عرض مشاركة واحدة
  #30  
قديم 21-04-16, 10:00 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: في دلالة الأمر على الوجوب أو غيره..
ذهب أكثر الأصوليين إلى أن الأصل في صيغة "افعل" الوجوب إلا لقرينة. وليس هذا بسنة، ولكن العبرة بالعزم عند الخطاب، هذه طريقة السابقين الأولين.
والشأن في كل حديث أن يُنظر في سياقه كله لمعرفة مراده صلى الله عليه وسلم، فتارة يأمر بالأمر يبين أن مراده الوجوب في المقام نفسه باللفظ والحال.. وتارة يأمر بالأمر يُفهم أصحابَه أنه إباحة في المقام نفسه ..
ومن لسان العرب البيان بالإشارة إشارة اليد والوجه.. وهو فيصل في معرفة المراد من الخطاب، وبعض ذلك لا ينقل، وقد تقدم ذكره. وقد عرفت أن الكلام الواحد يختلف المراد منه بحسب الحال والمخاطَب.. كصيغة الاستفهام، صيغة واحدة، ويراد منها معانٍ مختلفةٌ من تقرير وتوبيخ وتعجب وتنبيه وأمر ووعيد.. والأمر صيغة واحدة، ثم قد تكون طلبا للفعل، أو إباحة أو تهديدا أو تعجيزا أو إهانة أو دعاء أو التماسا.. وصيغة النهي كذلك قد تكون نهيا وهو طلب الترك، وقد يكون للتهديد أو دعاءً.. وكل ذلك إنما يدل على معناه قرائن الأحوال، من إشارة اليد ونبرة الصوت في سائر سياق الكلام.
وكل هذه المعاني يَفهمها المخاطَبُ من الكلام بسياقه، لا يأتي على حرف منه يحمله على معنى ثم ينظر في السياق هل يصرف عما حمله عليه ابتداء. كذلك سائر كلام الناس، ألا ترى أنّا في لساننا اليوم نتخاطب بكلام نَفهم في المقام نفسه الظاهرَ المراد، لا نفكّك السياق إلى حروف مفردة. وَرُبّ لفظِ أمرٍ يخاطِب به الرجلُ ابنه يَفهم منه الطلب بنبرة الصوت، وبها يفهم أنه إباحة.. والحرف واحد. وهذا شيء يعسر وصفه بالكتاب، ولكنه بيّنٌ لمن تنبه له.
والعرب تسمي الجملة التامة كلمة كقول الله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) والكلمة هي قوله لأبيه وقومه (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) وهي لا إله إلا الله، وقول النبي في الصحيح: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل اهـ وقول عبد الله بن مسعود في الصحيح: قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة وقلت أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة اهـ فالعبرة بمجموع الكلمة لا باللفظ وحده، ومن الكلمة الإشارات المصاحبة للبيان، كما عرفت.
وقد قال جابر بن عبد الله في سياق حجة الوداع: فلما قدمنا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نَحِلَّ، وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء. قال: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم. الحديث في الصحيحين. فقوله لم يعزم عليهم، دليل على أنه لما نطق بالأمر قاله كهيئة الـمُخَيِّر المبيح، ونبرة الصوت وقرائن الخطاب تدل على ذلك. ولو عزم لقالها بالجزم، بهيئة لا يمكن وصفها بالقلم، لذلك لم تنقل، ولكن نقل لنا جابر معناها ..
وقالت عائشة في الضحية: كنا نملّح منه، فنقدم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام. وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يُطعم منه. رواه البخاري. ومن الناس من قال في هذا الحديث: لا حجة في هذا الخبر، لأن قول القائل "ليست بعزيمة" ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وغاب عنه ما علمه مَن عاين خطاب النبي صلى الله عليه وسلم..
وذكر أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُرَغّب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانا وإحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. رواه البخاري ومسلم، فالعزم إذاً هو الدال على الوجوب.
ومن هذا الباب قول أبي سعيد الخدري: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبّحو عدوِّكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة، فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر اهـ رواه مسلم. ولو كان مجرد الأمر دالا على الوجوب لما احتاج أن يقول: وكانت عزمة. فالعبرة عندهم بالعزم عند الخطاب.
ومن هذا الباب كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة اهـ معناه لأمرتهم أمر وجوب، فلقد كان يأمر به كما في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب عز وجل اهـ وقال أربدة التميمي: سألت ابن عباس عن السواك، فقال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا به حتى خشينا أن ينزل عليه فيه. رواه الطيالسي وغيره. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء اهـ رواه النسائي وغيره، وصححه الحاكم والذهبي. فكان معنى قوله "لأمرتهم" لعزمت عليهم، ولفرضت عليهم، فحرفُ الأمر وحده لا يدل على معنى حتى يكون عزما، يدل عليه سياقه كله الذي منه نبرة الصوت ولمحة العين.. الذي منه ما لا ينقل، وحُفظ في فهم الصحابة، فإنه لما خاطبهم أفهمهم، كما يُفهِم اليوم بعضُنا بعضا في المقام نفسه، فهماً يعلم المخاطَبُ مِنّا مراد صاحبه.
ولا ينبغي أن يكتفى هنا بالعمومات لاستخراج قواعد، ولكن ينبغي النظر في العمل كيف كانوا يفهمون، كمن احتج بقول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) إنما هو الأمر الذي هو الشأن واحد أمور، وهو أعم من الأمر الذي هو قول واحد أوامر، لذلك قال قبله (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه) وكقوله (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به).
ومن الباب قول موسى لأخيه (يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري) ومثله قول الله سبحانه وتعالى لإبليس الخبيث. كل ذلك من الأمر الذي اجتمعت فيه الدلالة على الوجوب، وهذه حوادث أعيان، لا جوامع للكلم. ومثل ذلك قول نبي الله للصديق يوم أم الناسَ: يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك. فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله.. علم الصديق لما التفت أن الأمر كان رخصة..
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس