عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 09-10-11, 07:24 AM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ عبد العزيز سلمه الله تعالى
أشكرك على المشاركة وإثراء البحث، والمسألة ليست إلا نظرا في وجه القائلين بالجواز أو المنع من هذا الأمر، وليس تقريرا لأحد القولين، وههنا وقفتان.
الوقفة الأولى:قولكم:
الوجه الثاني: الاستدلال حديث حجاج بن علاط على جواز ارتكاب المكفر للضرورة مبني على قاعدة لا يسلم أصحاب القول الأول مضمونها وهي أن سب النبي ردة مجردة, ولو كان كذلك لما جاز الإذن له، وإنما المناط أذية الله ورسوله, وقد انتفى الكفر عن الحجاج لانتفاء مناطه اهـ.
فجواب المستدل من وجهين:
الوجه الأول: أن الاستدلال في القصة ليس في النيل من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه جهة يؤثر فيها تنازل صاحب الحق عن حقه، وإنما العمدة عموم الإذن في المكفرات، ونص الرواية يفيد هذا عندهم، كما في قوله في الخبر" فأنا في حل إن أنا نلت منك، أو قلت شيئا ؟ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء ".
فيقولون: إن الإذن الوارد في قصة الحجاج بن علاط ليس خاصا في الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أعم من ذلك بحيث يشمل بقية صور الكفر إذا احتاج إليها، لأن الحجاج استأذن في أمرين هما: النيل منه صلى الله عليه وسلم، أو أن يقول ما شاء ، وعلى هذا جاء الإذن وهو قوله في الخبر " فأذن له أن يقول ما شاء" فيقاس عليه غيره في مثل ذلك.
ومفاد ذلك: أنه كان جائزا له أن ينال من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقول ما شاء مما يحتاج أن يقوله ولو كان مكفرا لعموم الإذن، مع ترك تقدير ذلك له رضي الله عنه وأرضاه.
واعلم أن الحجاج لم يكن تحت قبضة قريش، ولا كان تحت تهديدهم، وإنما كان خائفا على ماله من الضياع بسبب الإنكار أو المماطلة إذا علمت قريش بإسلامه، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء لاستخلاص ماله، ولو كان ما يقوله كفرا بمقتضى العموم، وقرينة الحال.
تنبيه: قولكم " أذية الله ورسوله " ينبغي بيان المراد منها، فإن كل مكفر بل كل معصية أذية لله ورسوله، وسب النبي صلى الله عليه وسلم داخل في هذا المعنى دخول الخاص في العام.
وإن قال المانع: إن الحجاج لم يفعل مكفرا.
فجواب المجيز من وجهين:
الوجه الأول: أن المناط الأساسي ليس في فعل الحجاج بن علاط فقط، وإنما البحث والمناط – كما تقدم - فيما استأذن فيه وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، وسواء فعل كل ما أذن له أو لم يفعل، فالإذن قائم، والجواز له ثابت كما لا يخفى.
الوجه الثاني: أن نفي الكفر عن فعل الحجاج بن علاط لا يصح، وذلك أن فعله تضمن أمورا ظاهرة لا تنكر ملخصها: أنه أظهر الفرح والسرور بهزيمة المسلمين، وانتصار الكفار عليهم، وأنه يجمع ماله ليشتري به أسرى المسلمين، والسرور والفرح بقتل النبي صلى الله عليه وسلم أو أسره تحت أيدي الكفار.
ومما يدل على أن هذا كفر في الأصل، وأنه من صفات المنافقين قوله تعالى في كتابه { إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون}.
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في فتح القدير (2/368-369):" إن تصبك حسنة، أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط، وكذلك القول في المصيبة، وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً، فمن جملة ما تصدق عليه الحسنة، الغنيمة والظفر، ومن جملة ما تصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم، والإخبار بعظيم عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم في العداوة قد بلغوا الغاية "اهـ.
ويقول الإمام ابن حزم في المحلى (11/205-206): "... وأما الذي أخبر الله تعالى بأنه إن أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيئة ومصيبة تولوا وهم فرحون، أو أنه إن أصابته حسنة ساءتهم فهؤلاء كفار بلا شك "اهـ.
وقال ابن كثير في تفسيره (2/ 108-109):" وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد، وكثروا، وعز أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء - لما لله تعالى في ذلك من الحكمة كما جرى يوم أحد - فرح المنافقون بذلك" اهـ.
فهذه كلمات في وجه الاستدلال بقصة الحجاج بن علاط رضي الله عنه، فينظر في جواب المانعين من ذلك.
الوقفة الثانية: قولكم
الوجه الثالث: أما قياس الضرورة على الإكراه، فعلى أصحاب القول الأول إبداء الفرق. وعليهم أن يقولوا أن هذا القياس فاسد الاعتبار، ويبينوا وجه فساده.
ولهم أن يقولوا: إنه لم يكن الاضطرار عذراً في ترك الهجرة، كما في الآية فأن لا يكون عذراً في الكفر من باب الأولى اهـ.
فجواب المجيزين من وجوه:
الوجه الأول: أن قولكم " لم يكن الاضطرار عذرا في ترك الهجرة " إن كان المراد ظاهر العبارة فباطل، فالاضطرار عذر في ترك الهجرة، وهو منصوص عليه في قوله تعالى { إلا المستضعفين من الرجال والنساء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا },
الوجه الثاني: إن كان مرادكم " المصلحة " فيمكن أن يجيب عنه المجيزون بالمنع، وأن يبينوا وجه المنع بأن النجاشي ترك الهجرة لأجل ما كان فيه من الملك، لما يحققه من المصالح، وقد صرح النجاشي بأنه إنما ترك الهجرة لأجل الملك كما جاء من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق إلى أرض النجاشي فذكر حديثه، قال النجاشي: أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه".
رواه أبو داود في سننه (رقم 3205) وابن أبي شيبة (7/350) وعبد ابن حميد (رقم 550) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (رقم 366) وغيرهم من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن أبيه به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، ووافقه الذهبي اهـ.
ومع ذلك فقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ووصفه بأنه رجل صالح، وهو لم يهاجر وبين وجه تركه لها كما ترى.
الوجه الثالث: نفي التعارض بين المنع الأصلي من ارتكاب المكفر، وبين جوازه للمصلحة الضرورية، بناء على جواز القياس في الرخص الشرعية، وهذه منها، وأن المنع على أصله إلا ما استثني بوجه شرعي من نص أو قياس، وأن القياس يخصص به العام، ويقيد به المطلق، وهذا من هذا الباب.
وإن جادل المانع في القياس، فيتطلب بيان وجه القياس والرد على الاعتراضات، مما ليس في هذا المقال مجال لتوضيحه على مذهب المجيز.
*- هذا كله لإثراء البحث ورجاء معرفة أجوبة المانعين من ذلك، حتى يخرج الناظر بنتيجة صحيحة، وأتمنى أن لا يخرج البحث عن المناقشات العلمية.
فائدة: قد بحث هذه المسألة من المشايخ فيما اطلعت عليه كل من:
- الشيخ أبي المنذر الشنقيطي في رسالة سماها " مشركون في سبيل الله ".
- الشيخ أبو بصير الطرطوسي في رسالة سماها" الحالات التي يجوز فيها إظهار الكفر" وأخرى لا يحضرني اسمها.
- أحد المشايخ – لم أعرف اسمه – ناقش فيه الشيخ أبا المنذر الشنقيطي سماه " الانتصار للعلماء الأبرار ". والله الموفق للصواب.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس