ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى عقيدة أهل السنة والجماعة
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 30-10-12, 07:10 AM
أبو الأزهر السلفي أبو الأزهر السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 198
Lightbulb الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيخ فتحي الموصلي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ
في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ -صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم-

تأليف
فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ










بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المقدّمة
إنّ الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومَن يُضلل؛ فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

[
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] {آل عمران:102} .
[
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] {النساء:1}
[
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا, يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا] {الأحزاب:70-71} .
أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار , أما بعد:

فالمطلوب من العباد في كل وقت هو بناء الدعوة على أصول جامعة وكليات عامة، وتأسيس الأعمال على الإخلاص والاتباع ، والنهوض بأعباء الدين ببصيرة وعلو همة ، وهذا المطلوب هو عنوان الكرامة والظفر ورمز العزة والفخر؛ لاسيما إذا تعلّق الأمر بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقيره ؛
إذ النُّصرة حقيقة جامعة لكل الوسائل والأسباب والأحوال المتاحة التي بها يتحقق الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ، وذلك بطاعة أمره، والسعي إلى نصرته وتعزيره، والجهاد عن دينه والذب عنه، وبيان ما أُرسل به من الحق. وهي - عند الحقيقة- علامةُ الحب الواجب ودليلُ الوفاء الصادق .
والمقصود المطلوب منها لا يتحقق إلا بالتعزير والتوقير معاً ؛ إذ التعزير اسم جامع للنّصرة ، والتوقير اسم جامع للتعظيم؛ كما قال تعالى:
[لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا] {الفتح:9} ؛ والآية قد اشتملت – كما نصّ على ذلك أهل التفسير- على الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو: الطاعة المستلزمة للإيمان، والحق المختص بالله، وهو: الخشية والتقوى، وبقي الحق الثالث المختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير...
والنُّصرة الشرعية الممدوحة لا تتحقق - على أرض الواقع - إلا بوجود الضوابط الشرعية، والوقوف على المقاصد الدينية ، واستخراج الأحكام من الأدلة الصحيحة، واستظهار النتائج من المقدمات العلمية، والاتصاف بالتوسط الشرعي في الأقوال والأعمال ، وأن يكون التعامل مع الأحداث خارجاً مخرج الصدق والديانة والأمانة، وأن تعطى الشريعة حقها من الرعاية والصيانة. وهذا - في الواقع العملي والسلوك المنهجي – لا يكون إلاّ بإبراز مناهج العلماء في التأصيل، وإظهار طريقة أهل الحديث في التحقيق، ولزوم منهج الكبار في الاستقصاء والتحرير، وتغليب النفس العلمي في البيان والتقرير، وتعميم لغة الربانين في الخطاب والتوجيه.

من هنا صار الكلام في ضوابط الدفاع عن نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- في وقتٍ تقهقرت فيه الثوابت وتكاثرت فيه المحن والنوازل وتُنوسيت عنده الأصول والقواعد - متعيّناً شرعاً ومطلوباً من باب أولى قبل الشروع بالنّصرة ؛ لهذا جاء ت هذه الدراسة – التي تكتب بقلم الشفقة على النفس والغير مما نسمع ونرى- تلبية ً لتلك المطالب ومشاركةً في إظهار تلك المقاصد مع اعتراف كاتبها بالنقص والتقصير .

وقد جعلت هذا الدراسة في مبحثين:

في المبحث الأول : تناولت جانب التأصيل الشرعي للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن معرفة ضوابط الأشياء وشروطها وقيودها تتوقف دائما على معرفة تأصيلها الشرعي وتصورها العلمي .

أما في المبحث الثاني: فكان الكلام في الضوابط الشرعية للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل.

والله أسأل ـ ربّ العرش الكريم ـ أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجه الكريم، وأن ينفع به المسلمين ، وأن يعين إخواننا على إبداء النصح والبيان، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كبيراً.

وكتب
أبو عبد الله فتحي بن عبد الله الموصلي
المبحث الأول
التأصيل الشرعي والتكييف الفقهي للنّصرة

في هذا المبحث نشير إلى الجوانب التأصيلية للدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأهمها:

أولاً: الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- داخل في حفظ ضرورات الدين .

الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والانتصار له بكل وسيلة شرعية من ضرورات الدين وقواعد الملة وكليات الشرع ؛ فلا يُحفظ الدين بمجرّد الإيمان بهذا الرسول واتباعه اتباعاً مجرّدا عن تعزيره ونصرته وتوقيره والذّب عنه وعن سنته
-صلى الله عليه وسلم- ؛ لهذا جاء ذكر النّصرة في القرآن في سياق بيان ضرورات الدين وكلياته ؛ كما قال تعالى : [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] {الأعراف:157} , وقد أخذ الله من النبيين الميثاق بالدفاع عن هذا الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- ؛ فقال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ] {آل عمران:81} .
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله - :" يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم -عليه السلام-، إلى عيسى -عليه السلام- ، لما أتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته"
([1]).
لهذا كان عدم توقير النبي وترك احترامه وعدم مراعاة حقوقه قدحاً في الدين وتضييعاً للمصالح الكلية؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –:" أما انتهاك عرض رسول الله فانه منافٍ لدين الله بالكلية ؛ فان العِرض متى انتهك سقط الاحترام والتعظيم فسقط ما جاء به من الرساله فبطل الدين ؛ فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله، وسقوط ذلك سقوط الدين كله ، وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن انتهك عرضه "
([2]) .
ولأجل مراعاة ضرورات الدين اعتبر الشرع الحنيف أي نوع من أنواع انتقاص النبي -صلى الله عليه وسلم- نازلة جسيمة يجب إلحاقها بأشدّ المحرمات وأعلى الجنايات لما اشتملت عليه من المفاسد العظيمة والأضرار الكبيرة على الإسلام وأهله ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - أيضا- :" لو نزلت بنا نازلة السب وليس معنا فيها أثر يتبع ثم استراب مستريب في أن الواجب إلحقها بأعلى الجنايات لما عدّ من بصراء الفقهاء؛ ومثل هذه المصلحة ليست مرسلة بحيث أن لا يشهد لها الشرع بالاعتبار فإذا فرض أنه ليس لها أصل خاص يلحق به ولا بد من الحكم فيها فيجب أن يحكم فيها بما هو أشبه بالأصول الكلية ، وإذا لم يعمل بالمصلحة لزم العمل بالمفسدة ، والله لايحبّ الفساد"
([3]).
وقد أنكر الله تعالى على أهل الكتاب أشدّ الإنكار ووبخهم لما امتنعوا عن الانتصار لرسلهم في حال الضرورة والحاجة؛ فقال تعالى: [
قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] {المائدة:24} .
قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -:" فما أشنع هذا الكلام منهم, ومواجهتهم به لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق, الذي قد دعت الحاجة والضرورة فيه إلى نصرة نبيهم, وإعزاز أنفسهم. وبهذا وأمثاله, يظهر التفاوت بين سائر الأمم, وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث قال الصحابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين شاورهم في القتال يوم بدر
مع أنه لم يحتم عليهم: يا رسول الله, لو خضت بنا هذا البحر, لخضناه معك, ولو بلغت بنا برك الغماد, ما تخلف عنك أحد. ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى [فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] , ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون, من بين يديك ومن خلفك, وعن يمينك, وعن يسارك"([4]).
ومن شرط الإيمان بالشيء الدفاع عنه والثبات عليه ؛ كما قال تعالى: [
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] {آل عمران:146}.
قال أبو جعفر الطبري -رحمه الله -:" هلا فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قتل نبيهم - من المضي على منهاج نبيهم، والقتال على دينه أعداءَ دين الله، على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيهم - ولم تهنوا ولم تضعفوا، كما لم يضعف الذين كانوا قبلكم من أهل العلم والبصائر من أتباع الأنبياء إذا قتل نبيهم، ولكنهم صَبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم وبينهم"(
[5]).

ثانياً: الانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- حكم شرعي يوجد عند وجود سببه وتحقق شرطه وانتفاء مانعه.

الإذن بالدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم شرعي له أسبابه وشروطه وموانعه؛ وهو على أنواع وصور، وله وسائل ومقاصد، وجميعه داخل في معنى الحكم الشرعي ؛ فإذا وجد ما يقتضي الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنّ المانع كان أقوى وأولى اعتباراً -كما سنبينها في مبحث الضوابط الشرعية - ؛ يكون الإمساك عن الدفع متعيّناً والاحتياط في التوقف أولى وأحرى؛ ويدفع المؤمن وقتئذٍ عن نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالقلوب الصادقة والأعمال الصالحة والأدعية الخالصة؛ إذ الأحكام الشرعية للنّصرة تتنوع بتنوع المصالح والأحوال والأوقات، وهي تقبل التفاوت والتبعيض والانقسام، ويشتغل الموفق في كل وقت بما هو واجب ذلك الوقت.

ومن الأدلة على اعتبار الأسباب والشروط وزوال الموانع عند الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما روى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- : قال : «لما كان يومُ حُنين آثرَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ناساً في القسمة ، فأعطى الأقْرَعَ بن حابِس مائة من الإِبل ، وأعطى عُيينةَ بنَ حِصن مثل ذلك ، وأعطى ناسا من أشراف العرب ، وآثَرَهم يومئذ في القسمة ، فقال رجل : [والله إن هذه لَقِسمَة ما عُدِلَ فيها ، ولا أُرِيدَ فيها وجهُ الله ، قال : فقلتُ : والله لأُخْبِرنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : فأتَيتُهُ فأخبرتُهُ بما قال ، فتغير وجهه،حتى كان كالصِّرْف ، ثم قال : فمن يَعدلُ إِذا لم يعدل الله ورسولُهُ ؟ ثم قال : يرحم الله موسى ، قد أُوذِيَ بأكثر من هذا فَصَبَرَ ، قلتُ : لا جرم ، لا أَرفع إِليه بعدَها حديثا]
([6]).
قال النووي - رحمه الله تعالى - :" فلعله -صلى الله عليه وسلم- لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك وانما نقله عنه واحد وشهادة الواحد لا يراق بها الدم .

قال القاضي هذا التأويل باطل يدفعه قوله : (اعدل يا محمد , واتق الله يا محمد) , وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر وخالدٌ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في قتله فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه فهذه هي العلة"
([7]).
أي: هذا من قبيل التعليل بالمانع ؛ فإن المقتضي للعقوبة قائم لكن قد قام مانع يمنع الحكم ؛ وقد تكرر هذا المعنى – أيضاً- في قصة عبد الله بن أبي سلول لما قال : (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ؛ فقال عمر -رضي الله عنه-: (ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث ؟) ؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : [لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه]
([8]).

ثالثا: الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله -تعالى-:

يجزم من له نظر في أدلة الشريعة ومواردها أن الجهاد جنس تحته أنواع؛ وهو كلمة جامعة لاستفراغ الوسع في مدافعة العدو وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر كالكفار؛ ومجاهدة الشيطان؛ومجاهدة النفس
([9]).
ويدخل الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأي وسيلة شرعية كانت في الجهاد الشرعي ، بل هو من أعظم أنواعه وأشرف صوره؛ فالمدافع مجاهد في سبيل الله؛ وقد قال تعالى: [
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {الحديد:25} ؛ فالآية صريحة في بيان أن من مقاصد الجهاد وإنزال الحديد نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- .
قال ابن كثير - رحمه الله- في تفسيرها:" وقوله: [وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ] أي: وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده... وقوله: [وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ] أي: من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسله، [إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] أي: هو قوي عزيز، ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض"
([10]).
لهذا قرنت الآيات القرآنية بين الجهاد والنُّصرة في غير موضع؛ كما قال تعالى: [
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] {الأنفال:74} .
قال الشنقيطي- رحمه الله- في تفسيرها:" فذكر المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس ، وذكر معهم الأنصار بالإيواء والنصر ، ووصف الفريقين معاً بولاية بعضهم لبعض ، وأثبت لهم معاً حقيقة الإيمان [أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا] ، أي الصادقون في إيمانهم فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة وفي صدق الإيمان"
([11]).
والجهاد في نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لا سيما عند تكالب الأعداء والمنافقين على النيل منه ومن سنته درجة عظيمة ومنزلة كبيرة ؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:" إن نصر رسول الله فرض علينا ؛لأنه من التعزير المفروض ؛ ولأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله، ولذلك قال سبحانه [
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ] {التوبة:38} الى قوله [إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ] {التوبة:40} وقال تعالى : [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ] {الصَّف:14} الاية؛ بل نصر أحاد المسلمين واجب بقوله: [انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً] ([12]) , وبقوله: [المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه] ([13]) ؛ فكيف بنصر رسول الله ومن أعظم النصر حماية عرضه ممن يؤذيه:" ([14]).

رابعاً: التفاضل بين أهل الإيمان يكون تارة بالهجرة ، وتارة أخرى بالنّصرة .

للعبد من الفضل والشرف بحسب نصرته للنبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فالتفاوت في مضمار السباق بين المؤمنين يكون بالسبق إلى النُّصرة ؛ ولا يتقدم عليها شيء إلا إذا اقترنت بها الهجرة ؛ كما قال تعالى: [
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا] {الأنفال:72}.
وقد جعلت النصوص الشرعية تكميل الإيمان وتحصيل المحاسن والفضائل بالسبق إلى الهجرة والنُّصرة معاً، قال تعالى: [
وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة:100} .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما - : أَنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال يوم الفتح :[لا هجرة بعد الفتح ،ولكن جِهادٌ ونيّةٌ ، وإذا اْستُنْفِرْ تُم فاْنِفِرُوا]
([15]).
ومعنى: الاستنفار : الاستنجاد والاستنصار : أي إذا طلب منكم النُّصرة فأجيبوا وانفروا خارجين إلى الإعانة . ونفير القوم : جماعتهم الذين ينفرون في الأمر
([16]).
وعن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال : (خيرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الهجرة والنصرة فاخترت النُّصرة)
([17]).
قال أبو جعفر الطحاوي – بعد أن ساق الحديث بسنده-:" وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لو اختار لنفسه النُّصرة وترك الهجرة صار الناس جميعاً أنصاراً ، ولم يبق أحد منهم مهاجراً ، فلم يجعل نفسه من الأنصار لتبقى الهجرة ولتبقى النصرة جميعاً"
([18]).
وقد كان تفضيل بعض الصحابة على بعض على أساس النُّصرة ؛ يقول ابن القيم في تفضيل خديجة -رضي الله عنها- :" واختلف في تفضيلها على عائشة -رضي الله عنها- على ثلاثة أقوال ثالثها الوقف ؛ وسألت شيخنا ابن تيمية رحمه الله فقال : اختص كل واحدة منها بخاصة فخديجة كان تأثيرها في أول الإسلام وكانت تسلي رسول الله وتثبته وتسكنه وتبذل دونه مالها فأدركت عزة الإسلام واحتملت الأذى في الله وفي رسوله وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة فلها من النصرة والبذل ما ليس لغيرها ، وعائشة -رضي الله عنها- تأثيرها في آخر الإسلام فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع نبيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها هذا معنى كلامه "
([19]).
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكافئ من نصره ولو كان كافراً كما جاء في السيرة؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من تصديقه، بعث إلى المطعم بن عدي فأجابه على ذلك ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ادخل؛ فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله.

وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الفعل كما أخرج البخاري عن محمد بن جبير عن أبيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في أسارى بدر: [لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له]
([20]).
وقد دلّ هذا الحديث على ثلاث فوائد :

أولها:
جواز الدخول في جوار الكافر عند الحاجة.
الثانية:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكافئ المحسن إليه بإحسانه، وإن كان كافرًا([21]).
الفائدة الثالثة :
أن نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإحسان الذي يحفظ للكافر ويكافأ عليه.
ومن هذا النوع من الإحسان ـ أيضًا ـ تخفيف العذاب الأُخروي على الكافر بسبب نصرته للنبي -صلى الله عليه وسلم- ومعونته للدين؛ كما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب –رضي الله عنه- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: [ما أغنيت عن عمك؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار]
([22]).

خامساً: الانصراف عن نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مع القدرة التامة شعبة من النفاق.

الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ونصرة ما جاء به من الحقّ علامة على صدق الإيمان والبراءة من النفاق ودلالة على المحبة الصادقة ؛ فليس بمحبٍ على الحقيقة من يتمكن من نصرة محبوبه ثم لا ينصره ولا يتأذى مما يتأذى منه ؛ لهذا كانت نصرة الله ورسوله شرطاً في الإيمان وطريقاً لبلوغ الصديقية ؛ كما قال تعالى: [
لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] {الحشر:8} .
والصديق لا يكون متحقّقا بالصديقية إلا بالنُّصرة والمدافعة؛ لهذا كان السابقون الأولون عريقين في الصديقية قاموا بأعبائها والتزموا بلوازمها ؛ فنصروا نبيهم بكل ما يمكن شرعاً أن يبذل للمحبوب المتبوع؛ فهذا صديق الأمة أبو بكر -رضي الله عنه- قد كمّل مرتبة الصديقية بالنُّصرة والهجرة ؛ كما في حديث عروة بن الزبير قال: [سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشدّ شيء صنعه المشركون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- , قال بينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: [
أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ] {غافر:28} الآية]([23]).
وقد كانت صحبة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- صحبة نصرة وهجرة معاً من أول الدعوة إلى آخرها ؛ كما قال تعالى: [
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {التوبة:40} .
وما نال الأنصار من الفضل والسبق والبراءة من النفاق إلا بصدق محبتهم لنبيهم وقوة نصرتهم له بالمال والنفس والعيال والديار؛ فقد بذلوا كل نفيس في سبيل نصرته وتعزيره؛ لذلك جاء عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الأنصار: [لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منا فق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله]
([24]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – شارحا هذا الحديث- :" وإنما خصّ الأنصار -والله أعلم- لأنهم هم الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين , وآووا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- , ونصروه , ومنعوه , وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال , وعادوا الأحمر والأسود من أجله , وآووا المهاجرين , وواسوهم في الأموال وكان المهاجرون إذ ذاك قليلاً غرباء فقراء مستضعفين، ومن عرف السيرة وأيام رسول الله عليه الصلاة والسلام وما قاموا به من الأمر ثم كان مؤمنا يحب الله ورسوله لم يملك أن لا يحبهم كما أن المنافق لا يملك أن لا يبغضهم وأراد بذلك ـ والله أعلم ـ أن يعرف الناس قدر الأنصار لعلمه بأن الناس يكثرون والأنصار يقلون وأن الأمر سيكون في المهاجرين فمن شارك الأنصار في نصر الله ورسوله بما أمكنه فهو شريكهم في الحقيقة كما قال تعالى :
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ] {الصَّف:14} ؛ فبغض من نصر الله ورسوله من أصحابه نفاق"([25]).
أما وقد تقرر أن نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي من موجب محبته ومقتضاها؛ فإن الانصراف عن نصرته مع القدرة التامة يعدّ شعبة من النفاق ؛ إذ لو ثبتت المحبة واستقرت في القلب فلا بد من النّصرة ولو بالقلب عند العجز عن نصرته بالقول والفعل، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية _ أيضا- :" فمن لم يكن فيه داعٍ إلى الجهاد فلم يأت بالمحبة الواجبة قطعاً كان فيه نفاق؛ كما قال تعالى:
[إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] {الحجرات:15} , وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي أنه قال من [مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات علي شعبة من نفاق] ([26]) ، وكذلك جمع بينهما في قوله تعالى: [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ , الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ , يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ , خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] {التوبة:19-22} ... ؛ فالجهاد في سبيل الله تعالى من الجهد وهي المغالبة في سبيل الله بكمال القدرة والطاقة فيتضمن شيئين:
أحدهما: استفراغ الوسع والطاقة .

والثاني: أن يكون ذلك في تحصيل محبوبات الله ودفع مكروهاته "
([27]).





المبحث الثاني
ضوابط الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم-

وأشير هنا إلى أهم هذه الضوابط، وهي:

الضابط الأول: الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يناط بالاستطاعة الشّرعية؛ إذ لا واجب مع العجز .

قد تقرر في الشريعة أن التكاليف الشرعية مشروطة بشروط من أهمها توفر القدرة والاستطاعة؛ فما أوجبته الشريعة من الأحكام وما شرعته من الواجبات وما جعلته شرطًا أو ركنًا فيها، فهو منوط بالاستطاعة، فلا تكليف مع العجز.

والمراد من الاستطاعة التي تكون شرطًا في التكليف، هي الاستطاعة الشرعية التي يحصل بها الفعل من غير مضرّة أو مفسدة؛ لأن الشريعة لا تنظر إلى إمكان الفعل فحسب، بل إلى إمكان الفعل مع لوازمه؛ فإنْ لم يمكن للمكلف أن يفعل الفعل إلا مع مضرّة راجحة، فهو عندئذ لا يكون ـ على الحقيقة ـ قادرًا ولا مستطيعًا؛ فقد راعت الأحكام الشرعية التمكن من الفعل، وكون الفعل خاليًا من المفسدة الراجحة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فالشرع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية، إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية"
([28]).
فعلى هذا التأصيل، لا يكون الجهاد واجبًا، إذا كان بالإمكان الدفع والمقاتلة لكن مع المفسدة الراجحة؛ إذ لا يجب الجهاد إلا بالتمكن من القتال أولًا ، ورجحان مصلحة القتال على عدمه ثانيًا، وقد كان المسلمون يأتون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه، ويستأذنونه بالدفع مع إمكان القتال، فيقول لهم [اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال]
([29]).
فالانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- تكليف شرعي وواجب ديني يناط بالاستطاعة الشرعيّة، فقد يسوغ للعبد أن يكتمه تارة ويظهره تارة أخرى، بحسب حال القوة والضعف، وبحسب استطاعته الشرعية ورجحان المصلحة على المفسدة، وقد جاء تأصيل هذا الضابط في القرآن الكريم، قال تعالى: [
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ] {غافر:28} .
فهذا الرجل المؤمن قد كتم إيمانه لكنه لم يكتم نصيحته وبيانه للحق إذ كان قادرًا عليه؛ فكتم إيمانه وهجرته، ولم يكتم نصرته، كما كان النّجاشي -رضي الله عنه- يكتم إيمانه وهجرته، ويظهر نصرته للمؤمنين الذين هاجروا إليه.

والعبد قد يظهر إيمانه ولكن قد يكون عاجزاً عن نصرة أهل الإيمان بالقول أو باليد؛ فيكتفي بنصرة القلب وإنكاره، وهذا من أضعف الإيمان، ومثال هذا النوع من الكتمان ما جاء عن ابن مسعود –رضي الله عنه- أنه قال: [ بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضل في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي -صلى الله عليه وسلم- وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم انظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-]
([30]).
فابن مسعود –رضي الله عنه- كان عاجزًا عن طرح الأذى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فكتم نصرته لعجزه، قال النووي رحمه الله عند شرح قوله: [لو كانت لي منعة طرحته] "أي: لو كان لي قوة تمنع أذاهم، أو كان لي عشيرة بمكة تمنعني"
([31]).
فاعتذر لكتمانه أنه كان هذليّاً حليفاً وكان حلفاؤه إذ ذاك كفاراً.

ولما وضع عقبة بن أبي معيط رداءه في عنق النبي -صلى الله عليه وسلم- فخنقه خنقًا شديدًا جاء أبو بكر –رضي الله عنه- فدفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال:
) أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ( ([32]).
فأبو بكر –رضي الله عنه- أظهر النصرة لقدرته، وابن مسعود –رضي الله عنه- كتمها لعجزه، وفي موضع آخر، صدع ابن مسعود بتلاوة القرآن أمام الملأ حتى ضرب، فهذا يدل على أن أفعال الصحابة كانت تدور مع مقاصد الدين ومصالح الشرع لا مع الرأي والهوى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وفرق بين الكذب وبين الكتمان: فكتمان ما في النفس يستعمله المؤمن حيث يعذره الله في الإظهار كمؤمن آل فرعون، وأما الذي يتكلم بالكفر فلا يعذره، إلا إذا أكره والمنافق الكذاب لا يعذر بحال، ولكن في المعاريض مندوحة عن الكذب.

ثم ذلك المؤمن الذي يكتم إيمانه يكون بين الكفار الذين لا يعلمون دينه، وهو مع هذا مؤمن عندهم، يحبونه ويكرمونه؛ لأن الإيمان الذي في قلبه يوجب أن يعاملهم بالصدق والأمانة والنصح وإرادة الخير بهم، وإن لم يكن موافقا لهم على دينهم، كما كان يوسف الصديق –عليه السلام- يسير في أهل مصر -وكانوا كفارا-، وكما كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه ومع هذا كان يعظم موسى ويقول:
) أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ ( "([33]).
وإذا كانت النُّصرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أُنيطت في جميع أنواعها وصورها بالقدرة – والقدرة لا تكون شرعيةً إلا بإمكان الفعل مع رجحان المصلحة- فإن أصحاب النبي وأنصاره بمكة كانوا يرون أنواع الاعتداء والأذى يصيب نبيهم ، وهم مع ذلك كانوا عاجزين عن نصرته بالدفع والفعل واكتفوا بأدنى مراتب الإنكار؛ إذ النصرة والإعانة والمدافعة أحكام مقيدة بالشرع ؛ ففَعَل الصحابة -رضي الله عنهم- في كل وقت ما هو واجب ذلك الوقت؛ فامتثلوا أوامر الله تعالى بالصبر كما امثلوا أوامره بالدفع؛ فإن الوقت إمّا أن يكون وقت سعة واختيار، وإمّا أنْ يكون وقت ضيق واضطرار، والحال إمّا أن يكون حال قوة وتمكين، وإمّا أنْ يكون حال عجز واستضعاف، والعبد يفعل ما أمر به في كل وقت بحسب الإمكان، فتكون ثمرة الفهم الصحيح للاستطاعة، هي ملازمة الطاعة في سائر الأحوال، والاستقامة على محض العبودية، والقيام بوظيفة الوقت، لذلك كان غذاء الصحابة الروحي ومعيشتهم التربوية – بمكة- على هذه المعاني العظيمة التي دلت عليها آية من سورة مكية ؛ كما قال تعالى: [
فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ] {التغابن:16} ؛ فتأمل تقديم الأمر بالتقوى بقيد الاستطاعة على الأمر بالسمع والطاعة والإنفاق، كما قال قتادة -رحمه الله- في تفسير الآية: (فيما استطعت يا ابن آدم، عليها بايع رسول الله r على السمع والطاعة فيما استطعتم ) ([34]).
ويشير قتادة رحمه الله إلى حديث ابن عمر -رضي الله عنه-ما قال: [كنّا إذا بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة، يقول لنا: فيما استطعتم]
([35]).
لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه ، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في أخر عمر رسول الله وعلى عهده خلفائه الراشدين ، وكذلك هو إلى قيام الساعة لاتزال طائفة من هذه الامة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام ؛ فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين"
([36]).

الضابط الثاني: أن تقع النُّصرة بطرق شرعية ووسائل مجدية موصلة إلى الأغراض الشرعية.

إن النُّصرة المعتبرة – شرعاً- والغالبة – قدراً- هي التي تقوم بالشجاعة الإيمانية لا بالاندفاعات العاطفية، وبالغيرة الشرعية لا بالانفعالات النفسية ، وبالحمية الإسلامية لا بالحمية الجاهلية، وبالوسائل الشرعية لا بالطرق البدعية، وبالآداب الحميدة لا بالأخلاق الذميمة، وهي التي تصان بوصايا الأنبياء لا بوساوس الشيطان، وتدوم بالسياسات العادلة لا بالسياسات الجائرة ، وهي التي توجه بنصائح العلماء لا بتوجيهات الدخلاء ، ووهي التي تقرر في مجالس الحكماء لا في مجامع الغوغاء... فهي نصرة شرعية جامعة بين الوسائل النافعة والمقاصد السامية بلا إفراط ولا تفريط .

ومن المعلوم أنه لم يكن دفع المؤمنين عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في وقت البعثة النبوية- قائماً على مبدأ الاستئصال والانتقام؛ بل كان دفع حرص ورغبة وطمع في إيمان أولئك الكفار المعتدين من جهة، ودفع شرهم عن الإسلام وأهله بحسب الإمكان من جهة أخرى؛ فدفعوا بالتي هي أحسن إلى التي هي أقوم ؛ وقد أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بذلك ؛ فقال تعالى في آية مكية: [
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ] {المؤمنون:96} ؛ قال ابن كثير رحمه الله: "ثم قال مرشدًا له إلى التِّرْياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة"([37]).
وقال تعالى –أيضاً-: [
وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] {فصِّلت:34} .
قال الرازي رحمه الله: "يعني ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق الذي هو أحسن الطرق؛ فإنك إذا صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ، ولم تقابل سفاهتهم بالغضب ولا إضرارهم بالإيذاء والإيحاش استحيوا من تلك الأخلاق المذمومة وتركوا تلك الأفعال القبيحة"
([38]).
ولم يقف الأمر بالنسبة إلى معاملة المشركين عند الدفع بالتي هي أحسن؛ بل كان دفع النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم دفع من يريد أن يعود إليهم؛ لهذا أظهرت الآية المصلحة من المدافعة بالحسنى: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ؛ أي : يتحول العدو إلى وليِّ صديق.

وهذا المعنى ظاهر في آية مكية أخرى؛ كما قال تعالى: [
وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا] {المزمل:10} ، والهجر في الآية: "هو الهجر حيث اقتضت المصلحة الهجر الذي لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، وأمره بجدالهم بالتي هي أحسن"([39]).
وقد فسّر الشيخ عبد الرحمن حبنّكة الميداني الهجر الجميل؛ فقال: "والهجر الجميل هو الهجر الذي لم يقترن بغضب ولا مخاصمة ولا عتاب، فهو هجرُ الراغب في العودة إلى المهجورين، الحريص على خيرهم ونجاتهم وسعادتهم، ودخولهم في عباد الله الصالحين"
([40]).
وقد تكرّر هذا المعنى في السور المدنية؛ فقال تعالى: [
عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {الممتحنة:7} .
وجاء هذا المعنى في السّنة النبوية – أيضا- ؛ كما في حديث رجوع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطائف، وقال له ملك الجبال: [إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا]
([41])، وقد دخل كثير من الناس في الإسلام ممن شملهم رجاء النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فكانوا بمكة مدفوعين، وبالمدينة يدفع الله بهم الكفار.
إذن ؛ فيجب أن تكون وسائل النصرة شرعية ومتفقة مع أحكام الشريعة ومنسجمة معها وبعيدة كل البعد عن الحرام والشبهة ، وأن تندرج هذه الوسائل تحت معاني كتاب الله تعالى وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أُثر عن سلف الأمة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد ؛ فالوسيلة إلى أفضل قصد هي أفضل الوسائل وأنفعها؛ يقول العز ابن عبد السلام – رحمه الله - :" وكلما قويت الوسيلة في الأداء إلى المصلحة، كان أجرها أعظم من أجر ما نقص عنها، فتبليغ رسالات الله من أفضل الوسائل، لأدائه إلى جلب كل صلاح دعت إليه الرسل، وإلى درء كل فاسد زجرت عنه الرسل، والإنذار وسيلة إلى درء مفاسد الكفر والعصيان، والتبشير وسيلة إلى جلب مصالح الطاعة والإيمان. وكذلك المدح والذم، وكذلك الأمر بالمعروف وسيلة إلى تحصيل ذلك المعروف المأمور به، رتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة مصلحة الفعل المأمور به في باب المصالح، فالأمر بالإيمان أفضل أنواع الأمر بالمعروف"
([42]).
ولا يمنع أن يتوصل المؤمن إلى النُّصرة الشرعية ببعض الأمور والأسباب الدقيقة اللطيفة ؛ كالكيد الممدوح الذي لا تستحل به الحرمات ولا تسقط به الواجبات ؛ فهذا النوع ونحوه جائز شرعاً في بعض الأوقات ؛ لكن لا يصار إليه إلا بعد أخذ توقيع العلماء الربانين عليه حتى لا يكون ذريعة إلى الإفساد في الدين .

يقول ابن القيم - رحمه الله- :" فالطرق التي تتضمن نفع المسلمين والذب عن الدين ونصر المظلومين وإغاثة الملهوفين ومعارضة المحتالين بالباطل ليدحضوا به الحق من أنفع الطرق وأجلها علما وعملا وتعليما ؛ فيجوز للرجل أن يظهر قولاً أو فعلاً مقصوده به مقصود صالح وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به إذا كان فيه مصلحة دينية مثل دفع ظلم عن نفسه أو عن مسلم أو معاهد أو نصرة حق أو إبطال باطل من حيلة محرمة أو غيرها أو دفع الكفار عن المسلمين أو التوصل إلى تنفيذ أمر الله تعالى ورسوله ؛ فكل هذه طرق جائزة أو مستحبة أو واجبة .

وإنما المحرم أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعت له فيصير مخادعا لله فهذا مخادع لله ورسوله وذلك مخادع للكفار والفجار والظلمة وأرباب المكر والاحتيال فبين هذا الخداع وذاك الخداع من الفرق كما بين البر والإثم والعدل والظلم والطاعة والمعصية ؛ فأين من قصده إظهار دين الله تعالى ونصر المظلوم وكسر الظالم إلى من قصده ضد ذلك؟"
([43]).
وهاهنا تنبيه : وهو أنه إذا كانت نتيجة الانتصار معدومة أو ضعيفة ؛ فمن العبث الكلام في وسائلها وطرقها ؛ لأن الوسيلة إذا لم تفضِ إلى مقاصدها سقط اعتبارها؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - :" وإذا كان المقصود لا يحصل منه شيء لم يكن بنا حاجة إلى إثبات الوسيلة ؛ لأن الوسائل لا تُراد إلا لمقاصدها ، فإذا جزمنا بانتفاء المقاصد كان الكلام في الوسيلة من السعي الفاسد، وكان هذا بمنزلة من يقول الناس يحتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم وينبغي أن يكون الطعام صفته كذا، والشراب صفته كذا، وهذا عند الطائفة الفلانية، وتلك الطائفة قد عُلم أنها من أفقر الناس، وأنهم معروفون بالإفلاس"
([44]).

الضابط الثالث : جميع أحكام النُّصرة مبناها على المصالح المحضة أو الراجحة.

الأحكام الشرعية تارة تناط بالمصالح الخالصة المحضة وتارة تناط بالمصالح الراجحة الغالبة؛ والأولى نادرة الوجود والثانية كثيرة الوقوع ؛ لذا لا يصار إلى النّصرة إلاّ إذا ترجحت مصلحتها ولم يفضِ الدفع إلى فساد راجح على مصلحته؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: " والشريعة تأمر بالمصالح الخالصة والراجحة كالإيمان والجهاد؛ فإن الإيمان مصلحة محضة ، والجهاد وإن كان فيه قتل النفوس فمصلحته راجحة وفتنة الكفر أعظم فساداً من القتل؛ كما قال تعالى
[وَالفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ القَتْلِ] {البقرة:217} ، ونهى عن المفاسد الخالصة والراجحة كما نهى عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن وعن الإثم والبغى بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ، وهذه الأمور لا يبيحها قط فى حال من الأحوال ولا فى شرعة من الشرائع وتحريم الدم والميتة ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك مما مفسدته راجحة، وهذا الضرب تبيحه عند الضرورة لأن مفسدة فوات النفس أعظم من مفسدة الإغتذاء به"([45]).
وهذا الضابط يرجع فيه إلى أصلين عظمين:

أولهما :
أن تقدير المصالح والمفاسد يكون بميزان الشّرع والعدل لا بميزان الهوى والظلم.
والأصل الثاني:
أن تمام الفقه في هذه الأمور متوقف على النظر إلى مآلات الأفعال ونتائج التصرفات وعواقب الأمور.
فإذا أدت مناصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأفعال إلى مفسدة راجحة فإنها تمنع لحين زوال المفسدة ؛ كما نهت الشريعة المؤمنين عن سب آلهة المشركين ـ مع ما فيه من مصلحة مراغمتهم ومغايظتهم ـ لئلا يؤول هذا السبُّ إلى سبِّ الله تعالى، قال تعالى: [
وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {الأنعام:108} .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله -في تفسير الآية-: "يقول تعالى ناهياً لرسوله
r والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين، وهو الله لا إله إلا هو؛ كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا، أو لنهجون ربك، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾..."([46]).
وقد نوّه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا الأمر بعد أن علّق على الآية؛ فقال -رحمه الله-: "وذلك أنه في اللّجاجة أن يسبّ الجاهل من يعظمه مراغمة لعدوه إذا كان يعظمه أيضا؛ كما قال بعض الحمقى سبّوا علياً كما سبّوا عتيقكم: كفراً بكفر وإيماناً بإيماناً "
([47]).
كذلك لم يقم النبي –صلى الله عليه وسلم- الحدود في مكة؛ وذلك لدفع المفاسد الراجحة؛ إذ إقامتها في أولّ الإسلام سينفّر الناس عن الدين، فاقتضت مصلحة التأليف أن يؤخر إقامتها حتى تزول المفسدة، فالأمر لا يتعلق بالمكنة من إقامتها لأنه يمكن أن يقيمها النبي –صلى الله عليه وسلم- على المسلمين بمكة، لكنه تركها لتحصيل أرجح المصلحتين، ودفع أقوى المفسدتين.

وقد جاء النهي عن إقامة الحدود في الغزو ـ وهو مخرّج على ما تقدم ـ ففي حديث بسر بن أرطأة –رضي الله عنه- قال: سمعت النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: [لا تقطع الأيدي في الغزو]
([48]).
وقد علل الصحابي الجليل زيد بن ثابت –رضي الله عنه- هذا النهي فقال: [لا تقام الحدود في أرض الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو]
([49]).
فالترك –هنا- لدفع مفسدة، وهي أن الجاني قد يفرّ إلى الكفار، فرارًا من الحد، وطلبًا للسلامة والنجاة، فمنعت الشريعة المشروع لإفضائه إلى الممنوع
([50]).
يقول ابن القيم - رحمه الله- :" إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكفّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه وقولهم: إن محمداً يقتل أصحابه؛ فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل"
([51]).
فمصلحة النُّصرة لا تتحصل بردود الأفعال ، ولا تنهض بالسَباب والشّتَّام ، ولا تقوم بمجرد رفع اللافتات والشعارات ؛ولا تبنى على التخيّلات والتوهمات، ولا تكون باستعجال المواجهات والمصادمات ؛ بل تتحصل بالفهم الدقيق لمقاصد الشريعة ، والنظر الثاقب في أولويات الدين، والبصيرة التامة بالحق ، والتضلع الكبير بأحكام النوازل، مع رسوخ في العلم ، وإخلاص في العمل، وصدق في القول، وربانية في المنهج، وخبرة بالواقع، وصبر على البلاء ،وشجاعة في القلب، ورحمة بالخلق.


الضابط الرابع: أن لا يعتدي المدافع في دفعه .

أَذِن الشرعُ للمؤمنين أن ينتصروا لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- بكل سبيلٍ شرعيٍّ وأوجب عليهم ذلك ورغبهم فيه ، لكن من غير تجاوز للحد المشروع ؛ إذ لا يجوز مقابلة الظلم بالظلم ، والفاسد بالفاسد ، والبدعة بالبدعة ؛ فالمؤمنون قد أُمروا - إذا أرادوا الدفاع عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- بالعدل لا بالظلم ، وبالحقّ لا بالباطل ، وبالصلاح لا بالفساد ، وبالسنة لا بالبدعة.

قال تعالى: [
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ, وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ , وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ, إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ , وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ]. {الشُّورى : 39-43}.
قال الإمام الطبري - رحمه الله- :"وقوله:[إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ] يقول تبارك وتعالى: إنما الطريق لكم أيها الناس على الذين يتعدّون على الناس ظلماً وعدواناً، بأن يعاقبوهم بظلمهم لا على من انتصر ممن ظلمه، فأخذ منه حقه"
([52]).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله -: "وذلك أن المظلوم وإن كان مأذوناً له في دفع الظلم عنه بقوله تعالى [وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ] ، فذلك مشروط بشرطين :

أحدهما :
القدرة على ذلك .
والثاني :
ألا يعتدي .
فإذا كان عاجزاً ، أو كان الانتصار يفضى إلى عدوان زائد لم يجز"
([53]).
وعندما يبدأ أعداء الدين بالطعن في نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- بالشتم والسخرية والاستهزاء والانتقاص تثور ثائرة المسلمين بعد أن اشتعلت نيران الغيرة على الدين في قلوبهم، وتحرّك الغيض في صدورهم، وتنادت الأصوات في ساحاتهم: الجهاد الجهاد ؛ وحينئذٍ قد ترى وتسمع - في ثغور المدافعة والمناصرة - بصيرةً وعدلاً وانصافاً ؛ كما قد ترى وتسمع – تحت تخدير العاطفة أو الجهل بأحكام النازلة – تعديّاً وظلماً وطيّشاً... وفصل الخطاب في فقه الأزمات يتجلى في تصفية العلماء لا في تخبط العشواء ، وفي وصايا الحكماء لا في الرايات العمياء .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:" وفيهم نُفْرة عن قول المبتدعة ؛ بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له فيعرضون عن ما يثبتونه من الحق أو ينفرون منه أو يكذبون به كما قد يصير بعض جهال المتسنّنة في إعراضه عن بعض فضائل علي وأهل البيت ؛ إذا رأى أهل البدعة يغلون فيها ؛ بل بعض المسلمين يصير في الإعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى بعض ذلك حتى يحكى عن قوم من الجهال أنهم ربما شتموا المسيح إذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا في الحرب . وعن بعض الجهال أنه قال : سبوا علياً كما سبوا عتيقكم كفر بكفر ؛ وإيمان بإيمان "
([54]).



الضابط الخامس: مصلحة الدين لا تتمّ إلا إذا اقترنت النصرة بسلطان العلم والحجّة .

نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- المجرّدة عن العلم والحجّة صفة نقص وضعف؛ بخلاف النُّصرة المصاحبة لهما تكون صفة كمال وقوة ؛ فالنُّصرة مثلما تقوم بالردع والقوة فهي تقوم بالعلم والحجّة ؛ والقوة تطلب طلب وسائل، والحجّة تطلب طلب مقاصد ، والقوة تابعة والحجّة متبوعة؛ فالحجّة تطلب على الدوام ، والقوة تطلب عند الاحتياج .

قال الرازي عند تفسير قوله تعالى : [
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] {غافر:51} :" واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه أحدها : النصرة بالحجة ، وقد سمى الله الحجة سلطاناً في غير موضع ، وهذه النصرة عامة للمحقين أجمع ، ونعم ما سمى الله هذه النصرة سلطاناً لأن السلطنة في الدنيا قد تبطل ، وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور ، أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآباد"([55]).
وقال تعالى: [
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا] {الفرقان:31} ؛ قال أبو السعود العمادي :"وعدٌ كريمٌ له عليه الصَّلاة والسَّلام بالهدايةِ إلى كافَّةِ مطالبِه والنَّصرِعلى أعدائِه أي كفاك مالكُ أمرِك ومُبلِّغك إلى الكمالِ هادياً لك إلى ما يُوصلك إلى غاية الغاياتِ التي من جُملتها تبليغ الكتاب أجلَه وإجراء أحكامه في أكناف الدُّنيا إلى يوم القيامة ونصيراً لك على جميع من يُعاديك "([56]).
ومدار نصرة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- على قوة الحجة ووجود القدرة؛ فتارة يكون الانتصار له بالحجة والقدرة، وتارة يكون بالحجة فقط، ولا يكون الانتصارله بالقدرة من غير حجة ؛ كما قال تعالى: [
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ , إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ , وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ , فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ] {الصَّفات:171-174}.
قال الإمام الطبري رحمه الله: "أي: أنهم لهم النُّصرة والغلبة بالحجج، ونقل ذلك عن السُّدي"
([57]).
لذلك كان سلطان الحجّة أعظم من سلطان القدرة؛ لأنّ الدين لا يظهر ولا ينتصر إلا بظهور الحجّة، كما في ظهور حجّة الغلام في قصة أصحاب الأخدود أمام جموع الناس؛ فكانت حجته سببًا في إيمان المؤمنين؛ بخلاف القدرة فلا تؤثر إلا بواسطة الحجّة، يقول ابن القيم -معللًا تفضيل الحجّة على القدرة-: "لأنّ صاحب الحجّة له سلطان وقدرة على خصمه وإن كان عاجزًا عنه بيده"
([58]).
والمتتبع للسيرة النبوية يقطع جازماً أن الصحابة -رضي الله عنهم- قد نصروا رسولهم -صلى الله عليه وسلم- بمكة – بالحجّة؛ ونصروه بالمدينة بالحجّة والقدرة ؛ وقد بينت ذلك بعض الآيات التي نزلت بالمدينة ؛ كما قال تعالى: [
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ] {المائدة:56} ( .
قال البغوي - رحمه الله- في تفسير الآية:
) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا( "يعني: يتولى القيام بطاعة الله، ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : يريد المهاجرين والأنصار، ) فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ ( يعني: أنصار دين الله ) هُمُ الغَالِبُونَ (" ([59]).
فالمصاحبة بين القوة والحجّة وعدم إلقاء العداوة بينهما في مواضع الدفاع عن الدين ونصرة النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- شرط لازم لرفع الدرجات وبلوغ الغايات، يقول ابن القيم: "إنّ العلم بالحجج والقوة على الجهاد مما رفع الله به درجات الأنبياء وأتباعهم؛ كما قال تعالى: [
يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ] {المجادلة:11}, وقال: [وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ] {ص:45} ؛ فالأيدي القوى التي يقدرون بها على إظهار الحق وأمر الله وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، والأبصار البصائر في دينه"([60]).



الضابط السادس: النصرة لا تتحقق إلا ببذل الواجب والمستحب من الدين بحسب الإمكان.

عندما يتحزّب أهل النفوس اللئيمة على نبي الهدى محمد -صلى الله عليه وسلم- ويظهرون ما أكنته ضمائرهم من الشّر والحسد يدرك أهل العلم والإيمان وأصحاب البصيرة والعرفان – بفضل الله ورحمته- أنّ أقوى أسباب الانتصار وأعظم خطط الدفاع هي أنْ يرجع المسلمون إلى دينهم ويراجعوا واقعهم ويحاسبوا أنفسهم ويتعاملوا مع النازلة بفقه واتباع ، وأنْ يبحثوا عن الأسباب الشرعية للنُّصرة ليصلوا إلى حقيقتين ثابتتين :

إحداهما : أنّ كمال النُّصرة في كمال الطاعة .

والثانية: أنْ ليس للمبطل الجاني صولةٌ وجولةٌ وحراكٌ إلا عند غفلة أهل الحقّ ؛ كما قال تعالى في سياق أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعوَ ربه النّصر التام: [
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا , وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] {الإسراء:80-81}.
يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السّعدي :" هذا وصف الباطل، ولكنه قد يكون له صولة وروجان إذا لم يقابله الحق، فعند مجيء الحق يضمحل الباطل، فلا يبقى له حراك، ولهذا لا يروج الباطل إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته"
([61]).
فالانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- والدفاع عنه والذب ّ عن سنته لا تكون مجدية مالم يحرص المسلمون على الالتزام بدينهم والصبر على طاعة ربهم في السراء والضراء، ومقابلة العدو بترك الذنوب والإقلاع عن المعاصي وهجر الشرك والبدع؛ والاصطفاف للمدافعة والمناصرة خلف راية الكتاب والسنة ونبذ الفُرقة والاختلاف ؛ يقول ابن القيم -رحمه الله- عند الكلام على طريقة المؤمنين في استجلاب النصر - :" لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها وأنها نوعان تقصير في حق أو تجاوز لحد ، وأن النّصرة منوطة بالطاعة ؛ قالوا :
[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا] {آل عمران:147} ؛ ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا فوفوا المقامين حقهما مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه ومقام إزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف "([62]).
فمن طلب الانتصار لنبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- طلب وسائل شرعية ومقاصد سامية فلا سبيل له في تحقيق ذلك وتكميله إلا بأن تكون نصرته بالله ولله وفي الله ، ويجتهد في عبادة ربه وطاعته بما أمكن ، ويحرص على الاقتداء بالكتاب والسنة ، ويتحرى العلم والعدل في معاملته للخلق ؛ يقول ابن القيم- أيضا-:" فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها وجعل له فرجا مخرجا، وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة أو في اثنين منها أو في واحد؛ فمن كان قيامه في باطل لم ينصر وإن نصر نصراً عارضاً فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولا والقيام في الحق وسيلة إليه فهذا لم تضمن له النصرة، فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين وإن نصر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصر إلا الحق وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر والصبر منصور أبداً فإن كان صاحبه محقاً كان منصوراً له العاقبة وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبة، وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعيناً به متوكلاً عليه مفوضاً إليه بريا من الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك"
([63]).

الضابط السابع : وجوب إظهار ( مقصد الرحمة ) في موضع الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- .

يلحظ المتتبع لموارد الانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن والسيرة النبوية أنها لم تخلو من إبراز جانب الرحمة ؛ فحتى شدته -صلى الله عليه وسلم- بالكفار ومعاقبته لهم كانت مشوبةً بالرحمة ؛ فشدته عليهم شفقة، ، وعفوه عنهم إحسان، ومعاقبته لهم عدل ، وقتاله لهم رحمة ؛ فكان مقصد الرحمة ملازماً للنبي -صلى الله عليه وسلم- في المسالمة والمحاربة ، وفي المصابرة والمدافعة، وهو من عمومات الشريعة وكلياتها وعوائدها الثابتة المستقرة ؛ فأضحت البعثة النبوية من أولها إلى آخرها رحمة للمسلم والكافر؛ كما قال تعالى: [
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} ؛ فمقصد الرحمة يظهر في مظهرين: الأول: تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني: إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته([64]).
فما من أحدٍ من الناس إلاّ وله حظ من هذه الآية؛ كما يقول ابن القيم -معلّقاً عليها-: "وأصح القولين في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ ؛ أنه على عمومه وفيه على هذا التقدير وجهان :

أحدهما:
أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته أما أتباعه فنالوا به كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه فالمحاربون له عجل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة وهم قد كتب عليهم الشقاء فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته وهم أقل شراً بذلك العهد من المحاربين له، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيره، وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني:
أنه رحمة لكل أحد لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم لكن لم يقبلوها لهذا المرض فإذا لم يستعمله المريض لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض"([65]).
وقد ثبت عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أنه قال : لقيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض طرق المدينة فقال : [أنا محمد وأنا أحمد وأنا نبي الرحمة ونبي التوبة وأنا المقفي وأنا الحاشر ونبي الملاحم]
([66]) .
قال العلامة عبد الرؤوف المناويُّ – شارحاً الحديث- :" ووجه كونه نبي الرحمة ونبي الحرب إن الله بعثه لهداية الخلق إلى الحق وأيده بمعجزات ؛ فمن أبى عذب بالقتال والاستئصال ، فهو نبي الملحمة التي بسببها عمت الرحمة وثبتت المرحمة"
([67]).
وقد ظهر مقصد الرحمة - جلياً- في موضع الانتصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- من المشركين والردّ عليهم ؛ كما جاء في حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:(كأني أنظر إلى النبي
r يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)([68]).
وقد علّق الإمام ابن القيم - رحمه الله- على هذا الحديث بالقول : "وتأمل حال النبي الذي حكى عنه نبينا أنه ضربه قومه حتى أدموه فجعل يسلت الدم عنه ويقول: [اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون]
([69]) ، كيف جمع في هذه الكلمات أربع مقامات من الإحسان قابل بها إساءتهم العظيمة إليه :
أحدها:
عفوه عنهم .
والثاني:
استغفاره لهم.
الثالث:
اعتذاره عنهم بأنهم لا يعلمون.
الرابع:
استعطافه لهم بإضافتهم إليه ؛ فقال [اغفر لقومي] كما يقول الرجل لمن يشفع عنده فيمن يتصل به : هذا ولدي ؛ هذا غلامي ؛ هذا صاحبي ؛ فهبه لي"([70]).
لذلك كانت معاملة النبي –صلى الله عليه وسلم- للمشركين بمكة معاملة عفوٍ وإحسانٍ لا معاملة تشفٍّ وانتقامٍ؛ كما في حديث عروة أن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- حدثته أنها قالت للنبي –صلى الله عليه وسلم- : [هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ـ وفي الحديث ـ: فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-
: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا]([71]).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ـ معلقاً على الحديث-: "وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي –صلى الله عليه وسلم- على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى: [
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ] {آل عمران:159} وَقَوْله [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107} ..."([72]).
وإذا شرع العبد بالدفاع عن نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- في أي صورة من صور الدفاع فلا بد من إظهار الرحمة ؛ إذ مصلحة الانتصار له لا تقوم إلا بأن تقترن النّصرة بالرحمة ؛ فالنصرة وسيلة والرحمة غاية ، وبهما يتحقق التوسط بين الإفراط والتفريط، وبهما يكون الاعتدال بين برودة القلب ويبوسته؛ لذلك استعمل الرعيل الأول مع المشركين وأهل الكتاب كل سبيل موصل إلى نجاتهم وهدايتهم، وأعانوهم على تحصيل مصالح الدارين؛ فكان ذلك من مظاهر الرحمة والخيرية؛ حتى صارت محاربة المؤمنين للمشركين داخلة في معنى الرحمة والإحسان والفضل؛ كما جاء في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال:[عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل]
([73])
وقد نقل الحافظ ابن حجر كلام ابن الجوزي في شرح الحديث؛ فقال : "معناه أنهم أسروا وقيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول"
([74])
وقد جاء عن الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- في تفسير قوله تعالى: [
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] {آل عمران:110} , قَالَ: [خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام]([75]).
فلا تتمُّ مصلحة الانتصار لنبي الرحمة، ولا تتحقق مقاصد الدين إلا بالرحمة الحقيقية المبنية على العلم والهدى، لا على الجهل والهوى.



الضابط الثامن: تصرفات الإمام في - باب النُّصرة - منوطة بالمصلحة .

وهذا الضابط يُبحث في أصلين :

الأصل الأول:
النّصرة التامة لا تتحقق إلا باقتران السماحة بالشجاعة:
لا يصلح أمر الدين والدنيا ، ولا تحفظ ثغور المسلمين ، ولا تصان بيضة الإسلام إلا بأن يجمع إمام المسلمين – في سلوكه وخططه وتراتيبه – بين الشجاعة والسماحة ؛ فهو لا يعان على رعاية السياسة وتنفيذ الأحكام وتطبيق الحدود وحراسة الملة إلاّ إذا كانت سياسته في الملك ومعاملته مع الخلق مبنيةً عليهما معاً ؛ ليحصل من اجتماعهما الوسطية والاعتدال في النُّصرة من غير تهور ولا جبن .

ولا يتردد القلم أن يخط حقيقة تاريخية وشرعية وهي: أن الأمة لم تنتفع بشيء مثلما انتفعت بالسّماحة المكيّة والشجاعة المدنيّة حتى صارت الشهامة السُّلطانيّة خادمةً للسّماحة الإسلامية وقائمة عليها بالرعاية والحفظ، وقد جمع نصٌّ قرآنيٌّ بينهما؛ فقال تعالى: [
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ , وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ , وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ] {الشُّورى:37-39} ؛ فجمعوا بين العفو والمغفرة لأعدائهم، وبين الانتصار عليهم؛ وقدم السّماحة على الشجاعة؛ لأن الآية مكية؛ فتحصل الكمال من اقترانهما؛ قال العلامة السّعدي رحمه الله -معلّقاً على الآيات- : "فوصفهم بالإيمان، والتوكل على الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر، والانقياد التام، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الإحسان، والمشاورة في أمورهم، والقوة والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم، فعل ما هو دونها، وانتفاء ضدها"([76]).
والحاجة إلى الشجاعة والسماحة حاجة عامة لكل الخلق وخاصة لولاة الأمر؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- :" هذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ؛ فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم ، فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى ؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ويندرج في ذلك ولاة الأمور فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك"
([77]).
وانظر – يا رعاك الله – كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد اتصف وتخلّق بالشجاعة والسماحة معاً في موضع الاعتداء عليه ؛ فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-ما- قال: [إنه غزا مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قبل نجد فلما قفل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه فنزل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ونزل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- تحت سمرة فعلق بها سيفه قال جابر: فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال لي: من يمنعك مني قلت: الله. فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-]
([78]).
وفي رواية أن النبي –صلى الله عليه وسلم- [عرض عليه الإسلام: قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله قال فذهب إلى أصحابه قال: قد جئتكم من عند خير الناس]
([79]).
قال الحافظ ابن حجر _ عند ذكر فوائد القصة- :"فمنَّ عليه لشدّة رغبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام ، ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه... وفي الحديث فرط شجاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال"
([80]).
وهاهنا ثلاثة أمور مهمة
:
أولها:
أن النُّصرة الواجبة على ولي الأمر لا تظهر مصلحتها ولا يتحقق وقوعها إلا بالشجاعة والسماحة ؛ فالشجاعة بوحدها تفضي إلى التهور والاندفاع ؛ والسماحة بوحدها تفضي إلى الذُّل والخضوع.
الثاني:
أن الشجاعة تارة تسبق السماحة ، وتارة أخرى قد تتأخر عنها ؛ وهذا كله منوط بالاقتدار والمصلحة.
الأمر الثالث:
أن كل ما كان من باب الحدود والعقوبات الشرعية ، أو المناصرة بالقوة العسكرية ، أو المدافعة بالسيف ونحوها فهو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، ولا يجوز الافتئات عليه في أيّ حال من الأحوال .
فينبغي إذن على من ينهض بواجب النّصرة والنّجدة من أئمة المسلمين أن يتصف بالبذل والإيثار، ويتخلّق بالسّماحة والصبر، ويتميّز بالشجاعة والإقدام، ويأمر بالعدل والإحسان، ويتحرى اتباع الكتاب والسنة ، ويعتني بمقاصد الشريعة، ويحرص على البطانات الناصحة ، ويكثّر من المشاورات النافعة.


الأصل الثاني: تخيير الأئمة في هذا الباب تخيير مصلحة لا تخيير شهوة.

ثمة فرق ظاهر بين قاعدة تخيير الأئمة، وقاعدة تخيير آحاد المكلفين
([81]), فإذا خُيّر الإمام بين أمرين، فعليه أن يختار ما فيه مصلحة للمسلمين؛ فيكون اختياره مبنيًا على الاجتهاد والمصلحة لا على المشيئة والشهوة.
أمّا تخيير آحاد الناس فيختلف بحسب نوع التخيير؛ فقد يكون تخييرًا بين واجبين، أو بين مباحين؛ فيختار أرجحهما تارةً, وأيسرهما تارة أخرى، وقد يكون اختياره اختيار تشهي؛ كما في اختيار الولد لأحد أبويه في الحضانة، وقد جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: [ما خير رسول الله
r بين أمرين إلا واختار أيسرهما ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه] ([82]).
وقد حمل بعض العلماء معنى التخيير في هذا الحديث على ما كان من أمر الدنيا
([83])؛ وحمله علماء آخرون على الأخذ بالأيسر والأرفق في كل أمر فيه تخيير ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا([84]).
والأيسر والأرفق في باب نصرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو في باب التعامل مع الكفار والمشركين أن يختار الإمام ما فيه مصلحة للإسلام؛ فأيسر الأمرين في هذا الباب أكثرهما مصلحة وأقلهما مفسدة.

قال أبو العباس القرافي رحمه الله -عند كلامه على الفرق بين قاعدة الأئمة وقاعدة آحاد الناس في التخيير-: "وأما التخيير بين الخصال الخمس في حقِّ الأسارى عند مالك رحمه الله ومن وافقه، وهي القتل والاسترقاق والمنّ والفداء والجزية، فهذه الخصال الخمس ليس له فعل أحدها بهواء، ولا لأنها أخف عليه، وإنما يجب عليه بذل الجهد فيما هو أصلح للمسلمين"
([85]).
وقد تضافرت أدلة الشريعة على أن الإمام إذا خُيّر بين أمرين عند تعامله مع الكفار؛ فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين؛ كما في حادثة الأسرى؛ فقد اختار النبي –صلى الله عليه وسلم- الفداء وشاور أصحابه: فكان رأي أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- الفداء أيضًا، وكان رأي عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قتل الأسرى؛ فنزل قوله تعالى: [
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] {الأنفال:67} .
وقد روى أهل التفسير عن ابن عباس –رضي الله عنها- في تفسير الآية، قال: (وذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتدّ سلطانهم، أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الأسارى : [
فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً] {محمد:4} ؛فجعل الله النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار، إن شاءوا قتلوهم، وإن شاءوا استعبدوهم، وإن شاءوا فادَوْهم)([86]).
أي: أن النبي –صلى الله عليه وسلم-في قضية الأسرى- اختار أولًا ما كان أسهل وأيسر؛ لأنه –صلى الله عليه وسلم- ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن الأصلح للمسلمين في ذلك الوقت أن لا يكون لهم أسرى حتى يُثخِن في الأرض ثم خُيّر بعد ذلك بين الفداء، أو القتل، أو ما فيه مصلحة للمسلمين، قال تعالى: [
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا] {محمد:4} .
قال الشنقيطي رحمه الله: "وأكثر أهل العلم يقولون أن الآية ليست منسوخة، وأن جميع الآيات المذكورة محكمة؛ فالإمام مخيّر وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين، من منّ وفداء وقتل واسترقاق"
([87]).
والمقصود أن أيَّ تخيير مع الكفار ينبغي أن يكون مبناه على المصلحة، وأنّ هذا التخيير من خاصّية الإمام ومنوط به، وهو في اختياره هذا يكون مجتهدًا؛ إذ الأصل أن تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة
([88]).
وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فإن الإمام إذا خُير في الأسرى بين القتل والاسترقاق والمن والفداء؛ فعليه أن يختار الأصلح للمسلمين فيكون مصيبًا في اجتهاده حاكمًا بحكم الله، ويكون له أجران، وقد لا يصيبه فيثاب على استفراغ وسعه ولا يأثم بعجزه عن معرفة المصلحة"
([89]).
وهناك أمور ينبغي على ولي الأمر أن يغلب فيها جانب العقاب والزجر ؛ إذ لا تظهر المصلحة في بعض أنواع الانتصار إلا بالمعاقبة والردع ؛ كسبِّ النبي -صلى الله عليه وسلم- وشتمه ؛ لأن " ضرر السب في الحقيقة إنما يعود إلى الأمة بفساد دينها وذل عصمتها وإهانة مستمسكها ؛ وإلا فالرسول صلوات الله عليه وسلامه في نفسه لا يتضرر بذلك"
([90]).
وقد ظهر من هذين الأصلين أن الدفاع الممدوح عن نبي الرحمة محمد -صلى الله عليه وسلم- شرعا وعقلا - يكون بالشجاعة والسماحة واستطلاب المصلحة... وفق الله تعالى أئمة المسلمين وحكامهم للاتصاف بهذه الخصال ، وأعانهم على القيام بواجب النُّصرة لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وفتح عليهم من أسباب طاعته ومرضاته.

فإن قيل : إنه قد يتعذر- في وقتنا الحاضر - في بعض البلاد والأمصار وجود أئمة يقومون على أمر الدين – نصرةً وجهاداً – في وقت قد تكالبت فيه قوى الشّر على نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم- بالطعن والاستهزاء ؛ فما الحل للخروج من هذا المأزق؟

فالجواب أن يقال :

إن إحسان الظن بأئمة المسلمين وحكامهم مطلوب على الدوام؛ ففي الأمة خيرٌ كثير وعطاءٌ وفير , لكن يحتاج إلى تفعيل وتثوير؛ كما أخبر الصادق الأمين: [مثلُ أمتي مثلُ المطر، لايُدْرى أوّله خيرٌ أم آخره]
([91]).
وعند تعذر الكمال فيصار إلى الأمثل فالأمثل منهم، ثم إذا تعذر الكمال في آحادهم ، فقد يعوّض بتعاون المجموع واجتماعهم على كلمة سواء.


والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
الخاتمة
وفيها تلخيص لنتائج البحث:
1_ إن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
حقيقة جامعة لكل الوسائل والأسباب والأحوال المتاحة التي بها يتحقق الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه ، وذلك بطاعة أمره، والسعي إلى نصرته وتعزيره، والجهاد عن دينه والذب عنه، وبيان ما أُرسل به من الحق.
2_ إن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم جنس تحته أنواع متفاوتة في الرتب،
ولابد أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه.
3_
لقد اعتبر الشرع الحنيف أي نوع من أنواع انتقاص النبي صلى الله عليه وسلم، أو عدم توقيره نازلة جسيمة يجب إلحاقها بأشدّ المحرمات وأعلى الجنايات لما اشتملت عليه من المفاسد العظيمة والأضرار الكبيرة على الإسلام وأهله.
4_ إن
أحكام الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم تتنوع بتنوع المصالح والأحوال والأوقات، وهي تقبل التفاوت والتبعيض والانقسام، ويشتغل الموفق في كل وقت بما هو واجب ذلك الوقت.
5_ قد جعل الشرع الحنيف تكميل الإيمان، وتحصيل المحاسن والفضائل، والتفاضل بين أهل الإيمان منوطاً بالسبق إلى الهجرة والنُّصرة معاً.

6_ قد تقرر- في البحث - أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم هي من موجب محبته ومقتضاها؛ وأن الانصراف عن نصرته مع القدرة التامة يعدّ شعبة من النفاق.

7_ إن الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم تكليف شرعي وواجب ديني يناط بالاستطاعة الشرعيّة، لذلك يسوغ للعبد أن يكتمه تارة ويظهره تارة أخرى، بحسب حال القوة والضعف، وبحسب استطاعته الشرعية ورجحان المصلحة على المفسدة.

8_ وإنه يجب أن تكون وسائل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم شرعية، ومتفقة مع أحكام الشريعة ومنسجمة معها، وبعيدة كل البعد عن الحرام والشبهة ، وأن تندرج هذه الوسائل تحت معاني كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وما أُثر عن سلف الأمة؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

9_ وقد ظهر أن مصلحة نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تتحصل إلا بالفهم الدقيق لمقاصد الشريعة ، والنظر الثاقب في أولويات الدين، والبصيرة التامة بالحق ، والتضلع الكبير بأحكام النوازل.

10_ وقد تبين لنا أن الشرع
قد أمر المؤمنين - إذا أرادوا الدفاع عن نبيهم صلى الله عليه وسلم- بالعدل لا بالظلم ، وبالحقّ لا بالباطل ، وبالصلاح لا بالفساد ، وبالسنة لا بالبدعة.
11_
ومدار نصرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على قوة الحجة ووجود القدرة؛ فتارة يكون الانتصار له بالحجة والقدرة، وتارة يكون بالحجة فقط، ولا يكون الانتصار له بالقدرة من غير حجة.
12_ وظهر
أنّ كمال النُّصرة في كمال الطاعة، وأنْ ليس للمبطل الجاني صولةٌ وجولةٌ وحراكٌ إلا عند غفلة أهل الحقّ في اتباع حقهم والالتزام به ظاهرا ً وباطناً.
13_
إذا شرع العبد بالدفاع عن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في أي صورة من صور الدفاع فلا بد من إظهار الرحمة ؛ إذ مصلحة الانتصار له لا تقوم إلا بأن تقترن النّصرة بالرحمة ؛ فالنصرة وسيلة والرحمة غاية.
14_ إن النُّصرة الواجبة على ولي الأمر لا تظهر مصلحتها ولا يتحقق وقوعها إلا بالشجاعة والسماحة ؛ فالشجاعة بوحدها تفضي إلى التهور والاندفاع ؛ والسماحة بوحدها تفضي إلى الذُّل والخضوع.

15_ كل ما كان من باب الحدود والعقوبات الشرعية ، أو المناصرة بالقوة العسكرية ، أو المدافعة بالسيف ونحوها فهو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، ولا يجوز الافتئات عليه في أيّ حال من الأحوال .




التوصيات
أولاً:ضرورة الاعتناء بجانب التأصيل الشرعي، والوقوف على مقاصد الشريعة، وتغليب النظر المصلحيعند بحث مسائل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم .
ثانيا:
الاعتناء بجانب نشر العلم الشرعي ، وحث الناس على الالتزام بالشريعة والاحتكام إليها في عباداتهم ومعاملاتهم ؛ وبيان أن هذا من أهم أسباب نصرة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثا:
الاعتناء بفقه السيرة ودراستها دراسة منهجية على ضوء منهج أهل الحديث والفقه، واستظهار معالم النصرة الشرعية المنضبطة من نصوصها وأحداثها.
رابعا:
الاعتناء بالفقه الجامع للوازم العلم ومدارك الأحكام: كواجب الوقت ، وفقه الواقع ، وفقه الأولويات ، وفقه النوازل ، وفقه المآلات ، وفقه الدعوة ، وفقه السنن الكونية ، فقه السياسة الشرعية...
خامساً
: السعي بكل ممكن لربط الأمة بولاة أمورها من الأمراء والعلماء الربانيين على أساسٍ شرعيٍّ؛ وتحجيم المتصدرين للفتوى والتدريس من الكلام في القضايا المهمة للأمة من غير علم ولا برهان.








المصادر
- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، تأليف: أبي السعود محمد بن محمد العمادي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
-
الاستقامة، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة - 1403، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم
-
الأشباه والنظائر، تأليف: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1403، الطبعة: الأولى
-
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تأليف: محمد الأمين بن محمد بن المختار الجكني الشنقيطي. ، دار النشر: دار الفكر للطباعة والنشر. - بيروت. - 1415هـ - 1995م. ، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات.
-
اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات , تأليف: عبدالرحمن بن معمر السنوسي , الناشر: دار ابن الجوزي – الدمام - الطبعة: الأولى - سنة الطبع: 1424هـ
-
إعلام الموقعين عن رب العالمين، تأليف: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، دار النشر: دار الجيل - بيروت - 1973، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد
-
بدائع الفوائد، تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار النشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة - 1416 - 1996، الطبعة: الأولى، تحقيق: هشام عبد العزيز عطا - عادل عبد الحميد العدوي - أشرف أحمد .
-
التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور,تأليف: محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى : 1393هـ) , الناشر : مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان , الطبعة : الأولى، 1420هـ/2000م
-
تفسير القرآن، تأليف: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، دار النشر: المكتبة العصرية - صيدا، تحقيق: أسعد محمد الطيب
-
تفسير القرآن العظيم، تأليف: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء، دار النشر: دار الفكر - بيروت - 1401
-
تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تأليف: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، دار النشر: مؤسسة الرسالة - بيروت - 1421هـ- 2000م
-
جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تأليف: محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري أبو جعفر، دار النشر: دار الفكر - بيروت - 1405
-
جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار النشر: دار العروبة - الكويت - 1407 - 1987، الطبعة: الثانية، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط
-
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة , تأليف: أحمد بن الحسين البيهقي أبوبكر , الناشر: دار الكتب العلمية ، دار الريان للتراث - الطبعة الأولى - 1408 هـ - 1988
-
زاد المعاد في هدي خير العباد، تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار النشر: مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية - بيروت - الكويت - 1407 - 1986، الطبعة: الرابعة عشر، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط
-
سلسلة الأحاديث الصحيحة , إعداد : محمد ناصر الدين الألباني , الناشر : مكتبة المعارف الرياض 1416
-
الجامع الصحيح سنن الترمذي، تأليف: محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - -، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون
-
السنن الكبرى , تأليف: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي , الناشر : مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد, الطبعة : الأولى ـ 1344 هـ
-
صحيح مسلم بشرح النووي، تأليف: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1392، الطبعة: الطبعة الثانية
-
الصارم المسلول على شاتم الرسول، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: دار ابن حزم - بيروت - 1417، الطبعة: الأولى، تحقيق: محمد عبد الله عمر الحلواني , محمد كبير أحمد شودري
-
الجامع الصحيح المختصر، تأليف: محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار النشر: دار ابن كثير , اليمامة - بيروت - 1407 - 1987، الطبعة: الثالثة، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا
-
صحيح مسلم، تأليف: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، دار النشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي
-
صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تأليف: محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، دار النشر: مؤسسة الرسالة - بيروت - 1414 - 1993، الطبعة: الثانية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط
-
فتح الباري شرح صحيح البخاري، تأليف: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، دار النشر: دار المعرفة - بيروت، تحقيق: محب الدين الخطيب
-
الفروسية، تأليف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، دار النشر: دار الأندلس - السعودية - حائل - 1414 - 1993، الطبعة: الأولى، تحقيق: مشهور بن حسن بن محمود بن سلمان
-
الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق (مع الهوامش )، تأليف: أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1418هـ - 1998م، الطبعة: الأولى، تحقيق: خليل المنصور
-
فيض القدير شرح الجامع الصغير، تأليف: عبد الرؤوف المناوي، دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر - 1356هـ، الطبعة: الأولى
-
قاعدة في المحبة، تأليف: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مكتبة التراث الإسلامي - القاهرة، تحقيق: د. محمد رشاد سالم
-
قواعد الأحكام في مصالح الأنام ج1-2، تأليف: أبي محمد عز الدين السلمي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت
-
مجموع الفتاوى , تأليف: أحمد عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مكتبة ابن تيمية، الطبعة: الثانية، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي
-
مسند الإمام أحمد بن حنبل، تأليف: أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، دار النشر: مؤسسة قرطبة - مصر
-
مشكاة المصابيح ، تأليف: محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي ، دار النشر: المكتب الإسلامي - بيروت - 1985، الطبعة: الثالثة ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني
-
شرح مشكل الآثار، تأليف: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، دار النشر: مؤسسة الرسالة - لبنان/ بيروت - 1408هـ - 1987م، الطبعة: الأولى، تحقيق: شعيب الأرنؤوط
-
معارج التفكر ودقائق التدبّر، تأليف : لعبدالرحمن حبنكة الميداني , الناشر : دار القلم –دمشق.
-
معالم التنزيل، أليف: البغوي، دار النشر: دار المعرفة - بيروت، تحقيق: خالد عبد الرحمن العك
-
المعجم الكبير، تأليف: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، دار النشر: مكتبة الزهراء - الموصل - 1404 - 1983، الطبعة: الثانية، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي
-
معرفة الصحابة , تألبف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني ,تحقيق : عادل بن يوسف العزازي , الناشر : دار الوطن للنشر – الرياض , الطبعة : الأولى 1419 هـ - 1998 م
-
مفاتيح الغيب , تأليف: الإمام فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي الشافعي, الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1421هـ - 2000 م
-
المفردات في غريب القرآن، تأليف: أبو القاسم الحسين بن محمد ، دار النشر: دار المعرفة - لبنان، تحقيق: محمد سيد كيلاني
-
منهاج السنة النبوية، تأليف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس، دار النشر: مؤسسة قرطبة - 1406، الطبعة: الأولى، تحقيق: د. محمد رشاد سالم
-
نصب الراية لأحاديث الهداية، تأليف: عبدالله بن يوسف أبو محمد الحنفي الزيلعي، دار النشر: دار الحديث - مصر - 1357، تحقيق: محمد يوسف البنوري
-
النهاية في غريب الحديث والأثر، تأليف: أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، دار النشر: المكتبة العلمية - بيروت - 1399هـ - 1979م، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي








ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(
[1]) تفسير ابن كثير (2\67) .

(
[2]) الصارم المسلول (2\397)

(
[3]) الصارم المسلول (3\906) .

(
[4]) تيسير الكريم الرحمن (ص\228).

(
[5]) جامع البيان في تأويل القرآن (7/ 264- 265) .

(
[6]) أَخرجه البخاري برقم (2981 ) ومسلم برقم (1062) .

(
[7]) شرح النووي على صحيح مسلم ( 7/158) .

(
[8]) رواه البخاري برقم ( 3330) ، ومسلم برقم ( 2584) .

(
[9]) انظر : مفردات غريب القرآن، للراغب الأصفهاني ص (108).

(
[10]) تفسير ابن كثير (8/28).

(
[11]) أضواء البيان (8/ 98).

(
[12]) البخاري برقم (2443) , ومسلم برقم (2584) .

(
[13]) البخاري برقم (2442) , ومسلم (2580).

(
[14]) الصارم المسلول (2/ 395-396).

(
[15]) رواه البخاري برقم (2631 ) ومسلم برقم (1864).

(
[16]) النهاية في غريب الحديث (5/ 202).

(
[17]) رواه الطبراني في " المعجم الكبير" برقم (3011) ، وأبو نعيم في " معرفة الصحابة" برقم (1739) ، والطحاوي في مشكل الآثار برقم(1722 ) .

(
[18]) مشكل الآثار (5/ 49).

(
[19]) جلاء الأفهام (ص234- 235).

(
[20]) البخاري برقم (2970).

(
[21]) انظر: الصارم المسلول، لابن تيمية (2/315).

(
[22]) البخاري برقم (3670).

(
[23]) البخاري برقم (3643).

(
[24]) رواه البخاري برقم (3572) ومسلم برقم (75) .

(
[25]) الصارم المسلول(3/1093).

(
[26]) مسلم برقم (1910) .

(
[27]) قاعدة في المحبة (ص\93- 95 بتصرف يسير) .

(
[28]) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (3/49).

(
[29])رواه الطبري في تفسيره برقم (9953).

(
[30]) البخاري (1/94)، مسلم (3/1418).

(
[31]) شرح صحيح مسلم، للنووي (6/251).

(
[32]) انظر: فتح الباري، لابن حجر (1/377).

(
[33]) منهاج السّنة النبوية، لابن تيمية (6/425).

(
[34]) رواه الطبري في تفسيره (23/427).

(
[35]) البخاري برقم (6776)، ومسلم برقم (1867).

(
[36]) الصارم المسلول(2/ 413).

(
[37]) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (5/492).

(
[38]) مفاتيح الغيب، للرازي (13/396).

(
[39]) تيسير الكريم الرحمن، للسِّعدي (1/892).

(
[40]) معارج التفكر ودقائق التدبّر، لعبدالرحمن حبنكة الميداني (1/174).

(
[41]) البخاري برقم (3059)، ومسلم برقم (1795).

(
[42]) قواعد الأحكام في إصلاح الأنام (1/ 166).

(
[43]) إغاثة اللهفان (2/72) .

(
[44]) منهاج السنة (6/ 386) .

(
[45]) مجموع الفتاوى (27/ 230) .

(
[46]) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (3/314).

(
[47]) الصارم المسلول، لابن تيمية (3/925).

(
[48]) الترمذي برقم (1450)، و الترمذي برقم (2492)، وصححه الألباني في تحقيقه على مشكاة المصابيح برقم (3601).

(
[49]) رواه البيهقي في السنن الكبرى (9/105)، وانظر: نصب الراية، للزيلعي (3/343)، وحاشية كتاب اعتبار المآلات للسنوسي، فقد ساق شواهده، أنظرها هناك (ص153).

(
[50]) انظر كتاب اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات، لعبد الرحمن السّنوسي، (ص152 ـ 153).

(
[51]) إعلام الموقعين (3/138) .

(
[52]) تفسير الطبري (21/550) .

(
[53]) الاستقامة (1/40) .

(
[54]) مجموع الفتاوى (6/ 26) .

(
[55]) مفاتيح الغيب (13/345) .

(
[56]) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (5/103)

(
[57]) تفسير الطبري (21/130).

(
[58]) الفروسية، لابن القيم (ص186).

(
[59]) معالم التنزيل، للبغوي (3/73).

(
[60]) الفروسية، لابن القيم (ص186).

(
[61]) تيسير الكريم الرحمن (ص\464).

(
[62]) زاد المعاد (3/ 225_ 226).

(
[63]) إعلام الموقعين (2/ 178_ 179).

(
[64]) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور (9/220).

(
[65]) جلاء الأفهام، لابن القيم الجوزية ص (181-182).

(
[66]) البخاري برقم (3532) , ومسلم برقم (2354) .

(
[67]) فيض القدير (3/ 45) .

(
[68]) رواه البخاري برقم (3290).

(
[69]) البخاري برقم (3477) , ومسلم (1792) .

(
[70]) بدائع الفوائد، لابن القيم (2/ 468).

(
[71]) البخاري برقم (3231) , ومسلم (1795) .

(
[72])فتح الباري، لابن حجر (6/ 316).

(
[73]) صحيح البخاري برقم (2848).

(
[74]) فتح الباري، لابن حجر (6/145).

(
[75]) رواه البخاري برقم (4281).

(
[76]) تيسير الكريم الرحمن (759).

(
[77]) مجموع الفتاوى (28 / 180) .

(
[78]) البخاري برقم (3822).

(
[79]) عند أحمد في المسند برقم (14401)، والبيهقي في دلائل النبوة برقم (1272).

(
[80]) فتح الباري (7/ 426 - 427).

(
[81]) انظر: الفروق، للقرافي (3/33 ـ37).

(
[82]) البخاري برقم (3367)، مسلم برقم (2327).

(
[83]) انظر: فتح الباري، لابن حجر (6/575).

(
[84]) انظر: شرح النووي على مسلم (15/83).

(
[85]) الفروق، للقرافي (3/33).

(
[86]) رواه الطبري في تفسيره برقم (16286)، وابن أبي حاتم في تفسيره برقم (9155).

(
[87]) أضواء البيان، للشنقيطي (7/248 ـ249).

(
[88]) انظر: قاعدة (تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة) في الأشباه والنظائر، للسيوطي (ص121).

(
[89]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (34/116).

(
[90]) الصارم المسلول (3/842).

(
[91]) الترمذي في السنن برقم (2869) , وابن حبان في صحيحه برقم (7226) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ، برقم (2286).
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-10-12, 07:20 AM
أبو الأزهر السلفي أبو الأزهر السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 198
افتراضي رد: الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيخ فتحي الموصلي

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-10-12, 10:10 AM
أبوعبدالملك النصري أبوعبدالملك النصري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 09-10-10
المشاركات: 354
افتراضي رد: الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيخ فتحي الموصلي

جزاكم الله خيرا.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-10-12, 01:04 PM
أبو الأزهر السلفي أبو الأزهر السلفي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-10-09
المشاركات: 198
افتراضي رد: الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيخ فتحي الموصلي

وجزاكم الله خيرا وبارك فيكم !
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-01-15, 08:28 AM
معاذ القيسي معاذ القيسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-11-05
المشاركات: 479
افتراضي رد: الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- للشيخ فتحي الموصلي

جميل ومحله أن ينشر هذه الأيام
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:14 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.