنوةً. فإنَّ فائدةَ موادعةِ تلك الديارِ على قبول دعوة الإسلام إليهم هي عدم استنزاف قوى المسلمين التي احتاجوها في فتح باقي البلاد عنوةً أو صلحًا، كما أنَّ شوكةَ المسلمون في تلك الديار ستقوى بمجاورةِ ديارَ الإسلامِ لها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:19 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.