عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 24-01-19, 02:18 PM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 115
Lightbulb رد: عائلة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله

{ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } [يوسف: 64] .

الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء :

يظنّ كثير من طلبة العلم أنّ ابن تيميّة وُلد مبرّأ من كلّ عيب علميّ ، فترى أحدهم إذا تذكّر هذه الشّخصيّة لا تكاد تفارقه صورة جمعها في قلبه تُنبئه أنّ ابن تيميّة منذ نعومة أظفاره سُنّي سلفي خالٍ من البدعة ، وربّما خاصمك لو شككت في ذلك ، والحقيقة أنّ ذلك الأمر رجم بالغيب ، وأنّ الشّاهد التّاريخي يشير إلى غير ذلك تماما ، وأنّ تلك الصّورة مجرّد نفخة إعجاب بألوان التّقديس ، فهل شهدوا صباه وشبابه ، وأتوا على التاريخ من جميع أبوابه ؟! قال السّخاوي : وما أحسن قول سعيد ابن المسيّب : إنّه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل ـ يعني من غير الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ـ إلّا وفيه عيب . كما في الإعلان بالتّوبيخ ص118 . والأثر أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه " الكفاية في علم الرّواية " ص79 بلفظ : " ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلّا وفيه عيب ، لا بدّ ، ولكن من النّاس من لا تُذكَر عيوبُه ، من كان فضله أكثر من نقصه وُهِبَ نقصُه لفضله ". وانظر " فوائد ابن نصر عن مشايخه " (ح35) .
لقد قيل : إنّ الشّيخ ابن تيمية تاب بعد ثلاثين سنة ممّا كان يعتقده من البدع ! وسواء صحّت هذه المعلومة التي قدّرت المدّة أو لم تصحّ فإنّنا على يقين من أنّ ابن تيميّة قد مرّ في سيرورته العلميّة بمرحلتين على الأقلّ ، شأنه شأن غيره من العلماء الذين تقلّبوا من مذهب إلى مذهب ، وسواء كان هذا المذهب فقهيّا أو اعتقاديّا ، ولا ضير في ذلك فإنّ طالب الحقّ لا يزال في تحصيل العلم يبحث عن الحقيقة ، وقد يصل وقد لا يصل ، والتّوفيق بيد الباري جلّ وعلا ، وقد يكون تقلّبه في هداية وخير كما قال تعالى : { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } [محمّد: 17] ، وقد يكون تقلّبه في ضلالة وشرّ، أعاذنا اللّه من ذلك ، قال تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } [التّغابن: 6] ، ومن ظنّ أنّ الشّيوخ والآباء لا يؤثّرون في الرّضاعة العلميّة فمن جهله أتى ، ومن تقلّب من مذهب إلى مذهب أو من شيخ إلى شيخ بقيت فيه آثار تلك المصّة من الرّضاعة ولا يسلم منها إلّا من سلّمه اللّه .
وابن تيميّة في طور الطّفولة العلميّة لم يرضع رضاعة سليمة من ثدي التّوحيد ، بل غاص أنفه في صدرٍ غير صدر السنّة حتّى ترك فيه الأثر، وقد اعترف هو بذلك والإعتراف سيّد الأدلّة ، ومن شهد على نفسه فقد نصح في دينه .
قال في مسألة " حلول الحوادث " وهي مسألة الصّفات الإختياريّة لله تعالى : ولكن هذه المسألة [أي حلول الحوادث] ومسألة الزّيارة وغيرهما حدث من المتأخّرين فيها شبه ، وأنا وغيري كنّا على " مذهب الآباء " في ذلك نقول في " الأصلين " بقول أهل البدع ؛ فلمّا تبيّن لنا ما جاء به الرّسول دار الأمر بين أن نتّبع ما أنزل الله أو نتّبع ما وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتّباع الرّسول ؛ وأن لا نكون ممّن قيل فيه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } [لقمان: 21] ، وقد قال تعالى : { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } [الزّخرف: 24] ، وقال تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ - وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } [لقمان: 14-15] ، فالواجب اتّباع الكتاب المنزّل والنّبيّ المرسل وسبيل من أناب إلى الله فاتّبعنا الكتاب والسّنة كالمهاجرين والأنصار؛ دون ما خالف ذلك من دين الآباء وغير الآباء ، والله يهدينا وسائر إخواننا إلى الصّراط المستقيم ، صراط الذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا . أنظر مجموع الفتاوى ج6 ص258 .
فقف على هذا الكلام وتأمّل نصّه جيّدا ، لتدرك صورة الشّيخ حين كان على " مذهب الآباء " يقول بما يخالف السّلف في مسألة الصّفات ومسألة الزّيارة ، فهو يرى في الصّفات الإختياريّة برأي من يقول بقدم النّوع والفعل ، فلا شيء حادث من الأفعال الإلهية ولا كمال في صفة القيّوميّة ، وأمّا مسألة الزّيارة فهو يقول فيها باستحباب زيارة مساجد مكّة وما حولها في المناسك ، وهذا قول أهل البدع من الصّوفيّة وغيرهم ، ولقد تأثّر الشّيخ بشبه المتأخّرين وأقرب هذه الشّبه الأحاديث الضّعيفة واللّه أعلم ، وقد قالوا في ترجمته : أنّه إليه المُنتهى فِي عزوه إلى الكتب السِّتَّة والمسند بِحَيْثُ يصدق عليه أَن يُقَال : " كلّ حديث لا يعرفه ابْن تَيْمِيّة فَلَيْسَ بِحَدِيث " ، وَإنّي أعتذر من نقلي لهذا الغلوّ، فإنّ الْإِحَاطَة لله عزّ وجلّ ، { أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } [فصّلت: 54] .
قال في رسالته إلى الشّيخ أبي الفتح نصر المنبجي سنة أربع وسبعمائة : وإنّما كنتُ قديما ممّن يحسن الظنّ بابن عربي ويعظّمه : لمّا رأيتُ في كتبه من الفوائد مثل كلامه في كثير من " الفتوحات " و" الكنه " و" المحكم المربوط " و" الدّرة الفاخرة " و" مطالع النجوم " ونحو ذلك ، ولم نكن بعد اطّلعنا على حقيقة مقصوده ولم نطالع الفصوص ونحوه ، وكنّا نجتمع مع إخواننا في الله نطلب الحقّ ونتّبعه ونكشف حقيقة الطريق ، فلمّا تبيّن الأمر عرفنا نحن ما يجب علينا ، فلمّا قدم من المشرق مشايخ معتبرون وسألوا عن حقيقة الطريقة الإسلامية والدين الإسلامي وحقيقة حال هؤلاء : وجب البيان . وكذلك كتب إلينا من أطراف الشام : رجال سالكون أهل صدق وطلب ، أن أذكر النّكت الجامعة لحقيقية مقصودهم . مجموع الفتاوى ج2 ص464-465 .
فتأمّل هذا التّصريح من الشّيخ ، وكيف كان مدّة من حياته يحسن الظنّ بابن عربي ويعظّمه وما ذلك إلّا بتأثّره البالغ به ، لتدرك أنّ ابن تيميّة نشأ نشأة حنبليّة صوفيّة وأنّه كان يطلب الحقّ في ظنّه ويكشف حقيقة الطريق وهو طريق التّصوّف حتّى تبيّن له ذلك فتركه . وليس خافٍ عليك أنّ من يعظّم شخصا يسلك طريقه ، وربّما وافق ابن تيميّة في ترجيح بعض الأحكام الفقهيّة التي نصرها ابن عربي في الفتوحات المكّيّة ممّا هي من أقوال الظّاهريّة ، إلّا أنّ الشّيخ لم يصل إلى عقيدة الحلول الكفريّة فقد نجّاه اللّه منها ربّ البريّة .
وقال في ردّه على من يدّعي أنّه يتلقّى من عند اللّه : وكنتُ في أوائل عمري حضرتُ مع جماعة من أهل " الزّهد والعبادة والإرادة " فكانوا من خيار أهل هذه الطبقة ، فبتنا بمكان وأرادوا أن يقيموا سماعا وأن أحضر معهم فامتنعت من ذلك فجعلوا لي مكانا منفردا قعدت فيه فلمّا سمعوا وحصل الوجد والحال صار الشّيخ الكبير يهتف بي في حال وجده ويقول : يا فلان قد جاءك نصيب عظيم تعال خذ نصيبك ، فقلت في نفسي ثم أظهرته لهم لمّا اجتمعنا : أنتم في حلّ من هذا النّصيب فكلّ نصيب لا يأتي عن طريق محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم فإنّي لا آكل منه شيئا . وتبيّن لبعض من كان فيهم ممّن له معرفة وعلم أنّه كان معهم الشّياطين وكان فيهم من هو سكران بالخمر. والذي قلته معناه أنّ هذا النّصيب وهذه العطيّة والموهبة والحال سببها غير شرعي ليس هو طاعة لله ورسوله ولا شرعها الرّسول فهو مثل من يقول : تعال اشرب معنا الخمر ونحن نعطيك هذا المال ، أو عظّم هذا الصنم ونحن نولّيك هذه الولاية ونحو ذلك . مجموع الفتاوى ج10 ص418-419 .
فتأمّل هذا التّأثّر بالصّوفيّة لدرجة أنّه كان يجتمع مع أهل " الزّهد والعبادة والإرادة " وكيف وصفهم بأنّهم من خيار أهل هذه الطبقة ، ومعلوم أنّه يريد بأهل الإرادة أولئك الصّوفيّة الذين يخالفون الشّرع في اتّباع المأمور لضعف القوّة العلميّة ، ولذلك امتنع من ذلك السّماع الذي يؤدّي به إلى وجد غير مشروع وفَناء ممنوع ، ومن فسد من عبّادنا ففيه شبه من النصارى ، قال ابن تيميّة : وكذلك " الصّوفية " عظّموا جنس الإرادة إرادة القلب وذمّوا الهوى وبالغوا في الباب ولم يميّز كثير منهم بين الإرادة الشرعية الموافقة لأمر الله ورسوله وبين الإرادة البدعية . كما في مجموع الفتاوى ج13 ص101 ، وانظر كذلك ج22 ص307 .
إنّ هذا الشّيخ لم يخرج في مدّة صباه على آبائه ، ولا مرق في مرحلة تتلمذه من دين شيوخه ، ولا كان بدعة في هذا الأمر، فغالب العلماء إن لم يكونوا كلّهم ، يبدأون حياتهم العلمية غالبا ما يبدأونها بتقليد شيوخهم الذين أخذوا عنهم ووثقوا في علومهم ، وابن تيمية أوّل ما نشأ وتربّى في كنف والده ، حيث تلقّى العلم عنه وعن غيره من شيوخ عصره ، وسار في فلكهم مع ما أعطاه اللّه من قدرة علمية لكن ذلك لم ينفعه ليكون مستقلّا بنفسه بعيدا عن التقليد ، بل ظنّ أنّ مذهب الآباء هو المذهب الصّحيح ، وغلب عليه حبّ هذا الصّدر الذي أرضعه ، وكم تؤثّر الرّضاعة في الرّضيع ؟!
فوالده عبد الحليم بن عبد السلام ، قال عنه الذهبي : صار شيخ حرّان وحاكمها وخطيبها بعد موت والده . انظر العبر ج3 ص349-350 ، وقال ابن شاكر الكتبي : كان إماما في التفسير مبرزا في المذهب والخلاف وأصول الدين والنحو واللغة ، وله معرفة تامة بعلم الحساب والجبر والهندسة وكان يعرف علوما كثيرة ، وكان حسن الأخلاق لطيفا . انظر عيون التواريخ ج22 ص339 ، وأمّا جدّه المجد ابن تيميّة فقد انتهت إليه الإمامة في الفقه كما قال الذّهبي . وكان الشيخ ابن مالك يقول : ألين للشّيخ المجد الفقه كما ألين لداود الحديد . وأمّا عمّه فخر الدين الخطيب الواعظ الفقيه الحنبلي كان فاضلا تفرّد في بلده بالعلم وقد تفقّه عليه الشّيخ كما أشار الذهبي وكان أبوه أحد الأبدال والزّهّاد . كما روى عن عمّته ستّ الدّار بنت عبد السّلام ابن تيمية ، كما في كتاب موقف ابن تيمية من الأشاعرة ص156 لعبد الرّحمن بن صالح المحمود نقلا عن أعلام النّساء ج2 ص154 ، أمّا والدته فهي ستّ النّعم بنت عبد الرّحمن بن علي بن عبدوس الحرّانية كما في البداية والنهاية ج14 ص79 ، وأعتذر من كلمة ستّ النّعم فأنا فيها ناقل لا مؤيّد لأنّها تسمية غير جائزة . وانظر تراجم بعض آباء الشّيخ وأقربائه كتاب " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين " لنعمان بن محمود الآلوسي ص41 فما بعدها .
هؤلاء هم أفراد العائلة الذين أرضعوا ابن تيميّة المذهب ، ومن هذه الرّضاعة الغبّرة ما كان يقول به في الأصلين وما سلك به سلوك أهل التصوّف !!
يُتبع ...
رد مع اقتباس