عرض مشاركة واحدة
  #16  
قديم 08-01-11, 01:50 PM
تامر الجبالي تامر الجبالي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-12-05
الدولة: مصر
المشاركات: 1,072
افتراضي رد: ما الرد على من شبهة من يقول أن أبا ذر الغفارى إشتراكى؟

للبيان والفائدة:
قائل ذلك هو الزركلي رحمه الله في كتاب الأعلام (2/140) وقال ما نصه:

فسكن دمشق وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الاغنياء في أموالهم، فاضطرب هؤلاء، فشكاه معاوية (وكان والي الشام) إلى عثمان (الخليفة) فاستقدمه عثمان إلى المدينة، فقدمها واستأنف نشر رأيه في تقبيح منع الاغنياء أموالهم عن الفقراء، فعلت الشكوى منه، فأمره عثمان بالرحلة إلى الربذة (من قرى المدينة) فسكنها إلى أن مات.
وكان كريما لا يخزن من المال قليلاً ولا كثيرًا، ولما مات لم يكن في داره ما يكفن به.
ولعله أول اشتراكي طاردته الحكومات. اهـ كلامه



والحقيقة وواقع الأمر في غاية البُعد عما توهمه الزِّرِكلي، وعباراته فيها مجازفة غير لائقة، فهذا الأسلوب الثوري السياسي لا يُتكَلم به عن الصحابة رضي الله عنهم، وليس المقام هنا مقام التحدث عن موقع الصحابة رضي الله عنهم من دين الإسلام، ولكن إن أردنا نقدًا علميًا لهذا الكلام، فأقل ما يمكن أن يقال:

أن الصورة التي تصورها الزركلي ليست صحيحة تاريخيًا، وكل الأمر أن أبا ذرٍّ رضي الله عنه كان يفسّر آية من كتاب الله تفسيرًا مغايرًا لتفسير معاوية رضي الله عنه وعثمان رضي الله عنه، بل خالف تفسير معظم الصحابة رضي الله عنهم، ويحكي لنا البخاري رحمه الله هذا الخلاف في صحيحه [الحديث رقم (1406)] عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ:
(( مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه
فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا ؟
قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي: الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 34]
قَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ.
فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فِينَا، وَفِيهِمْ،
فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ
وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْكُونِي؛ فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ: أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ.
فَقَدِمْتُهَا، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ: لِيّ إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ، فَكُنْتَ قَرِيبًا.
فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا، لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ )).
ولذلك كان يحرض الأغنياء أن ينفقوا أموالهم، وليس كما قال الزركلي أنه جعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم.

وأما الحكومة التي قال عنها المؤلِّف أنها الحكومة التي تطارد الاشتراكين، إنما كانت خلافة راشدة، وهذه الخلافة لم تطارد أبي ذرّ ، بل هو الذي آثر الخروج من المدينة، وذكر ذلك الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث السالف [فتح الباري 3/274] فقال رحمه الله:

(( قَوْله : ( بِالرَّبَذَةِ ) بفتح الراء والموحدة والمعجمة مكان معروف بين مكة والمدينة، نزل به أبو ذرّ في عهد عثمان ومات به، وقد ذكر في هذا الحديث سبب نزوله، وإنما سأله زيد بن وهب عن ذلك لأن مبغضي عثمان كانوا يشنعون عليه أنه نفى أبا ذر ، وقد بين أبو ذر أن نزوله في ذلك المكان كان باختياره. نعم أمره عثمان  بالتنحي عن المدينة؛ لدفع المفسدة التي خافها على غيره من مذهبه المذكور، فاختار الربذة.

وقد كان يغدو إليها في زمن النبي كما رواه أصحاب السنن من وجه آخر عنه، وفيه قصة له في التيمم.

ورُوِّينا في فوائد أبي الحسن بن جذلم بإسناده إلى عبد الله بن الصامت قال:
(( دخلت مع أبي ذر على عثمان ، فحسر عن رأسه، فقال: والله ما أنا منهم، يعني: الخوارج. فقال: إنما أرسلنا إليك لتجاورنا بالمدينة. فقال: لا حاجة لي في ذلك ، ائذن لي بالربذة . قال: نعم )). ورواه أبو داود الطيالسي من هذا الوجه دون آخره.
وقال بعد قوله (( ما أنا منهم )):
(( ولا أدركهم ، سيماهم التحليق ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، والله لو أمرتني أن أقوم ما قعدت )) مسند الطيالسي (1/61 رقم: 451).

وفي (( طبقات ابن سعد )) (4/227) من وجه آخر أن ناسًا من أهل الكوفة قالوا لأبي ذر وهو بالربذة:
(( إن هذا الرجل فعل بك وفعل، هل أنت ناصب لنا راية - يعني فنقاتله - فقال: لا، لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب لسمعت وأطعت )) )).انتهى كلام الحافظ

وزاد ابن سعد أيضًا في هذا الموضع:
والله، لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة، أو أطول جبل، لسمعت وأطعت، وصبرت، واحتسبت، ورئيت أن ذاك خير لي، ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق، أو قال: ما بين المشرق والمغرب، لسمعت، وأطعت، وصبرت، واحتسبت، ورأيت أن ذاك خير لي، ولو ردني إلى منزلي، لسمعت، وأطعت، وصبرت، واحتسبت، ورأيت أن ذاك خير لي.


والزركلي له مجازفات عدة مثل ذلك ومع كثرة من كتب عن كتاب الأعلام فهناك الكثير من مثل ذلك لم يتعرض له أحد وكنت جمعتها من مدة وعلقت عليها ...
والرجل كان قوميا عروبيا .. وتخرِّج في كلية علمانية...

وله البيت المشهور في قصيدة نجوى:

لـو مَـثَّـلوا لي مَوطِني وَثَناً * * * * * لَـهَـمَمْتُ أعبُدُ ذَلِكَ الوَثَنَا


وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى
رد مع اقتباس