ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 05-04-03, 09:37 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

شكر الله سعيك ، وأنار دربك ، وغفر ذنبك . نحن بانتظارك مهما تأخرت .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-04-03, 03:27 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

التجديد في أصول الفقه

للشيخ الفاضل/ أحمد بن حميد ـ حفظه الله ـ في مقدمة شرح الورقات .

بقي معنا الإشارة -أيها الإخوة- إلى ما يسمى بالتجديد في أصول الفقه، نسمع أحيانا مثلا دعاوى بالتجديد أو بطرح التجديد في أصول الفقه، إما في المجلات أو في جرائد أو أحيانا يعني في بعض وسائل الإعلام المسموعة أو المرئية وغيرها مثلا، أو مثلا في بعض رسائل صغيرة تؤلف فكأنهم يعني يلحون بالتجديد في أصول الفقه، فما الحكم في ذلك؟، اللي هو موضوع التجديد في أصول الفقه.
قبل هذا نقول: لماذا يعني يقصد أصول الفقه بالذات بمطالبة التجديد؟ لماذا يعني علم الفقه قليلا، نسمع أنهم يقولون: جردوا علم الفقه أو علم مثلا العقيدة أو علم التفسير أو علم المصطلح أو علم لكن أصول الفقه بالذات يعني كثير لماذا أولا لأن يعني يظهر علم أن الذين يعني يقولون بالتجديد في أصول الفقه على ما يقصدونه هم وما يجدونه؛ لأن تجديد أصول الفقه هو مفتاح لتغيير الأحكام إذا يعني خفض من درجة الدليل أو قوي دليل آخر أو ألغي دليل فمعناها أن الأحكام التابعة لهذا الدليل قد تتغير، هذا اللي يظهر -والله أعلم- أن المطالبة بالتجديد إنها يعني سببها عند من يقولون بذلك ويقصدونه، يبدو أنه هذا وهذا باطل لكن نحن نقول أن التجديد أمر مجمل كلمة التجديد أمر مجمل، فلا بد أن يسأل الإنسان عن الأمور المجملة، نقول: ماذا تقصد؟ ما الذي تقصده بالتجديد؟
إن كان -والله- مراده بالتجديد يعني إحياء مثلا ما اندرس مثلا من سنة النبي r هذا أمر طيب، هذا التجديد مطلوب إذا كان إحياء ما اندرس مثلا منها أو مثلا من الأحكام الشرعية اندرست الثابتة، اندرست والمطلوب مثلا إحياؤها، هذا أمر طيب؛ ولهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله -نسميه المجدد وإن كان المقصود مثلا بالتجديد تغيير طريقة التعليم مثل كونه نظما، نجعله متنا أو متنا، نجعله نظما أو تغييرا مثلا نقدم هذا على هذا أو نجعله على هيئة قواعد أو نمزج القواعد مثلا بالفروع الفقهية مما يحقق استفادة للطلاب مع المحافظة على المضمون لا بد من هذا، نقول: هذا أمر أيضا واسع ولا حرج فيها، لكن إذا كان التجديد المقصود به مثلا إلغاء بعض الأدلة أو مثلا تقوية دليل على حساب دليل آخر مثلا أو إلغاء شروط لدليل مثلا، اشترط علماء الأصول فيلغي مثلا بعضها بدون مستند فلا شك أن هذا لا يجوز، لا يجوز بأي حال من الأحوال ولا يوافق عليها مثال ذلك.
مثلا نحن نعلم مثلا أن العرف يرجع إليه في بعض الأحيان ومن قواعد العلماء، العادة محكمة فلو جاء إنسان مثلا وأراد أن يرفع من درجة العرف ويقوي من حجية العرف ويجعله أقوى من النصوص ويقول مثلا قد يكون في بعض البلدان مثلا تعارفوا مثلا على شرب الخمر مثلا وكونها مثلا موجودة فيقول هذا عرف وينبغي والعرف محكم ويعمل بهذا فهل يعني يوافق علي هذا، نقول لا ما يجوز هذا الأمر ولو قال مثلا أن المرأة مثلا في بعض البلدان تتبرج وتسفر عن وجهها وهذا أمر مألوف وجرى العمل به عندهم والعرف يعني يعمل به والعادة محكمة فنقول لا هذا عرف يصادم نصا وبالتالي لا اعتبار له ولا قيمة له وكونه مثلا يقوي جانب العرف مثلا على حساب دليل آخر لا يجوز بأي حال إن كان مقصوده بالتجديد فنقول لا هذا لا يجوز ولا يوافق عليه.

هذا آخر ماذكره الشيخ ـ حفظه الله ـ فيما يتعلق بهذه المسألة .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 08-04-03, 01:02 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

من باب جمع المادة ، ومن باب قول الشاعر :
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه .**. ومن لا يعرف الشر جدير أن يقع فيه
= ذكرت هنا كلام الترابي حول تجديد أصول الفقه المزعوم !!

تجديد أصول الفقه الإسلامي
المصدر: الدكتور حسن الترابي ـ نحو وعي إسلامي معاصر

تقديم
ان العالم الاسلامي لفي حاجة الى نهضة شاملة فيكل المجالات تثور على الاوضاع التقليدية وتخلص العقلية الاسلامية والواقع الاسلامي من الجمود وتؤسس النظام الاسلامي وتقيمه على هدى الشريعد الاسلامية وتسخر من أجل ذلك كل علوم العصر وتقنياته. ولا يمكن ان تقوم هذه النهضة الاسلامية على غير منهج أو بانفعال عام بالاسلام او بالاشتغال بالجزئيات دون النظر الى مقاصد الدين الكلية. فلا بد ان تقوم هذه النهضة على منهج أصولي مقدر. علما بأن منهج أصول الفقه الذي ورثناه بطبيعة نشأته بعيدا عن واقع الحياة العامة وبتأثره بالمنطق الصوري وبالنزعة الاسلامية المحافظة والميالة نحو الضبط والتي جعلته ضيقا - لا يفي بحاجتنا اليوم ولا يستوعب حركة الحياة المعاصرة.

هذه الرسالة دعوة ومساهمة من الدكتور حسن الترابي لتجديد أصول الفقه الاسلامي حتي تتسع لتلبي حاجتنا ولنبنب عليها نهضتنا. نتمنى ان يستجيب لها المفكرون الاسلاميون وان يفيد منها القارئ الكريم والله ولي التوفيق.

أصول الفقه وحركة الاسلام في الواقع الحديث

لابد ان نقف وقفة مع علم الاصول تصله بواقع الحياة لان قضايا الاصول في أدبنا الفقهي اصبحت تؤخذ تجريدا، حتى غدت مقولات نظرية عميقة لا تكاد تلد فقها البتة بل تولد جدلا لا يتناهى، والشأن في الفقه ان ينشأ في مجابهة التحديات العملية. ولا بد لأصول الفقه كذلك ان تنشأ مع هذا الفقه الحي.

حاجتنا لفقه جديد

واذا أردنا ان نقدر ضرورة تطوير منهج اصولي في التفكير بحاجات الحركة الاسلامية الحديثة نلقها اليوم ضرورة شديدة الالحاح. ذلك ان حركة الاسلام منذ ان تجاوزت العمومات النظرية التي طرحتها لاول عهد الدعوة لنذكر الناس بأصول الدين وكلياته التي كانت عهدئذ منكرة او مجهولة ومنذ ان تقدمت الى قضايا اكثر مساسا بالواقع وأقرب الى تناول الفروع في الاحكام، أصبحت مدعوة الى ان تعالج مسائل الفقه المفصل وأصبح مسيرها لا يتقدم الا بالتفقه الادق بمقتضى دين الله - سبحانه وتعالى - في مجتمعنا المعاصر، فالناس قد سلموا او اقتنعوا بالعمومات وغدوا يطلبون من الدعاء بأن يوافوهم بالمناهج العملية لحكم المجتمع وادارة اقتصادة وتنظيم حياته العامة ولهداية سلوك الفرد المسلم في ذلك المجتمع الحديث.

ولدى هذه المرحلة في الدعوة أدركت الحركة الاسلامة انها غير مؤهلة تمام التأهيل لان تجيب على هذه الاسئلة اجابات شافية. وقد بان لها ان الفقه الذي بين يديها مهما تقنن حملته بالاستنتاجات والاستخراجات ومهما دققوا في الانابيش والمراجعات لن يكون كافيا لحاجات الدعوة وتطلع المخاطبين بها. ذلك ان قطاعات واسعة من الحياة قد نشأت من جراء التطور المادي وهي تطرح قضايا جديدة تماما في طبيعتها لم يتطرق اليها الفقه التقليدي ولان علاقات الحياة الاجتماعية وأوضاعها تبدلت تماما ولم تعد بعض صور الاحكام التي كانت تمثل الحق في معيار الدين منذ ألف عام تحقق مقتضى الدين اليوم ولا توافي المقاصد التي يتوخاها لان الامكانات قد تبدلت وأسباب الحياة قد تطورت والنتائج التي تترتب عن امضاء حكم معين بصورته السالفة قد انقلبت انقلابا تاما…

ثم ان العلم البشري قد اتسع اتساعا كبيرا وكان الفقه القديم مؤسسا على علم محدود بطبائع الاشياء وحقائق الكون وقوانين الاجتماع مما كان متاحا للمسلمين في زمن نشأة الفقه وازدهاره. اما العلم النقلي الذي كان متاحا في تلك الفترة، فقان كان محدوداً ايضا مع عسر في وسائل الاطلاع والبحث والنشر بينما تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة باقدار عظيمة. وأصبح لزاما علينا ان نقف في فقه الاسلام وقفة جديدة لنسخر العلم كله لعبادة الله ولعقد تركيب جديد يوحد ما بين علوم النقل التي نتلقاها كتابة ورواية قرانا محفوظا او سنة يديمها الوحي - وبين علوم العقل التي تتجدد كل يوم وتتكامل بالتجربة والنظر. وبذلك العلم الموحد المتناهي نجدد فقهنا للدين وما يقتضيه في حياتنا الحاضرة طورا بعد طور…

حاجتنا لمنهج أصولي
لقد استجابت الحركة الاسلامية الحديثة لهذه التحديات الفكرية استجابات شتى، فمن الناس من يؤثر الا يلتزم بمنهج مقيد بل يظل طليقا ينتقي من الآراء ما يناسبه ويتخذ مصادر فكره وطرائقه حيث شاء في صفحات الكتب. ويعرض آراءه حسبما يتناسب مع الموقف في اطار الالتزام بالاسلام عامة. وأقل ما يقال في هذا المذهب انه لا يعتمد البناء على منهج اصولي مقرر مهما قدرنا ان الاستقراء يكشف لكل مفكر مذهبا أصوليا خاصة لو كانت الافكار تترتب بغاير وعي كامل. وبعض الناص يتخذ منهجا واسعا لا ينطلق الا من روح الاسلام العامة ومقاصد الدين الكلية، ويرى الرأى الذي تقتضيه تلك المقاصد وتلك الروح أيا كان وبعضهم يترك القضايا الكلية لانه لا يتسوعبها جملة ويقتصر على معالجة القضايا الجزئية التي تلتمس حلولها بيسر في النصوص الجزئية…

سوى انه لا مناص من الاصطلاح على منهج مرضي نتخذه لانفسنا وليس المقصود من المنهج الموحد ان يفضي في النهاية الى اجابات مجمع عليها في كل المسائل فذلك امر يتعذر بما طبع الله عليه الناس من تباين النظر. ولا تستتبع وحدة المجتمع الدين ان يصدر الناس كافة عن رأي واحد في كل قضية فرعية مطروحة، ففي ذلك المجتمع من عواصم التوحيد والمناهج الجماعية للقرار ما يضمن ان الخلاف الفقهي مهما يكن لايؤدي الى تفرق عملي في غاية الامر. وتعود تلك المناهج الموحدة الى مبدأ الشورى الذي يجمع اطراف الخلاف ومبدأ الاجماع الذي يمثل سلطان جماعة المسلمين والذي يحسم الامر بعد ان تجري دورة الشورى فيعمد الى أحد وجوه الرأي في المسألة فيعتمده اذ يجتمع عليه السواد الاعظم من المسملين ويصبح صادرا عن ارادة الجماعة وحكما لازما ينزل عليه كل المسلمين ويسلمون له في مجال التنفيذ ولو اختلفوا على صحته النسبية…

فليس القصد اذن من اتخاذ منهج هو ان ننتهي به الى رأي واحد اذ لو ألجأنا الناس الى رأي واحد وحملناهم عليه لتوقف تقدم الحياة وجمدت دون السعي الدائب لتحسين الكسب وتكييف المواقف حسب ظروف الحياة المتطورة التي تنتج كل يوم أسبابا أقرب للمصالح وتقتضي مطالب متجددة، انما نستهدف من توحيد المنهج ان نحاول رد الخلاف او تقريب اطرافه وتفهم مسائله وان نسد الذرائع في وجه الاهواء الشخصية والقصور في رأي الفرد الواحد…

ويلزمنا في شأن تمهيد المنهج الجامع ما كان لازما على الفقهاء الاوائل لما بدأ الفقه الاسلامي يتسع ويتركب بعد عهد الرسول (ص) والصحابة والتابعين لان الحياة ما كانت لتجمد. وليست صورة التدين ولا مشكلاته التي عاشها الرعيل الاول هي صورة الاسلام الوحيدة ولا الجامدة. فالتحديات التي تطرحها اقدار الله في حاجات الناس وعلاقاتهم ومشكلاتهم تتجدد ابدا ولا بد ان تتبدل تبعا لها صورة الحياة الاسلامية التي تستكمل استجابة المسلمين لتلك التحديات انطلاقا من أصول اعتقادهم ومعايير شرعهم الواحد، ولقد طرأت على عهد الصحابة كثير من القضايا الجديدة وأخذ الصحابة يجتهدون فيما ويذهبون المذاهب في الرأي والفتوى، وقدكان كل من الصحابة المشهورين بالاجتهاد انما يصدر عن منهج في طريقة فقه الدين ولكنهم في بداية الامر ما اجتاجوا الى التواضع على منهج واحد يقدمونه بين يدي الاجتهادات الفرعية لان التطور كان محدودا ولان تربيتهم المحكمة كانت تطبع مناهجهم بسمات موحدة وقد سار على ذلك التابعون والفقهاء من بعد حتى اذا اتسعت وتشعبت الاقضية وتوافرت مادة واسعة من الفقه الفرعي اتجه النظر نحو الجزئيات الاصولية وأخذ الفقه الاصولي يتبلور حتى تمكن للمتأخرة من كبار الفقهاء كالشافعي مثلا ان يعالجوا قضايا اصول الفقه بطريقة منهجية كلية علمية يرتبونها ويؤسسون قواعدها. ومن بعد ذلك اتسعت المعالجات الاصولية.

لكن جنوح الحياة الدينية عامة نحو الانحطاط وفتور الدوافع التي تولد الفقه والعمل في واقع المسلمين أديا الى أن يؤول علم أصول الفقه - الذي شأنه ان يكون هاديا للتفكير - الى معلومات لا تهدي الى فقه ولا تولد فكرا وانما أصبح نظرا مجردا يتطور كما تطور الفقه كله مبالغة في التشعيب والتعقيد بغير طائل. وقد استفاد ذلك العلم فائدة جليلة من العلوم النظرية التي كانت متاحة حتى غلب عليه طابع التجريد والجدل النظري العقيم وتأثر بكل مسائل المنطق الهيليني وبعيوبة كذلك. ومهما يكن الأمر فان الحياة الفقهية قد عمقت الا من بعض الفقهاء المجتهدين الذين جاءوا من بعد، منهم من اتخذ له مذهبا في طريقة الفقه ومنهم من اجتهد على مناهج الاقدمين.

وفي يومنا هذا اصبحت الحاجة الى المنهج الاصولي الذي ينبغي ان تؤسس عليه النهضة الاسلامية حاجة ملحقة. لكن تتعقد علينا المسألة بكون علم الاصول التقليدي الذي نلتمس فيه الهداية لم يعد مناسبا للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء، لانه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها بل بطبيعة القضايا الفقهية التي كان يتوجه اليها البحث الفقهي.

الاصول الفقهية بين الحياة الخاصة والعامة

1- الاصول التفسيرية وفقه التدين الفردي:

ولا شك ان طرائق التفقه وأصوله تتباين سعة وضبطا مناسبة لنوع القضايا الفرعية المطروحة فمن الاحكام الفقهية ما يتصل بالشعائر مثلا وهي العبادات المسونة التي تشعر من حيث أشكالها بعبادة الله لان هذه الاشكال لا تكاد ترد الا في سياق وسيلة العبادة لله كالصلاة والصوم والحج. والمعروف من استقراء الشريعة ان هذه العبادات قد فصلت في أحكامها تفصيلا دقيقا وتتكثف فيها النصوص بدرجة تجعل مجال التقدير والاجتهاد محدودا جدا ولا يتعدى فقه الفقيه ان يجمع النصوص وان يملأ الثغرات المحدودة حتى يصل ما بين نص ونص وليؤلف الصورة الكلية للعبادة وبذلك تصبح القضة الاصولية كلها قضية تفسير للنصوص استعمالا لمفهومات الاصول التفسيرية ونظرا في معاني العام والخاص والتعارض والترجيح ووجوده الدلالة للنصوص وضوحا او خفاء ودلالة النص المباشرة ودلالة الاشارة ومفهوم المخالفة ونحو ذلك. ولئن كان فقهنا التقليدي قد عكف على هذه المسائل عكوفا شديدا فانما ذلك لان الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيرا قضايا الحياة العامة وانما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة، ولذلك كانت الحياة العامة تدور بعيدا عنهم ولا يأتيهم الا المستفتون من أصحاب الشأن الخاص في الحياة، يأتونهم أفذاذا بقضايا فردية في أغلب الامر. فالنمط الاشهر في فقه الفقهاء المجتهدين كان فقه فتاوى فرعية، وقليلا ما كانوا يكتبون الكتب المنهجية النظرية، بل كانت المحررات تدوينا للنظر الفقهي حول قضايا افراد طرحتها لهم ظروف الحياة من حيث هم أفراد. ولذلك اتجه معظم الفقه للمسائل المتعلقة بقضايا الشعائر والزواج والطلاق والآداب حيث تتكثف النصوص ولا تتسع لمجال الكثير من الخلافات الاصولية حول تفسير تلك النصوص.

2- الاصول الواسعة وفقه التدين العام:

وانكم لتعلمون ان الحياة الاسلامية الجماعية قد انحرفت كثيرا عن مقتضى شرع الاسلام لقضايا الحياة العامة وانحرف معها الفقه. فالفتاوى المتاحة تهدي الفذ كيف يبيع ويشتري اما قضايا السياسة الشرعية الكلية - كيف تدار حياة المجتمع بأسره انتاجا وتوزيعا واستيرادا وتصديرا وعلاجا لغلاء معيشة او خفضا لتكاليفها - هذه مسائل لم يعن بها اولياء الامور ولم يسائلوا عنها الفقاء ليبسطوا فيها الفقه اللازم. ومثل قضايا الاقتصاد العام التي اهملت قضايا الاوضاع السياسية وتدابيرها العملية وكيف تدور الشورى في المجتمع وكيف يتبلور الاجماع وكيف يكون الامر والطاعة والولاية العامة على وجه الاجمال لم يسأل عن ذلك كثيرا لان الحكومة بكل أمورها العامة قد انحرفت عن مقتضى العقيدة والشريعة الاسلامية منذ زمن بعيد وحينما انحرف الواقع ومرق من الدين. فالفقه بالضرورة منحسرا ايضا عن هذا الواقع. ومن ثم فل كسب الفقه في هذا الجانب: جانب الحياة الاسلامية العامة.

وانكم لتعلمون ايضا ان النصوص الشرعية في مجال الحياة العامة أقل عددا وأوسع مرونة وهي نصوص مقاصد أقرب منها الى نصوص الاشكال. فلا تجد في باب الامارة مثلا ما تجده في الصلاة من أحكام كثيرة منضبطة ولا تجد في الاقتصاد ما تجده في الطهارة او النكاح. وقد قدمنا ان هذا الجانب من الفقه المعني بمقاصد الحياة العامة ومصالحها قد عطل شيئا ما بسبب الظروف التي اكتنفت نشأة الفقه وتطور الحياة الاسلامية. ولا غرو اذا ان نكون المفهومات الاصولية التي تناسب هذا الجانب قد اعتراها الاغفال وعدم التطور ايضا. وحينما كانت حياة الاسلام شاملة وكانت الممارسات الاقتصادية والسياسية العامة للمجتمع ملتزمة بالدين نشطت قواعد الاصول التي تناسبها.

من تاريخ منهج الاصول

كان أشهر عهد تشريعي رعى مصالح الامة العامة رعاية شاملة بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولئن لم يكن الامام عمر قد اتخذ لنفسه منهجا أصوليا معلنا في تشريعاته فان لنا ان نستبط من اجتهاداته المختلفة منهجا معينا يتسم بالسعة والمرونة. وبالرغم من ان التابعين وفقهاء المدينة قد ورثوا من ذلك المنهج سعة الاصول فان التاريخ الفقهي اللاحق لم يشهد تطورا لتلك الاصول بل تعطلت تلك الاصول كما تعطلت الحاجات التي اتخد المنهج من أجل الوفاء بها. وفي مذهب مالك بعض تلك الاصول العمرية ولك، مالكا وتلامذته لم يكونوا أولياء امر مسئولين عن رعاية مصالح الامة وساستها بالشرع فلم يستعملوا اصول المصالح بعد أن قرروها وآلت الى التعطيل الكامل. ولا سيما ان الحياة بالمدينة - بعد انتقال مركز النشاط العام عنها - ظلت ضيقة جدا وما اتسعت او تشبعت بما يستدعي الفقه اصوله من الاتساع لاستيعاب المشكلات العامة مع القضايا الفردية.

اما في مناطق حدود الاسلام في العراق حيث دخل في الملة اقوام شتى وقامت حضارة اعمر من حضارة المدينة طرحت اقضية ومشكلات اكثر فبالرغم من ان المنهج الاصويل ظل منهجا فروعيا وان الذين توالوا تطوير الاحكام فقهاء من الرعية ولم يكونوا من المسئولين عن مصالح الرعية العامة الا في مدى محدود «كقضاء ابي يوسف وفقهه» وبالرغم من ذلك اتسع النهج ليسع الحضارة ومشكلاتها واستعملت اصول هي أقرب للوفاء بتلك المشكلات. وهكذا اتسع الفقه العراقي في استعمال العقل والقياس والاستحسان أوسع مما استعمل في المدينة حيث القياس مقبول ولكن الحاجة اليه أدنى. سوى ان القياس الذي استعمل كان قياسا محدودا جدا تضبطه معايير ضيقة اذا استثنينا بعض أبواب الاستحسان وهو الاصل الذي ما انفكت تحاصره المجادلات الفقهية حتى أردته في مهده، وساعد في ذلك ان الحياة الاسلامية التي كانت مزدهرة في عهد أبي حنيفة أخذت تتجمد شيئا فشيئا وما كان لما يوازيها من الجوانب الخصبة الواسعة في التفكير الاسلامي الا ان تتجمد ايضا. والاستثناء الآخر هو ما قدمنا من تولي أبي يوسف القضاء ولكونه قاضيا اضطر ان يعالج بعض القضايا المالية العامة واحتاج في ذلك ان يستعمل ادوات فقه أرحب وأوسع.

وخلاصة القول ان فقهنا الاصولي القديم بعد نهضة حميدة آل الى الجمود العقيم بأثر انحطاط واقع الحياة الدينية نفسها فلم يتطور ولم يولد فقها زاهرا بعد تمامه فنيا. وتجدر الاشارة في هذا السياق الى فقه ابن حزم وهو رجل ذو صلة واسعة بالسياسة وبالحكم وبالقضايا الاجتماعية العامة فلا غرو ان نجد في منهجه الاصولي شيئا من أسلوب واسع هو الاستصحاب الذي فتح بابا لتطوير الفقه بالرغم من التزام ابن حزم بالمنهج الظاهري في تفسير النصوص.

الاصول وحاجتنا للاجتهاد

ان القضايا التي تجابهنا في مجتمع المسلمين اليوم انما هي قضايا سياسية شرعية عامة اكثر منها قضايا خاصة. ذلك اننا نريد ان نستدرك ما ضيعنا في جوانب الدين، والذي عطل من الدين اكثره يتصل بالقضايا العامة والواجبات الكفائية. وأكثر فقهنا من ثم لايتجه الى الاجتهاد في العبادات الشعائرية والاحوال الشخصية فتلك امور يتوافر فيها فقه كثير ويحفظها المسلمون كثيرا ولو ضيعوها أحيانا لا يضيعونها اعتقادا ولايغفلون عنها غفلة كاملة. اما قضايا الحكم والاقتصاد وقضايا العلاقات الخارجية مثلا فهي معطلة لديهم ومغفول عنها. والى مثل تلك المشكلات ينبغي ان يتجه همنا الاكبر في تصور الاصول الفقهية واستنباط الاحكام الفرعية، ففي مجالها تواجهنا المشكلات والتحديات والاسئلة المحرجة اما قضايا الفقه التي تعني الفذ المسلم في شعائره و‎أسرته ونحو ذلك فهي مما كان فقهنا التقليدي قد عكف عليها وأوسعها بحثا وتنقيبا فما تحتاج منا الا الى جهد محدود جدا في التحديد استكمالا لما حدث من مشكلات وطرافة في وسائل الشرح والعرض. وانا لمحتاجون الى ذلك القدر من التجديد حتى في فقه الصلاة الذي يبدو مكتملا في كتب التراث سوى انه يجدينا فيها صدور كتب فقهية جديدة تقدم الصلاة وتشرحها بوجه يناسب اوضاع الحياة ويخاطب العقل المسلم المعاصر. ولكن حاجتنا تلك محصورة، ولو لم نحظ بمثل ذلك العرض الجديد لا نستشعر أزمة كبيرة. ونحن أشد حاجة لنظرة جديدة في أحكام الطلاق والزواج نستفيد فيها من العلوم الاجتماعية المعاصرة ونبني حاجات عصرنا ووسائله وعلومه وبكل التجارب الفقهية الاسلامية والمقارنة لعلنا نجد هديا جديدا لما يقتضي شرع الله في سياق واقعنا المعين. ولكن جاجتنا الى ذلك ليست ذات خطر ولو قنعنا بما هو موجود في كتب الفقه الموروثة تظل حياتنا الاسرية قريبا جدا لمتقضى الدين وان لم تبلغ التحقيق الامثل فهي بفضل النصوص الكثيرة الهادية في القرآن والسنة لن تضل ضلالا بعيدا والمجالات التي نحتاج فيها الى اجتهاد جديد يضبط اعتصامنا بهدى الدين جد محدودة.

أما جوانب الحياة العامة، فالحاجة فيها للإجتهاد واسعة جداً ونحتاج في نشاطنا الفقهي لان نركز تركيزا واسعا على تلك الجوانب وعلى تطوير القوا عد الاصولية التي تناسبها. فالاصول التفسيرية وحدها - وأعني بها قواعد تفسير النصوص.ذاك نظرا لقلة النصوص التي تتعلق بنظام الحياة العامة .ولئن كانت كل آية في القرآن وكل سنة فرعية تؤثر على تلك الحياة تأثيرا ما، فان النصوص المباشرة ليست كثيفة للطبيعة المرنة في وظائف الحياة العامة. وما تقتضيه من سعة. وقد أدى انحسار الطبيعة الدينية للحياة العامة في تاريخ المسلمين الى أن تكون الممارسات والتجارب السابقة ضئيلة كذلك والى أن يكون الموروث الفقهي الذي يعالجها بمثل ذلك. ومن هنا تنشأ الحاجة الملحة للتواضع على منهج أصولي ونظام يظبط تفكيرنا الاسلامي حتى لا تختلط علينا الامور وترتبك المذاهب ويكثر سوء التفاهم والاختلاف في مسائل تتصل بالحياة العامة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية والدولية وغيرها مما يؤثر على وحدة المجتمع المسلم ونهضته.

نحو اصول واسعة لفقه اجتهادي

وفي هذا المجال العام يلزم الرجوع الى النصوص بقواعد التفسير الاصولية ولكن ذلك لا يشفي الا قليلا لقلة النصوص. ويلزمنا ان نطور طرائف الفقه الاجتهادي التي يتسع فيها النظر بناء على النص المحدود. واذا لجأنا هنا للقياس لتعديه النصوص وتوسيع مداها فما ينبغي ان يكون ذلك هو القياس بمعاييره التقليدية. فالقياس التقليدي أغلبه لا يستوعب حاجتنا بما غشيه من التضييق انفعالا بمعايير المنطق الصوري التي وردت على المسلمين مع الغزو الثقافي الاول الذي تأثر به المسلمون تأثرا لا يضارعه الات تأثرنا اليوم بأنماط الفكر الحديث. ولعل تأثر الفكر الاسلامي الحديث المخلص - ولا أقول الخالص - بالفكر الغربي الآن أقل من تأثر الفكر الاسلامي المخلص قديما بالفكر الغربي القديم.

القياس المحدود

فالقياس كما أوردنا تعريفاته وضوابطه الضيقة في أدبنا الاصولي لابد فيه من نظر حتى نكيفه ونجعله من أدوات نهضتنا الفقهية. وعبارة القياس واسعة جدا تشمل معنى الاعتبار العفوي بالسابقة وتشمل المعنى الفني الذي تواضع عليه الفقهاء من تعديد حكم أصل الى فرع بجامع العلة المنضبطة الىآخر ما يشترطون في الاصل والفرع ومناط الحكم. وهذا النمط المتحفظ من القياس يقتصر على قياس حادثة محدودة على سابقة محدودة معينة ثبت فيها حكم بنص شرعي فيضيفون الحكم الى الحادثة المستجدة. ومثل هذا القياس المحدود ربما يصلح استكمالا للاصول التفسيرية في تبين احكام النكاح والآداب والشعائر. لكن المجالات الواسعة من الدين لايكاد يجدي فيها الا القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقة الاغريق واقتبسها الفقهاء الذين عاشوا مرحلة ولع الفقه بالتعقيد الفني وولع الفقهاء بالضبط في الاحكام الذي اقتضاه حرصهم على الاستقرار والامن خشية الاضطراب والاختلاف في عهود كثرت فيها الفتن وانعدمت ضوابط التشريع الجماعي الذي ينظمه السلطان.

القياس الواسع

ولربما يجدينا ايضا ان نتسع في القياس على الجزئيات لنعتبر الطائفة من النصوص ونستنبط من جملتها مقصدا لنعتبر الطائفة من النصوص ونستنبط من جملتها مقصدا معينا من مقاصد الدين او مصلحة معينة من مصالحه ثم نتوخى ذلك المقصد حينما كان في الظروف والحادثات الجديدة وهذا فقه يقربنا جدا في فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لانه فقه مصالح عامة واسعة لا يلتمس تكييف الواقعات الجزئية تفصيلا فيحكم على الواقعة قياسا على ما يشابهها من واقعة سالفة بل يركب مغزى اتجاهات سيرة الشريعة الاولى ويحاول في ضوء ذلك توجيه الحياة الحاضرة. وكل القياس يستلزم شيئا من تجريد من الظروف المحدودة التي جاءت سباقا ظرفيا للنص مثال ذلك ما روي عن ان رجلا جاء الى رسول الله (ص) فقال هلكت وقعت على امرأة في نهار رمضان… الخ فتلك واقعة لا تكرر بشكلها الكامل ابدا وربما يحدث مثلها لرجل غير الرجل مع امرأته هو ولكنا رغم ذلك نسقط اعتبار الاعيان ونعدي الحكم بين الواقعتين ولربما يطرأ فساد الصوم في رمضان بغير ذلك الاسلوب من أكل او شرب، ونطرح السؤال هل نتجرد ايضا من اعتبار ذلك الاسلوب ونعتمد كل وجوه افساد الصيام ونتسع في تعديه الحكم او لا نفعل؟ يختلف الفقهاء في ذلك وهكذا يتعرض منهجنا القياسي للسعة او الضيق في درجة التجرد من الظروف الاولى تنقيحا لمناط الحكم الجوهري وليس في الاختلاف على ذلك حرج. اما القياس الاجمالي الاوسع او قياس المصالح المرسلة فهو درجة أرقى في البحث عن جوهر مناطات الاحكام اذ نأخذ جملة من أحكام الدين منسوبة الى جملة الواقع الذي تنزل فيه ونستنبط من ذلك مصالح عامة ونرتب علاقاتها من حيث الاولوية والترتيب. وبذلك التصور لمصالح الدين نهتدي الى تنظيم حياتنا بما يوافق الدين. بل يتاح لنا - ملتزمين بتلك المقاصد - ان نوسع صور التدين اضعافا مضاعفة.

الاستصحاب الواسع

وابلغ الاجمال في مقاصد الدين ما تهدى اليه العقيدة من معنى عبادة الله - سبحانه وتعالى - وهو مقصد يجمع جملة النصوص الشرعية فاذا توخيناه حكمنا بان مطلوب الشرع يشمل كل عمل او نشاط بشري يقصد به عبادة الله الا أن نستثني ما نصت الشريعة على انه لا يحقق ذلك المقصد. وعلى درجة ادنى من الاجمال نلقى كليات الشريعة وانماط تنظيمها للحياة العامة وما نجد في ذلكم من هداية واسعة للمصالح ودرجة اعتبارها وقوتها اذا تعارضت في واقع الحياة. وفي هذه الدرجة من اجمال مقاصد الشريعة نتفق مع أصل آخر من أصول الفقه الوساعة وهو الاستصحاب ومعزى الاستصحاب هو ان الدين لم ينزل بتأسيس حياة كلها جديد والغاء الحياة القائمة قبل الدين بأسرها فما كان رسول الله (ص) مثلا يعتبر ان كل الذي كان ساريا من القيم من قبله لغو باطل ينبغي هدمة لتأسيس الدين على قاعدة جديدة مطلقا. بل كان المبدأ المعتمد ان ما تعارف عليه الناس مقبول وانما ينزل الشرع ويتدخل ليصلح ما اعوج من امرهم. فحينما يطلق الكلام في القران عن الامر بالمعروف فهو ما كان سائدا معروفا الا حيث يصححه الدين، وحينما يدعو القران الكريم بالعدل والقسط فهو مراعاة القيم العدلية التي عرفها الانسان واستشعرها الوجدان المخلص مقرونة مع التصويبات والتقويمات التي ترد عليها من تلقاء الشريعة المنزلة.

وهكذا يقال في القسط والخير والظلم والاحسان والاساءة بل في نظم الاسرة وفي الشعائر. فقد كانت الحياة تقوم على كثير من اثارات الحق الذي اورثته الديانات او اهتدت اليه الفطرة البشرية وجاءت الشريعة الخاتمة تحيي ما درس وتقوم ما اعوج وتكمل ما نقص فما جاءت فيه بنص يعتمد المعمول به او يصوبه فالشريعة حاكمة، وما تركته عفوا فهو متروك لما يقدر فيه البشر فيعروفون وينكرون وفقا لما تهدي اليه الفطرة المنفعلة بمعاني الدين المنزل. وفي الكتاب والسنة نصوص مباشرة تدل على قبول قاعدة الاستصحاب تأكيدا للدليل العام الذي تلقيه كما تقدم في استقراء وقع التنزيل مع الحياة السابقة. وحسب قاعدة الاستصحاب الفقهية: الاصل في الاشياء الحل وفي الافعال الاباحة وفي الذمم البراءة من التكليف، وكل ما تطوقه المؤمن يقصد به وجه الله عبادة مقبولة، وكل ما اخذ لمتاع الحياة الدنيا عفو متروك لا له ولا عليه الا ان يرد النص فينفي صفة العفاء او الاباحة عن فعل معين واذا جمعنا اصل الاستصحاب مع أصل المصالح المرسلة تتهيأ لنا أصول واسعة لفقه الحياة العامة في الاسلام…

والترتيب النظري هو ان يبدأ المجتهد بالنصوص مستعملاً القواعد الفقهية التفسيرية ثم يتسع في النظر باستعمال هذه الاصول الواسعة من مصلحة واستصحاب. وهذا ترتيب نظري لا بد من تقريره لتستقيم اولويات النظر والتقدير ولكن عملية الاجتهاد في الواقع عملية مركبة، اذ لا ينفك المجتهد وهو يقبل على النصوص من تأثر بالواقع الذي يعيشه بمصالحه وأسبابه وتأثر بالثقافة الفقهيد التي اخذها نقلا عن السالفين ولاينبغي له كذلك ان يقدر المصالح الا منفعلا بتقديرات النصوص ومعاييرها حتى لا يغني اصل عن أصل ولا ينفصم النقل عن العقل ولا الشرع عن الواقع وما يكاد يكون من حكم يتلقاه المجتهد مباشرة من معنى قرآني الا احتاج بعده في كل حال ان يرجع الى واقع السنة التي مثلت تطبيقا واقعيا لهدى القرآن فيزيد الحكم بيانا. ثم يلزم النظر الى واقع التطبيق لان الفهم الذي يتبادر اليك من النصوص نظرا قد تلفيه عند التطبيق مؤديا الى حرج عظيم او محدثا من الآثار ما يأباه نص اخر او مصلحة اخرى مقدرة في الدين، فلا بد من النظر في الاسباب والعواقب والمصالح لا سيما في مجال الاحكام المتعلقة بالحياة العامة حيث لا يغني المنهج التفسيري وحده وحيث التطبيق وما يؤدي اليه تصور اكمل للمصالح والمقاصد امر لازم.

أصول ضوابط للفقه الاجتهادي الشورى والسلطان

وحينما نحيي الاصول الواسعة التي عطلت في الفقه الاسلامي التقليدي تنشأ لنا الحاجة الى ضبط نتائج الاجتهاد فيها. لان سعتها تؤدي الى تبيان المذاهب والآراء والاحكام وأهم الضوابط التي تنظم المجتمع المسلم وتتدارك ذلك التباين هي ان يتولى المسلمون بسلطان جماعتهم تدبير تسوية الخلاف ورده الى الوحدة مما لا يتسير ان ترك امر الاحكام حرا لا يرتهن الا بآراء الفقهاة وفتاواهم. ويتم ذلك التنظيم بالشورى والاجتماع ليتشاور المسلمون في الامور الطارئة في حياتهم العامة فالذي هو اعلم يبصر من هو اقل علما والذي هو أقل علما يلاحق بالمسألة من هو اكثر علما ويدور بين الناس الجدل والنقاش حتى ينتهي في آخر الامر الى حسم القضية: اما بأن يتبلور رأي عام او قرار يجمع عليه المسلمون او يرجحه جمهورهم وسوادهم الاعظم، او تكون مسألة فرعية غير ذات خطر يفوضونها الى سلطانهم وهو من يتولى الامر العام حسب اختصاصه بدءا من أمير المسلمين الى الشرطي والعامل الصغير. ولا بأس مع هذه الضوابط - من اجماع تشريعي او امر حكومي - لا بأس من أن تكون الاصول الفقهية التي تستعمل واسعة جدا او أن تكون الاصول الفقهية التي تستعمل واسعة جدا او ان تكون الفتاوى الفرعية الناشئة عنها مختلفة جدا بل ان كثرة الخيارات المتاحة بشورى المسلمين وغزارة المادة المعروضة تحضيرا لقرارهم امر في مصلحة واضحة.

أهلية الاجتهاد واطاره

والى جانب هذه الاجراءات الرسمية التي تشكل ضمانة لرد اختلاف الرأي وشتاته الى وحدة ونظام تقوم نظم لاهلية التصدي للاجتهاد تكفل تأسيس التفكير الديني على علم واف يضبط الهوى الذاتي ويقرب عناصر الفكر. فالمجتهد الاوثق هو الاتم من غيره احاطة بعلوم الشريعة واللغة والتراث واحاطة كذلك بعلوم الواقع الطبيعي والاجتماعي وهما شعبتا العلم وحيا ونقلا وتجربة وعقلا، ولا تقوم الحياة الدينية الا بهما معا. وتسود بين المسلمين معايير في درجات العلم الاتم ودرجات السيرة الا قوم يستعملونها ليميزوا اهل الفقه من المفكرين ويرتبوا اقدارهم النسبية ليولوهم بناء عليها ما يستحقون من اعتبار عند ترجيح الآراء. وتقدير اهلية الاجتهاد مسألة نسبية واضافية ولكن بعض الكتاب المتنطعين في الضبط والتحفظ يتوهمون انها درجة معينة تميز طبقة المجتهدين من عامة الفقهاء وما الاجتهاد الا وظيفة في استعمال العلم والعقل يتربى عليها المتعلم ويترقى نضوجا ورشدا وتتفاوت فيها الطبقات المفكرين الذين ينبغي ان يعمر بهم المجتمع المسلم. فاذ عنينا بدرجة الاجتهاد مرتبة لها شرائط منضبطة فما من شيء في دنيا العلم من هذا القبيل، وانما أهلية الاجتهاد جملة مرنة من معايير العلم والالتزام تشبع بين المسلمين ليستعملوها في تقويم قادتهم الفكريين. فمن ألفوا لديه علما مناسبا وثقوا فيه ثقة مناسبة، ومن رأوا عنده علما كثيرا وصدقا في الالتزام اولوه ثقة كبيرة واتخذوه اماما مقدم الرأي، ومن لاحظوا زهادة علمه او قلة اخلاقه سمعوا قوله واستخفوه او اهملوه. وقد ينظم المجتمع أحيانا ضوابط شكلية مثل الشهادات ليكون حمل شهادة الجامعة مثلا امارة لاهلية بدرجة معينة وحمل الشهادة الاعلى ايذانا باستحقاق ثقة أعلى وهكذا. وربما يترك الامر أمانة للمسلمين ليتخذوا باعرافهم مقاييس تقويم المفكرين.

ومهما تكن المؤهلات الرسمية فجمهور المسلمين هو الحكم وهو أصحاب الشأن في تمييز الذي هو أعلم وأقوم وليس في الدين كنيسة او سلطة رسمية تحتكر الفتوى او تعتبر صاحبة الرأي الفصل فالامة التي لا تجمع على ضلالة هي المستخلفة صاحبة السلطان تضفي الحجة الملزمة على ما تختار من الاراء المتاحة ولكل فرد فيها ان يشارك في تطوير رأي الجماعة بنصيبه من العلم وعليه ان يحصل لنفسه علما خاصا بقدر ما يمكنه من تمييز ما هو معروض في سوق العلم. وان لم يكن للسلطة العامة في المجتمع ان تقنن ذلك فان لها ان تقنن نهضة العلم والفكر بتنظيم وتيسير التأهيل والاجتهاد وتأسيس معاهد للبحث بدلا من ان يترك كل متعلم يحاول التحصيل ويطمع في الاحاطة بكل علوم الشريعة واللغة والعلوم الحديثة لا سيما ان مدى ما ينبغي الاحاطة به من علوم التراث والعصر اصبح معجرا للفذ من العلماء. ولا يستطيع العالم ان يخوض في الاجتهاد دون ان يلم بعلوم الشريعة ولا ان يعبر عن نفسه دون معرفة اللغة وما لم يعرف علوم الاحصاء لايستطيع ترجيح رأي في الطلاق على رأي اخر باستقراء مدى النتائج التي تؤدي اليها فتواه وخطورتها وأثرها على سلامة الامة واستقرارها وعلى سائر مصالح المجتمع. فسيدنا عمر رضي الله عنه لما عرف في كثرة الحلف بالطلاق اثرا معينا على الالتزام والعهد امضى في المسألة حكما غير الذي كان معهودا. وبغير الاقتصاد مثلا لا يتمكن الناظر من تقرير رأيه في الحاجة للنفقات في قوانين الاحوال الشخصية او في مداها فضلا عن الافتاء في الاوضاع والاحكام المالية في الدولة الاسلامية.

وانه لجد عسير على مجتهد او مفكر واحد ان يلم بكل هذه العلوم من تلقاء كسبه الخاص ولا بد للدولة من أن تقيم معاهد للبحوث يتعاون فيها العلماء فيأتي كل واحد متخصص بنصيب من العلم. ولا بد للدولة من الجامعات لتؤهل المتعلمين وترتب الشهادات بما يمكن الناس كما قدمنا من تمييز أهل الفقه ودرجاتهم لاعلى وجه الالزام بل النصح للرأي العام.

التقنين

وعلى الدولة أخيرا حين تصدر الآراة والمذاهب ان تعقد الشورى وتقنن الآراء والاحكام المعتمدة، بل عليها ان تحتاط لذلك التقنين والتدوين تنظيما مسبقا لحياة المجتمع الرشيد واذا كان النمط التقليدي هو ايكال امر تطوير الاحكام للفقهاء الذي ينتظرون الحادثات والمسائل ليستنبطوا لها المعالجات والفتاوى، فشأن المجتمع الرشيد الذي يتخذ لحركته وجهة مقررة ولا يركن الى العفوية والتجريدية ان يخطط نظامه القانوني ما أمكن. والواقع ان المسلمين قديما لما توافر لهم كسب كثير من الفتاوى والفقه أخذوا يرتبون الاحكام في مدونات ليست كتبا فقهية تورد الادلة الشرعية وتعالج وجوه النظر من حواشي الايضاح والاستدلال وتحرر في لغة واضحة تخاطب الافهام بشيء من البرود وهذه المصنفات اشبه شيء عندنا بالمدونات القانونية الحديثة فيها معنى وضوح الاحكام لمن يريد الاطلاع عليها وفيها ما يعيب هذه المدونات الحديثة من تجريد الاحكام فما ينبغي وصلها به من الاسناد الى اصول النصوص وربطها بنظام الشريعة ومقاصدها ووصلها بالعامل الاخلاقي في الدين حافزا ووازعا. فالنشاط الفقهي ينبغي ان يظل حرا مباحا ولكن الامم لابد لها من سلطان عام يرعى تنظيمه وتوظيفه لتوجيه المجتمع وضبط حركته.

الحركة الفقهية من طور التجميد الى التجديد الخوف من الحرية

ولربما يدقر المرء بعد كل ما قدمنا ان هذا التصور للامور يؤدي الى خطر عظيم. فلو فتحنا حرية الاجتهاد بهذا المعيار النسبي الواسع للاهلية وضممنا الى الاصول التفسيرية المنضبطة اصولا اجتهادية واسعة كالمصالح والاستصحاب فان المذاهب عندنا ستختلف اختلافا بعيدا وقد قدمنا الرد الشافي على ذلك في ايضاح دور سلطان المجتمع في اعتماد الآراء المعقولية ووضعها قانونا ملزما من دون سائر الاجتهادات. والحق ان الحذر من مغبات حرية الاجتهاد متمكن منا بدرجة بالغة. والشاهد على ذلك انك حتى في دوائر الذين يدعمون عموما لفتح باب الاجتهاد تجد من يبلغ به الفزع منتهاه اذ صادف رأيا جديدا لم يقل به قائل من السلف. وكأن المقبول في المجتهد هو فقط ان ينقب حتى يجد في المسألة رأيا قديما يناسب الظروف او حجة جديدة تؤيد رأي امام قديم. أما اذا تجرأ المفكر على توليد رأى جديد او فند الآراء القديمة جملة فذلك يدعو للخوف المبالغ فيه على مصائر الدين وانما جعل الاجتهاد نظاما ثابتا في الحياة الدينية بظروفها المتجددة لتتولد الآراء الجديدة استجابة للتحديات المتقلبة واقدار التاريخ المتحركة. ومهما يكن فانكار الجديد هو سنة اجتماعية معروفة وعن طريقه يعمل المجتمع عملية التوازن بين عناصر الثبات وعناصر الحركة لئلا يجمد المجتمع فيموت ولا يعربد فينحرك كذلك. فانكار المحافظين المتزمتين ظاهرة تتحرك في وجه كل اجتهاد جديد وتنشط بقدر هجمة حملات التجديد. وما دمنا في أوضاعنا الحاضرة نعاني من جمود طويل ومن مخلفات اجتهاد مضيع تركت ثغرة كبيرة في نظام احكامنا الفقهية فاننا نستقبل عندما تتحرك حملة تجديد ضخمة تستدرك ذلك الفوات ونحن بذلك شاهدون بغير شك توازن ردة فعل محافظة تحاصر الجديد وتتهمه وتحمل عليه مثل الحملة التي جابهها ابن تيمية وحركته عندما قام ليجدد أمر الدين بعد جموده بضعة قرون فقط، ويستدعي القيام بتكاليف الاجتهاد في مثل ظروفنا جرأة في الرأي وقوة في البصر على ضغوط المحافظين لا سيما ان التجديد لن يكون محدودا بل واسعا يكاد يشكل ثورة فقهية تصلح الاصول مع الفروع وتسعى لتبدل الاحوال بسرعة الذي تذكر بعد غفلة طويلة.

الاعتدال ام الاقدام

وان يكون الاتزان بين الثبات والتطور حكمة مطلوبة فان مخاطبة المجتمع المسلم الحاضر بمعاني المحافظة والحذر من التغيير بقدر مساو لمخاطبته بدواعي النهضية والحركة انما هو في مثل ظروفنا وضع للامور غير مواضعها وسبب لاضرار بالغ بالمجتمع ودينه. والخطاب المناسب لمجتمع نائم خامد قرونا طويلة ان نبادره بالمنبهات ودواعي الحركة الحرة وان نصيح له ان تيقظ! جاهد! اجتهد! حتى اذا جاد بالحركة وتباركت نهضة لدرجة نخشى عليه فيها الجنوح والفوضى عندئذ يجوز ان ندعوه لما هو الاسلم والاحوط. ولكن المسلمين في عهود الانحطاط ركزوا على معاني المحافظة تركيزا شديدا. فالحياة الدينية في عهود الانحطاط منحسرة دائماً تمرق اطرافها من الدين والارض منحسرة تقع أقاليمها في قبضة دار الكفر ولا مطمع للدعاة حينئذ ان يطالبوا الناس بالاقدام في الحياة والارض بل غاية همهم ان يدعوا الى المحافظة: احفظوا ما بقي من دينكم تورعوا من الشرور المخوفة حاذروا من كل جديد فانه لم يأتي الا ببدعة فالسلامة وراءكم والخطر امامكم وظل هذا الشعار تتوارثه العهود وتدعمه بالتربية المتورعة غير المقدامة التي تذكر بالخوف من الله واتقاء الشبهات والمحارم ولا تشفع ذلك كثيرا بالتذكير بالرجاء والندب الى الصالحات والمبادرات وسن السنن الحميدة. وانك ان أردت للمرء ان يتقهقر حذرا خوفته واذا أردته ان يتقدم رجيته في الله والخوف والرجاء شعبتان من الايمان متكاملتان، ولكن عمل الصالحات العلى يجد دوافعه في رجاء الجنة والرضوان وفي معاني التفاني في حب الله وشكره، بينما يجد النهي عن تعدي حدود الله وازعه في الخشية من غضب الله وناره. واستمع ان شئت لامام خطيب جمعة تجده يحاصر الناس بالتخويف ولا يحفزهم بالرجاء الا قليلا وتجده يذكر التقوى اكثر من الجهاد والورع اكثر من عمل الخير. وأقرأ ان شئت لمتأخرة العلماء تجدهم يؤثرون الاسلم والاحوط والاضبط وهكذا…

وهذه الروح في تربيتنا الدينية لا بد من أن تتجاوزها الآن ولا نتواصى اليوم بالمحافظة بل لا ينبغي اطلاق الدعوة الى الاعتدال لاننا لو اعتدلنا نكون قد ظلمنا ولم اقتصدنا نكون قد فرطنا. فالمطلوب ان نتلقى اليوم من حصة الكلام كل منبهة منعشة منشطة وان نشيع من الدين ما يناسب المقام وما يقتضي الحال كالتدبر والاجتهاد والتبليغ والدعوة. واني لا اتخوف على المسلمين كثير من الانفلات بهذه الحرية والنهضة فالحس الاسلامي في تاريخه القديم استقام في وجه كل الابتلاءات والفتن الفكرية التي ابتلاه الله سبحانه وتعالى بها فحاصرها وتجاوزها بل تجده من تلقاء النفس يراعي التحفظات اللازمة. فما كان ثمة من قانون شرعه الله او وضعه سلطان يلزم المسلمين بالاقتصادر على بضعة مذاهب بعينها ولكن هم الذين تراضوا على ذلك عرفا وعفوا بغير أوامر. فالمسلمون - حسب عبرة تاريخهم - يتحلون في أمر تنظيم صفوفهم بوعي لا بأس به حتى ايام كانوا محرومين من نظام الدولة الواعية الراعية، ولا ينقص المسلمين ذلك كما ينقصهم ان دواعي النهضة لم تكن متوافرة. وهكذا استمرت فترتهم بعد النهضة الاولى قرونا طويلة. وقدر التاريخ كله ان الايام تكون دولا وان الله يبتلي الناس فيؤخرهم ليتقدموا استجابة للابتلاء. فاذا انتابتهم دورة فقر وتخلف اقتصادئي فأسعفهم الايمان قالوا لينيروا الارض ويعمروها واذا هضم حقهم او سلبت ارضهم في دورة ذل قاموا ليقبلوا الدورة بجهاد جديد مستنصر بالله.

والمسلمون في جملتهم قد أعقبوا كل نكسة بنهضة وما هبطت حياتهم الدينية في بلد الا تناهضوا وبارك الله لهم في بلد آخر من الحجاز الى الشام الى العراق ومن الشرق الى الغرب والاندلس ومن الشرق في الهند وفي بلاد العرب وفي افريقيا الى القرن الاخير ولكن الخط البياني العام ما ينفك منحدرا منذ زمان الى يومنا هذا. ولا بدن من ان نتعظ بتاريخ نهضتنا المتعثر ونفي بحاجات التحدي الذي يجابهنا اليوم ويكاد يجتاح ذاتيتنا الفكرية والحضارية ولابد من ان نضاعف الاجتهاد لاستكمال تصور ما يقضيه عليها الدين ونضاعف الجهاد لنمكن ذلك التصور في العمل والواقع ولا يمكن لجيلنا ان يتكل على اجتهادات الغير ومجاهداتهم وحدها فقد أدوا واجب الدين فيما يليهم من زمان وظروف وعلينا ان نؤدي ما يلينا ويلزمنا. لذلك ينبغي التركيز في دعوتنا للناس وكلامنا للمسلمين على دواعي الجهاد لا سيما بالنسبة للبلاد التي تجاوزنا فيها مرحلة الدعوة العامة لنظام الاسلام او التي يتمكن فيها الاعتقاد العام بحق الناظم الاسلامي. ففي مرحلة الدعوة الاولى في قرننا كانت أصول الدين الاساسية ذاتها غير مقبولة، وكان المتسلطون على المجتمع ينكرون ان يسود الاسلام على الملوك وعلى البنوك. اما اليوم فاننا نستشرف في مواضع كثيرة عهود تحكيم الاسلام وتنزيليه من تجريد العمومات الى ارض الواقع تفصيلا وتدبيرا ولا غنى لنا اليوم من اجتهاد يكون واسعا وكبيرا جدا كما قدمنا ويغلب كما قدمنا - ايضا - ان يتجه هذا الاجتهاد الى جوانب الحياة العامة التي أهملت من قبل لاننا في أبواب الشعائر مثلا يمكن ان نكتفي بالمادة الفقهية الموجودة بغير حرج كبير ما عدا طريقة التقديم وانما يتجه جهدنا الاكبر لجوانب الحياة العامة ولتطوير الاصول الفقهية التي تناسبها بدءا من الاصول التفسيرية الى الاصول الاجتهادية الواسعة.

التحديات الخارجية والداخلية

ويجابهنا في سبيل النهضة بفقه الدين تحد خارجي وهو اننا في الاستعانة على عبادة الله فكرا واجتهادا بكل ما كسب البشر من علوم قد نقع في اسر الغزو الثقافي فتتغير معاييرنا من حيث لا نشعر وهذا خطأ نبه اليه كثيرون ولا حاجة بي للاستفاضة في بيان مغازيه واننا ايضا نجابه تحديد داخليا من تلقاء مجتمعنا المسلم مما لم ننتبه اليه ونتعلم كيف نعالجه فمجتمعنا يقوم بمفهومات واعراف وصور تقليدية يؤمن انها تمثل الدين ويغار من أدنى مساس بها، وعندما نحاول تجديد التدين وتبديل صورة الحياة الاسلامية الموروثة فمؤكد ان يثور المجتمع التقليدي بتصوراته وأوضاعه وما عهد من مذاهب وطرق اضفى عليها التراث قداسة وأضافها الى جوهر الدين الباقي ولابد من ان نتهيأ لنتعامل مع هذا التحدي كما نتهيأ للتحدي الغريب. فنظام الاسلام التقليدي المتمكن في كثير من البلاد المعروفة يشكل اوضاعا اشبه بوضع الكنيسة في المجتمع النصراني. وأمراض التدين كلها تتشابه مع اختلاف الملل كما حذرنا الرسول (ص) حين تكلم عن اتباعنا لسنن من قبلنا والصراعات بين الكنيسة والمجددين معروفة وفيها عبرة لمن أراد ان يتصور مصائر الامور الدينية عندما تنشط حركة التجديد عندنا. ومن توفيق الله ان حفظ للمسلمين اصول شريعتهم ليستظهر بها المجددون الذين تتمثل حركتهم في الرجوع الى المنابع وعدم التقليد للموروث. ومن حسن حظنا في السودان اننا في بلد ضعيف التاريخ والثقافة الاسلامية الموروثة وقد تبدو تلك لاول وهلة نقمة ولعلها ببعض الوجوه نعمة اذ لا تقوم مقاومة شرسة لتقدم الاسلام المتجدد ذلك في مرحلة الانتقال ولكن يلزمنا حتى بعد تمكن المجتمع المسلم نظرا لامكانات الخلاف الواسعة ان نعتصم اعتصاما زائدا بما قدمنا من نظم تجمع الخلاف وترده الى وحدة وأهمها كما قدمنا بسط الشورى والالتزام بها بدقة وانضباط فالجماعة المسلمة بتقى منظمة جدا حيث تكون الشورى فيها سارية سائدة. ولنا أسوة حسنة في عهود نشأة الفقه الاولى حيث كان فقها شوريا على غير ما يتصور الذين ينسبونه للائمة وحدهم فمالك بن انس ما كان يصدر عن نفسه انما كان يجادل بمباحثه ومناظراته في أوساط المجتمع الفقهية وفي سائر مجالات الحياة، ولذلك نجده يتحدث كثيرا عن فقه هو ثمرة اجتهاد جماعي فيذكر عبارات ما لا يعلم فيه خلافا وما أجمع عليه اهل المدينة. وكذلك ابو حنيفة كان يتحرك بفقهه في ندوات الفقه وبين أستاذته وأصحابه المشهورين وكذلك سائر الائمة. ولكن حالت الاحوال وتوقفت الشورى وجمد التفاعل الفكري الحي بين المسلمين وأصبح امر الفقيه مع تلامذته ان هؤلاء يتلقون ولا يباح لهم ان ينقدوا وأن يقوموا ويسهموا فلا بد من ان ترتب الجماعات الاسلامية - حركات او دولا - بطريقة منظمة جدا حتى تدور المشاورة وينعقد الاجماع على كل مسألة قد تطرح خلافا واذا لم نرب المسلمين في عهد الدعوه والحركة على الاجتهاد الحر والخلاف الواسع ثم النزول على حكم الشورى والاجماع التزاما واستسلاما فاننا حين قيام الدولة سنواجه فتنة عظيمة تسلمنا الى الفوضى او الى الجمود حيث تؤثر الامن في الركون الى رأي الفرد الحاكم.

وان حياتنا اليوم لاشد تعقيدا وتركيبا وتقتضينا ان نحكم الشورى بما لم نعهد في واقع اسلامي سابق، وذلك حتى نفتح اوسع الابواب للفكر المنفعل بالدين وحتى نزوده بكل المؤهلات العلمية والخلقية وبسط امكانات البحث والاتصال والمناظرة فيكون اجتهادنا فعالا وشورتنا تامة. ثم لابد من ترتيب نظم القرار الملزم: ما يرجع لجمهور الامة او لممثليهم اهل الحل والعقد. وما يفوض الى الامراء حسب مراتبهم الدستورية والادراية. ولا بد لنا كذلك من تخطيط شامل لنظام الاحكام السلطانية او الدستورية المدون ونظام القوانين المجموعة المتعددة مع اتاحة مجالات مرنة للفقه القضائي والعلمي، ومع نسبة دقيقة بين أحكام الشريعة التي نضعها على الناس قضاء وجزاء على صعيد الدولة وتلك التي نبسطها في المجتمع آدابا مرعية بداعي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج اختصاص السلطان الرسمي، وتلك التي نحيلها على مرافق التربية لانها تلي وجدان المسلم المنفعل بمراقبة الله في ضميره وخلوته.

هذه اشارات عابرة ارتجلتها في سياق الحديث عن تجديد اصول الفقه ونظمه ومشكلات نهضته في الحاضر وأرجو ان يتاح لي مجال اوسع أتناول فقه الاصول ونظمه بمنهج ادق وتحليل أعمق ان شاء الله.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 16-05-03, 12:25 AM
أبو عبدالله النجدي أبو عبدالله النجدي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-08-02
الدولة: شرقي نجدٍ، سَقَى الحَيا رِمثَها وأَرْطَاها
المشاركات: 489
افتراضي

أخي البكري : بالنسبة إلى رسالة " التجديد " : كيف يمكن الاطلاع عليها ، ومن الذين ناقشوا الرسالة _______________

بارك الله فيك
__________________
كان الخليلُ بن أحمد ـ رحمه الله ـ إذا استفاد من أحدٍ شيئاً؛ أراه أنه استفاد منه، وإذا أفاد إنساناً شيئاً؛ لم يُرِه بأنه أفاده شيئاً.
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 19-05-03, 01:58 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

موقف العصرانيين من الفقه وأصوله

محمد حامد الناصر

بعد أن شكك العصرانيون بحجِّية السنة النبوية راحوا يهاجمون الفقه والفقهاء، ويدعون إلى تطوير أصول الفقه (وخاصة في المعاملات) زاعمين ظاهراً فتح باب الاجتهاد، ولكن ليس هو الاجتهاد كما عرفه الفقهاء استنباطاً من النصوص، وكشفاً وإظهاراً لحكم الله، وإنما هو عندهم اجتهاد لتخطي النص، بل وتخطي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولكتَّاب المدرسة العصرانية أقوال عحيبة حول تجديد أصول الفقه مآلها الفصل بين الدين والدولة، ومحاولة تمييع العلوم المعيارية للوصول إلى الفوضى، والتمهيد لتطبيق القوانين الوضعية الغربية تحت مظلة الإسلام.
يقول الدكتور أحمد كمال أبو المجد: "والاجتهاد الذي نحتاج إليه اليوم ليس اجتهاداً في الفروع وحدها، وإنما هو اجتهاد في الأصول"(1).
ودعا الدكتور حسن الترابي إلى تطوير أصول الفقه، للوفاء بحاجات المسلمين المعاصرة فقال: "إن علم الأصول التقليدي لم يعد مناسباً للوفاء بحاجتنا المعاصرة حق الوفاء؛ لأنه مطبوع بأثر الظروف التاريخية التي نشأ فيها"(2).
ويقول موضحاً فكرته: "إن الفقهاء ما كانوا يعالجون كثيراً من قضايا الحياة العامة، إنما كانوا يجلسون مجالس العلم المعهودة، ولذلك كانت الحياة العامة تدور بعيداً عنهم، والنمط الأشهر في فقه الفقهاء والمجتهدين كان فقه فتاوى فرعية، وإن العلم النقلي الذي كان متاحاً في تلك الفترة كان محدوداً مع عسر في وسائل الاطلاع والبحث والنشر، بينما تزايد المتداول في العلوم العقلية المعاصرة بأقدار عظيمة"(3).
وإنها لدعوى غريبة أن يزعم الدكتور الترابي أن العلم النقلي من نصوص الكتاب والسنة كان محدوداً في زمن نشأة الفقه وازدهاره!
وما البديل لدى الدكتور الترابي؟!
البديل عنده أن يشارك الشعب في الاجتهاد على طريقة دعاة الديمقراطية الغربية!!
يقول: "الاجتهاد مثل الجهاد، وينبغي أن يكون منه لكل مسلم نصيب".
ويضيف: "واتسم فقهنا التقليدي بأنه فقه لا شعبي، وحق الفقه في الإسلام أن يكون فقهاً شعبياً"(1).
ويتابع الدكتور محمد عمارة زملاءه في حملتهم على الفقه والفقهاء ودعوتهم إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لكل مدعٍ وعامي لا علم له بالكتاب والسنة. ويقول: "إن الاجتهاد يجب أن يخرج وأن نخرج به من ذلك الإطار الضيق الذي عرفه تراثنا الفقهي، والفقهاء ليسوا وحدهم المطالَبين بالاجتهاد؛ بل إن المطالَب به هم علماء الأمة وأهل الخبرة العالية فيها، ومن كل المجالات والتخصصات؛ لأن ميدانه الحقيقي هو أمور الدنيا ونظم معيشتها، وليس إلحاق فروع الدين بأصولها..."(2).
"فالمجتهد عند عمارة يمكن أن يكون بلا علم بالقرآن والسنة واللغة والأصول؛ لأن مجال المجتهد هو "أمور الدنيا" ولا يشترط لها كل هذا من العلوم الشرعية، وإنما يشترط لها أن يكون المرء "مستنيراً عقلانياً" تقدمياً ثورياً حضارياً؛ فمن جمع هذه الصفات فهو شيخ الإسلام حقاً؛ وقد بنى كلامه على باطل، هو التفريق المزعوم بين الدين والدنيا، وما بُني على باطل فهو باطل"(3).
ومن غرائب الاجتهاد العصراني أن بعضهم دعا إلى صهر المذاهب الفقهية في بوتقة واحدة، وجعلها مستمَداً لا ينضب معينه، وذلك بالتسليم بكل ما قالت به المدارس الفقهية على اختلافها وتناكرها، بغض النظر عن أدلتها، ثم اختزانها في مدونة منسقة الأبواب كمجموعة "جوستينان" وأعْنِي كل ما أعطت المدارس: الإباضية والزيدية والجعفرية والسنية، وذلك بجعل هذه الثروة الفقهية منجماً لكل ما يجدُّ ويحدث"(4).
"وهذه الدعوة التي تطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد ليفتح الباب على مصراعيه للقادرين وغير القادرين، ولأصحاب الورع وأصحاب الأهواء، حتى ظهرت الفتاوى التي تبيح الإفطار لأدنى عذر.. وتبيح الربا ـ إلا ربا النسيئة أو أصنافاً معينة ـ وظهرت آراء تحظر تعدد الزوجات وتحذر من الطلاق؛ وبذلك تحوَّل الاجتهاد في آخر الأمر إلى تطوير للشريعة الإسلامية، يهدف إلى مطابقة الحضارة الغربية"(5).
والنتيجة التي يود هؤلاء أن يصلوا إليها من تطوير الشريعة هو تحكيم القوانين الوضعية، وفي ذلك تنفيذ لمخططات أعداء الإسلام، الذين زعموا أن الفقه الإسلامي مأخوذ من الفقه الروماني. وردد هذه المقولة - مقولة المستشرق اليهودي "جولد زيهر" - الدكتور محمد فتحي عثمان نقلاً عن أستاذه السنهوري الذي يقول: "الفقه الإسلامي هو من عمل الفقهاء صنعوه كما صنع فقهاء الرومان وقضاته القانون المدني، وقد صنعوه فقهاً صحيحاً؛ فالصياغة الفقهية، وأساليب التفكير القانوني واضحة فيه وظاهرة"(6).
والغاية من كلام السنهوري وإقرار تلميذه له أن يخضع الفقه الإسلامي لإشراف القانون الوضعي، ويكيِّف نفسه حسبما يقتضيه ذلك الخضوع.



"وغني عن القول أن كل أصل من الأصول الفقهية ثبتت حجيته بالكتاب والسنة، وقد بيَّن أهل العلم أدلة كلٍ من: الإجماع والقياس والمصلحة وحجية ذلك.. فهي ليست مبتدعة كما يزعم هؤلاء؛ بل هي منهج الاستنباط الشرعي الذي هو من الدين"(1).
إن دعوة العصرانيين هذه ما هي إلا علمانية جديدة تود تسويغ تحكيم القوانين الوضعية في ديار المسلمين، أو للتهوين من شأنها، ومن ثَمَّ مساواتها بأحكام شريعة السماء.
وقد خرج هؤلاء علينا بفقه غريب شاذ يريد تسويغ الواقع المعاصر بانحرافاته، وإليك أخي القارئ نماذج من شذوذات العصرانيين في مسائل الفقه المختلفة.
شذوذات العصرانيين في ميادين الفقه المختلفة:
موقفهم من الحدود:
حاول العصرانيون تسويغ رفضهم لإقامة الحدود الشرعية بحجج واهية كالشفقة على المجرمين، وأن قطع اليد أو الرجم ما هي إلا قسوة ووحشية لا تناسب العصر الحاضر؟!
فالشيخ عبد الله العلايلي مثلاً: يرى أن إقامة الحدود ينبغي أن لا تتم إلا في حال الإصرار، أي: المعاودة تكراراً ومراراً؛ إذ إن آخر الدواء الكي، وبلغ من استهزائه بالحدود الشرعية أن قال: "إن إنزال الحد لا يتفق مع روح القرآن الذي جعل القصاص صيانة للحياة، وإشاعة للأمن العام، وليس لجعل المجتمع مجموعة مشوهين: هذا مقطوع اليد، والآخر مقطوع الرجل، أو مفقوء العين، ومصلوم الأذن، أو مجدوع الأنف".
أما الرجم: فيقول فيه بمذهب الخوارج: "لا رجم في الإسلام كما هو مذهب الخوارج عامة"(2).

لا يقام عليهما الحد إلا أن يكونا معروفيْن بالزنا، وكان من عادتهما وخلقهما؛ فهما بذلك يستحقان الجلد(3).
ولحسين أحمد أمين فتوى عجيبة في حد السرقة عندما يقول: "لقد كان الاعتداء على الساري في الصحراء بسرقة ناقته بما تحمل من ماء وغذاء وخيمة وسلاح في مصافِّ قتله، لذلك كان من المهم للغاية أن تقرر الشريعة عقوبة جازمة رادعة لجريمة السرقة في مثل هذا المجتمع"(4).
إباحة الربا في البنوك:
وقد بدأ ذلك الاجتهاد الشيخ محمد عبده، وتابعه في ذلك تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا، وكانت الحجة هي الحفاظ على اقتصاد البلاد. والربا المحرم عند هؤلاء هو الربح المركب، أي الذي يكون أضعافاً مضاعفة(5).
وممن قال بذلك مـن المعاصرين: الشيخ عبد الله العلايلي، وهــو يكــرر ما قاله أسلافه، يقول: "ما دام المصرف لا يزيد على أنه مقر سمسرة بتقاسم المردود مشاركةً مع من أسلم إليه مالاً، مفوضاً إياه ليعمل به حيث قضت خبرته، ولا قائل بحرمة عمولة السمسار!!(6).
فحرمة الربا واضحة، ونصوصه قطعية في الكتاب والسنة، وتحريم السرقة في الكتاب والسنة، وطُبِّق الرجم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ ولذلك فمن فضول القول أن نناقش الفتاوى السابقة؛ لأنها واضحة الضلال والانحراف، وخارجة عن إجماع فقهاء الأمة خلال عصورها المفضلة.
يقول الشيخ محمد الشنقيطي ـ رحمه الله ـ في هذه الفتاوى المنحرفة: "أما النظام الوضعي المخالف لتشريع خالق السماوات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السماوات والأرض كدعوى تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأن الرجم والقطع ونحوها أعمال وحشية لا يسوغ فِعْلها بالإنسان... إلخ"(1).
ويكفي أن نعلم أن الأمم عندما ألغت القصاص شاعت فيها الجرائم، وضجت المحاكم وابتليت المجتمعات، فشاعت الفوضى ونضب معين الأمن.
موقفهم من قضية المرأة:
اهتم العصرانيون بقضية ما يسمى بتحرير المرأة وإعطائها حقوقاً سياسية كالمرأة الغربية، ودعوا إلى الثورة على الحجاب وتعدد الزوجات وإباحة الطلاق؛ لقد أكمل هؤلاء المؤامرة على المرأة المسلمة التي قادتها الحركة النسائية بعد قاسم أمين وأعوانه.
لقد اعتبر العصرانيون مسألة تعدد الزوجات ـ التي شرعها الله ـ من سمات عصر الإقطاع. يقول محمد عمارة: "إن تعدد الزوجات، وتتابع الزواج واتخاذ السراري والجواري من سمات عصر الإقطاع والدولة الإقطاعية"(2).
ويرى هؤلاء أن الحجاب الشرعي قيد يجب التخلص منه، ثم راحوا يسوِّغون الاختلاط بين الرجال والنساء بعد أن زينوا للمرأة الخروج من بيتها وحصنها الأمين.
فالدكتور محمد عمارة يرفض أن تعود المرأة مكبلة بحجابها ويؤكد "أن جذور هذه القضية ترتبط بالتمدن والتحضر والاستنارة أكثر مما هي مرتبطة بالدين"(3).
وهذا حسين أحمد أمين يقرر أن الحجاب "وهمٌ صنعه الفرس والأتراك، وليس في القرآن نص يحرم سفور المرأة أو يعاقب عليه"(4).
والدكتور الترابي يقصر الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقط. والاختلاط مباح في عرف العصرانيين؛ إذ "ليست الحياة العامة مسرحاً للرجال وحدهم، ولا عزل بين الرجال والنساء في مجال جامع".
"وتجوز المصافحة العفوية التي يجري بها العرف في جو طاهر وذلك عند السلام ـ كما يزعم"(5).
وفي ذلك مخالفة لأحاديث صحيحة وصريحة؛ فقد جاء في الحديث الشريف عن أميمة بنت رقيقة قالت: "جئت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة نبايعه، فقال لنا: "فيما استطعتن وأطعتن؛ إني لا أصافح النساء"(6).
ويرى الترابي كذلك أن للمرأة أن تسقبل ضيوف الأسرة وتحدثهم وتخدمهم وتأكل معهم"(7).
ويدعو الدكتور محمد فتحي عثمان إلى ما يسميه الاختلاط المأمون؛ لأن المجتمع الذي يلتقي فيه الرجال والنساء في ظروف طبيعية هادئة، لن يغدو مثلُ هذا اللقاء قارعة تثير الأعصاب؛ إذ سيألف الرجل رؤية المرأة ومحادثتها، وستألف المرأة بدورها الرجل، وتتجمع لدى الجنسين خبرات وحصانات وتجارب(8).
وواقع المرأة المزري في ديار الغرب مما ينقض هذا الرأي.
ودعا العصرانيون إلى مشاركة المرأة في السياسة والقانون والتجارة والاقتصاد بلا قيود، ويرون جواز مشاركتها في الانتخابات والمجالس النيابية؛ بل ويرى بعضهم ولاية المرأة للقضاء، وحتى الولاية العامة جائزة عند العصرانيين بإطلاق(1).
إلغاء أحكام أهل الذمة:
لقد أكثر العصرانيون من الحديث حول حقوق أهل الذمة وزعموا أن أحكام أهل الذمة كانت لظروف خلت وأن تطور العصر يرفضها، وممن تصدى لهذه المسألة وخصّص لها كتاباً: فهمي هويدي بعنوان: "مواطنون لا ذميون" نقتطف منه بعض آرائه؛ حيث يقول: "أليس غريباً أن يجيز الفقهاء أن يفرض المسلمون الحرب دفاعاً عن أهل ذمتهم، ثم يحجب البعض عن هؤلاء حق التصويت في انتخابات مجلس الشورى مثلاً؟" ثم يقول: "أما تعبير أهل الذمة فلا نرى وجهاً للالتزام به إزاء متغيرات حدثت. وإذا كان التعبير قد استخدم في الأحاديث النبوية فإن استخدامه كان من قبيل الوصف، وليس التعريف، ويبقى هذا الوصف تاريخياً لا يشترط الإصرار عليه دائماً"(2) فالكاتب يحاول إلغاء الأحكام بلا دليل، وكأن الاجتهاد في الإسلام تحوَّل إلى لعب أطفال وأوهام مبتدعة، وأمزجة منحرفة.
وفي فصل "الجزية التي كانت" يقول: "ومن غرائب ما قيل في هذا الصدد تعريف ابن القيم للجزية بأنها هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، وأن هذا يتنافى مع روح الإسلام، ودعوته للمسامحة بين الناس جميعاً: إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(3).
لقد حكمت الشريعة الإسلامية بضعة عشر قرناً من عمرها، لم يعرف في التاريخ عدلاً وإنصافاً ورحمة بأقليات دينية كما عرفت في تلك القرون تحت مظلة الشريعة، بل كانت الطوائف تفر من بطش أبناء دينها لتنعم بالأمن في ظل عدل الإسلام وإنصاف المسلمين، إلا أنها التبعية والتزلف الذي تناسى أصحابه أحقاد اليهود والنصارى التي ما زالت والغة في دماء المسلمين.
ولكن: يا ليت قومي يعلمون!
حقيقة العصرانية: علمانية جديدة:
لاحظنا فيما سبق من حلقات أن العصرانيين يلحُّون على تطوير الشريعة محاولين التسلل نحو تحكيم القوانين الوضعية "وخاصة في قضايا المعاملات وسياسة الحكم، وشؤون المجتمع".
وزعموا أن القوانين الوضعية لا تخالف الشريعة الإسلامية، كما دعوا إلى التوفيق بين الشريعة وتلك القوانين، أي أنهم دعوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وهذه هي العلمانية بأجلى مظاهرها.
فالعلمانية مصطلح غربي يعني إقامة الحياة على غير الدين على مستوى الفرد والأمة، وقد ساد هذا المذهب أوروبا رد فعلٍ على تسلط الكنيسة ومبادئها المحرَّفة إثر صراع دام بين الكنيسة والعلم.
والعلمانية فكرة مستوردة بعيدة عن مناهجنا وتراثنا وهي تعني ـ بداهة ـ: الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا هو معنى قيام الحياة على غير الدين، وهي نظام جاهلي بعيد عن دائرة الإسلام، قال ـ تعالى ـ: من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون {المائدة: 44}.
وقد سلك العصرانيون لتحقيق هدفهم هذا سبلاً متعددة منها:
1 - محاولاتهم الجادة لتنحية الشريعة:
لقد هاجم العصرانيون الفقه والفقهاء، وشككوا في حجية السنة النبوية، واتفقوا ـ باسم الاستنارة ـ على ضرورة تجديد الإسلام ذاته، بمعنى تعديل أحكامه وتشريعاته أو اقتلاعها من الجذور.
فالدكتور محمد أحمد خلف الله: "يرى ضرورة انعتاق الأحكام من إسار الشريعة إلى بحبوحة القوانين الوضعية، وأن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق، لم يكن لهم بها عهد من قبل"(1).
"وهو يعجب من الجامدين الذين يتمسكون بتلك المعايير البالية لمجرد أنها وردت في القرآن والسنة"(2).
ويعتبر الدكتور محمد عمارة أن الشريعة ما عادت تلائم قضايا العصر فيقول: "إن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما يقرره نبي لعصره"(3).
ويدعو كذلك إلى مدنيَّة السلطة، وجعل حق التشريع في يد جمهور الأمة عندما يقول: "فأصحاب السلطة الدينية قد احتقروا جمهور الأمة عندما سلبوها حقها في التشريع وسلطاتها في الحكم" على حين قرر القائلون بمدنيَّة السلطة "أن الثقة كل الثقة بمجموع الأمة؛ بل جعلوها معصومة من الخطأ والضلال"(4).
أما الدكتور أحمد كمال أبو المجد "فهو يتعجب ويتأفف من هؤلاء المسرفين الذين يرون ضرورة إسقاط القوانين الوضعية، ومن ثم يدعو إلى زلزلة قواعد الشريعة؛ حيث لا يُقتصر الاجتهاد على الفروع فحسب، بل والأصول أيضاً"(5).
إن الأقوال السابقة تدعو صراحة إلى إسقاط الأحكام الشرعية. والشريعة الإلهية هي حكم الله، والقانون الوضعي حكم جاهلي كله سفه ونقص وعجز وقصور.
والشريعة الإلهية فصّلها الله الذي خلق الإنسان، وهو أعلم به؛ فهي ثابتة باقية إلى يوم القيامة، أما القانون الوضعي فهو صناعة بشرية من أناس يتصفون بالعجز والنقص والتحريف، وتتحكم فيهم الشهوات(6).
إلا أنها التبعية عند العصرانيين الجدد الذين يرون التقدم في القوانين الأجنبية منذ أقدم العصور، يقول محمد فتحي عثمان: "وعلينا ألا نتنكر لأنظمة مرت بمراحل تقدمية كبرى في الفكر والتطبيق، قبل أن نتطور بثروتنا الفقهية التي تكدس عليها غبار القرون من التعطيل والتجميد"(7).
ولنا أن نتساءل عن هذه المراحل التقدمية؟!!
يقرر البحث العلمي أن مراحل القانون الوضعي تبدأ بقانون "حمورابي" وقانون "مانو" وقانون "أثينا" والقانون "الروماني" والقانون "الكنسي الأوروبي" مأخوذ من القانون الروماني ومما شرعه الرهبان، ثم قانون نابليون، وهذه هي المراحل التقدمية الكبرى في الفكر والتطبيق عند المؤلف(8).
يقول ـ تعالى ـ: أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون {المائدة: 50}.
2 - تأييد سقوط الخلافة:
لقد تكالب الأعداء على إسقاط الخلافة، وكان من أهم شروط اتفاقية (سايكس ـ بيكو) 1915م، أن اشترط الحلفاء "إلغاء نظام الخلافة وطرد السلطان العثماني خارج الحدود، ومصادرة أمواله، ثم إعلان علمانية الدولة"(1).
وهاجم العصرانيون نظام الخلافة متبعين في ذلك كبيرهم الشيخ علي عبد الرازق، صاحب كتاب: (الإسلام وأصول الحكم) الذي وصف الخلافة بأنها "خطط دنيوية صرفة لا شأن للدين بها، وليس لنا حاجة إليها في أمور ديننا ولا دنيانا، ولو شئت لقلنا أكبر من ذلك؛ فإنما كانت الخلافة، ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد"(2) ـ وهو يستعير في عرضه هذا آراء المستشرقين من قساوسة صليبيين ويهود حاقدين ـ وأن الإسلام دين لا دولة، وكان التوقيت لصدور كتابه هذا خبيثاً؛ ذلك أنه أصدره عام (1925م) لإجهاض محاولات إحياء الخلافة آنذاك بعد إلغائها على يد كمال أتاتورك(3).
ويقول محمد أحمد خلف الله: "والفكر السياسي في نظام الحكم هو فكر بشري خالص، وتستطيع المؤسسات العلمية من أمثال كليات العلوم السياسية أن تجتهد فيه"(4).
ويرى محمد فتحي عثمان "أن الخلافة الإسلامية كانت صورة تاريخية، ولم تعش طويلاً، فعلى المسلمين ألا يفكروا فيها مرة أخرى"(5).
ويقول محمد عمارة: "لم تكن الدولة هدفاً من أهداف الوحي، ولا مهمة من مهام النبوة والرسالة، ولا ركناً من أركان الدين وإنما اقتضتها ضرورة حماية الدعوة الجديدة"(6)، "إن موقف الإسلام في مجال السياسة والدولة ينكر وجود سلطة دينية لبشر خارج نطاق الموعظة والإرشاد، ولم يحدد نطاقاً معيناً للحكم"(7).
وهذه آراء علي عبد الرازق وسادته من المستشرقين الحاقدين نفسها.
لقد كان منصب الخلافة شوكة في حلوق أعداء الإسلام، وهدفاً طالما تحالفوا لإسقاطه، وتمزيق ديار المسلمين، وها هم تلامذة اليهود والنصارى ينادون بما خطط لهم سادتهم، والويل والصَّغار للمرْجفين.
3 - دعوتهم الصريحة إلى علمانية الحكم:
يصرح بعض العصرانيين بحقيقة دعوتهم في الحكم وفصل الشريعة عن قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويدعون إلى علمانية مصبوغة بمفهومهم عن الإسلام.
فالدكتور حسن حنفي يرى أن العلمانية هي أساس الوحي ويقول: "العلمانية هي أساس الوحي؛ فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ"(8).
ويقول الدكتور محمد عمارة: "أما إسلامنا فهو علماني، ومن ثم فإن مصطلح العلمانية لا يمثل عدواناً على ديننا، بل على العكس يمثل العودة بديننا إلى موقفه الأصيل" ويقول: "فالسياسة والحكم والقضاء وشؤون المجتمع ليست ديناً وشرعاً يجب فيها التأسي والاهتداء بما في السنة من وقائع؛ لأنها عالجت مصالح هي بالضرورة متطورة ومتغيرة"(9).
إذا لم تكن العلمانية هي ما يقوله العصرانيون فماذا ستكون؟! فهم بفصلهم الدين عن شؤون الدولة والحياة، يدعون إلى علمانية قد يسمونها إسلامية، ولكنها في الحقيقة أشد بعداً عن الدين من العلمانية اللادينية؛ لأن هؤلاء يخدعون العامة باسم الإسلام، وتحت أسماء: "المفكر الإسلامي، الداعية الإسلامي، العقلاني المستنير".

ويريد هؤلاء الكتاب حكماً علمانياً، وفي أحسن أحواله ديمقراطياً برلمانياً على طريقة الغرب في أن يكون للأمة حق التشريع. رغم أن واقع الديمقراطية الغربية يشهد بإفلاس شعاراتها عند التطبيق، كما يريد بعضهم حكماً اشتراكياً يسارياً، باسم اشتراكية الإسلام أو اليسار الإسلامي(1).
ويقول محمد فتحي عثمان: "واليسار المسلم يتمسك بالديمقراطية؛ إذ هي حكم الله في المصالح والعلاقات الإنسانية؛ حيث لا يكون النص الإلهي الملزم القاطع"(2).
والحقيقة: "أن الفاصل بين العصرانيين والعلمانيين ـ إن وجد ـ دقيق جداً، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، واسمان لمسمى واحد. وقد استفاد العصرانيون مما واجهه العلمانيون من استنكار، فراحوا يغيرون ويبدلون في المسميات، ويبحثون عن الشبه والزلات، ليلبسوا العلمانية ثوباً إسلامياً مزوراً، ويضفوا عليها صفة الشرعية، ويتمكنوا من التمويه على العوام، والتلبيس على أهل الإسلام ولو إلى حين"(3).
إن تنحية الشريعة عن شؤون الحياة من أخطر وأبرز مظاهر الانحراف في مجتمعات المسلمين الحديثة؛ وإلاَّ؛ فما الفرق بين قول قريش في جاهليتها: يا محمد! اعبد آلهتنا سنة ونعبد آلهتك سنة، وبين قول العلمانيين ـ لفظاً أو واقعاً ـ: نعبد الله في المسجد، ونطيع غيره في المتجر أو البرلمان أو الجامعة؟!
وفي هذا الصدد يقول الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ: "إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين" وقال ـ رحمه الله ـ: "من اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقاً أو بالنسبة إلى ما استجد من الحوادث التي نشأت عن تطور الزمان وتغير الأحوال، فلا ريب أنه كفر"(4). وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (منهاج السنة): "ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر؛ فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر".
ومن الخطأ أن تنقل تجربة غريبة هجينة في التصور والاعتقاد إلى ديار المسلمين.
"إن الغلطة من الأصل هي محاولة وضع الإسلام وتطبيقاته على ميزان التجربة الأوروبية، واستخدام المصطلحات الغربية ذات الدلالات المحلية البحتة، كأنها اصطلاحات عالمية تصلح للتطبيق على أي شيء، وفي أي مكان، دون النظر إلى الفروق الجوهرية بين الاصطلاحات التي وضعها البشر في ظروف معينة، والمصطلحات التي أنزلها الله لتحكم الحياة، أو اجتهد المجتهدون بها، وهم ملتزمون بما أنزل الله"(5).
ولقد تميزت العصرانية بتبني الآراء الشاذة، والأقوال الضعيفة، واتخاذها أصولاً كلية الهدف منها عند أصحابها هدم القديم أكثر من بناء أي جديد؛ إذ دأبوا على محاولاتهم لتطويع الإسلام بكل وسائل التحريف والتأويل كي يساير الحضارة الغربية فكراً وتطبيقاً، ومن أجل ذلك دعوا إلى التقريب بين الأديان والمذاهب، وهوَّنوا من أمر الجهاد وقصروه على جهاد الدفاع فقط، ولكن الله غالب على أمره، والعاقبة للمتقين.



مجلة البيان عدد 146
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 20-05-03, 12:39 AM
عبدالرحمن الشهري عبدالرحمن الشهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-03-03
الدولة: الرياض
المشاركات: 29
افتراضي

أخي أبا حاتم وفقه الله ،
كنت وعدتكم بأن أقوم بنقل بعض ما احتوت عليه رسالة الدكتوراه (محاولات التجديد في أصول الفقه ودعواته – دراسة وتقومياً) للدكتور هزاع بن عبدالله الحوالي.
وقد قمت فعلاً بتصوير المطلوب بعد ذلك بيومين فقط . ثم وضعهتا أمامي منذ ذلك التاريخ إلى الآن ، ولم أستطع أن أقوم بذلك إلى الآن ، لانشغالي بملتقى أهل التفسير فسامحني وفقك الله.
فلو بعثت لي برقم فاكسك مثلاً لبعثتها إليك مباشرة. وأعتذر لك. وفقك الله. ولعلك أنت بدورك تقوم بتلخيصها للإخوة المشاركين ففيها كلام نفيس ، ونتائج جديرة بالعناية.

وبالنسبة لسؤال الأخ النجدي عن المناقشين للرسالة فعلى حد علمي أن الذي أشرف على الرسالة هو الدكتور الكريم أحمد سير مباركي محقق كتاب العدة لأبي يعلى.
وناقش الرسالة كل من الدكتور يعقوب الباحسين من كلية الشريعة في الرياض.
والدكتور حمزة الفعر من جامعة أم القرى .
ويمكن الاطلاع على الرسالة في مكتبة قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض . وربما لا يأذنون لغير أعضاء هيئة التدريس بدخولها حسب ما رأيت منهم ، وقد بلغني الأخ سعد الله الحوالي أخو الشيخ سفر وقريب الدكتور هزاع أنه سيطبعها هزاع قريباً أو أنها طبعت وستكون في المكتبات قريباً.
وفقكم الله جميعاً.

التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن الشهري ; 20-05-03 الساعة 12:42 AM
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 20-05-03, 01:51 PM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي

المبحث المقاصدي وتجديد أصول الفقه
إبراهيم الكيلاني
باحث تونسي

لا يماري أحد في أن المبحث المقاصدي، كان جزءاً من المباحث المتعلقة بأصول الفقه، بل قسماً من أقسامه. ويمكن القول أنه إلى اليوم لم يستقل بعد عنه، على رغم دعوة الاستقلالية التي رفع لوائها الإمام ابن عاشور بداية القرن العشرين. ولكن لا تزال المقاربات في هذا المضمار متواضعة. وفي تقديرنا قد توزعت الدراسات في المبحث المقاصدي إلى وجهات أبرزها:
1- «جعل المقاصد قسماً متميزاً من أصول الفقه ينضاف إلى الأقسام الأخرى».
2- «إنشاء صياغة جديدة لأصول الفقه ينتقل بمقتضاها هذا العلم إلى مزيد من الإحكام المنهجي والاشتمال المضموني» .
3- انفراد المقاصد عن أصول الفقه لتكوّن علماً جديداً ينبني على القطيعات وحدها..
ومما تقدم يتضحُ بأن الفكرة الأساسية التي تنطلق منها جميع تلك وجهات النظر هي الإشارة إلى ضرورة إعادة كتابة علم أصول الفقه، وأن المنهجية الأصولية في صياغتها الحالية بحاجة إلى التجديد لتكون قادرة على الاستجابة للتحديات التي تفرضها التغيرات الكبرى المنجزة التي تجتاح العالم اليوم في مختلف مناحي الحياة، مع التأكيد دوماً على أن أصول الفقه «يعد بحق علماً أنشأته الحضارة الإسلامية إنشاء» دون إنكار التداخل فيه بنوعيه: الداخلي والخارجي.
ومبررات دعوة التجديد في علم أصول الفقه كما يطرحها دعاتها يمكن إجمالها في:
1- دخول الظني في مسائل أصول الفقه الأمر الذي تعذّر معه أن يكون «منتهى ينتهي إلى حكمه المختلفون في الفقه» .
2- الغالب في أصول الفقه البحث في منهج الفهم دون منهج التطبيق للنص .
3- العلاقة الوثيقة بين التجديد في الفقه والتجديد في أصول الفقه .
4- التجديد في أصول الفقه دعامة ضرورية لإزالة الفجوة بين الإسلام والعالم، إذ هيمن الإسلام التاريخي على إسلام النص .
هذا وقد أكدت جميع الدراسات الداعية إلى التجديد الأصولي، إلى أهمية المبحث المقاصدي بل أن أحد الأسباب الجوهرية لضعف أصول الفقه يعود إلى «الغفلة عن مقاصد الشريعة فلم يدونوها في الأصول إنما أثبتوا شيئاً قليلاً في مسالك العلة مثل مبحث المناسبة والإخالة والمصلحة المرسلة وكان الأولى أن تكون الأصل الأول للأصول لأن بها يرتفع خلاف كبير» . لذلك وكما أشرنا في المقدمة أن إعادة الاعتبار إلى المقاصد يعد الخطوة الأساسية الأولى في عملية التجديد الفقهي والأصولي.
إلى هنا انتهى ما يتعلق بهذا الموضوع .

بقية البحث في مقاصد الشريعة .
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 20-05-03, 09:53 PM
ابن الجزري ابن الجزري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-03-03
المشاركات: 24
افتراضي

بحث قيم واختيار موفق فجزاك الله خيرا أخي أبو حاتم
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 21-05-03, 02:33 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي في تجديد أصول الفقه: فكرة.. من يتبنَّاها؟؟ للدكتور الفاضل الأستاذ كمال المصري

موضوع أصول الفقه وتجديده موضوعٌ يطول فيه الحديث، أو لنقل: "يطول فيه الهمّ"، فالحديث ذو شجون، وأتمنَّى لو يُدْلي أهل الاختصاص بدلوهم فيه، لأنَّ الأمر قد طال عليه الأمد، ووجب أن يقف له أحد، أو آحادَ العلماء والمختصِّين، ولا أعني علماء الشريعة فقط، بل كلُّ من يمكن أن يفيد ويساعد في ذلك، مثل أهل الاختصاص في اللغة والقانون والإدارة والاجتماع، ولا بأس من استدعاء من له علاقةٌ في بعض الجوانب من المختصِّين من التخصُّصات الأخرى، بحيث يحضرون حين الحاجة إليهم.
فلو عقد هؤلاء جلساتٍ متعدِّدة للنظر في مسألة الأصول، وتحديد الرؤية وجوانب التعامل معه، ووضع ضوابط التجديد وحدوده، والنظر إليه من خلال واقعنا المعاصر بكلِّ تفصيلاته وتداعياته واشتباكاته، ثمَّ العمل على صياغة تصوُّرٍ ومذكِّرة عمل، ثمَّ إيكالها إلى مجموعةٍ من المختصِّين ليحرِّروا منها صياغةً جديدةً لعلم الأصول، تحت إشراف عددٍ ممَّن شاركوا في وضع الرؤية والضوابط.

أتمنَّى لو تبنَّت إحدى الهيئات أو الجهات الأمر، وهيَّأت له الظروف والاحتياجات، كي نخدم أمَّتنا حقّا، ونقدِّم لها ما تحتاجه بالفعل.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 21-05-03, 03:10 AM
كرم كرم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-05-03
المشاركات: 5
افتراضي رسالة هزاع الحوالي في تجديد أصول الفقه

عنوان الرسالة محاولات التجديد في أصول الفقه دراسة وتقويم
دكتوراه عام 1413هـ من جامعة الإمام باشراف احمد سير المباركي ومناقشة يعقوب الباحسين وحمزة الفعر

واحب ان أخبركم عن قصتي مع هذه الرسالة
انا من المتابعين لهذا الموضوع كثيرا وقد جمعت فيه الشيي الكثير ولله الحمد وما أن اطلعت على عنوان هذه الرسالة إلا واشتاقت نفسي الى قراتها فسافرت إلى الرياض خصيصا لها حتى اطلع عليها ولا اريد أن اذكر المتاعب التى واجهتني حتى اطلع عليها ولكن وفقني الله بعد عناء من الاطلاع على الرسالة
فوجدتها متميزة في بابها والحق يقال انه من أروع الرسائل وسوف استحضر في ذهني ملخص الرسالة وانشره غداً باذن الله تعالى
علما باني بعد البحث الطويل على عنوان الشيخ هزاع الحوالي (وهو ابن عم الشيخ سفر الحوالي وهو مثله من العباقرة ) واخيراً وجدته وإن رغبتم أن اذكره لكم حتى يتم الاتصال عليه وحثه على طباعتها فانه لاماتع لدي وعنوانه في موريتانيا
__________________
كن رجلاً إذا أتوا من بعده
قالوا مر وهذا الأثر
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:31 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.