عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 03-12-06, 02:43 AM
ابو حمدان ابو حمدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-09-05
المشاركات: 740
افتراضي اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة: هناك من يفتي بإباحة الكفر في مسائل غير الإكراه إما للضرورة أو لمصلحة معتبرة أو لسبب آخر، فهل هذا صحيح؟

الأصول والقواعد التي يجب مراعاتها عند الإفتاء في مثل هذه المسائل:

القاعدة الأولى: أن من قال أو فعل ما هو كُفر أكبر كَفر وإن لم ينو الكفر:
- قال الله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم * ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين) [النحل:106-107].
قال الإمام ابن حزم رحمه الله في الفصل في الملل والأهواء والنحل: "ولما قال تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً)، خرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافراً إلى رخصة الله تعالى والثبات على الإيمان، وبقي من أظهر الكفر لا قارئاً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبنص القرآن على من قال كلمة الكفر إنه كافر، وليس قول الله عز وجل (ولكن من شرح بالكفر صدرا) على من ظنوه من اعتقاد الكفر فقط، بل كل من نطق بالكلام الذي يُحكم لقائله عند أهل الإسلام بحكم الكفر لا قارئاً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً فقد شرح بالكفر صدراً، بمعنى أنه شرح صدره لقبول الكفر المحرم على أهل الإسلام وعلى أهل الكفر أن يقولوه وسواء اعتقدوه أو لم يعتقدوه، لأن هذا العمل من إعلان الكفر على غير الوجوه المباحة في إيراده وهو شرح الصدر به" اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأيضا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يُستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع فعُلم أن التكلم بالكفر كفر إلا في حال الإكراه. وقوله تعالى (ولكن من شرح بالكفر صدرا)، أي لاستحبابه الدنيا على الآخرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافراً، ويمسي مؤمنا ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا"، والآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين لما أكرههم المشركون على سب النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر على المحنة كبلال، ولم يكره أحد منهم على خلاف ما في قلبه بل أكرهوا على التكلم، فمن تكلم بدون الإكراه، لم يتكلم إلا وصدره منشرح به" اهـ [الفتاوى 7/5].
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) إلى قوله (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) فلم يستثن الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه، والإكراه لا يكون على العقيدة، بل على القول والفعل، فقد صرح بأن من قال الكفر أو فعله فقد كفر إلا المكره، بالشرط المذكور، وذلك أن ذلك بسبب إيثار الدنيا لا بسبب العقيدة" اهـ [تاريخ ابن غنام ص344].
وقال أيضا في كشف الشبهات: "قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فلم يعذر من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئنا بالإيمان، وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفا أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره" اهـ.
- قال الله تعالى (ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم) [التوبة:74].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول: "فمن قال أو فعل ما هو كُفر كَفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافراً، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله" اهـ.
وقال الإمام الصنعاني رحمه الله في تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد: "صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر وإن لم يقصد معناها" اهـ.
وقال الإمام ابن الوزير اليماني رحمه الله في إيثار الحق على الخلق: "… بقوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) فقضى بكفر من قال ذلك بغير شرط، فخرج المكره بالنص والإجماع وبقي غيره" اهـ.
- قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة:51].
قال الإمام ابن حزم رحمه الله: "صح أن قوله تعالى (ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين" اهـ [المحلى 13/35].
وقال الإمام جمال الدين القاسمي رحمه الله في تفسيره: "(فإنه منهم)، أي من جملتهم، وحكمه حكمهم، وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة" اهـ.
- قال الله تعالى (ولئن سألتهم ليقولُنّ إنما كنا نخوض ونلعبُ قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) [التوبة:65-66].
روى ابن جرير الطبري في تفسيره في سبب نزول الآية بإسناد لا بأس به عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء. فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق، قال ابن عمر رضي الله عنهما: كأني أنظر إليه متعلقاً بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب. فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم (أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)، ما يلتفت إليه وما يزيده عليه".
وقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: "قوله تعالى (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين)، قيل: كانوا ثلاثة نفر هزئ اثنان وضحك واحد، فالمعفو عنه هو الذي ضحك ولم يتكلم …… وقال خليفة بن خياط في تاريخه: اسمه مخاشن بن حمير، وذكر ابن عبد البر: مخاشن الحميري، وذكر السهيلي: مخشن بن خمير، وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وكان تاب وسمي عبد الرحمن فدعا الله أن يُقتل شهيدا ولا يعلم بقبره" اهـ.
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "قال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر الجلود وتجب منها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت. قال: فأصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وُجد غيره" اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب، وبيّن أنّ الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام" اهـ [الفتاوى 7/220].
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كشف الشبهات: "فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، أو يعمل به خوفا من نقص مال، أو جاه، أو مداراة لأحد، أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها" اهـ.
- أقوال أهل العلم:
قال الإمام أبو ثور رحمه الله: "فاعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به، أنه ليس بمسلم. ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن" اهـ [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي].
قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الزواجر: "نقل إمام الحرمين عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرا وباطنا، وأقرهم على ذلك" اهـ.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة نواقض الإسلام: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره" اهـ.
وقال أيضاً: "إذا عرفت أن أعظم أهل الإخلاص وأكثرهم حسنات لو قال كلمة الشرك مع كراهيته لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبط عمله وصار من الخاسرين، فكيف بمن أظهر أنه منهم وتكلم بمائة كلمة لأجل تجارة أو لأجل أن يحج لما مُنع الموحدين من الحج كما منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى فتح الله مكة" اهـ [الرسائل والمسائل النجدية 4/11].
وقال أيضاً عند تفسير قوله تعالى (قل أفغير الله تأمرونني أعبد أيها الجاهلون) [الزمر:64]: "أن المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإنهم لم يريدوا من النبي صلى الله عليه وسلم تغيير عقيدته، ففيه بيان لما يكثر وقوعه ممن ينتسب إلى الإسلام في إظهار الموافقة للمشركين خوفاً منهم، ويظن أنه لا يكفر إذا كان قلبه كارهاً له" اهـ [الدرر السنية 13/383-384].
وقال أيضاً في رسائله الشخصية: "لو نُقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلماً عظيماً في أموالهم وبلادهم ومع هذا خافوا استيلاءه على بلادهم ظلماً وعدواناً رأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينكم هو الحق ودين السلطان هو الباطل وتظاهروا بذلك ليلا ونهاراً مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل، لكن لما تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفع الظلم عنهم هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أنهم الحق، وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب، وأنه لا يُتصور أنهم لا يتيهون لأنهم أكثر من المسلمين، ولأن الله أعطاهم من الدنيا شيئا كثيرا، ولأنهم أهل الزهد والرهبانية" اهـ.
وما سبق تقريره من النصوص ومن كلام أهل العلم هو الموافق لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.

القاعدة الثانية: الكفر الأكبر لا يجوز للضرورة ولا لغيرها إلا المكره:
- قال الله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [النحل:106].
- وقد سبق من كلام ابن حزم رحمه الله قوله: "ولما قال تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً)، خرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافراً إلى رخصة الله تعالى والثبات على الإيمان، وبقي من أظهر الكفر لا قارئاً ولا شاهداً ولا حاكياً ولا مكرهاً على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبنص القرآن على من قال كلمة الكفر إنه كافر" اهـ.
وسبق من كلام ابن الوزير اليماني رحمه الله قوله: "فقضى بكفر من قال ذلك بغير شرط، فخرج المكره بالنص والإجماع وبقي غيره" اهـ.
- وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين: "ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان" اهـ [3/145].
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان هذا في فعل الفاحشة فغيرها من الذنوب أعظم مثل الظلم العظيم للخلق كقتل النفس المعصومة ومثل الإشراك بالله ومثل القول على الله بلا علم، قال تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون)، فهذه أجناس المحرمات التي لا تباح بحال ولا في شريعة، وما سواها وإن حرم في حال فقد يباح في حال" اهـ [الفتاوى 15/134].
وقال أيضاً: "المحرمات قسمان: أحدهما ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئا لا لضرورة ولا لغير ضرورة كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)، فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يبح منها شيئا قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية، ونفي التحريم عما سواها، فإنما حرمه بعدها كالدم والميتة ولحم الخنزير، حرمه في حال دون حال وليس تحريمه مطلقا" اهـ [الفتاوى 14/470].

القاعدة الثالثة: التوحيد أعظم مصلحة ومعروف أُمر به، والشرك أكبر مفسدة ومنكر نُهي عنه، وأعظم مقاصد الشريعة الحفاظ على الدين الذي هو رأس الضروريات الخمس، و أن رأس هذا الدين وأُسّه التوحيد والإيمان واجتناب الكفر والشرك والتنديد، وأن دفع مفسدة الكفر الأكبر مقدم على جلب المصالح المعتبرة في الدين مهما كثرت عند التزاحم:
- قال الله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء:48].
- وقال تعالى (والفتنة أكبر من القتل) [البقرة:217]، وقال سبحانه (والفتنة أشد من القتل) [البقرة191]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "وقال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس في قوله (والفتنة أشد من القتل)، يقول: الشرك أشد من القتل" اهـ.
- وقال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: "والفتنة هي الكفر، فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا، لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتاً يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم" اهـ [الدرر السنية 10/510].
- قال الشيخ صالح الأسمري في كتابه مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية: "قوله: [فإن تزاحم عدد المصالح.. إلخ]: التزاحم من حيث هو يأتي على صور ثلاث: الأولى: تزاحم حسنة مع حسنة …… الثانية: اجتماع سيئة وسيئة …… الثالثة: اجتماع حسنة وسيئة، …… ومن هنا يتبين أن تلازم الأحكام وتزاحمها يحتاج إلى أمرين لكي يُبَتَّ في ذلك، نص عليهما شيخ الإسلام في المجموع: الأول: معرفة واقع الواقعة. الثاني: العلم بمراتب الحسنات والسيئات، ومقاصد الشريعة. فبدون هذين الأمرين أو أحدهما لا يستوي الأمر كما قال ابن القيم في أول الإعلام الموقعين" اهـ [ص46-48].
وقد "اتفق الفقهاء في الجملة على شيئين كما في بحر المحيط للزركشي، أولهما: تقديم الدين على باقي الضروريات، ومنها النفس. والثاني: تقديم النفس على باقي الضروريات سوى الدين" [ذكره الشيخ صالح الأسمري في الفصول المنتقاة المجموعة في مقاصد الشريعة المرفوعة ص45-46].
- قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله، وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام ولا ظهر دين الله ولا علت كلمته" اهـ [الدرر السنية 8/67].
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في شرحه لمنظومته منظومة القواعد الفقهية:
" الدين مبني على المصالح *** في جلبها والدرء للقبائح
الشرح: هذا الأصل العظيم والقاعدة العامة يدخل فيها الدين كله، فكله مبني على تحصيل المصالح في الدين والدنيا والآخرة، وعل دفع المضار في الدين والدنيا والآخرة. ما أمر الله بشيء إلا وفيه من المصالح ما لا يحيط به الوصف. وما نهى عن شيء إلا وفيه من المفاسد ما لا يحيط به الوصف. ومن أعظم ما أمر الله به التوحيد الذي هو إفراد الله بالعبادة، وهو مشتمل على صلاح القلوب وسَعتها ونورها وانشراحها وزوال أدرانها، وفيه مصالح البدن والدنيا والآخرة. وأعظم ما نهى الله عنه الشرك في عبادته الذي هو فساد وحسرة في القلوب والأبدان والدنيا والآخرة. فكل خير في الدنيا والآخرة فهو من ثمرات التوحيد، وكل شر في الدنيا والآخرة فهو من ثمرات الشرك" اهـ.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة زيارة القبور: "يكفي المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، ولا أمرهم إلا بما يصلحهم ولا نهاهم إلا عما يضرهم" اهـ.
وقال أيضا في كتاب الحسبة: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا تزاحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، ويجب احتمال أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما وذلك بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام" اهـ.
وقال أيضا: "ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً ولا مباحاً، وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسدته مما أذن فيه الشرع، والمسلم يعلم أن الله لم يحرم شيئا إلا ومفسدته محضة أو غالبة" اهـ [الفتاوى].
وقال أيضا: "إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة" اهـ [الفتاوى 28/129].


القاعدة الرابعة: التفريق بين التعريض والتصريح بالكفر:
روى مسلم في صحيحه [رقم:1801] قصة محمد بن مسلمة وقتله كعب بن الأشرف من حديث جابر رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقال محمد بن مسلمة: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم"، قال: ائذن لي فلأقل. قال: "قل". فأتاه فقال له وذكر ما بينهما، وقال: إن هذا الرجل قد أراد صدقة وقد عنّانا. فلما سمعه، قال: وأيضا والله لتملنه. قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره. قال: وقد أردت أن تسلفني سلفاً. … الحديث
قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: "قوله: "ائذن لي"، معناه ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره ففيه دليل على جواز التعريض وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح يفهم منه المُخاطب غير ذلك فهذا جائز في الحرب وفي غيرها ما لم يمنع به حقاً شرعياً. قوله: "وقد عنّانا"، هذا من التعريض الجائز بل المستحب لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب لكنه تعب في مرضات الله تعالى فهو محبوب لنا، والذي فهم المُخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب" اهـ [12/161].
وهذا الذي قرره الإمام النووي هاهنا قد سبقه إليه الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في كتابه تهذيب الآثار.

القاعدة الخامسة: الحوادث التاريخية تذكر للاستئناس والاعتضاد لا للاستدلال والاعتماد:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "كما أنه إذا ذُكر حكم بدليل معلوم ذُكر ما يوافقه من الآثار والمراسيل وأقوال العلماء وغير ذلك لما في ذلك من الاعتضاد والمعاونة، لا لأن الواحد من ذلك يعتمد عليه في الحكم الشرعي، ولهذا كان العلماء متفقين على جواز الاعتضاد والترجيح بما لا يصلح أن يكون هو العمدة من الأخبار التي تكلم في بعض رواتها لسوء حفظ أو نحو ذلك وبآثار الصحابة والتابعين، بل وبأقوال المشايخ والإسرائيليات، والمنامات مما يصلح للاعتضاد، فما يصلح للاعتضاد نوع وما يصلح للاعتماد نوع" اهـ [الرد على البكري ص152].

وفي الختام فمن لم يراع هذه القواعد المقررة في النصوص الشرعية وفي كلام أهل العلم وخرج عنها عند جوابه عن المسألة فقد جانب الصواب، وكان قوله غير معتبر..
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه..
كتبه الراجي عفو ربه ولد الحاج الافريقي.
__________________
قال الإمام الكرجي القصاب : (( مَنْ لَمْ يُنْصِفْ خُصُوْمَهُ فِي الاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ ، لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُهُ ، وَأَظْلَمَ بُرْهَانُهُ ))
رد مع اقتباس