عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 05-10-11, 07:42 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي رد: اصول وقواعد مرعية في فتوة ما.

الأخ الفاضل أبو حمدان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ،،،
ما ذكرتموه من القواعد الخمسة في هذه المسألة جيد في الجملة، ولكن فيها ما نبغي النظر فيه، ومن ذلك:
أولا: ما ذكرتموه القاعدة الأولى فالبحث في هذه المسألة على مقامين:
المقام الأول: قول من بنى الحكم على التفريق بين الاعتقاد والعمل في سائر المكفرات، وقرر أن الكفر لا يكون بالعمل، وما نقلتموه يرد على هذا الصنف من الناس.
المقام الثاني: قول من يقرر أن الكفر يكون بالعمل، وأنه لا يشترط قصد الكفر، وإنما يشترط قصد الفعل وعدم المانع، فهذه القاعدة لا ترد عليه، لأن البحث عنده فيما يستثنى ويلحق بالإكراه.
ثانيا: ما ذكرتموه من القاعدة الثانية هو موضوع البحث والخلاف، وقد أشرت إليه فقلت:
مسألة: هناك من يفتي بإباحة الكفر في مسائل غير الإكراه، إما للضرورة، أو لمصلحة معتبرة، أو لسبب آخر، فهل هذا صحيح؟
ومعنى ذلك أن هؤلاء يجيزون ارتكاب الكفر لغير الإكراه، والقاعدة الثانية عندكم لا تصح عندهم، بل هي إما ضعيفة أو ليست على عمومها، فلا يصح إيراد هذه القاعدة إلا ببيان دلائلها، والجواب عما استدل به المجيزون للكفر بما ذكرتم.
وأما ما نقلتموه من أقول العلماء فاعلم أن لهم من أقوال أهل العلم والدلائل ما لأله قالوا قولهم.
ثالثا: ما ذكرتموه من القاعدة الثالثة، فمعارض بأمور تسلمون بعضها، ولنذكر منها أمورا:
الأول: الإكراه، فإنه من باب تقديم حماية نفس المكره على أصل الثبات على التوحيد، ولا يخفى أن حماية نفسه مصلحة شخصية تعود للمكرَه، ولم يكن ذلك مانعا من جواز ارتكاب المكفر، والثبات هو التوحيد، والرخصة في جانب حماية نفس المؤمن وما في استبقائها من المصلحة، فما كان جوابكم عن هذا فهو جوابهم عن هذه القاعدة.
الثاني: ما جاء في قصة الحجاج بن علاط، فقد رخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء، وتظاهر بالكفر لأجل استنقاذ ماله من قريش قبل أن تعلم بإسلامه.
وهذه مصلحة مالية شخصية قدمت على أصل الثبات بالتوحيد، فيقال في هذا مثل ما قيل في الأمر الأول.
الثالث: أن القياس من دلائل الشرع، ويجري في الرخص في أصح قولي العلماء، فما المانع من قياس سائر الضروريات على الإكراه بجامع الضرورة، واعتبار ذلك مخصصا منفصلا يلحق بالمخصص المتصل ( الاستثناء )؟
رابعا: ما ذكرتموه في القاعدة الخامسة فصحيح، لكن التمثيل بقصة محمد بن مسلمة غير مسلم، فقد قرر غير واحد أنه ليس تعريضا، كما صنع الشيخ أبو بصير فيما كتبه في هذه المسألة، وقرر ابن القيم في بدائع الفوائد أن في هذه القصة ما ينافي الإيمان فقال (3/727):"
فائدة: استشكال في حديث قتل ابن الأشرف
استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وذلك ينافي الإيمان، وقد أذن لهم فيه، وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرا مع طمأنينة القلب وبالإيمان، وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يخوض على قتالهم، وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك، فكان إكراه الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه، فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان، وليس هذا بقوى الجواب.
الجواب الثاني: أن ذلك القتل والكلام لم يكن صريحا بما يتضمن كفرا، بل تعريضا وتورية، فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه، وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة.
الجواب الثالث: إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه، والحق له، وصاحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة، لم يكن ذلك محظورا " اهـ كلام ابن القيم.
وقد استدل بالحديث موافقا للجواب الأول السبكي في الأشباه والنظائر، فجعل المصلحة من جنس الإكراه، والأشبه أنه من باب الإلحاق فقال (2/134):"
فقد ذكر في الأشباه والنظائر قصة من هذا الباب وعلق عليها، فقال:"
قد علم أن لبس زي الكفار، وذكر كلمة الكفر من غير إكراه كفر؛ فلو مصلحة المسلمين إلى ذلك، واشتدت حاجتهم إلى من يفعله، فالذي يظهر أنه يصير كالإكراه.
ثم ذكر قصة جرت لصلاح الدين الأيوبي.
خامسا: ما ذكرتموه من القاعدة الخامسة فصحيح، لكن ينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: أنها دليل على مذهب قائلها وما يراه صوابا وهذا وجه إيراد أقوال العلماء.
الثاني: أن الأقوال قد تكون ميزانا لصحة الفهم والتوجيه، ولذلك يحرص أهل العلم على ذكر من قال بما قالوه من أهل العلم حتى لا يرمى بالشذوذ، ولا يستغني أي باحث عن أقوال العلماء، غير أن بعضهم يورد هذا الكلام عند الرد على ما أورده خصومه من أقوال العلماء، وربما نسي ذلك في نصرة قوله بأقوال العلماء، فينبغي استقامة الميزان.

هذه كلمات لإثراء البحث والمناقشة، وليست لتقرير قول أو ترجيح رأي، وإنما سقتها على هذا الوجه لأن الأخ أبا حمدان جنح للرأي الآخر فبالغ في رد القول الآخر، فأحببت التنبيه على بعض أجوبتهم التي قرروها في كتبهم وبحوثهم.
وفي انتظار الباحثين والمحققين في تفصيل وتقرير هذه المسائل والله يجزل مثوبتكم.

أبو عبد الباري الصومالي
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس