عرض مشاركة واحدة
  #49  
قديم 20-10-19, 09:31 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض الثَّانِي: أن ينازعه فِي مُقْتَضَاهُ، وَهَذَا النَّوْع يتَوَجَّه على الْفِعْل من طَرِيقين:
أحدهما: أن ينازعه فِيمَا فعل.
وَالثَّانِي: أن ينازعه فِي مُقْتَضى الْفِعْل.
فأما الأول فَمثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي تكْرَار مسح الرَّأْس بِمَا روي أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم توضأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام.
فَيَقُول الْحَنَفِيّ: قَوْله: "تَوَضَّأ ثلاثا" مَعْنَاهُ غسل؛ لَأن الْوضُوء فِي اللُّغَة النَّظَافَة وَذَلِكَ إنما يحصل بِالْغسْلِ فلَا يدْخل فِيهِ الْمسْح.
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن:
أحدهما: أن يبين أن الْوضُوء فِي عرف الشَّرْع هُوَ الْغسْل وَالْمسح، وفي اللُّغَة عبارَة عَن الْغسْل، فَوَجَبَ أن يحمل على عرف الشَّرْع.
وَالثَّانِي: أن يبين بِالدَّلِيلِ من جِهَة السِّيَاق أوْ غَيره أن المُرَاد بِهِ الْغسْل وَالْمسح.
وَالطَّرِيق الثَّانِي: أن يسلّم مَا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه ينازعه فِي مُقْتَضى فعله.
وَذَلِكَ مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي وجوب الِاعْتِدَال فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود بَأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك.
فَيَقُول الْمُخَالف: فعله لَا يَقْتَضِي الْوُجُوب.
وَالْجَوَاب عَنهُ من ثَلَاثَة أوجه:
أحدها: أن يَقُول فعله عِنْدِي يَقْتَضِي الْوُجُوب وإن لم تسلم دلّلت عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أن يَقُول: هَذَا بَيَان لمجمل وَاجِب فِي الْقُرْآن، وَبَيَان الْوَاجِب وَاجِب.
وَالثَّالِث: أن يَقُول قد اقْترن بِهِ أمْر وَهُوَ قَوْله صلى الله عليه وسلم: صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أصلي. والأمر يَقْتَضِي الْوُجُوب.

أقول: الاعتراض الثاني على الفعل المنازعة في المقتضى، وهذا النوع يتوجه من وجهين:
أحدهما أن ينازعه في أي شيء قد فعل بأن يحمل المعترض فعله صلى الله عليه وسلم على وضع غير الوضع الذي حمله عليه المستدل.
مثاله: استدلال الشافعي على استحباب التثليث في مسح الرأس أنه صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة، فقال : " هذا وظيفة الوضوء ، أو قال: وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة " . ثم توضأ مرتين مرتين ، ثم قال : " هذا وضوء من توضأه أعطاه الله عز وجل كفلين من الأجر " ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال: " هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي". رواه ابن ماجه وغيره وهو ضعيف([1] ) .
فيقول الحنفي: قوله: "توضأ" معناه غسل؛ لأن الوضوء في اللغة هو النظافة وما تحصل به الوضاءة، وذلك إنما يحصل بالغسل دون المسح فيكون معنى قوله:توضأ ثلاثا ثلاثا هو: غسل ثلاثا ثلاثا.
والجواب عنه من طريقين:
الأول: أن الوضوء في الشرع هو عبارة عن الغسل والمسح، والدليل عليه أن كل موضع ورد الشرع به كان المراد به ما قلناه، وفي اللغة عبارة عن الوضاءة والنظافة، واللفظ إذا كان له عرفان: عرف في اللغة، وعرف في الشرع، حمل على عرف الشرع ولا يحمل على عرف اللغة إلا بدليل.
الثاني: أن يبين بالدليل من جهة سياق الحديث أو غيره أن المراد به الغسل والمسح، وذلك أنه ورد في الخبر أنه توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ولا شك أنه غسل ومسح، فإذا قيل: توضأ مرتين يجب أن يكون كرر ذلك بعينه، وإذا قيل: ثلاثا ثلاثا يجب أن يكون كرر ذلك بعينه ثلاثا فيدخل الغسل والمسح.
الوجه الثاني: أن يسلم له ما روي من الفعل أنه فعله ولكنه ينازعه في مقتضى فعله وما يفهم منه.
مثاله: استدلال الشافعي في وجوب الاعتدال في الركوع والسجود بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك. كما في أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما.
فيقول المخالف: لا أسلم أن اعتداله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب.
والجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: فعله عندي يقتضي الوجوب فإن سلمت هذا الأصل وإلا نقلنا الكلام إليه، والدليل على أن فعله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره. والأمر يقع على القول والفعل، والدليل عليه قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم.
ثانيهما: فعله صلى الله عليه وسلم هذا خرج مخرج البيان لمجمل واجب في القرآن وهو الصلاة وما كان بيانا لواجب فهو واجب.
ثالثهما: أن نقول: هذا الفعل قد اقترن به ما يدل على الوجوب وهو قوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري. والأمر يقتضي الوجوب.
رد مع اقتباس