عرض مشاركة واحدة
  #17  
قديم 01-06-19, 05:29 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 124
افتراضي رد: دروس سهلة في علم البلاغة للمبتدئين.

الدرس الخامس عشر

القصر

القصر ويسمى الحصر أيضا هو: تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص.
مثاله: كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) تدل على إثبات الإلوهية لله ونفيها عن كل من عداه. فهذه الجملة تقوم مقام جملتين: الأولى: الله إله، والثانية: لا إله سواه، إذْ القصر يتضمن نفيا وإثباتا.
وله ثلاثة أركان:
1- المقصور وهو: الشيء الأول المخصَّص.
2- المقصور عليه وهو: الشيء الثاني المخصَّص به.
ويسميان: طَرَفي القصر.
3- طريق القصر وهو: الوسيلة المستعملة في الحصر.
ففي كلمة التوحيد: المقصور هو الإلوهية، والمقصور عليه هو الله، وطريق الحصر هو النفي والاستثاء ( لا- إلا )
وطرق القصر المشهورة([1] ) أربعة:
1- النفي والاستثناء. والمقصور عليه ما بعد أداة الاستثناء.مثل: ما فاز إلا عليٌّ، فالفوز هو المقصور وعلي هو المقصور عليه والطريق هو النفي والاستثناء.
2- إنما. والمقصور عليه مؤخر وجوبا مثل: إنما الرزاق الله، فالرازق هو المقصور، والله هو المقصور عليه والطريق هو إنما.
3- العطف بـ ( لا- بل- لكن ).
مثل: الأرض متحركة لا ثابتةٌ. والمقصور عليه هو المقابل لما بعد لا، فالمقصور هو الأرض، والمقصور عليه هو التحرك.
ومثل: ما سافر زيدٌ بل عمرٌو. فالمقصور هو السفر، والمقصور عليه هو عمرٌو، والطريق هو العطف بـ لا.
ومثل: ما سافرَ زيدٌ لكنْ عمرُو. فالمقصور هو السفر والمقصور عليه هو عمرو، والطريق هو العطف بـ لكنْ.
فالمقصور عليه فيهما هو ما بعد بل ولكنْ.
4- تقديم ما حقه التأخير. وهنا يكون المقصور عليه هو المقدّم مثل: بالجدِّ فازَ إبراهيمُ، والأصل: فازَ إبراهيمُ بالجدِّ، والمقصور هو فوز إبراهيم، والمقصور عليه هو الجدّ والطريق هو تقديم ما حقه التأخير.
الفروقات بين تلك الطرق:
أولا: تقديم ما حقه التأخير يفيد القصر بالمفهوم بينما بقية الطرق تفيد القصر بالوضع والنص. توضيحه:
القصر -كما علمت- يتحقق بالنفي والإثبات، فالطريق الأول موضوع في لغة العرب لأجل هذا الغرض، وكذا إنما تتضمن وضعا النفي والإثبات فقولك إنما جاء زيدٌ في قوة= ما جاء إلا زيدٌ، و"لا" العاطفة" موضوعة للنفي بعد الإثبات، و"بل ولكن" موضوعتان للإثبات بعد النفي.
فالطرق الثلاثة الأولى تفيد الحصر بالوضع، بخلاف تقديم ما حقه التأخير فلم يوضع لأجل هذا الغرض بل الإفادة له بالفحوى ومفهوم الكلام لا بالنص بمعنى أن صاحب الذوق السليم إذا تأمل في الكلام الذي فيه التقديم المذكور فهم الحصر، وإن لم يعرف أن التقديم- في اصطلاح البلغاء- يفيد الحصر.
ثانيا: الأصل في النفي والاستثناء أن يستعمل في أمر من شأنه أن يجهله المخاطب وينكره، والأصل في إنما أن تستعمل في أمر من شأنه أن لا يجهله المخاطب ولا ينكره.
مثال ذلك أن ترى شبحًا من بُعْد، فتقول: "ما القادم إلا محمد" لمخاطب ينكر عليك ذلك معتقدًا أنه محمود لا محمد، فقدوم محمد أمر من شأنه أن يجهله المخاطب، وينكره لبعد الشبح في مرأى العين.
ومثل أن ترى شبحًا من قرب، بحيث يدرك بقليل من التأمل فتقول لآخر ":إنما المقبل ذئب" فمثل هذا الحكم -والحالة هذه- من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره لقرب الشبح في مرأى العين.
وهذا هو مقتضى الظاهر وقد ينزل المعلوم منزلة المجهول، وينزل المجهول منزلة المعلوم.
مثال الأول: قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب (وما أنتَ إلا بشرٌ مثلنا) وشعيب يعلم أنه بشر ولا ينكره، لكنه هؤلاء الكفار نزلوا المعلوم منزلة المجهول لأنهم يزعمون نه لا تجتمع النبوة والبشرية فجاؤوا بالخبر على صورة النفي والاستثناء.
ومثال الثاني: قوله تعالى حكاية عن اليهود: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ادعوا: أن إصلاحهم المجهول للمخاطبين، والمنكر لديهم أمر جلي ظاهر، من شأنه ألا يجهله المخاطب ولا ينكره تنزيلًا للأمر المجهول لهم، المنكر عندهم منزلة المعلوم المعترف به.

([1] ) مما يفيد الحصر إضافة الضمير بين المبتدأ والخبر من نحو قولنا: زيدٌ هوَ العالِمُ كماتقدم.
رد مع اقتباس