ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتديات الخاصة > استراحة الملتقى
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 16-01-19, 03:00 PM
نعمان جغيم نعمان جغيم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-12-11
المشاركات: 51
افتراضي فهم التشيع جزء 1

مقدمة
د. نعمان جغيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة والسلام على رسوله الأمين الذي بلّغ الرسالة وأدى الأمانة.

ذكر ابن بطوطة في رحلته قصة من الهند عن امرأة يقال لها السلطانة رضية ولاّها أهل البلد الملك، وبعد مدة اتُهِمت بارتكاب الفاحشة مع عَبْدٍ لها، فخلعوها عن الملك وزوجوها من أحد أقاربها، ونصبوا أخاها ناصر الدين سلطانا عليهم. وقد غضبت السلطانة رضيّة من ذلك فقامت مع زوجها بجمع أهل الفساد في البلد وأعلنت الحرب على أخيها السلطان، ولكن عاقبتها كانت الهزيمة، وبعد انهزام جندها فرَّت بنفسها في لباس الرجال. ولما أدركها الجوع وأجهدها الإعياء قصدت رجلا يحرث الأرض وطلبت منه ما تأكله، فأعطاها خبزا. وبعد الأكل غلبها النوم فنامت في حقل ذلك الفلاح، ولما نظر إليها الحراث وهي نائمة رأى تحت ثيابها الرجالية ثياب نساء ثمينة، فقتلها ودفنها في أرضه ثم طرد فرسها. ولما أخذ الفلاح تلك الثياب إلى السوق لبيعها شكّ فيه أهل السوق وأخذوه إلى الحاكم، فأقرّ بقتلها ودلهم على مدفنها، فاستخرجوها وغسلوها وكفنوها ودفنوها. وبعد سنوات طويلة بُنيت قُبّة على قبرها، ومع مرور الزمن صارت تلك القُبّة تُزار ويتبرك بها الناس.([1]) وبذلك تحوّل قبر المرأة الفاجرة التي جمعت حولها أهل الفساد لقتال أخيها إلى قَبْر وليٍّ من الأولياء يزوره الناس ويتبركون به ويسألونه الشفاعة لهم وقضاء حوائجهم!

ويحدثنا التاريخ كيف أن عمرو بن لحي الخزاعي -الذي كان من سادة مكة- سافر إلى الشام فوجد أهلها يعبدون الأصنام، فلما سألهم عنها قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فطلب منهم أن يعطوه صنما منها يأخذه معه إلى مكة. وكان العرب في مكة وما حولها يتبعون بقايا دين إبراهيم عليه السلام. ولا شك أن كثيرا من الناس قد أنكروا عليه عبادة تلك الأصنام لما أحضرها، ولكن بمرور الوقت صار المنظر مألوفا، ومع تعاقب الأجيال ترسخت عبادة تلك الأصنام، وصاروا يعتقدون أنها آلهة مع الله تعالى تُقرِّبهم إلى الله تعالى وتشفع لهم عنده. وبعد أن ترسّخ اعتقاد شفاعتها لهم أصبحت العبادة متوجهة إليها بدلا من الله تعالى.

ويروي لنا القرآن الكريم كيف أن قوم نوح عليه السلام كانوا يصرون على عبادة ودّ وسوّاع ويغوث ويعوق ونسرا، وكانوا يتواصون بالتمسك بتلك العبادة وعدم اتباع نوح عليه السلام: (نوح: 23). ويذكر لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء الخمسة كانوا رجالا صالحين، فلما ماتوا نصب لهم قومهم تماثيل لتخليد ذكراهم احتراما وتقديرا لهم، وبعد مرور أجيال تحول ذلك التقدير والاحترام إلى عبادة، وأصبحوا آلهة تعبد من دون الله، وأصبحت الأجيال الجديدة لا تعلم أن تلك التماثيل إنما نصبت لتخليد ذكرى أولئك الرجال الصالحين، بل صاروا يعتقدون أنها آلهة، فيتمسكون بعبادتها ويرفضون اتباع رسول الله الذي يدعوهم إلى عبادة الله رب العالمين وحده لا شريك له.

هذه أمثلة توضح لنا كيف يبدأ تشكُّل بعض المعتقدات عند الناس، وكيف تتطور تلك المعتقدات وتترسخ في نفوس الناس، وبعد أن تستقر تتلقاها الأجيال التالية بالتوارث والتسليم، وقليل من الناس من يُعْمِل عقلَه ويغوص في أصول تلك المعتقدات ليعرف حقيقتها ويعرف كيف تكوّنت وتطورت. وهذا حال التيار الشيعي الذي انبثقت معتقداته من ظروف سياسية واجتماعية، ثم بعد مدة من التّجربة العمليّة والتّطوُّر التاريخي أفرز مَنْظُومَة فكريّة مبنيَّة على تراكمات مسيرته العملية، وأصبحت تلك المنظومة الفكرية هي الإطارُ الفكريّ الموجِّه لحركته والـمُفَسِّرُ لتجربته العمليّة. فالتيار الشيعيّ -بفِرَقِهِ الـمُخْتَلِفَة الـمُتَنَاحِرَة- لم ينطلق من فلسفة نظريّة متكاملة، ولم يكن له في البداية إطار فكريّ واضح ومتكامل، بل انطلق حركة سياسية تقوم على تفضيل عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- على غيره من الصحابة والقول بأولويته لتولي الخلافة. ولَمّا كانت فِكْرة النِّظام الوراثي هي السائدة في أنظمة الحكم آنذاك، وكانت الأسرة العلويّة هي أقْرَبُ الأُسَرِ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت أكثر المؤهلين للحصول على المشروعيّة الدينيّة، زيادة على ما كان يتمتع به علي بن أبي طالب رضي الله عنه من صفات حميدة. وقد اتفق شيعة عليّ بن أبي طالب من أهل العِراق على القَوْلِ بفكرة الحُكْمِ الوراثي في ذريته، كما اتّفقوا على القول بإمامة ابنيه الحسن والحسين من بعده، ولكنهم بعد مقتل الحسين اختلفوا فيمن يكون أولى بالإمامة. ونظراً لعدم وجود إطار نظريّ مُسْبَق يوجّهُ مَسِيرَتَهُ ويوفّر المرجعيّة لأتباعه، فقد واجه هذا التيار تصدّعات وانقسامات متواصلة على مدى أكثر من قرنين من الزمن، وقامت كل فرقة بتطوير مبادئها السياسية والعقدية الخاصة بها.

هذه الدراسة تقدم تفسيرا لنشأة التيار الشيعي وتطوره من معارضة سياسية إلى فرقة دينية ذات منظومة فكرية شاملة، وتبيّن أسباب ظهور المعتقدات الأساسية للشيعة الإثني عشرية باعتبارهم أهم الفرق الشيعية الموجودة وأكبرها، وهي دراسة لا تُعنى بسرد تفاصيل الأحداث التاريخية، كما لا تُعنى بعرض تفاصيل عقائد الفِرق الشيعية، فذلك موجود في كتب الفرق.

وقد اعتمدت فيها أساسا على أحد المصادر الأساسية للشيعة الإثني عشرية، هو كتاب أصول الكافي للكليني (ت329هـ)،([2]) وقد تم اختيار هذا الكتاب لاعتبارين: أحدهما: مكانة هذا الكتاب في المذهب الشيعي الإثني عشري، حيث إنه يعد المصدر الأوّل للحديث عندهم،([3]) واتفق الشيعة الإثني عشرية على تفضيله والأخذ به والثّقة بأخباره.([4])
وثانيهما: أنه كتاب أُلف بعد انقطاع سلسلة الإمامة بفترة قصيرة، وهي الفترة التي كانت فيها النظرية الشيعية الإثني عشرية في طور الاكتمال، وقد جمع عددا ضخما من الآثار التي ترصد نشأة الفكر الشيعي وتطوره، وبالتالي فهو من أفضل المصادر الأصلية التي يمكن الاعتماد عليها في دراسة تطور الفكر العقدي والسياسي الشيعي.

أما فيما يخص الأحداث التاريخية فقد اعتمدت على كتابين لمؤلفين من أنصار العلويين، ولهما ميول شيعية ظاهرة، ولا يمكن اتهامهما بتزوير الحقائق التاريخية ضد الشيعة، هما: تاريخ اليعقوبي لأحمد بن إسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح اليعقوبي (توفي في حدود سنة 296هـ أو بعدها)، ومروج الذهب ومعادن الجوهر لأبي الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي (ت 346هـ).

أما ما يتعلق بالمعلومات الخاصة بالفِرَق الشيعية فقد اعتمدت أساسا على كتاب فرق الشيعة لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي، وهو من كبار رجال الشيعة الإثني عشرية في زمنه،([5]) والكتاب من أقدم المصادر الشيعية.
وفيما يتعلق ببعض المصادر الشيعية التي لم تتوفر لديّ نقلت عن الدكتور عبد الحميد خروب في رسالته: رواية الحديث عند الشيعة الإمامية: دراسة وتحقيق، وهي رسالة ماجستير غير مطبوعة.

هذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى العفو والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، وأن ينفع بهذا العمل، ويجعله إسهاما في إصلاح حال المسلمين.

([1]) ابن بطوطة، محمد بن عبد الله. (1407هـ/ 1987م). رحلة ابن بطوطة. تحقيق: محمد عبد المنعم العريان. بيروت: دار إحياء العلوم. ﺻ435.
([2]) كتاب الكافي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: الأصول من الكافي وهو أربعة أجزاء، وهو الذي رجعت إليه في هذه الدراسة، والقسم الثاني: الفروع من الكافي. والنسخة التي اعتمدتها مطبوعة في إيران وعليها شرح باللغة الفارسية. والكليني هو محمد بن يعقوب بن إسحاق، أبو جعفر الكليني، مات ببغداد في شعبان سنة 329هـ.
([3]) المصادر الأساسية للحديث عند الشيعة هي: 1 - الكافي للكليني، 2 - مَنْ لا يَحْضُرُهُ الفَقِيه للصدوق، 3 - تهذيب الأحكام لأبي جعفر الطوسي، 4 - الاستبصار لأبي جعفر الطوسي.
([4]) انظر: السيد حسن الصدر. نهاية الدراية. ﺻ220؛ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام. ﺻ288؛ نقلاً عن عبد الحميد خروب: رواية الحديث عند الشيعة الإمامية، ﺻ321-322.
([5]) أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي لا يعرف بالضبط تاريخ ميلاده ولا تاريخ وفاته، ولكنه عاش في النصف الثاني من القرن الثالث ومطلع القرن الرابع، ومما يدل على ذلك أنهم ذكروا في ترجمته أنه كان يجتمع إليه جماعة من نَقَلَة كتب الفلسفة مثل أبي عثمان الدمشقي وثابت بن قرة المتوفى سنة 288هـ.

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:54 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.