عرض مشاركة واحدة
  #47  
قديم 15-09-19, 06:02 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وَالضَّرْب الثَّانِي: مَا لَا يسْتَقِلّ بِنَفسِهِ دون السَّبَب.
وَالَّذِي يَخُصُّهُ من الِاعْتِرَاض دَعْوَى الإجمال.
وَذَلِكَ مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة مُدِّ عَجْوَة بِمَا رُوِيَ أن رجلا أتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ قلادة وفيهَا خَرز وَذهب، فَقَالَ: ابتعتُ هَذِه بِسبعة دَنَانِير، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: لَا حَتَّى تميّز.
فَيَقُول الْمُخَالف: هَذَا مُجمل لأنه قَضِيَّة فِي عين فَيحْتَمل أن يكون الثّمن مثل الذَّهَب الَّذِي فِي القلادة فَنهى لذَلِك، وَيحْتَمل أن يكون أكثر فنهى لما ذكرْتُمْ فَوَجَبَ التَّوَقُّف حَتَّى يعلم.
وَالْجَوَاب عَنهُ من أربعة أوجه:
أحدها: أن يُقَال: هَذِه زِيَادَة فِي السَّبَب الْمَنْقُول، وَالْحكم اذا نقل مَعَ سَبَب لم تجز الزِّيَادَة فِي السَّبَب إلا بِدَلِيل، وَالَّذِي نقل من السَّبَب بيع الخرز وَالذَّهَب بِالذَّهَب، وَالْحكم هُوَ النَّهْي فَلم تجز الزِّيَادَة فِي ذَلِك.
وَالثَّانِي: أن يبين أن الظَّاهِر مَا ادَّعَاهُ مِن أن الذَّهَب الَّذِي مَعَ القلادة أقل من الثّمن فإن الْغَالِب أن الْعَاقِل لَا يَبِيع خَرَزا وَسَبْعَة مَثَاقِيل بسبعة دَنَانِير.
وَالثَّالِث: أن يَقُول: لَو كَانَ الْمَنْع كما ذكرْتُمْ لنقِل إذ لَا يجوز أن ينْقل مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم وَيتْرك مَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم.
وَالرَّابِع: أنه لم يفصّل، وَلَو كَانَ كما ذكرتم لفصَّل وَقَالَ: لا*، إن كَانَ الذَّهَب مثل الثّمن.

أقول: الضرب الثاني من الخارج على سبب هو ما لا يستقل بنفسه ولا يتم إلا بسببه.
وهذا يعترض عليه بدعوى الإجمال.
مثاله: استدلال أصحابنا في مسألة مُدّ عَجوة([1] ) بحديث فضالة بن عبيد قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينه وبينه. فقال: إنما أردت الحجارة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينهما. قال: فرده حتى ميز بينهما. رواه أبو داود.
فيقول الحنفي([2] ) : هذا الحديث مجمل لأنه حكم في حادثة معينة ويحتمل أن يكون الثمن ( تسعة دنانير أو سبعة دنانير) مثل الذهب الذي في القلادة، ويحتمل أن يكون أكثر فوجب التوقف حتى يعلم ولا يجوز الاحتجاج به، أي إنما يصح احتجاجكم به إذا ثبت أن الدنانير كانت أكثر من الذهب ونحن لا نسلم ذلك.
والجواب عنه من أربعة أوجه:
الأول: أن يقال: قولكم إذا كان الذهب أكثر جاز وإلا لم يجز هذه زيادة على السبب المنقول في الرواية، والقاعدة أن الحكم إذا نقل مع سبب لم تجز الزيادة عليه إلا بدليل، فالسبب المنقول هو: بيع الخرز مع الذهب بالذهب، والحكم هو النهي، فلم تجز الزيادة بدون دليل، ولا دليل عندكم.
الثاني: أن يبين أن الظاهر هو كون الذهب الذي في القلادة أقل من الثمن؛ أي فيكون الثمن أكثر من القلادة؛ فإن العاقل لا يبيع سبعة مثاقيل من ذهب وخرز، بسبعة مثاقيل فلا يتحقق الذي قلتموه وهو كون الثمن مثل الذهب الذي في القلادة.
الثالث: أن يقال لو كان المنع من بيع القلادة لأجل ما ذكرتم وهو كون الثمن مماثلا لنقل هذا في الرواية لأنه هو المؤثر، فلا يجوز أن ينقل ما لا يتعلق الحكم به، ويترك ما يتعلق الحكم به.
والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل له في الجواب ولو كان الأمر كما ذكرتم لتعين أن يفصل فيقول: لا - أي لا يجوز- إن كان الذهب مثل الثمن.



([1] ) مسألة مد عجوة- العجوة نوع من تمور المدينة- أفردت بالبحث ومحلها كتب الفقه، ولكننا نبينها بالقدر الذي يعيننا على فهم الكتاب فنقول: هنالك مال ربوي، ومال غير ربوي، فالمال الربوي هو الأثمان والطعام، كما في حديث مسلم: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. وما عدا ذلك من الأموال فليست ربوية كالصابون والإسمنت والثياب والحديد والخشب، والمال الربوي بنص الحديث لا يجوز بيع بعضه من جنس واحد ببعض إلا إذا تماثلا بالمقدار وحصل التقابض يدا بيد في مجلس العقد؛ فلا يجوز مثلا بيع حنطة جيدة بحنطة من نوع آخر إلا إذا تماثلا صاعا بصاع مدا بمد ولا يجوز أن يكون أحدهما أزيد على اعتبار أن الثاني أجود، فإذا علم هذا (فما حرم فيه الربا من الأموال لا يجوز بيع بعضه ببعض من جنسه، ومع أحد العوضين جنس آخر مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه) فهذه هي مسألة مد عجوة فمن صورها: مُد من عجوة ودرهم بمدين من عجوة، فالتمر بالتمر مال ربوي ومع أحد العوضين جنس آخر وهو الدرهم، وقلادة فيها ذهب وخَرز- نوع من الأحجار الكريمة- بذهب، فتلك الصور باطلة عندنا.

([2] ) يجيز الحنفية بيع تلك القلادة بالدنانير متى ما كانت تلك الدنانير أكثر من الذهب، كأن يكون المال تسعة دنانير من الذهب، والذهب الذي في القلادة ثمانية مثاقيل، فتقع الثمانية بمقابل الثمانية، والدينار الزائد بمقابل الخرز الذي في القلادة فيصح حينئذ البيع، ولا يجيزون البيع إذا كانت مثله أو دونه.
رد مع اقتباس