عرض مشاركة واحدة
  #28  
قديم 17-04-16, 09:21 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 229
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: لما أغفلوا مباحث الترك، فاتهم بسبب ذلك معرفةُ ما وُقّت مما لم يوقت، وهذا لا تجدهم يذكرونه، وهو عند السف كثير، وإنما يُعلم هذا في السنة بتتبع الترك حيث مظنة العمل أو نقل العمل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما حد فيها سنة معلومة تلتزم وربما لم يوقت، وهو الأكثر، وتتبع العمل الجاري والترك هو الذي يبين ذلك. كما قيل لابن مسعود: إن إخوتك بالشام يكبرون على جنائزهم خمسا فلو وَقَّتُّم لنا وقتا نتابعكم عليه. فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: انظروا جنائزكم فكبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد. رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
وعن عثمان بن شماس أن مروان سأل أبا هريرة: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على الجنازة، قال: سمعته يقول: أنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها تعلم سرها وعلانيتها جئناك شفعاء فاغفر لها اهـ رواه ابن أبي شيبة. وأبو هريرة لم يكن يوقت فيه شيئا.
فإذا لم ينقل في الباب شيء من الأفعال فاعلم أنه مما فهموا أنه لم يوقَّت فيه حد وليس فراغا يملأ بالاستدلال والنظر. وهذا مثل هيئة اليدين بين السجدتين وبعد الركوع لم ينقل الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم فيهما شيئا لعلمهم أنه لم يجعل فيها سنة يلتزم بها. ولهذا لم ينقلوا ألفاظ رسول الله في بيعه وشرائه، وفي نكاحه وإنكاحه.. لما علموا أنه لم يوقت ثَمّ شيئا..
ومن هنا كان ملحظ مالك حين قال: وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر اهـ قاله بعدما أخرج حديث أم عطية في الموطأ، فلم يكن سنة لأنه لم يتكرر العمل به والدلالة عليه في من غسلوا من الموتى. ومن هنا كان الزهري يقول: من أين أخذ الناس القنوت؟ ويتعجب ويقول: إنما قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ثم ترك ذلك. رواه عبد الرزاق. وأمثلته كثيرة جدا، منها القول في تعزية المصاب، فإن رسول الله لم يكن يتحرى قولا معينا، ولم يكن العمل على شيء مخصوص. ومثله القول بين الركنين في الطواف بالبيت..
والمتأخرون إنما يعولون على الرواية، حتى إذا ثبتت عندهم أعملوها على كل حال. والسنة أن تنظر في مجموع العمل، لتعلم هل كان موقتا عندهم أم فُعل أحيانا.
من هذا الباب قول ابن المسيب في الدعاء للميت، وقول إبراهيم النخعي في القول بين السجدتين: ليس فيه شيء موقت. وروى سليمان التيمي عن أبي مجلز عن ابن عمر عمل الحج، وذكر سكوته يدعو بين الجمار، قال فقلت لسالم أو نافع : هل كان يقول في سكوته شيئا؟ قال: أما من السنة فلا اهـ ونظائره في الأثر كثير، تدل على أنهم تتبعوا العمل فلم يجدوا مواظبة على شيء مخصوص فيه، فقالوا: لم يوقت..
ومن مسالك معرفة ما وقت مما لم يوقت اختلاف الأعمال فيه، مثل مسافة القصر، لما اختلفت الآثار فيها ولم يكن العمل على سنة مطردة عُلم أن النبي لم يحد فيها شيئا إلا ما كان فيه مخايل السفر وهو العرف على أصح الأقوال، وهو معنى قول عثمان وغيره أن السفر ما حملت فيه الزاد والمزاد. ومثل ما جاء في الدعاء بعد التشهد، والدعاء للميت، والقول في سجدة التلاوة.. جاءت آثار مختلفة، اختلافها دليل على أنه لم يوقت فيها شيء مخصوص. وبالجملة، فعند كل مسألة ينظر في مجموع العمل ومعه الترك ليستدل بذلك على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فلا يكفي في إثبات السنة حديثٌ واحد، ولكن مجموع الأخبار الدالة على الفعل والترك، حتى يستبين ما يُواظب عليه مما يُفعل أحيانا، وأن يعرف قصد النبي صلى الله عليه وسلم من فعله. فإذا ثبت خبر فيه عمل فلا تجعله سنة تُتعاهد ويواظَب عليها حتى تراها تتكرر في العمل الأول، وقد عرفتَ أن الفعل بفطرته لا يدل على العموم، وأن مأخذ السنن من جهة العمل.
من هذا الباب قول من استحب أعمالا مطلقا أي من غير توقيت، وهو الذي يقال في مثله: لا بأس به.. مثل من وسّع من التابعين في قراءة القرآن في الطواف على أنه من العمل المستحب مطلقا في الطواف وغير الطواف، من غير دوام عليه فيه، أي من غير أن يُجعل من سنة الطواف، لذلك أنكره من أنكره منهم مع المواظبة والإظهار إذ لم يكن العمل المواظبة عليه هناك. ومثله ما قالوا في المنديل بعد الوضوء ونظائره..
فأشكلت على من احتج بها على البدع، ظن أنهم استحسنوا ما لم يكن في العمل من قبل، وإنما ذلك في ما لم يوقت فيه شيء، أي هو جائز من غير توقيت..
ومثله ما جاء عن بعض الصحابة زمان رسول الله، كما في الصحيحين عن رفاعة قال: كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم؟ قال: أنا. قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول اهـ استدل به من جهل طريقة الصحابة على جواز الابتداع، وإنما هو من هذا الباب، بل من الأدلة على أنهم علموا أنه لم يوقَّت شيء بعد قول المؤتم: ربنا ولك الحمد.
وهذا الوجه يسميه ناس من المتأخرين تخصيصا (بزمان أو مكان..)، والأولى تسميته توقيتا. فهذه مما ينبغي أن يذكر في الأصول..
ولما كان هذا الباب على المتكلمين عسيرا لقلة علمهم بالأثر، عدلوا عنه، واكتفوا بالعمومات وما يستنبط منها.. ففاتهم خير كثير. ورحم الله مالكا حيث قال: العلم الذي هو العلم معرفة السنن والأمر المعروف الماضي المعمول به اهـ
يتبع..
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس