عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 16-06-13, 09:11 PM
ابو عبد الرحمن الجزائري ابو عبد الرحمن الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-02-07
المشاركات: 2,979
افتراضي رد: بُشرى لطلبة العلم :صدور الطبعة الثانية من رسالة (كيف نخدم الفقه المالكي) للشيخ بن حنفية العابدين

الخـــاتمة

لتكن خاتمة هذا الكتاب أن أؤكد أن علماء المسلمين رحمهم الله ومنهم الأئمة المتبوعين لم يريدوا بما دونوه وعلموه إلا أن يبلغوا أحكام الله تبارك وتعالى للناس، وأن يعبدوهم لله سبحانه باتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يكن مقصودهم أن يتعصب الناس لهم، أو يتخذوا أقوالهم وما ذهبوا إليه دينا ولا دليلا . ولهذا فكل خدمة لمذهب من المذاهب ينبغي أن يكون الباعث عليها هذا المعنى، وأن يكون غرض من اختارها للتفقه اعتبارها وسيلة ميسرة لبلوغ تجريد المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم بحيث يلتقي عمل المسلم في عبادته ربه ومعاملته خلقه مع ما يقوله ويعتقده، وهو شهادته أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فيوحد الله تعالى ويفرده بالعبادة، ويوحد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم باتباع ما جاء به بنفسه إن كان عالما، وبواسطة غيره إن لم يكن كذلك . ولا بأس بعد هذا أن تدرس المصفات الفقهية في البلدان الإسلامية كل بلد حسب المذهب السائد فيه على يد من له القدرة العلمية على الاستدلال لما فيها من الأحكام، وبيان ما فيها من الأقوال الضعيفة المخالفة للدليل الثابت غير المعارض، وبهذا يجتمع المسلمون على هدف واحد، ويمتثلون ما أمرهم الله به من الاعتصام بحبله، وترك التفرق في دينه، ولا حرج بعد هذا القصد الذي يجمعهم أن يوجد الخلاف بينهم حيث كان حاديهم النصح لله وللرسول ولأئمة المسلمين وعامتهم، لا التعصب الذموم والتقليد الأعمى الذي هو بعيد كل البعد عن أن يكون علما . ومما يعين على هذا أن تطبع مصنفات الفقه وتنشر وتحقق، وهكذا سائر مؤلفات العلماء المالكية وغيرهم من تفسير لآيات وأحاديث الأحكام وأصول الفقه وقواعده وشروح المصنفات، مع إعطاء الأولوية لموطإ مالك رحمه الله حفظا وتدريسا وشرحا، فإنه - بلا ريب - مقدم على غيره من الأمهات لطول ممارسة مالك له، ولتوفره على النصوص المرفوعة والموقوفة والمقطوعة وأقوال مالك
الموثوق بها المنقولة باللفظ الثابت السند .ومما يخدم به مذهب مالك وسائر المذاهب المتبوعة أن ينظر في الروايات الثابتة عن الأئمة وأن يوازن بينها وأن يقدم منها ما قام الدليل على نصرته بقطع النظر عن كونه في المدونة أو غيرها من الأمهات، ولا شك أن مصطلح المشهور في مذهب مالك قد غطى على كثير من الروايات القوية في المذهب فصارت لا يشار إليها إلا عرضا وفي سياق ردها .
إن هذا المسلك في التعامل مع المذاهب ومنها مذهب مالك مسلك معتدل بعيد عن الغلو والجفاء، يُعنى بما تركه أئمة المسلمين من هذا الصرح العظيم الذي بنوه لخدمة الفقه الذي هو عبارة عن أحكام الله تعالى التي لا ينفك عنها مكلف، فيصل المسلم إليها من أقصر طريق مع ربطها بأصولها من الكتاب والسنة وهي المعين الثر الذي يفيض نورا وبهاء، وله في النفوس كل الهيبة والوقار اللذين يحملان المؤمن على الامتثال، ويشيع في جوانحه الاطمئنان .وإنه لمما يزري بمالك رحمه الله تعالى من الذين يزعمون أنهم من أتباعه أن يتركوا ما كان عليه من صافي الاعتقاد المتلقى من النصوص المعصومة، ومما كان عليه خير هذه الأمة من الصحابة ومن تلاهم، ويعتمدوا عقيدة غيره مع أنهم مخطئون في نسبة تلك العقيدة إلى أبي الحسن الأشعري رحمه الله أيضا، ثم هم لا يكتفون في تزكية النفوس وتطهيرها وهي أعظم مقاصد الدين من اشتراع معالمه الثلاثة التي هي الإيمان والإسلام والإحسان لا يكتفون بما في الشرع من العناية بأعمال القلوب، وجعل موافقة السنة مع الإخلاص لله شرطا في قبول العبادات، والحض على التقاء الظاهر بالباطن في الصلاح، والتقلل من الدنيا وزينتها، والتشوف إلى الآخرة ونعيمها، وما فيه من طرائق التربية والتهذيب، وصون الجوارح عن الحرام، وتسخيرها لشكر الله تعالى، وهي كافية ولله الحمد، تزكى بها الرعيل الأول، وبلغوا بها الأوج في الصلاح والتقوى، لم يكفهم ذلك حتى ألصقوا ما هم عليه من هذه الطرائق والفرق والجماعات برسومها ونظمها وأورادها وشاراتها المبتدعة في الدين بالجنيد رحمه الله، فقالوا نحن على طريقته، لا يحملهم على ذلك إلا أن يظهروا بمظهر الوفي لمن تقدمهم مقلدين لهم، مموهين أنهم بهذا العمل أوفياء لما سموه بالمرجعية الوطنية التي ابتدعوها من غير أن يشرعها الله ولا رسوله، ثم يزعمون أنهم بذلك يصونون وحدة الأمة من التفرق والتمزق، فالأمة عندهم لا يمزقها الكفر والضلال والابتداع والتشيع والتنصير والخمر والقمار والربا والزنا والعري والاختلاط وتقليد الكفار، أقول هذا باعتبار لازم أقوالهم وأفعالهم، فلا ضير على الأمة من هذا كله عندهم، الضير كل الضير في التوحيدين توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، مع أن الخير كل الخير والله فيهما . إنه لمن الخطإ الفادح أن تتدخل الإدارة أو غيرها في كيفية عبادة المسلم لربه لا فرق بين إمام وغيره، فيرغم على الطريقة الفلانية في العبادة، ويعتبر التزامه ذلك دليلا على وفائه وحبه لوطنه، ومخالفته أمارة على خلاف ذلك، حتى بلغ الأمر أن يعد ذلك خيانة للوطن، مثل هذا الأمر إن فرض على الإمام يقتل فيه روح البحث ويورثه الخنوع والذل والاستكانة والتسليم لغير من ينبغي له التسليم، فأنى له أن يكون مربيا للناس وهو يظهر خلاف ما يبطن؟، مع أنني أقول إن الأمور العامة كالأذان والصيام والفطر وشؤون الإدارة والقضاء ونحوها يتعين أن توحد في البلد، ومن ثم ينبغي أن يقنن الفقه فيها لما في الاختلاف فيها من الاضطراب والتمييز بين الناس، لكن هذا إنما يقال لو كانت أحكام الله تبارك وتعالى قد عرفت طريقها إلى الحياة العامة الناكبة عن الصراط المستقيم، والتي لا يوليها إخواننا الذين يجبرون الناس على ما يظنونه مذهب مالك أو هو مشهور مذهبه أية أهمية إن لم يكونوا من المساهمين في فسادها بصرف الأنظار عن أخطارها إلى هذا الذي يتوهمون .
إن الحاكم المسلم ومن ينيبهم عنه في تسيير شؤون الأمة يتعين عليهم أن ينظروا إلى جميع المسلمين أنهم إخوانهم، ولنقل إنهم رعيتهم وهم مسؤولون عنهم، فيتيحون لهم جميعا الفرصة لخدمة دينهم ووطنهم - دار الإسلام - من غير تمييز، ويختارون لمواقع المسؤولية ومنها إرشاد الناس وتعليمهم وإمامتهم في صلواتهم وهي أعظم عرى الإسلام بعد الشهادتين؛ أكثرهم علما وأحسنهم خلقا، لا أن يقام التقريب والإبعاد على أساس من الولاء لم يشرعه الله ولا رسوله، فإن مناط الولاء الإيمان، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، ثم يضعون العراقيل والحواجز في الامتحانات الكتابية والشفوية، ودون سائر الحقوق التي خولها القانون للموظفين، والوسائل إلى تولي المسؤوليات أمام من لا يرتضونه، ممن لا يجاريهم على باطلهم ويداهنهم، إنهم بعملهم هذا يفرقون الأمة ويظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، بتمييزهم بعضهم عن بعض بغير ما شرع الله ورسوله . ولا يسوغ لهم أن يعتلوا بما عليه بعض الناس من التنطع والشذوذ والتنكر لعمل الأسلاف من الفقهاء وغيرهم، فإن المسؤول الأول عن هؤلاء هو النظام الذي تربوا في حجره، حيث لم يضع القائمون عليه في الحسبان والاهتمام تطلع الناس إلى معرفة دينهم المعرفة الحقة، وإرواء غليلهم، وملء الفراغ الروحي الذي لا يملأ إلا بنور الوحيين، وذكر رب السموات والأرضين، فهذه الاستهانة بتربية النشء وتعليمه وتثقيفه باتباع المنهج القويم، والصراط المستقيم؛ من أعظم أسباب ما نعانيه من أنواع الفساد، وأضرب الغلو، وأصناف الجريمة، وليعلم من أراد أن يعلم أن منهج السلف وعقيدتهم لا يضيرها بحال أن يظهر على من يدعيها غلو وتطرف، وشذوذ وسوء تصرف، فإن المبادئ الحقة والمناهج القويمة لا تحاكم إلى تصرفات الأفراد الذين لا يخلون من الخطإ والمخالفة لما ينادون به جهلا، أو قصدا وعمدا، وهل يُطعن في هذا الدين بما عليه المسلمون اليوم من التخلف والتفرق والظلم والعدوان والاستبداد ؟. ومهما كان الخلاف بين المسلمين في اتباع هذا القول أو ذاك أو اعتماد هذا الرأي أو ذاك فإنهم لا يختلفون في كون هذا الدين إنما أنزله الله بما فيه من أخبار وأوامر ونواه لتصلح به الحياة ويسعد به الأفراد في شؤونهم العامة والخاصة حتى يتهيأوا بذلك للدار الباقية حيث ينالون كرامة الله ويستحقون رضوانه بفضله ومنه، فأين الجهود التي تبذل من هؤلاء المختلفين فيما سبق ذكره وغيره في جانب التمكين لأحكام الله في الحياة العامة؟، وهل أنزل الله تعالى كتبه وأرسل رسله إلا ليقوم الناس بالقسط؟، ولتصلح بذلك الحياة؟، ومن ذا الذي سيعارض إخواننا الذين يبغون علينا إن هم أقاموا مذهب مالك في كثير أو قليل من الحياة العامة في القضاء والإدارة والتجارة والجنايات والحدود وغيرها؟، أم أن مذهب مالك ينحصر في هذا الذي جعلوه هجيراهم وديدنهم ومبلغ علمهم وأكبر همهم مما اشرت إلى بعضه في هذا الكتاب ليحاربوا به إخوانهم وهم في الكثير مما يقولون ويفعلون مخطئون ؟ . قد لا نستطيع أن نصرف إخواننا عما هم عليه، لكن من المؤكد إن شاء الله أنهم لا يستطيعون أن يردونا عن هذا الذي اخترناه عن دراية وروية واعتدال، ومع هذا فإننا نعدهم بالانصياع لكل ما يأمروننا به ويدعوننا إليه مما فيه خدمة عملية التمكين لأحكام الله تبارك وتعالى في الحياة العامة، لكن في إطار قوانين البلاد، ومن غير افتيات على حكامها، وبالوسائل التي ألمحت إليها في الفصل الأول، والمهتدي من هداه الله، والضال من أضله، والموفق من وفقه، والمخذول من حذله، وأسأله عز وجل أن يجعل هذا الكتاب نافعا لمن قرأه وأن يكون فيه ما يرد الناس إلى الحق باعتمادهم في معرفة أحكام دينهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فإن مذاهب أهل العلم ما دون منها وما لم يدون إنما كان لخدمة هذا الغرض، فلا يجفونها ولا يغلون فيها، ومن وفقه الله إلى الاطلاع على الروايات الواردة عن مالك في مختلف مسائل الفقه ازداد يقينا بهذا الذي قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عن مذهبه، قال: " يمكن المتبع لمذهب مالك أن يتبع السنة في عامة الأمور، إذ قل من سنة إلا وله قول يوافقها"، فلعل الله تعالى ييسر لي كتابة شيء في الروايات غير المشهورة عن مالك مع بيان أدلتها، وما توفيقي إلا بالله، وما كان في هذا الذي دونته من صواب فمن الله، وما كان فيه من مخالفة للحق فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، ومتى تبين لي فإني عنه مقلع، وإلى الحق راجع، والحمد لله رب العالمين .
رد مع اقتباس