ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 27-05-07, 10:37 AM
أبو حازم الكاتب أبو حازم الكاتب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-08-06
المشاركات: 1,235
افتراضي المناظرة آدابها وقواعدها

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فهذه بعض المسائل المهمة والآداب والقواعد في المناظرة أضعها على شكل مباحث :
المبحث الأول : تعريف المناظرة لغة واصطلاحاً .
المبحث الثاني : المصطلحات ذات الصلة ( الجدل ، المحاورة ، المناقشة ، المحاجة ،المباحثة ..) .
المبحث الثالث : أغراض المناظرة والهدف منها .
المبحث الرابع : مشروعية المناظرة .
المبحث الخامس : أركان المناظرة ( المتناظران ، والموضوع ) وشروطها .
المبحث السادس : ضوابط المناظرة .
المبحث السابع : قواعد وأصول المناظرة .
المبحث الثامن : آداب المناظرة .
المبحث التاسع : أحوال المناظرة ( الإفحام ، الإلزام ، المصادرة ، الغصب ، المكابرة ، السفسطة ، الحيدة ، النقض والمناقضة ، المعارضة ، الانتقال ، الانقطاع ) .
المبحث العاشر : إقامة الحجة .
المبحث الحادي عشر : نماذج للمناظرة في الكتاب والسنة وعند السلف .
المبحث الثاني عشر : الكتب التي ألفت في المناظرة .
وسوف أتكلم كل يوم إن شاء الله عن مبحث من هذه المباحث حسب القدرة وما يتيسر من الوقت بشكل بسيط مختصر يفي بالمقصود ، علماً أن البحث في المناظرة له ارتباط بأصول الفقه أكثر من غيره من العلوم ولذا يذكره كثير من الأصوليين في خاتمة مباحث أصول الفقه ومنهم من يفرده بمؤلفات خاصة كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

المبحث الأول : تعريف المناظرة لغةً واصطلاحاً :
المناظرة لغة :
قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة ( 5 / 444 ) : ( النون والظاء والراء أصل صحيح يرجع فروعه إلى معنى واحد وهو تأمل الشيء ومعاينته ثم يستعار ويتسع فيه )
وقال الراغب في المفردات ( ص 518 ) : ( النظر : تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته وقد يراد به التأمل والفحص وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص وهو الروية .. )
ويؤخذ من كلام ابن فارس والراغب أن النظر يقع في المحسوسات والمعاني فما كان من المحسوسات فالنظر إليه بالبصر وما كان من المعاني فالنظر إليه بالبصيرة والعقل .
فمن النظر بالبصر قوله تعالى : وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة
ومن النظر بالبصيرة وهو التفكر والتدبر قوله تعالى : أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وقوله : قل انظرو ماذا في السموات
ويطلق النظر ويراد به الانتظار فيقال : نظرت فلاناً وانتظرته ومنه قوله تعالى : انظرونا نقتبس من نوركم وقوله : وما كانوا إذا منظرين وقوله : لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون ونحوها .
وقال الراغب في المفردات ( ص 518 ) : ( والمناظرة : المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته والنظر : البحث وهو أعم من القياس لأن كل قياس نظر وليس كل نظر قياساً )
وقال الخليل بن أحمد : ( والمناظرة : أن تناظر أخاك في أمرٍ إذا نظرتما فيه معاً كيف تأتيانه ) العين ( 8 / 156 )
وينظر تاج العروس ( 1 / 3554 ) لسان العرب ( 5 / 215 ) مادة نظر تهذيب اللغة للأزهري ( 14 / 371 ) مادة نظر .
ويقال ناظرت فلاناً إذا صرت له نظيراً في المخاطبة .

أما المناظرة اصطلاحاً :
1 - فقال الجرجاني والمناوي في تعريفها هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارا للصواب . التعريفات ( ص 298 ) التعاريف للمناوي ( ص 678 )
2 - وقيل هي : تردد الكلام بين شخصين يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول صاحبه مع رغبة كل منهما في ظهور الحق . ينظر : مناهج الجدل في القرآن د. زاهر الألمعي ( ص 24 )

ويظهر لنا معنى الترابط بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للمناظرة في كون المناظرة يحصل فيها التدبر والتفكر والبحث كما أن فيها معنى التقابل بين المتناظرين وبين ادلتهما وقوليهما ، وفيها معنى الانتظار لكون كلٍ من المتناظرين ينتظر صاحبه حتى يتم كلامه ثم يجيب عنه ويناظره فيه ، كما أن فيها معنى النظر الحسي فكل من المتناظرين غالباً ينظر في مناظره ليسمع كلامه ويستوعب قوله وحجته .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 27-05-07, 04:24 PM
ابو يعقوب العراقي ابو يعقوب العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-05-07
الدولة: في قلب كل محب
المشاركات: 2,252
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله
اكمل اخي الموضوع حلو وانت اجمل
وجزاك ربي الخير



________________________________________
وانت امرؤ لم تجهل العلم وحده بل الجهل ايضاً بل وجهلك بالجهل
سؤال وجواب- في شرح ابن عقيل . الدرس الاول
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-05-07, 08:15 PM
السنافي السنافي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-05
المشاركات: 618
افتراضي

جزاكم الله خيرا

أخي العراقي ..لم هذا التوقيع؟ وما الفائدة منه ؟

وانت امرؤ لم تجهل العلم وحده بل الجهل ايضاً بل وجهلك بالجهل

أليس من أبيات الرصافي في هجاء من ردَّ عليه ..يسردها في سياقٍ مقذع !
قائلاً : أنزّه عنك السيف في قتلك الذي تحتم لكن يا ....... بالنعل !!!!!!
__________________
عن سفيان الثوري: " لا تقل بلسانك ما تكسّر به أسنانك ".
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28-05-07, 03:38 PM
ابو يعقوب العراقي ابو يعقوب العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-05-07
الدولة: في قلب كل محب
المشاركات: 2,252
افتراضي

اخي الحبيب
تذكرت هذا البيت لان اكثر المناظرين من اهل الباطل امام اهل الحق على مر العصور ينطبق عليهم هذا البيت
وما الضير في ذلك من مناظر يجهل انه جاهل ويجهل بالجهل نفسه


_________________________________
قد اهتدى من له علم بغايته ....... اما الذي هو ذو جهل فقد خبطا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 28-05-07, 05:12 PM
أبو الحارث السنى أبو الحارث السنى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-04-07
المشاركات: 182
افتراضي

أكمل أخى أبو حازم بارك الله فيك
فآداب التناظر من جملة الآداب الضائعه
وفقك الله لكل خير
ثم انى أنصح اخوانى بسماع محاضرة آداب التناظر للشيخ محمد اسماعيل المقدم
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 28-05-07, 11:13 PM
أبو حازم الكاتب أبو حازم الكاتب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-08-06
المشاركات: 1,235
افتراضي

المبحث الثاني : المصطلحات ذات الصلة ( الجدل ، المحاورة ، المناقشة ، المحاجة ،المباحثة ) :

1 - الجدل :
الجدل في اللغة :
قال ابن فارس : ( الجيم والدال واللام أصل واحد وهو من باب استحكام الشيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام ) معجم مقاييس اللغة ( 1 / 433 )
قال ابن الأثير : الجدل : مُقابلة الحجَّة بالحجَّة . والمجادلة : المناظرة والمخاصمة . النهاية في غريب الحديث ( 1 / 707 )
والجَدْل شِدَّة الفَتْل وجَدَلْتُ الحَبْلَ أَجْدِلُه جَدْلاً إِذا شددت فَتْله وفتلته فتلاً محكماً ومنه قيل لزمام الناقة الجَدِيل قال امرُؤ القيس :
وكَشْحٍ لَطِيفٍ كالجَدِيلِ مُخَصَّرٍ ... وساقٍ كأُنْبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
ومنه :المِجْدَل : القصر المحكم .
ويقال جدل إذا اشتد وصلب ومنه قولهم غلام جادل أي مشتد ومنه قولهم عن الأرض جدالة لشدتها والأجدل صفة الصقر لشدته وجمعه أجادل .
ويقال مجدل ومجندل إذا صرعه أرضاً والمراد صرعه على الجدالة وهي الأرض .
ورجل جَدِل إِذا كان أَقوى في الخِصام وجادَله أَي خاصمه مُجادلة وجِدالاً والاسم الجَدَل وهو شدَّة الخصومة . قال قتادة في قوله تعالى : ( قوما لدَّاً ) قال : جدلا بالباطل . وقال أيضاً : الجدل الخصم .
ينظر : لسان العرب ( 11 / 103 ) مادة جدل تاج العروس ( 1 / 6928 ) مادة جدل . القاموس المحيط ( ص 974 ) مادة جدل .
فالجدل في اللغة إذاً يرد لأربعة معان :
الأول : الإحكام .
الثاني : الشدة والصلابة والقوة .
الثالث : الصراع وهو إسقاط الإنسان صاحبه على الأرض .
الرابع : اللدد في الخصومة .

أما الجدل اصطلاحاً فعرف بعدة تعريفات منها :

1 - تعريف ابن حزم : ( إخبار كل واحد من المختلفين بحجته أو بما يقدر أنه حجته وقد يكون كلاهما مبطلا وقد يكون أحدهما محقا والآخر مبطلا إما في لفظه وإما في مراده أو في كليهما ولا سبيل أن يكونا معا محقين في ألفاظهما ومعانيهما ) الإحكام ( 1 / 45 )

2 – تعريف القاضي أبي يعلى : ( تردد الكلام بين اثنين إذا قصد كل واحد منهما إحكام قوله ليدفع به قول صاحبه ) العدة ( 1 / 184 ) وينظر : رسالة في أصول الفقه للعكبري ( ص 124 )

3 – تعريف الجرجاني : ( الجدل هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات والغرض منه إلزام الخصم وإقحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان )
وقال أيضاً : ( دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة ) . التعريفات للجرجاني ( ص 101 ) التعاريف للمناوي ( 236 )

4 – تعريف أبي يحيى زكريا الأنصاري : ( دفع العبد خصمه عن إفساد قوله بحجة قاصدا به تصحيح كلامه ) . الحدود الأنيقة ( ص 73 )

5 – وقال الجويني في تعريفه : ( هو إظهار المتنازعين مقتضى نظرتها على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة ) الكافية في الجدل ( ص 21 )

6 – وقال الفيومي في المصباح المنير ( ص 36 ) : ( هو مقابلة الأدلة لظهور أرجحها )

7 – وقال الراغب في المفردات ( ص 237 ) : ( الجدل المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة )

وارتباط المعنى اللغوي بالاصطلاحي يظهر في أمور :
1 - أنّ المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه .
2 – أن الأدلة التي يستدل بها كل من الخصمين والأجوبة التي يوردونها كلها محكمة وفيها قوة وشدة وصلابة.
3 – أن المتجادلين يحاول كل منهما أن يصرع صاحبه ويسقطه .
4- وغالباً يكون الجدل مظنة الخصومة ولذا ورد الأمر بالمجادلة بالتي هي أحسن .

وقد وردت مادة ( جدل ) في تسعة وعشرين موضعا في القرآن وهي في غالب استعمالها في القرآن تكون في مساق الذم إلا في أربعة مواضع وهي :
- قوله تعالى : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب
- وقوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن
- وقوله تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن
- وقوله تعالى : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير
وسيأتي بيان حكم الجدل ضمن الكلام على مشروعية المناظرة إن شاء الله .

2 – المحاورة أو الحوار :
أصل الحَوْرُ الرجوع عن الشيء وإلى الشيء حارَ إلى الشيء وعنه حَوْراً ومَحاراً ومَحارَةً وحُؤُوراً رجع عنه وإليه ومنه استعاذة النبي في الحديث من " الحور بعد الكون " رواه مسلم ويروى " الحور بعد الكور "
تقول : كلَّمته فما رجع إليَّ حَوَاراً وحِواراً ومُحاورةً وحَوِيراً ومَحُورَة بضم الحاء بوزن مَشُورَة أَي جواباً وأَحارَ عليه جوابه ردَّه والاسم من المُحاوَرَةِ الحَوِيرُ تقول سمعت حَوِيرَهما وحِوَارَهما والمُحاوَرَة المجاوبة والتَّحاور التجاوب .
فالمحاورة إذا هي المراددة في الكلام . التعاريف للمناوي ( ص 299 )
ينظر : لسان العرب ( 4 / 217 ) مادة حور تاج العروس ( 1 / 2733 ) مادة حور كتاب العين ( 3 / 287 ) وذكر بعض أهل اللغة ان الحور لغة الحبشة . ينظر قصد السبيل فيما في اللغة العربية من الدخيل للمحبي ( 1 / 443 ) المهذب للسيوطي ( ص 162 )

والمحاورة اصطلاحا لا تخرج عن معناها اللغوي . وبنحو هذا عرفها بعض المعاصرين فقال هو : ( مراجعة الكلام وتداوله بين طرفين متكافئين فلا يستأثر أحدهما دون الآخر ويغلب عليه الهدوء )
والجدال والمحاورة يجتمعان في كونهما كلاماً بين اثنين ، وقد اجتمع اللفظان في قوله تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
ويختلفان في كون الأغلب في الجدال الخصومة والشدة واللدد بخلاف المحاورة فهي تميل إلى الهدوء .
والمؤلفات في المحاورة وآدابها كثيرة في هذا العصر .

3 – المناقشة :
أَصل المُناقَشة من نقَش الشوكة إِذا استخرجها من جسمه وقد نَقَشَها وانْتَقَشها
قال أبو عبيد المُناقَشةُ الاستقصاء في الحساب حتى لا يُتْرَك منه شيء . ومنه الحديث في البخاري : " من نوقش الحساب عذب " أي من استقصى في محاسبته وحوقق .
ينظر : النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ( 5 / 222 ) لسان العرب ( 6 / 358 ) مادة نقش تاج العروس ( 1 / 4374 ) مادة نقش .
والمناقشة بين اثنين هو أن ينقش كل منهما ما عند الآخر أي يستخرجه .

4 – المحاجة :
المحاجة مأخوذة من الحج وأصل الحَجُّ : " الغلبة بالحُجَّة " يقال : حجَّه يحجُّه حجّاً إذا غلبه على حجَّته . وفي الحديث : " فحجَّ آدمُ موسى " أَي أغلبه بالحجَّة والحَجُّ : كثرة الاختلاف والتردُّد ، وقد حجَّ بنو فلان فلاناً إذا أَطالوا الاختلاف إليه وتقولُ : حججتُ فلاناً إذا أَتَيْتَه مرّةً بعد مرّة فقيل : حُجَّ البيت ؛ لأَنّهم يأْتونه كلَّ سنة . وفي حديث الدجال في مسلم " إن يخرج وأنَا فيكم فأنا حجيجه " أي محاججه ومغالبه بإظهار الحُجَّة .
تاج العروس ( 1 / 1350 ) مادة حجج النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ( 1 / 895 )

-وعرف الراغب في مفرداته المحاجة فقال ( ص 296 ) : ( أن يطلب كل واحد أن يرد الآخر عن حجته ومحجته )
- وعرفها المناوي فقال : ( المحاجة تثبيت القصد والرأي لما يصححه ) التعاريف ( ص 640 )

5 - البحث والمباحثة :
أصل البحث التفتيش والكشف والطلب يقال : بحثت عن الأمر وبحثت كذا قال الله تعالى : فبعث الله غرابا يبحث في الأرض
وقيل : بحثت الناقة الأرض برجلها في السير : إذا شددت الوطء تشبيها بذلك
والبَحْثُ أَن تَسْأَل عن شيء وتَسْتَخْبر وبَحَثَ عن الخَبر وبَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً سأَل وكذلك اسْتَبْحَثَه واسْتَبْحَثَ عنه
وذكر صاحب تاج العروس : أن كثيراً ما يستعمله المُصَنِّفُون مُتعَدّياً بفي فيقولون : بَحَثَ فيهِ والمشهورُ التَّعْدِيةُ بَعَنْ .
لسان العرب ( 2 / 114 ) مادة بحث تاج العروس ( 1/ 1211 ) مادة بحث المفردات ( ص 89 )

وقد عرف الجرجاني البحث اصطلاحا فقال : ( هو إثبات النسبة الإيجابية أو السلبية بين الشيئين بطريق الاستدلال ) . ( ص 61 ) التعاريف ( ص 116 ) .
وقد يراد بالبحث الاستشكال والإنكار ولذا يقولون أحيانا : هذه المسألة فيها بحث أو محل بحث : أي أنها مشكلة أو غير مسلمة .
وذكر الراغب أن المباحثة والمناظرة بمعنى واحد فقال : المناظرة : المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته والنظر : البحث وهو أعم من القياس لأن كل قياس نظر وليس كل نظر قياس .

ومما ألف باسم البحث :
1 - آداب البحث العضدية للعضد الإيجي .
2 - وحسن المحاضرة في آداب البحث والمناظرة للمرتضى الزبيدي .
3 - رسالة في آداب البحث لسنان الدين يوسف المعروف : بعجم سنان .
4 - المآب في شرح الآداب يعني : آداب البحث للسمرقندي .
5 - شرح منظومة آداب البحث فصيح الحيدري الشافعي
6 - آداب البحث لمسعود الشيرواني وعليها حاشية لأحمد بن عبد الله الرومي شمس الدين الحنفي الشهير بديكقوز .
7 - شرح آداب البحث للدردير المالكي .
8 - المخاصرة في آداب البحث والمناظرة لعبد الملك بن عبد الوهاب الفتني .
9 - رسالة آداب البحث لعثمان بن حسين بن عمر الرومي الحنفي الآلاشهري
10 - تقرير القوانين في آداب البحث لسجاقلي زاده الصوفي الحنفي .
11 - الفوائد السنية في علم آداب البحث على مير الحنفية للآلوسي .
12- منظومة في آداب البحث لمصطفى بن محمد الصفوي الشافعي .
13 – آداب البحث والمناظرة للشنقيطي .... وغيرها كثير .

هذه بعض الألفاظ المشابهة بالمناظرة وإن كان المتقدمون في التأليف في هذا الباب يذكرون ثلاثة ألفاظ هي الأشهر وهي المتداولة وهي ( المناظرة والجدل والبحث ) وعليه جرى التأليف .

والبعض يذكر لفظة المكابرة من الألفاظ ذات الصلة لكنها في الحقيقة ليست كذلك بل هي نوع من أنواع وأحوال المناظر حال المناظرة وسيأتي تعريفها في مبحث أحوال المناظرة إن شاء الله تعالى .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29-05-07, 11:28 PM
أبو حازم الكاتب أبو حازم الكاتب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-08-06
المشاركات: 1,235
افتراضي

المبحث الثالث : أغراض المناظرة والهدف منها :

للمناظرة أغراض صحيحة وأغراض باطلة :
أما الأغراض الصحيحة فمنها الأخروي ومنها الدنيوي أما الأخروي فهو طلب مرضاة الله والأجر والثواب ؛ لأن المناظرة نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين .
ولذا قال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأقوامهم وهم يجادلونهم ويناظرونهم ويدعونهم لتوحيد الله وترك الشرك قالوا جميعاً _ نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام _ : وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين
وقال الله تعالى لنبينا محمد : قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله
وأما الغرض الدنيوي فأمران :
1 – بيان الحق وإظهار الصواب في المسائل العلمية والعملية وهذا يشمل الحق من الأقوال والحق من الأدلة والراجح منهما ويدخل في هذا مناظرة الكفار من المشكرين وأهل الكتاب ، ومناظرة أهل البدع من الرافضة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة والصوفية والقبورية ونحوهم .
ويكون الغرض بيان عقيدة الإسلام للمخالف من الكفار وعقيدة أهل السنة والجماعة للمخالف من أهل القبلة .
كما يدخل في هذا المناظرة في المسائل العملية في الفروع بين أصحاب المذاهب من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية وغيرهم .
ويكون الغرض من هذا بيان الراجح من الأقوال في مسائل الفروع .
2 – كشف الباطل ودفع الشبه والشكوك وإزالة الإشكال وهذا يشمل أيضاً الأقوال والأدلة او الشبه .
وذلك كمناظرة المشكرين وأهل الكتاب في بيان عقائدهم الباطلة وكشف الفساد فيها كما حدث في مناظرة إبراهيم الخليل عليه السلام لقومه ومناظرته للنمرود .
وكذا مناظرة أهل البدع في بيان بدعهم وكشف الشبه التي يستدلون بها لباطلهم كما حدث في مناظرة ابن عباس للخوارج ومناظرة أحمد للمعتزلة في مسألة القول بخلق القرآن .
ثم ليعلم أن المقصود بالغرضين هو غظهار مقابله فالمناظرة لبيان الحق تسلزم بيان بطلان ما عداها فالحق واحد لا يتعدد في جميع مسائل الشريعة .
بينما المناظرة لبيان الباطل لا تسلتزم ظهور الحق إلا فيما لا يوجد فيه إلا قول واحد باطل ؛ لأن بيان بطلان قول الخصم لا يلزم منه نرجيح ما يراه المناظر حقاً لاحتمال ورود أقوال أخرى غير ما أبطله ولذلك كانت مناظرات الطوائف من المتكلمين وغيرهم التي كل منها يخالف السنة ولو بقليل أعظم ما يستفاد منها بيان إبطال بعضهم لمقالة بعض .

قال ابن تيمية رحمه الله : ( ولهذا كان كثير من مناظرة أهل الكلام إنما هي في بيان فساد مذهب المخالفين وبيان تناقضهم ؛ لأنه يكون كل من القولين باطلا فما يمكن أحدهم نصر قوله مطلقا فيبين فساد قول خصمه وهذا يحتاج إليه إذا كان صاحب المذهب حسن الظن بمذهبه قد بناه على مقدمات يعتقدها صحيحة فإذا أخذ الإنسان معه في تقرير نقيض تلك المقدمات لم يقبل ولا يبين الحق ويطول الخصام كما طال بين أهل الكلام
فالوجه في ذلك أن يبين لذلك رجحان مذهب غيره عليه أو فساد مذهبه بتلك المقدمات وغيرها فإذا رأى تناقض قوله أو رجحان قول غيره على قوله اشتاق حينئذ إلى معرفة الصواب وبيان جهة الخطأ فيبين له فساد تلك المقدمات التي بنى عليها وصحة نقيضها ومن أي وجه وقع الغلط .. ) منهاج السنة النبوية ( 2 / 343 )

وأما الأغراض الباطلة فهي :
1 – دحض الحق وكسره ومحاولة بيان الخطأ فيه للناس .
2 – إظهار الباطل ونشره وبيان أنه الحق والصواب .
3 – كسر المناظر والخصم ومحاولة إنتقاصه والتقليل من شأنه .
4 – طلب غرض من أغراض الدنيا كالشهرة والعلو والمال والمنصب ونحو ذلك .

ما فائدة معرفة الغرض من المناظرة ؟
تحديد الغرض من المناظرة له أثر كبير في نتائجها فالذي يكون غرضه صحيحاً يدرك الحق لا محالة إما على لسانه أو على لسان مناظره فهو لا يهمه على لسان من تظهر فيكون قصده لطلب الحق سببا للوصول إليه وقد بين الله تعالى أن من حسن قصده وجاهد للوصول إلى الحق أن الله يوفقه كما في قوله تعالى : والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم وقوله تعالى : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وقوله تعالى : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما .
وبعكسه من أعرض عن طلب الحق يعاقب بزيادة الضلال كما قال تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم .
كما أن المناظر إذا حسن قصده وغرضه أثيب على هذا القصد ، وأعانه الله وسدده وقويت حجته .

أما الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها المناظر من المناظرة فمنها :
1 – القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يعظم ويقل بحسب موضوع المناظرة وآثارها ونتائجها .
2 – تحصيل ملكة الجدل والمناظرة والبحث والاستنباط والفهم والتعليل وتقوية الذهن وفتح نوافذ العقل في فهم المسائل .
3 – الوصول إلى الحق في المسائل العلمية والعملية .
4 – إبطال الباطل وبيان الخطأ من الأقوال والمرجوح منها .
5- رفع الإشكال واللبس والاشتباه الواقع في الأدلة عند المناظر أو الشبه التي يستدل بها المخالف .
6– تبادل الفوائد ودقائق المسائل بين المتناظرين .
7- تقليل الخلافات بين المسلمين في المسائل العلمية والعملية .
8 – مذاكرة المسائل العلمية وتثبيتها وتثبيت الإيمان بها واعتقادها .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-06-07, 01:40 AM
مصطفي سعد مصطفي سعد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-09-05
الدولة: egypt
المشاركات: 1,968
افتراضي

شكرا لابى حازم !!!!!!!!!!!!!! الكاتب
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 02-06-07, 11:54 PM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متصل حالياً
كان الله له
 
تاريخ التسجيل: 07-03-07
الدولة: مِصْــــــر
المشاركات: 250
افتراضي

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 04-06-07, 12:15 AM
أبو حازم الكاتب أبو حازم الكاتب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-08-06
المشاركات: 1,235
افتراضي

المبحث الرابع : مشروعية المناظرة :
وردت نصوص في الكتاب والسنة وآثار عن السلف تدل على مشروعية المناظرة والجدال كما وردت نصوص أخرى وآثار عن السلف تذم المناظرة والجدال وعند التحقيق نجد أن المناظرة والجدل نوعان :

النوع الأول : المناظرة المحمودة والجدل المحمود وهي تشمل :
1 - المناظرة في المسائل العملية في الأحكام في الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها إذا كانت لطلب الحق ولمن هو أهل لذلك .
قال ابن عبد البر: ( وأما الفقه فاجمعوا على الجدال فيه والتناظر لأنه علم يحتاج فيه إلى رد الفروع على الأصول للحاجة إلى ذلك )
2 – مناظرة أهل الكتاب بالتي هي أحسن عند الحاجة لمن كان أهلاً لذلك .
3 – مناظرة أهل الأهواء والبدع عند الحاجة إذا كان صاحب الهوى قد قويت شوكته كالحاكم أو من اعتضد به كما حدث في مسألة خلق القرآن في عهد الإمام أحمد ، أو رجي من المناظرة رجوعه .

ويدل على مشروعية المناظرة المحمودة الكتاب والسنة وعمل الصحابة :

فمن أدلة الكتاب :
1 - ما ذكر الله تبارك وتعالى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من مناظرات مع أقوامهم كنوح وشعيب وهود وصالح ولوط وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وسيأتي ذكر هذه النماذج إن شاء الله تعالى في المبحث الحادي عشر .
2 – ما ذكره الله تبارك من حجج وأدلة وبراهين عقلية في الرد على المشركين واليهود والنصارى وكذا ما حصل مع إبليس .
3 – قوله تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن سورة العنكبوت ( 46 ) .
4 – وقوله تعالى : وجادلهم بالتي هي أحسن سورة النحل ( 125 )
5 – ما ورد من الآيات التي فيها ذم الجدال بغير علم فيفهم منها جواز ذلك بالعلم ومن ذلك قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد
وقوله : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير
6 – قوله تعالى : قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها والله يسمع تحاوركما

وقد ذهب بعض أهل العلم من السلف إلى أن آيات الجدال منسوخة بآية السيف وروي هذا عن قتادة وقد أجاب أهل العلم _ كشيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح ( 1 / 218 ) _ عن دعوى النسخ بأجوبة :
الأول : إن النسخ إنما يكون إذا كان الحكم الناسخ مناقضا للحكم المنسوخ كمناقضة الأمر باستقبال المسجد الحرام في الصلاة للأمر باستقبال بيت المقدس بالشام ومناقضة الأمر بصيام رمضان للمقيم للتخيير بين الصيام وبين إطعام كل يوم مسكينا .. فهذا لا يناقضة الأمر بجهاد من أمر بجهاده منهم ولكن الأمر بالقتال يناقض النهي عنه والاقتصار على المجادلة . فأما مع إمكان الجمع بين الجدال المأمور به والقتال المأمور به فلا منافاة بينهما وإذا لم يتنافيا بل أمكن الجمع لم يجز الحكم بالنسخ ومعلوم أن كلا منهما ينفع حيث لا ينفع الآخر وأن استعمالهما جميعا أبلغ في إظهار الهدى ودين الحق .
الثاني : أنه قال في سورة العنكبوت : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم :
فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن فمن كان ظالما مستحقا للقتال غير طالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم سواء كان قصده الاسترشاد أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقا .
الثالث : أن من كان من أهل الذمة والعهد والمستأمن منهم لا يجاهد بالقتال فهو داخل فيمن أمر الله بدعوته ومجادلته بالتي هي أحسن وليس هو داخلا فيمن أمر الله بقتاله
الرابع : أنه من المعلوم أن القتال إنما شرع للضرورة ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيج إلى القتال فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجب مطلقا وجوبا أصليا وأما الجهاد فمشروع للضرورة فكيف يكون هذا مانعا من ذلك .
الخامس : أن النسخ يحتاج إلى دليل يثبته ولا دليل .

7 – الآيات التي ورد فيها الأمر بالرد بالحجج والبراهين على من ادعى خلاف الحق ومن ذلك :
- قوله تعالى : وقالوا كونوا هوداً أو نصار تهتدوا قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
وقوله تعالى : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم عن كنتم صادقين
- وقوله تعالى : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير
- وقوله تعالى : كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين
8 – الآيات التي ورد فيها استخدام الأدلة العقلية والبراهين في تقرير القول الحق ورد الأقوال الباطلة مما هو مستعمل في المناظرات ومن ذلك :
أ - السبر والتقسيم كما في قوله تعالى : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون وقوله تعالى : اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً وقوله : آلله أذن لكم أم على الله تفترون
ب – التلازم كما في قوله تعالى : قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون وقوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقوله تعالى : قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم وربما يسمى قياس الخلف .
ج – المطالبة بالدليل على الدعوى كما في قوله تعالى : قل هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا
د – قياس الأولى ومنه قوله تعالى : أَولم يروا أَنّ اللَّه الذي خَلَقَ السَّمَوَات والأَرض قادرٌ على أَنْ يخلق مثلهم وقوله تعالى : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون وقوله : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه
وغير ذلك من الأدلة العقلية الكثيرة والتي يمكن أن تنظر في الكتب التي ألفت في الأدلة العقلية في القرآن ومنها على سبيل المثال الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد تأليف سعود بن عبد العزيز العريفي ( رسالة ماجستير )
ومعرفة هذه الأدلة العقلية وطريقة القرآن فيها أمر مهم لا سيما في مناظرة من يقدمون العقل في الاحتجاج من المتكلمين والعقلانيين علماً أن طريقة القرآن في استخدام هذه الأدلة أكمل لاكتمال شروطها وانتفاء موانعها بخلاف كثير من الأدلة العقلية التي يستدل بها المتكلمون فكثير منها ترد عليه القوادح والمعارضات والممانعات ولذلك ضل كثير من هؤلاء لإعراضهم عن أدلة القرآن واعتقادهم أن دلالة الكتاب إنما هي طريقة الخبر المجرد وهذا غلط كبير وضلال مبين ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( .. فإنه وإن كان يظن طوائف من المتكلمين والمتفلسفة أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر ويجعلون ما يبنى عليه صدق المخبر معقولات محضة فقد غلطوا في ذلك غلطا عظيما بل ضلوا ضلالا مبينا في ظنهم أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد بل الأمر ما عليه سلف الأمة وأئمتها أهل العلم والإيمان من أن الله سبحانه وتعالى بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره ، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله تعالى في كتابه التي قال فيها ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فإن الأمثال المضروبة هي الأقيسة العقلية سواء كانت قياس شمول أو قياس تمثيل ويدخل في ذلك ما يسمونه براهين ... ) مجموع الفتاوى ( 3 / 296 )
وقال أيضاً : ( والقرآن قد دل على الأدلة العقلية التي بها يعرف الصانع وتوحيده وصفاته وصدق رسله وبها يعرف إمكان المعاد ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها بالعقل الصريح مالا يوجد مثله في كلام أحد من الناس بل عامة ما يأتي به حذاق النظار من الأدلة العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن منها قال تعالى ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا وقال ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل وقال وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون وأما الحجج الداحضة التي يحتج بها الملاحدة وحجج الجهمية معطلة الصفات وحجج الدهرية وأمثالها كما يوجد مثل ذلك في كلام المتأخرين الذين يصنفون في الكلام المبتدع وأقوال المتفلسفة ويدعون أنها عقليات ففيها من الجهل والتناقض والفساد مالا يحصيه إلا رب العباد .. ) مجموع الفتاوى ( 12 / 81 )
وقال أيضاً : ( والعلوم ثلاثة أقسام :
- منها ما لا يعلم إلا بالأدلة العقلية وأحسن الأدلة العقلية التي بينها القرآن وأرشد إليها الرسول فينبغي أن يعرف أن أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها مأخوذ عن الرسول فان من الناس من يذهل عن هذا فمنهم من يقدح في الدلائل العقلية مطلقا ؛ لأنه قد صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه من أحدثه من المتكلمين ومنهم من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل اليقينية العقلية منه لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط فلابد أن يعلم بالعقل قبل ذلك ثبوت النبوة وصدق الخبر حتى يستدل بعد ذلك بخبر من ثبت بالعقل صدقه ...) مجموع الفتاوى ( 13 / 137 )

ومن أدلة السنة :
1 – ما حدث من مناظرة بين النبي ونصارى نجران وقد ذكر الله أمرهم في سورة آل عمران .
2 – قصة إسلام عبد الله بن سلام وقد روى القصة البخاري في صحيحه من حديث أنس : أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي المدينة فأتاه يسأله عن أشياء فقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه ؟ قال : " أخبرني به جبريل آنفا " . قال ابن سلام ذاك عدو اليهود من الملائكة قال : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد " . قال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي فجاءت اليهود فقال النبي : " أي رجل عبد الله بن سلام فيكم " . قالوا خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا . فقال النبي : " أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام " . قالوا أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قالوا شرنا وابن شرنا وتنقصوه قال هذا كنت أخاف يا رسول الله "
3 - وقد ثبت عن النبي الرد والمناظرة والمحاجة في كثير من الأحاديث ومن ذلك :
أ – ما حدث مع الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي وقد ورد حديثهم في الصحيحين من حديث أنس .
ب – ما حدث مع ذي الخويصرة التميمي عندما اعترض على قسمة النبي والقصة في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري .
ج – قصة ذات أنواط وقد وردت من حديث أبي واقد الليثي عند أحمد في المسند والترمذي وابن حبان وصححاه وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما .

4 - عن حماد بن سلمة حدثنا حميد عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله : " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم "
رواه أحمد ( 3 / 124 ، 251 ) وأبو داود ( 2504 ) والنسائي ( 6 / 7 ) والدارمي ( 2 / 280 ) وأبو يعلى ( 6 / 468 ) وابن حبان ( 11 / 6 ) والحاكم ( 2 / 91 ) والبيهقي في السنن الكبرى ( 9 / 20 ) بإسناد صحيح وقد صححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي وصححه النووي .

4 - عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال : "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب. يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف. يقولون ما لا يفعلون. ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" رواه مسلم

ومن عمل الصحابة :
1 – مناظرة علي رضي الله عنه للخوارج .
2 – مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما للخوارج .
3 – المناظرات بين الصحابة رضي الله عنهم في كثير من المسائل .
قال ابن حزم : ( و قد تحاج المهاجرون و الأنصار و سائر الصحابة رضوان الله عليهم , و حاج ابن عباس الخوارج بأمر علي رضي الله عنه , و ما أنكر قط أحد من الصحابة الجدال في طلب الحق ) الإحكام ( 1 / 30 )
وسيأتي _ إن شاء الله _ ذكر نماذج لمناظرات الصحابة في موضعه .

النوع الثاني : المناظرة المذمومة والجدل المذموم :
وعليه تحمل النصوص وآثار السلف ومن ذلك :
فمن الكتاب :
1 - وقوله تعالى : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد
2 - وقال تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد
3 - وقال تعالى : الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبرٍ جبار
4 - وقال تعالى : إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير
5 - قال تعالى : ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزواً
6 - وقال تعالى : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب
7 - وقال تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير

ومن السنة :
1 - ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي " أن النبي طرقه وفاطمة ليلاً، فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً "
2 - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " إن الله يرضى لكم ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" رواه مسلم
3 - عن جابر عن النبي قال: ( لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيروا بالمجالس فمن فعل ذلك فالنار النار ) رواه ابن ماجه ( 1 / 93 ) برقم ( 254 ) والحاكم ( 1 / 159 ) وابن عدي في الكامل ( 7 / 216 ) من طريق يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به وإسناده ضعيف فيه علتان :
1 – يحيى بن أيوب هو الغافقي المصري متكلم فيه ويخطيء كثيراً .
2– أن يحيى بن أيوب خولف فيه فرواه ابن وهب عن ابن جريج مرسلاً كما عند الحاكم في المستدرك .
فضلاً عن عنعنة ابن جريج وأبي الزبير وهما مدلسان .
- وروي مثله عن :
- ابن عمر عند ابن ماجه ( 1 / 93 ) برقم ( 253 ) من طريق حماد بن عبد الرحمن عن أبي كرب الأزدي عن نافع عن ابن عمر به .
وفيه أبو كرب الأزدي مجهول كما قال أبو حاتم وحماد بن عبد الرحمن قال أبو زرعة : يروي أحاديث مناكير ، وقال أبو حاتم : شيخ مجهول منكر الحديث ضعيف الحديث .
- كعب بن مالك عند الترمذي ( 5 / 32 ) برقم ( 2654 ) والحاكم ( 1 / 161 ) والبيهقي في الشعب ( 2 / 283 ) الجامع للخطيب ( 1 / 87 ) من طريق إسحق بن يحيى بن طلحة عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به .
وفيه إسحاق بن يحيى بن طلحة قال ابن معين : ليس بشيء لا يكتب حديثه ، وقال أحمد والنسائي : متروك .
- معاذ عند الطبراني في الكبير ( 20 / 66 ) وفيه عمرو بن واقد متروك .
- أم سلمة عند الطبراني في الكبير ( 23 / 284 ) ومسند الشاميين ( 2 / 216 ) وفيه عبد الخالق بن زيد بن واقد الدمشقي قال النسائي : ليس بثقة ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن أبي حاتم سألت أبى عنه فقال : ليس بقوي منكر الحديث قلت : يكتب حديثه ؟ قال : زحفاً.
- حذيفة عند ابن ماجه ( 1 / 96 ) برقم ( 259 ) وإسناده ضعيف جداً فيه بشير بن ميمون :
قال أحمد فيما رواه عنه ابنه عبد الله : ليس بشيء
وقال يحيي بن معين : اجتمع الناس على طرح حديث هؤلاء النفر فذكر منهم بشير بن ميمون .
قال ابن المديني وأبو زرعة : ضعيف .
وقال البخاري : منكر الحديث وقال في موضع آخر : يتهم بالوضع .
وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث وعامة روايته مناكير يكتب حديثه على الضعف .
وقال الجوزجاني : غير ثقة .
وقال النسائي : ليس بثقة ولا مأمون وقال في موضع آخر : متروك الحديث .
وقال الدارقطني متروك الحديث .
وقال أبو أحمد بن عدي روى أحاديث لا يتابعه أحد عليها وهو ضعيف جداً .
ورواه الخطيب في الجامع ( 1 / 85 ) من طريق أبي بكر الدهري عن عطاء بن عجلان عن نعيم بن أبي هند عن ربعي بن حراش عن حذيفة به
وعطاء بن عجلان هو الحنفي أبو محمد البصري العطار :
قال يحيى بن معين ليس بثقة وقال في موضع آخر : كذاب وقال في موضع آخر : لم يكن بشيء كان توضع له الأحاديث فيحدث بها .
وقال عمرو بن علي :كان كذاباً .
وقال أبو زرعة : واسطي ضعيف .
وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث منكر الحديث جداً مثل أبان بن أبي عياش وذا الضرب وهو متروك الحديث .
وقال البخاري : منكر الحديث .
وقال أبو داود : عطاء بن عجلان بصري يقال له عطاء العطار ليس بشيء .
وقال النسائي :ليس بثقة ولا يكتب حديثه .
وأبو بكر الدهري ضعيفٌ أيضاً .
ورواه الخطيب في اقتضاء العلم العمل ( ص 64 ) من طريق بشر بن عبيد الدارسي ثنا محمد بن سليم عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن حذيفة به
وهذا إسناد ضعيف فيه بشر بن عبيد قال ابن عدي في الكامل ( 2 / 15 ) منكر الحديث ، وعطاء بن السائب اختلط في آخره وقد عدد الأئمة من روى عنه قبل الاختلاط كشعبة وسفيان الثوري وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن عيينة .
- أبي هريرة عند ابن ماجه ( 1 / 96 ) ( 260 ) وإسناده ضعيف جداً فيه عبد الله بن سعيد المقبري قال أحمد : منكر الحديث متروك الحديث ، وقال البخاري : تركوه ، وضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي .
- أنس عند الطبراني في الأوسط ( 6 / 31 ) والخطيب في اقتضاء العلم العمل ( ص 65 ) برقم ( 101 ) وفيه سليمان بن زياد الواسطي ذكره العقيلي في الضعفاء وذكر له أحاديث منكرة وهذا الحديث منها ونقل عن ابن معين أنه قال عن أحاديثه : هذه أحاديث بواطل .
فتبين أنه لا يخلو حديث منها من مقال وهي بين شديدة الضعف والضعيفة
قال العقيلي في الضعفاء ( 2 / 130 ) : ( في هذا الباب أحاديث عن جماعة من أصحاب النبي لينة الأسانيد عن النبي )
وروي موقوفاً على ابن مسعود قوله: ( لا تعلموا العلم لثلاث لتماروا به السفهاء أو لتجادلوا به الفقهاء أو لتصرفوا وجوه الناس إليكم وابتغوا بقولكم وفعلكم ما عند الله فإنه يبقى ويذهب ما سواه) رواه الدارمي في سننه ( 1 / 92 ) برقم ( 255 ) وفيه رجل مجهول .
ورواه الدارمي في سننه ( 1 / 116 ) عن مكحول مرسلاً .

4 - عن أبي أمامة أن النبي قال : " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " ثم تلا هذه الآية بل هم قوم خصمون
رواه أحمد ( 5 / 252 ، 256 ) والترمذي ( 5 / 378 ) برقم ( 3253 ) وابن ماجه ( 1 / 19 ) برقم ( 48 ) والطبراني في الكبير ( 8 / 277 ) والحاكم في المستدرك ( 2 / 486 ) والبيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 341 ) وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت ( ص 104 ) برقم ( 136 ) والعقيلي في الضعفاء ( 1 / 286 ) وابن جرير في تفسيره ( 11 / 202 ) واللالكائي في الاعتقاد ( 1 / 114 ) والهروي في الأربعين في دلائل التوحيد ( ص 91 – 92 ) برقم ( 36 ) والآجري في الشريعة ( ص 64 ) من طريق حجاج بن دينار الواسطي عن أبي غالب عن أبي أمامة .
و أبو غالب هو حزور غلام أبي أمامة ضعفه أبو حاتم والنسائي وقال ابن سعد : منكر الحديث ، وقال ابن معين : صالح الحديث وقال في رواية الدارمي : ثقة ، ووثقه الدارقطني وقال مرة : لا يعتبر به .
وذكره ابن عدي في الكامل ( 2 / 455 ) ثم قال : ( ولأبي غالب غير ما ذكرت من الحديث ولم أر في أحاديثه حديثاً منكراً جداً وأرجو أنه لا بأس به )
وقال ابن حبان في المجروحين ( 1 / 267 ) : ( منكر الحديث على قلته لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق الثقات )
والحديث قال فيه الترمذي حديث حسن صحيح وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
وقد رواه ابن جرير ( 11 / 202 ) من طريق آخر فقال : حدثنا أبو كريب قال : ثنا أحمد بن عبد الرحمن عن عباد بن عباد عن جعفر بن القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن فغضب غضباً شديداً حتى كأنما صب على وجهه الخل ثم قال صلى الله عليه وسلم : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإنه ما ضل قوم قط إلا أوتوا الجدل ثم تلا : ( ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) "
هكذا ورد الإسناد ولعله عن جعفر عن القاسم عن أبي أمامة ؛ لأن جعفر بن الزبير قد روى عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة رضي الله عنه ، ولم أجد ترجمة لجعفر بن القاسم في كتب الرجال .
وجعفر بن الزبير هو الحنفي وقيل الباهلي الدمشقي وهو متروك كما قال أبو حاتم والبخاري وعمرو بن علي ويعقوب بن سفيان والنسائي والدارقطني وأمر أحمد وأبو زرعة أن يضرب على حديثه ونقل ابن الجوزي الإجماع على تركه .
قال ابن حبان في المجروحين ( 1 / 212 ) : ( يروي عن القاسم وغيره أشياء موضوعة وكان ممن غلب عليه التقشف حتى صار وهمه شبيها بالوضع تركه أحمد ويحيى وروى جعفر عن القاسم عن أبي إمامة نسخة موضوعة ) .
وقد سرد الطبراني في المعجم الكبير ( 8 / 241 – 248 ) مرويات جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة .
والقاسم بن عبد الرحمن تُكلِم فيه ورأى البخاري أن النكارة في روايته خاصة فيمن تكلم فيهم ممن روى عنه كجعفر بن الزبير وبشر بن نمير ففي حديثهم عنه مناكير واضطراب ، لكن أحمد رحمه الله عكس الأمر فرأى أن النكارة من القاسم نفسه ولأجل ذلك تركت رواية جعفر بن الزبير .

5 - عن أبي هريرة أن النبي قال: " دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " متفق عليه وفي رواية لمسلم " فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم "
6 - عبادة بن الصامت أن رسول الله خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال : " إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس " رواه البخاري .
7 - عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله يقول : " أول ما عهد إلي فيه ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر ملاحاة الرجال " أخرجه الطبراني في الكبير ( 23 / 250 ) وابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 267 ) والبيهقي في السنن الكبرى ( 10 / 194 ) وفي شعب الإيمان ( 6 / 342 ) وابن أبي الدنيا في الصمت ( ص 102 ) برقم ( 134 ) من طريق يحيى المتوكل عن إسماعيل بن رافع عن ابن أم سلمة عن أم سلمة به وهذا إسناد ضعيف فيه علتان :
الأولى : يحيى المتوكل ضعيف ضعفه أحمد وابن المديني وابن معين وابو حاتم وأبو زرعة والنسائي وغيرهم وقال بن عبد البر هو عند جميعهم ضعيف .
الثانية : أن في الإسناد اختلافاً فقد رواه الطبراني في الكبير ( 23 / 263 ) من طريق عبد الله بن داود الواسطي ثنا يحيى بن المتوكل عن إسماعيل بن مسلم عن الزهري عن أبي سلمة عن أم سلمة ، وهذا الإسناد مع المخالفة فيه إسماعيل بن مسلم ضعيف ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبوحاتم والنسائي والبزار والفلاس وتركه يحيى وابن مهدي ، وقال النسائي مرة متروك وذكره ابن عدي والعقيلي والدولابي والساجي وابن الجارود وغيرهم في الضعفاء
وروي نحوه من حديث معاذ عند الطبراني في الكبير ( 20 / 83 ) وابن عدي في الكامل ( 5 / 118 ) وفيه عمرو بن واقد متروك .
ورواه البيهقي في الشعب ( 6 / 342 ) من حديث علي وفيه حفص بن عمر ميمون العدني الملقب بالفرخ وقيل حفص بن عمر بن دينار الأيلي أو الأبلي بالموحدة كما ضبطه الحافظ ابن حجر وكثير من المحدثين جعلهما واحدا ، وفرق بينهما ابن أبي حاتم في العلل ( 3 / 182 ، 183 ) وابن عدي في الكامل ( 2 / 385 ، 389 ) وعلى التفريق فحفص بن عمر بن ميمون ضعفه أبو حاتم والنسائي وذكره ابن عدي في الكامل والعقيلي في الضعفاء .
وحفص بن عمر بن دينار أشد ضعفاً قال أبو حاتم كان شيخاً كذاباً وقال ابن عدي أحاديثه كلها إما منكرة المتن والسند وهو إلى الضعف أقرب ، وقال الساجي : كان يكذب وقد كتبت عن ابنه إسماعيل بن حفص ، وقال أبو أحمد الحاكم : ذاهب الحديث .
وروي من حديث عروة بن رويم مرسلاً عند ابن ابي شيبة في المصنف وهناد في الزهد من طريق ابن المبارك عن الأوزاعي عن عروة به .

8 - عن عائشة رضي الله عنها عن النبي قال : " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم " أخرجه الشيخان .
الألد الخصم هو الدائم الخصومة كما قال البخاري في تفسير ذلك في صحيحه والاسم اللدد مأخوذ من لديدي الوادي واللدد الجدال مشتق من اللديدين وهما صفحتا العنق والمعنى أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قوي .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ( 13 / 180 ) : ( ويحتمل أن يكون المراد الشديد الخصومة فإن الخصم من صيغ المبالغة فيحتمل الشدة ويحتمل الكثرة )
ويحتمل أمراً ثالثاً وهو الإعراض عن الحق يقال فيه لدد أي ميل و اعوجاج عن الحق ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية . مجموع الفتاوى ( 14 / 445 )
وقال أيضاً : ( واللد جمع الألد وهو الأعوج في المناظرة الذي يروغ عن الحق ) الجواب الصحيح ( 2 / 70 )
قال الخليل بن أحمد : (والتَّلَدُّد في التلَفُّت أن يعطف بعنقه مرَّة كذا ومرَّة كذا واللَّدَد مصدر الأَلَدِّ أي السيء الخلق الشديد الخصومة العسر الانقِياد ورجل أَلَنْدَدُ ويَلَنْدَد : كثير الخصومات شرس المعاملة ) العين ( 8 / 9 )

وأما آثار السلف في ذم الجدل والمناظرة والخصومة :
فأولاً ما بوب به أهل العلم في هذا الأمر في كتبهم في السنة :
- أبو داود في سننه ( 2 / 608 ) : ( باب النهي عن الجدال واتباع المتشابه من القرآن ) و ( 2 / 609 ) : ( باب النهي عن الجدال في القرآن )
- ابن ماجه في سننه ( 1 / 17 ) : ( باب اجتناب البدع و الجدل )
- ابن حبان في صحيحه ( 1 / 280 ) : ( ذكر الزجر عن مجالسة أهل الكلام والقدر ومفاتحتهم بالنظر و الجدال )
- الآجري في الشريعة ( ص 64 ) : ( باب ذم الجدال و الخصومات في الدين )
- الدارمي في سننه ( 1 / 120 ) : ( باب اجتناب أهل الأهواء والبدع والخصومة )
- ابن بطة في الإبانة ( باب النهي عن المراء في القرآن )
- اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ( 1 / 114 ) : ( النهي عن مناظرة أهل البدع, و جدالهم و المكالمة معهم و الاستماع إلى أقوالهم المحدثة و آرائهم الخبيثة )
- ابن عبد البر في جامع بيان العلم و فضله ( 2 / 113 ) ( باب ما يكره فيه المناظرة و المجادلة و المراء )
- قوام السنة في الحجة على تارك المحجة ( 1 / 311 ) : ( فصل في النهي عن مناظرة أهل البدع وجدالهم والاستماع إلى أقوالهم )
- ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت ( ص 99 ) : ( باب ذم المراء )

ثانياً : النصوص عن الأئمة الأربعة في هذا :
أولاً : الإمام أبو حنيفة رحمه الله :
كان أبو حنيفة رحمه الله في أول أمره صاحب جدل وخصومات وكان يخاصم أهل الأهواء ويجادلهم ورحل في سبيل ذلك من الكوفة إلى البصرة عشرين مرة ونيفاً حتى صار رأساً في ذلك منظوراً إليه ، وكان يأمر ابنه حماداً بذلك ، ثم ترك الجدل والكلام ورجع إلى الفقه والسنة وصار إماماً ، ثم صار يحذر من ذلك وينهى عن الكلام .
قال رحمه الله : " من طلب الدين بالكلام تزندق " وقال : " الكلام في الدين أكرهه "

ثانياً : الإمام مالك بن أنس رحمه الله :
- قال الهيثم بن جميل : قيل لمالك : يا أبا عبد الله الرجل عالما بالسنة أيجادل عنها ؟ قال : لا ! , و لكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه و إلا سكت " رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ( 2 / 94 ) وذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ( 2 / 39 )
- وقال ابن وهب سمعت مالكاً يقول : القرآن هو الإمام فأما هذا المراء فما أدري ما هو ! " رواه ابن بطة في الإبانة ( 2 / 510 )
- و قال أيضاً : ليس الجدل من الدين بشيئ . ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ( 8 / 67 ) والقاضي عياض في ترتيب المدارك ( 2 / 39 )
- وروى البيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 354 ) عن مالك بن أنس أنه قال : " اجتنب الجدال في الدين و يقول كل ما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرد ما جاء به جبريل إلى النبي "

ثالثاً : الإمام الشافعي رحمه الله :
روى البيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 354 ) عن الشافعي قال : " المراء في العلم يقسي القلب و يورث الضغائن "
قال الذهبي رحمه الله : ( تواتر عن الشافعي ذم الكلام وأهله وكان شديد الإتباع للآثار في الأصول والفروع ) العلو ( ص 166 )

رابعاً : الإمام أحمد رحمه الله :
- قال الإمام أحمد في رسالة عبدوس : " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب الرسول , و الاقتداء بهم و ترك البدع , وكل بدعة ضلالة , و ترك المراء و الجدال و الخصومات في الدين " طبقات الحنابلة ( 1 / 241 ) الاعتقاد للالكائي ( 1 / 156 )
- وقال في رسالته للمتوكل : " ولست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء من هذا إلا ما كان في كتاب الله عز وجل أو في حديث عن النبي أو عن أصحابه أو عن التابعين فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود " السنة لعبد الله بن أحمد ) ( 1 / 139 ) رسالة في أن القرآن غير مخلوق لإبراهيم الحربي ( ص 61 )

ثالثاً : ما روي عن السلف عموماً :
- قال الحسن البصري : " لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم " رواه ابن بطة في الإبانة ( 2 / 444 ) واللالكائي في الاعتقاد ( 1 / 133 )
- قال الليث بن سعد : ( بلغت الثمانين , و ما نازعت صاحب هوى قط ) أحاديث في ذم الكلام وأهله للمقري ( 5 / 155 )
- عن يونس قال : كتب لي ميمون بن مهران " إياك والخصومة والجدال في الدين ولا تجادلن عالما ولا جاهلا أما العالم فإنه يخزن عنك علمه ولا يبالي ما صنعت وأما الجاهل فإنه يخشن بصدرك ولا يطيعك " رواه الدارمي في سننه ( 1 / 102 ) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ( 1 / 156 )
- عن عمر بن عبد العزيز قال : " من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل " رواه الدارمي في سننه ( 1 / 102 )
- عن معروف الكرخي قال : " إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه باب العمل وأغلق عليه باب الجدل وإذا أراد بعبد شرا أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل " رواه البيهقي في شعب الإيمان ( 2 / 295 ) وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 361 )
- قال أبو قلابة : لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون " رواه الدارمي في السنن ( 1 / 108 ) والآجري في الشريعة ( ص 56 ) واللالكائي في الاعتقاد ( 1 / 134 ) البيهقي في الاعتقاد ( ص 238 )
- عن محمد بن واسع قال كان مسلم بن يسار يقول : " إياكم والمراء فإنها ساعة جهل العالم وبها يبتغي الشيطان زلته " رواه الآجري في الشريعة ( ص 64 )
وهذا الأمر مشهور عند السلف حتى جعلوه ضمن عقائدهم :
قال البربهاري في شرح السنة ( ص 127 – 131 ) : ( وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك فاحذر الكلام وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب وكفى به قبولا فتهلك وما كانت قط زندقة ولا بدعة ولا هوى ولا ضلالة إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس وهي أبواب البدع والشكوك والزندقة .
فالله الله في نفسك وعليك بالآثار وأصحاب الأثر والتقليد فإن الدين إنما هو التقليد يعني للنبي وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ومن قبلنا لم يدعونا في لبس فقلدهم واسترح ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر وقف عند متشابه القرآن والحديث ولا تقس شيئا ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع فإنك أمرت بالسكوت عنهم فلا تمكنهم من نفسك أما علمت أن محمد بن سيرين مع فضله لم يجب رجلا من أهل البدع في مسألة واحدة ولا سمع منه آية من كتاب الله عز وجل فقيل له فقال أخاف أن يحرفها فيقع في قلبي شيء .
وإذا سمعت الرجل يقول إنا نحن نعظم الله إذا سمع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه جهمي يريد أن يرد أثر رسول الله ويدفعه بهذه الكلمة وهو يزعم أنه يعظم الله وينزهه إذا سمع حديث الرؤية وحديث النزول وغيره أفليس قد رد أثر رسول الله إذ قال إنا نحن نعظم الله أن ينزل من موضع إلى موضع فقد زعم أنه أعلم بالله من غيره فاحذر هؤلاء فإن جمهور الناس من السوقة وغيرهم على هذا الحال وحذر الناس منهم وإذا سألك الرجل عن مسألة في هذا الباب وهو مسترشد فكلمه وأرشده وإذا جاءك يناظرك فاحذره فإن في المناظرة المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب وقد نهيت عن جميع هذا وهو يزيل عن طريق الحق ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه جادل أو ناظر أو خاصم
قال الحسن : " الحكيم لا يماري ولا يداري حكمته ينشرها إن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله .
وجاء رجل إلى الحسن فقال أنا أناظرك في الدين فقال الحسن : " أنا قد عرفت ديني فإن كان دينك قد ضل منك فاذهب فاطلبه " .
وسمع رسول الله قوما على باب حجرته يقول أحدهم : ألم يقل الله كذا ؟ ويقول الآخر : ألم يقل الله كذا ؟ فخرج مغضباً فقال : أبهذا أمرتكم ؟ أم بهذا بعثت إليكم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ؟ فنهاهم عن الجدال .
كان ابن عمر يكره المناظرة ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا وقول الله عز وجل أكبر من قول الخلق قال الله تعالى : وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا .
وسأل رجل عمر بن الخطاب فقال : ما الناشطات نشطا ؟ فقال : لو كنت محلوقا لضربت عنقك ... ) أ . هـ

وينظر بالإضافة إلى ما سبق ذكره : عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني ( ص 298 ) شرح السنة للبربهاري ( ص 71 ) السنة للخلال ( 1 / 229 ) مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري ( ص 294 )
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:01 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.