عرض مشاركة واحدة
  #86  
قديم 28-11-15, 07:09 PM
أبو معاذ إبراهيم الشناوي أبو معاذ إبراهيم الشناوي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-09-15
المشاركات: 824
افتراضي رد: تذليل العقبات بإعراب الورقات

[قال صاحبي]

قال: ما معني هذه القاعدة ؟
قلت: هو ما سبق: أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده
قال: ففسر لي قولك: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بواحد من أضداده.
قلت: مثال الشق الأول من القاعدة وهو (الأمر): أننا مأمورون بالقيام في الصلاة لقوله تعالى: {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وقوله صلى الله عليه وسلم : "صَلِّ قائِمًا فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب". فهنا أمر بـ (القيام)، و(القيام) له أضداد من: القعود والركوع والسجود والاضطجاع، فإذا ترك الإنسان القيام لغير عذر وصَلَّى قاعدا أو مضطجعا أو راكعا أو ساجدا دون قيام لم تصح صلاته؛ لأن الأمر بالقيام يستلزم النهي عن جميع أضداده.
وأما الشق الثاني من القاعدة وهو: (أن النهي عن الشيء أمر بواحد من أضداده) فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط". فالإنسان إذا جعل القبلة عن يمينه أثناء قضاء الحاجة فقد اجتنب النهي، وإذا جعلها عن يساره فقد اجتنب النهي أيضا
قال: لماذا كان النهي عن الشيء أمر بضد واحد؟
قلت: لأنك لو تلبست بأي ضد من أضداد النهي انشغلت عن المنهي عنه ولم تكن متلبسا به ولا عاملا به، كما سبق في مثال النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة فلو جعلت القبلة عن يمينك لم تكن مستقبلا لها ولو جعلتها عن يسارك لم تكن مستقبلا لها.
قال: هل أفهم من هذه القاعدة أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده؟
قلت: لا.
قال: ظاهر القاعدة يدل على ذلك فلماذا تنفيه؟
قلت: هل صيغة (افعل) هي نفسها (لا تفعل)؟
فنظر إلىَّ ولم ينطق بشيء.
قلت: هل قولك: (قُمْ) هو نفسه قولك: (لا تقعد).
فتفكَّرَ قليلا وهو ينظر إلىَّ ثم قال: لا.
قلت: إذن فالأمرُ بالشيء ليس عينَ النهي عن ضده.
قال: نعم، ليس عينَه، ولكن لماذا أجدهم كثيرا في كتب الأصول يقولون: الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده؟
قلت: اعلم أن كون (الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده) من المسائل التي فيها النارُ تحت الرماد.
قال: ولِمَ ؟
قلت: لأنها مبنية على زعم باطل، والمبني على باطل لا شك أنه باطل.
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: اعلم (أولا) أن هذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب:
الأول – أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده وهذا قول جمهور المتكلمين.
الثاني – أن الأمر بالشيء ليس عين النهي عن ضده ولكنه يستلزمه، وهذا أظهر الأقوال؛ لأن قولك: اسكن، يستلزم النهي عن الحركة؛ لأن المأمور به (السكون) لا يمكن وجوده مع التلبس بضده (الحركة)؛ لاستحالة الجمع بين الضدين.
وهذا قول أكثر أصحاب مالك، وإليه رجع القاضي الباقلاني في آخر مصنفاته وكان يقول بالقول الأول.
الثالث – أنه ليس عينه ولا يتضمنه، وهو قول المعتزلة والإبياري من المالكية، وإمام الحرمين والغزالي من الشافعية
قال: قلتَ: إن هذه المسألة من المسائل التي فيها النار تحت الرماد ولم تبين ذلك.
قلت: لو تركتَني بينتُ.
قال: فبيِّن كيف ذلك.
قلت: قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -[1]: " الذي يظهر والله أعلم أن قولَ المتكلمين ومَنْ وافقهم من الأصوليين: (أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده) مبنيٌّ على زعمهم الفاسد: أن (الأمر قسمان: نفسي ولفظي) وأن (الأمر النفسي: هو المعنى القائمُ بالذات المجرَّدُ عن الصيغة)
هل فهمت الآن.
قال: لا.
قلت: إنهم يجردون (الأمر) عن الصيغة وينظرون إلى المعنى القائم بالنفس فقولك: (اسكن) معناه الذي في النفس: ترْكُ الحركة، وقولك: (لا تتحرك) معناه الذي في النفس: ترك الحركة.
فالمعنى القائمُ بالنفس واحد
قال: يااااااه، أتعني أنهم يبنون هذا على مسألة عقدية وهي معتقدهم في صفة الكلام بأنه الكلام النفسي؟
قلت:نعم، ولكني لم أقل ذلك من عندي بل نقلته عن الشيخ الشنقيطي رحمه الله
قال: فهلا نقلتَ لي بعض كلامه هنا
قلت:حسنا، سأنقل لك بعض كلامه فبعد أن ذكر ما سبق قال: "ويوضح ذلك: اشتراطهم في كون (الأمر نهيا عن الضد) أن يكون الأمر نفسيا، يعنون الخطاب النفسي المجرد عن الصيغة، وجزم ببناء هذه المسألة على الكلام النفسي صاحب (الضياء اللامع) وغيره، وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله: " من حيث المعنى، وأما الصيغة فلا" ولم ينتبه لأن هذا من المسائل التي فيها النار تحت الرماد؛ لأن أصل هذا الكلام مبنيٌّ على زعم باطل وهو أن كلام الله مجرد المعنى القائم بالذات المجرد عن الحروف والألفاظ لأن هذا القول الباطل يقتضي أن ألفاظ كلمات القرآن بحروفها لم يتكلم بها ربُّ السماوات والأرض، وبطلان ذلك واضح"[2]ا.هـ
______________________________________

[1] مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر 37 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ط. دار عالم الفوائد
[2] مذكرة أصول الفقه 37.
رد مع اقتباس