ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتديات الخاصة > استراحة الملتقى
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 24-08-19, 01:44 PM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 107
افتراضي ستّيني: زمِنٌ قصِي!

ستّيني: زمِنٌ قصِي!
جليس لأهل العلم، حاضر دروسهم من مدة، أعرفه وأنا دون العاشرة في بعض حلقات المساجد!

كنت أحب الجلوس بالقرب منه؛ لأنه ذو دعابة، وابتسامته لا تفارقه، زد عليه؛ أنه كان يأتي بمِسك على شكل الصابون؛ فيحذي من بجواره، وأنا منهم!
وكان يطيبني، وهو مبتسم في وجهي، قائلاً: ابن عجوز! فأبتهج له، وآنس بجواره؛ لأن غالب من حولنا متجهم الوجه، متهجم اليد!

أصيب هذا الفاضل؛ بمرض الفشل الكلوي -عافاكم الله-؛ فعانى منه الأمرّين، ولكنه صابر محتسب، حتى كان يغسل مرتين في الأسبوع تقريباً أو ثلاث، ولكنه كان لا يغسل إلا بصعوبة بالغة؛ لعدم توفر إمكانات الغسل في بلده، وازدحام الناس، وضيق المكان، وانطفاء الكهرباء -حتى مات كثيراً من المرضى هناك-!

يسّر الله له السفر إلى دولة مجاورة؛ فاستراح جسدياً، ولكنه تعب روحياً!
ارتاح في الغسيل، وتوفر الإمكانات، ولكن تعب لبه، ولهب قلبه؛ لفراق زوجته، ونأي أولاده! فكيف له بالأُنس، والناس في وجهه عبس -وإن ابتسموا-!

زرته قبل ثلاث أيام؛ بعد غياب سنوات سِلام، فما إن رآني، حتى هش وبش، ولكنه هشوش متعب، وبشوش ملغب!
رأيت وجهاً شاحباً، وجسداً هازلاً ساحباً، ورجلين متعرجتين، ويدين مرتعشتين، ولكن أخلاقه هي هي، لم تتغير، وهكذا كرام الأصول: لم تبطرهم النعمة، ولم تهبطهم النقمة.. فكان كما عهدته؛ لم تفارقه البسمة، ولم تغتدره الطيبة؛ وإن كان الهم دثاره، والغم شعاره!

كنت أحسب أن أهله معه؟ فقال لي: لا، أنا لوحدي هنا منذ أربع سنوات بأحلاسها وأقتابها، لم أرَ زوجي، ولم ألتق أولادي!

آه، يا نفس، كم أنا مبتلى بسماع هذه الأنّات، ثم أغادرها بآهات!
ماذا أفعل يا أبا منصور؟ سوى وجع القلب، وتحريك الرأس، وزمّ الشفتين، وشغل البال -والله- حقيقة لا مجازا! فهل يكفيك هذا؟! وقد أتيت ببعض خصال المروءة!
وهي:(التوسية والتسلية والتوجع) لكنها كلها معنويات، لا ترفع المعنويات!

نظر إلي، وهو يقلّب كفيه، قائلاً: ماذا أصنع؟ ليس بيدي شيئ أفعله سوى: الصبر والدعاء! -والحمد لله-.

أربع سنوات؛ يعيشها وحيداً فريداً، يرافقه الأسى، ويتابعه القسا، عشعش على شيبته الهموم، واستبدت بقلبه الغموم!
ليس له قائد، حاشا عصاه، التي قد اسودت أو اعوجت أو يبست، من طول ما لبست!

يعيش في غرفة تتبع مسجداً في حي هناك ...، وكُلّف مقابلها؛ بفتح المسجد، وتشغيل المكيفات، والأذان!

وقد أعطاه الله صوتاً رخيماً، ولحنة عذبة، يصدح بـ الله أكبر، فيجلجل القلوب، ويطرد الكرى، ويطرب الآذان.
إي وربي، صوته جميل، ورنته محببة، دون كلفة أو لهفة!

سألته: هل يزورك فلان وفلان والإخوان -شباب بمنزلة أولاده-؟!
قال -بحنقة وخنقة-: لا، لم يزرني إلا بعضهم منذ مدة مديدة! وفهمت ما وراء الأكمة!

حولقت واسترجعت، وزادني هذا ثباتاً على رأيي: أن الناس اليوم معارف لا أصدقاء؛ لأن للصداقة حقوقاً وواجبات، أما المعرفة؛ فلا يتعلق بها حكم، سوى الحكم العام للمسلمين!

رب كن لعبدك الذي تعلم حاله، وترى مكانه، ولا يعرف من أعني بمقالي هذا؛ سواك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين.

رب كن لنا ومعنا.. رحمتك نرجوا، وحدك لا شريك لك؛ فلا تكلنا إلى أحد من خلقك طرفة عين، ولا أقلّ من ذلك.

رب اكفنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك.

الأسف: وليد أبو نعيم.
١٤٤٠/١٢/٢٣
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:48 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.