عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 26-11-16, 05:24 PM
عيسى النابلسي عيسى النابلسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-08-06
المشاركات: 1,229
افتراضي رد: مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 267 هـ - 269 هـ )

وَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ أَنَّ أَخَاهُ أَبَا أَحْمَدَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَى أُمُورِ الْخِلَافَةِ , وَصَارَ هُوَ الْحَاكِمَ الْآمِرَ النَّاهِيَ الَّذِي إِلَيْهِ تُجْلَبُ الْأَمْوَالُ , وَيُحْمَلُ الْخَرَاجُ ، وهُوَ الَّذِي يُوَلِّي وَيَعْزِلُ ، كَتَبَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ يَشْكُو إِلَيْهِ ذَلِكَ
( هكذا هو الحال في أمتنا معظم الوقت .. عندما يكون المسلمون مشغولون بحرب عدوهم , تخرج من خلفهم جماعة تريد أن تفرق شملهم , وتوقِف تقدمهم في أرض عدوهم ! )
فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ طُولُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى عِنْدِهِ بِبِلَادِ مِصْرَ , وَوَعَدَهُ النَّصْرَ وَالْقِيَامَ مَعَهُ
فَاسْتَغْنَمَ الْمُعْتَمِدُ غَيْبَةَ أَخِيهِ الْمُوَفَّقِ , وَرَكِبَ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ
وَقَدْ أَرْصَدَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ طُولُونَ جَيْشًا بِالرَّقَّةِ يَتَلَقَّوْنَهُ
فَلَمَّا اجْتَازَ الْخَلِيفَةُ بِإِسْحَاقَ بْنِ كِنْدَاجٍ نَائِبِ الْمَوْصِلِ وَعَامَّةِ الْجَزِيرَةِ , اعْتَقَلَهُ عِنْدَهُ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى ابْنِ طُولُونَ ، وَقَيَّدَ أَعْيَانَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ ، وَعَاتَبَ الْخَلِيفَةَ , وَلَامَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ أَشَدَّ اللَّوْمِ ، ثُمَّ أَلْزَمَهُ الْعَوْدَ إِلَى سَامَرَّا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ
فَرَجَعُوا إِلَيْهَا فِي غَايَةِ الذُّلِّ وَالْإِهَانَةِ
وَلَمَّا بَلَغَ الْمُوَفَّقَ ذَلِكَ , شَكَرَ سَعْيَ إِسْحَاقَ , وَوَلَّاهُ جَمِيعَ أَعْمَالِ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ أَنْ يَلْعَنَ ابْنَ طُولُونَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ
فَلَمْ يُمْكِنِ الْمُعْتَمِدَ إِلَّا إِجَابَتُهُ إِلَى ذَلِكَ وَهُوَ كَارِهٌ
وَكَانَ ابْنُ طُولُونَ قَدْ قَطَعَ ذِكْرَ الْمُوَفَّقِ فِي الْخُطَبِ , وَأَسْقَطَ اسْمَهُ عَنِ الطِّرَازَاتِ
( كانت الحادثة هذه هي بداية استقلال ابن طولون بأرض مصر , فابن طولون يكره الموفق لأنه قائد قوي , ويحب المعتمد لأنه ضعيف تسهل السيطرة عليه )
وَفِيهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَقَعَتْ فِتْنَةٌ بِمَكَّةَ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ وَأَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ طُولُونَ مِائَتَانِ , وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ ، واسْتَلَبَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ شَيْئًا كَثِيرًا
وَفِيهَا قَطَعَتِ الْأَعْرَابُ عَلَى الْحَجِيجِ الطَّرِيقَ ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ بَعِيرٍ بِأَحْمَالِهَا
( كانت هذه الحادثة هي بداية قطع أعراب الجزيرة العربية الطريق على حجاج بيت الله الحرام
فقد عادوا إلى قطع الطريق , تماما كما كانوا في الجاهلية
بل إنهم أصبحوا أسوأ حالا من أهل الجاهلية , فأهل الجاهلية كانوا يعظمون الأشهر الحرم , ولا يقطعون فيها الطريق
أما أعراب المسلمين فإنهم ارتكبوا - كما سجل المؤرخون - أفظع جرائم القتل والسلب في حق حجاج بيت الله الحرام , ومنعوا أهل العراق والمشرق بكماله - كما سيأتي بيانه إن شاء الله - منعوهم من الحج أكثر من عشرين سنة
واستمر أعراب الجزيرة بقطع طريق الحجاج أكثر من ألف سنة
ولم يأمن الحجاج وغيرهم في أرض الجزيرة إلا عندما انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بين عرب الجزيرة , فرجع الناس إلى ربهم وأبصروا بعد أن كانوا في ضلال مبين , هذا الضلال كان يصل في أحيان كثيرة إلى الكفر بالله وعبادة الأحجار والأشجار , تماما كما كانوا في الجاهلية )
__________________
الذي لا يعرف التاريخ .. يشبه القبطان الذي لا يفهم البوصلة ؛ كلاهما تحت خطر الجنوح
يقول ابن خلدون في مقدمته : " الماضي أَشبه بالآتي مِن الماء بالماء "
رد مع اقتباس