عرض مشاركة واحدة
  #27  
قديم 17-04-16, 09:12 PM
أبو أسماء محمد حكيمي أبو أسماء محمد حكيمي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-11-15
المشاركات: 230
افتراضي رد: جُمّاع ما يُنكَر على المتكلمين في الأصول (متجدد، للمشاركة)

فائدة: لم يعطوا الترك حقه إلا قليلا. نعم تكلم فيه ناس من أهل السنة بأخرة..
لكن هنا فوائد زوائد:
- منها أن الاستنان بالترك سنة عتيقة، إنما أنكره ناس من المتأخرين زمانا وعلما، وقد كان الصحابة ينقلون تروك النبي بالعمل والرواية كسائر السنن، وقد قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فدخل فيه التأسي به في ترك ما ترك. وفي الصحيح عن أبي وائل قال: جلست إلى شيبة في هذا المسجد، قال: جلس إليَّ عمر في مجلسك هذا، فقال: هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمتها بين المسلمين، قلت: ما أنت بفاعل، قال: لم؟ قلت: لم يفعله صاحباك، قال: هما المرآن يُقتدى بهما اهـ أي يقتدى بهما في الترك. وفيه عن عبد الله بن عمر قال: قيل لعمر: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورواه مسلم وزاد قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم غير مستخلف. فتأسى بالترك. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه رأى ناسا يُسَبّحون في السفر فقال: لو كنت مسبحا لأتممت صلاتي، إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). فاحتج بالترك واستدل له بالآية. وسئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما اهـ رواه البخاري. وفي الباب غيرها كثير.
- ومنها أن من مظان معرفة الترك الآثار الموقوفة، فإنهم نقلوا الترك بالعمل كما نقلوه بالرواية.
وما ذكروا من الترك إنما حدَّثوا به لمناسبة أدركوها ليس شيئا تصدى له أحدهم ابتداء، كأن يُسأل عن الشأن في العيدين فيخبر أنه لم يكن يُؤَذن لها، أو إذا رأى ما ينكر كأن يخبر أن النبي لم يكن يسرد الحديث.. فالترك ترك النبي إنما نقل بالترك منهاجا موروثا، وإنما نبهوا عليه بالقول لأحوال شهدوها، وما لم ينقل بالقول أضعاف أضعافِ ما نقل حكاية، وإنما تركوه اتباعا للسنة. فتتبع عملهم مما يستدل به على هذا الأمر. ومن اشترط الإسناد لإثبات الترك فاته علم كثير، وأخطأ سننا ثابتة. وتأمل هذا في رواية جابر وابن عباس -وهما ممن عاش بعد زمان الخلافة- أن رسول الله كان يخرج يوم العيد فيصلي بغير أذان ولا إقامة، إنما حدثوا بهذا لما أحدثت بنو أمية خلاف السنة، وكانوا قبل ذلك أكثر من ثلاثين سنة لا يحدّثون بذلك، إنما يعملون بالسنة، يتركون الأذان والإقامة، كما كان نبي الله يفعل ذلك دون أن يخبرهم أن سنة اليوم ترك الأذان..
- معلوم أن الترك فعل من الأفعال.. يزاد على أدلة ذلك من القرآن : قول الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) ولم يقل وتركوا السيئات، لأن ترك السيئات عمل صالح. ونظائرها في القرآن. وقوله سبحانه (ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) الآية، إن لم تفعلوا: إن لم تذَروا ما بقي من الربا، ووَذَرَ بمعنى ترك، فهو كقولك "إن لم تتركوا". وقوله تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) يفعل ذلك: يترك ذكر الله، لأن الذم في الآية متجه إلى ترك ذكر الله لا مجرد القيام بالأموال والعيال. وقول الله تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) بيس فعلهم: أي تركهم الإنكار. وقال سبحانه (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله) ومِن فعل الخير ترك الرفث والفسوق والجدال في الحج. وقال تبارك وتعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) فدخل في ما تعملون كتمان الشهادة وهو ترك. ومثله قوله سبحانه (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) ولها في القرآن نظائر.
ومن الحديث قول نبي الله: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي. الحديث. وفي لفظ "يترك طعامه وشرابه وشهوته". رواه البخاري ومسلم. فجعل الترك عملا. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه - فاقتص الحديث ثم قال - وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار فسعيت حتى جمعتها. فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. الحديث. وفي مسلم عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اهـ صنعت أي تركت الوضوء لكل صلاة.
ومما جاء عن الصحابة ما روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. سمى تركها الكلام عملا. وفي الصحيح عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللهِ بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها! قال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل أنت حتى يكون يوم الترويةِ. الحديث. وفي البخاري عن عكرمة عن ابن عباس قال: .. فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك. يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب اهـ فسمى الاجتناب فعلا.
- ما ثبت للفعل من أحكام ثبت للترك، إذ كلاهما ليس له عموم، ولا مفهوم. وكما أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم سنة، كذلك تركه سنة. لكنهما إذا اجتمعا في سياق افترقا كما في الحديث: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات. رواه الترمذي. وإذا أطلق الفعل دخل فيه الترك كما قال أهل العلم في مسمى الإيمان ودخول العمل فيه.
- ومنها أن المتروك في السنة -أي مع وجود الداعي- غير مقصود للتشريع، إذ لو قصده رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطر في ذهنه بكلامه العام، فلا بد إذن أن يفعله، ولو فواقا (سويعة) في سنوات التشريع، أو لحض عليه خاصة ليعمل به أصحابه، أو لنبه على فضل هذا العمل ومقدار ثوابه على سَنَن التشريع. إذ كيف يكون مطلوبا فعله بذلك الأمر العام ثم لا يفعله الذي أمر به في عموم خطابه صلى الله عليه وسلم، ويرى أصحابه لا يفعلونه ثم لا ينبههم، هذا محال، وللقائل به لوازم منكرة .. فكان في الترك دلالة بينة على عدم التشريع. فالتعبد به على خلاف المقاصد. وما هذا شأنه لا يستحسن من العمومات بوجه. وسواء علينا اعتبرنا فرقا بين الترك والكف أم لا - والكف ما تعمد تركه وهو أخص- فإنه على كل حال لم يقصد فعله. فاستوى من هذه الجهة القصد إلى عدم التشريع، وعدم القصد إلى التشريع، فتدبر. وقد تقدم نحو هذا الوجه في وظائف الأدلة. والمستدل بالعموم ونحوه على جواز فعل ما تُرك في السنة إنما هو متعبد عند نفسه ممتثل زاعم بذلك أن عمله مقصود من العموم. فمتى وُقف على هذا المعنى لزمه أن يرجع إلى السنة أو أن يلتزم لوازم قوله، من ضياع بعض البيان، ونحو ذلك..
- ومنها العلم بأن من البدع ما يكون بالترك كما يكون بالعمل إذا أراد صاحبها خيرا، كما في حديث أبي إسرائيل، ففي الصحيح عن ابن عباس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه. فنهاه عن ترك ما لا يُتعبد بتركه. وخبر أبي بكر مع المرأة التي حجت مصمتة ونظائرِه. فمن تعبد بتركٍ مثلِ ذلك فقد عمل عملا ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
- ومنها أن الترك أي مع وجود مَظنة العمل ينبغي اعتباره مع الحديث المروي في الباب، وأن يدخل في جمع النصوص، فإن من الناس ممن يحتج بالترك لا يُعمِله إلا إذا عدم الخبر في المسألة كالقول في المولد أنه لا يشرع لأن الداعي كان موجودا فهُجر العمل به، لكن إذا صح الحديث عنده أعمله على الإطلاق وذهل عن تتبع العمل والترك. والصواب أنه ينبغي اعتباره مع الحديث نفسه في ما دل عليه الحديث، كما كان الصحابة يراعون ذلك كله، كما قال أبو سعيد: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم. فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا آخر فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا. وكانت عزمة فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر. وقال ابن مسعود في عاشوراء: كنا نصومه ثم ترك. وقال علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. رواها مسلم، وفي الباب غيرها. وهذا كما قال مالك في الجهاد من الموطأ وسئل عمن قتل قتيلا من العدو أيكون له سلبه بغير إذن الإمام قال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين اهـ فرأى أن ترك النبي الإذن في ذلك بعد حنين مع وجود المقتضي هو من أمره الذي ينبغي أن يُنظر في مجموعه. ومن هنا كان نظر الليث بن سعد في إنكاره الجمع في المطر في رسالته إلى مالك بن أنس قال: .. وقد عرفتُ أن مما عبت إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله عز و جل لم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر وفيهم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وقد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ. ويقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة، وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح وقد كان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين ونزلها علي بن أبي طالب سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط اهـ يريد استدلال مالك بحديث ابن عباس: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر. وهذا كما قال ربيعة وردَّ حديثَ بسرة في مس الذكر: وَيْحَكُم مثل هذا يأخذ به أحد؟ ونعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذه النعل لما أجزت شهادتها. إنما قوام الدين الصلاة, وإنما قوام الصلاة الطهور, فلم يكن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقيم هذا الدين إلا بسرة؟اهـ والغرض هنا ملحظ ربيعة، أنه وجدهم يتركون الوضوء من مس الذكر.. ولهذا نظائر تكثر. فينبغي مراعاة الترك عند وجود مظنة العمل مع الرواية في بابها.
وهنا فائدة تترتب على هذا الوجه:
__________________
قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اهـ جزء رفع اليدين للبخاري [38]
رد مع اقتباس