عرض مشاركة واحدة
  #15  
قديم 14-05-18, 08:29 PM
حسن المطروشى الأثرى حسن المطروشى الأثرى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-12-10
الدولة: بلاد دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام
المشاركات: 1,915
افتراضي رد: السلسلة المباركية

في زماننا
الذي اتسع فيه الخرق وزاد الطين بلة فليس هناك إلا الندم والحسرة على الأحداث والماجريات المعتادة والتي ألمت بالمسلمين
وفرقت شملهم في بقاع المعمورة
وقد رويت بالأسانيد المشهورة والآثار المعتمدة إن سنن الله الكونية ماضية إلى قيام الساعة وما تسلط عليهم العدو إلا بسبب ذنوبهم
وكما ورد في الأثر " سلط الله عليهم عدوهم "
فطوبى لمن وضع الأمور في مواضعها وألزم نفسه اتباع الحديث والأثر ونهى النفس عن غيها وهواها
وقد تحيرت من هذا الزمان
فوجدت أغلب أهله على مقالة " لم يترك الأول للآخر "
ظنا منهم بخلو العصر من المجتهدين والمجددين وينقض ذلك حديث " يبعث الله على رأس مائة سنة من يجدد لها دينها "
والعبارة الصحيحة في ذلك " كم ترك الأول للآخر "
ولله در الجاحظ حين قال :
" ليس مما يستعمل الناس كلمة أضر بالعلم والعلماء ولا أضر بالخاصة والعامة من قولهم
" ما ترك الأول للآخر شيئا " ) انظر " الخصائص " لابن جني " ( 1/ 191 )
وكما قال الشاعر أبو تمام :
" كم ترك الأول للآخر "
كنت في نقاش مع أحدهم على أثر هذه المقالة " ما ترك الأول للآخر "
فسألته إيضاح ما استشكل أمره وإيضاح ما قالوا وأن يكيلوا لي بما اكتالوا فحكوا لي أنهم ألموا بأمورا وشروحا غابت عن الأذهان
وألموا بشروحا ت وتعليقات وتعقيبات على هذا الأمر لا يسع الجاهل معرفته وقد لبس على البعض أمره فحفزني على البحث والاستقصاء
ورأيته فرصة لا تضاع وقرارا لا يعاد
فرأيته متعصبا لمقالته سألته عن المراجع والمصادر الذي ابتدرني بها فآل هاربا وكلامه لم يشف الغليل ولا يرو العليل
فرأيت كأنه ذو عباءة مخلولة وقارورة فارغة
فرأيت أمرا عجبا من كلامه وعجبت من اجتهاده وغبطت من هداه الله من عباده الى طريق الله المستقيم "
فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات "
ونحن وإن تكلمنا على ظاهر المقالة وجدنا قد تطرق إليها غير ما عالم من المعاصرين ولعلنا نستشهد بمقالاتهم
يقول العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "ولقد رأيتُ النَّاسَ حول كلام الأقدمين أحدَ رجلين: رجلٍ مُعْتَكفٍ فيما شادَه الأقدمون، وآخرَ آخذٍ بمِعْوَله في هدم ما مضت عليه القرون. وفي كلتا الحالتين ضرر كثير. وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناحُ الكَسيرُ، وهي أن نعمد إلى ما أشادَه الأقدمون فنهذِّبَه ونزيده، وحاشا أن نَنْقُضَه أو نُبيدَه، عِلْماً بأن غَمْضَ فَضْلِهم كُفرانٌ للنعمة، وجَحْدَ مزايا سلفِها ليس من حميد خصال الأمة، فالحمد لله الذي صدَّق الأمل، ويسَّرَ إلى هذا الخير ودَلّ."[ تفسير التحرير والتنوير ] ( 7/ 1 )


يقول المبرِّدُ (ت285هـ) في "الكامل": "ليس لقِدَم العَهْدِ يُفَضَّلُ الفائِلُ ، ولا لحِدْثانِه يُهتَضَمُ المُصيبُ، ولكنْ يعطَى كُلٌّ ما يستحقُّ.[ الكامل ] ( 1/ 43 )


♦ قال الجاحظ: (ت 255هـ) "إذا سمعتَ الرجلَ يقول: ما ترك الأوَّلُ للآخِر شيئاً، فاعلمْ أنه لا يريدُ أن يُفلِح.[ معجم الأدباء ] ( 5/ 2103 )



يقول ابن مالك (ت672هـ) في مقدّمة كتابه "تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد": " وإذا كانت العلومُ مِنَحاً إلهية، ومواهبَ اختصاصيةً فغيرُ مستبعَدٍ أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما عسُرَ على كثيرٍ من المتقدِّمين، أعاذنا الله من حسدٍ يسدُّ بابَ الإنصاف ويصدُّ عن جميل الأوصاف[تسهيل الفوائد ] ( ص 2)

في مقدِّمة "كشف الظنون:" " واعلم أن نتائجَ الأفكار لا تقف عند حدٍّ، وتصرُّفاتِ الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظٌّ يُحْرزه في وقته المقدَّر له، وليس لأحدٍ أن يزاحمه فيه؛ لأن العالَم المعنوي واسعٌ كالبحر الزاخر، والفيضَ الإلهي ليس له انقطاعٌ ولا آخر، والعلومُ منحٌ إلهية ومواهبُ صَمَدانية، فغير مستبعد أن يُدَّخَر لبعض المتأخِّرين ما لم يدَّخر لكثير من المتقدِّمين فلا تغترَّ بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر"، بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر" فإنما يُستجَاد الشيء ويُسترذَل لجَوْدته ورداءته لا لقِدَمه وحدوثه. ويقال: ليس بكلمةٍ أضرَّ بالعلم من قولهم: "ما ترك الأول شيئاً" لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التقاعد عن التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدَّم الأولُ من الظواهر وهو خطر عظيم وقول سقيم، فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أمتي أمة مباركة لا يُدْرَى أوَّلها خير أو آخرها""[كشف الظنون " ( 39/ 1 )


إن مما لمسته من خلال قراءتي وإطلاعي أو حديثي مع الطرف الآخر عن هذه المقالة وجدت ان هناك اقوام منهم متعصبين
لأبعد من ذلك ويلحق بهذه المقالات ما يتناوله ضعفاء الرأي من القدح في الطرف الآخر كما يدعي الطرف الآخر
البغي وتكذيبهم له في ذلك كمن في نفوسهم من حسده على شأنه فإنهم لما رأوا من أنفسهم مناهضته في العلم وفي الدين
بزعمهم وأنهم متبوعي الرأي تقلدوا أقوالهم موطأ العقب
فليت شعري ما الذي اراده بدعواه وما الذي قصده بمغزاه إن لم يكن لمرضاة وجه الله وهو لم يحصل له حظ فيه "

ولعلنا نستشهد بقول أحد الادباء المخضرمين في هذا الشأن
رسالة أحمد بن فارس لأبي عمرو محمد بن سعيد الكاتب : تناول فيها مسألة المفاضلة بين شعراء الجاهلية والمولدين
نقلها الثعالبي في " يتيمة الدهر " ( 3/ 63 )
قال فيها :
" "ألهمك الله الرشاد، وأصحبك السداد، وجنبك الخلاف، وحبَّب إليك الإنصاف.
وسبب دعائي بهذا لك إنكارُك على أبي الحسن محمد بن علي العِجْلي تأليفه كتاباً في الحماسة، وإعظامك ذلك.
ولعله لو فعل حتى يصيب الغرض الذي يريده، وَيَرِد المنهل الذي يؤمه_ لاستدرك من جيد الشعر وَنقِيِّه، ومختاره ورضيِّه كثيراً مما فات المؤلف الأول؛ فماذا الإنكار؟ ولمه هذا الاعتراض؟ ومن ذا حظر على المتأخر مضادةَ المتقدم؟ ولمه تأخذ بقول من قال: ما ترك الأول للآخر شيئاً، وتدع قول الآخر:
كم ترك الأول للآخر؟
وهل الدنيا إلا أزمان، ولكل زمان رجال؟ وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأوهام، ونتائج العقول؟!
ومَنْ قَصَر الآداب على زمانٍ معلوم، ووقفها على وقت محدود؟ ولمه لا ينظر الآخر مثلما نظر الأول؛ حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل مثل رأيه.
وما تقول الفقهاء في زماننا إذا نزلت بهم من نوادر الأحكام نازلة لم تخطر على بال من كان قبلهم؟ أَوَ ما علمت أن لكل قلب خاطراً، ولكل خاطر نتيجةً؟ ولِمَهْ جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره، ولم يَجُزْ أن يؤلف مثل تأليفه؟
ولمه حجَّرت واسعاً، وَحَظَرتَ مباحاً، وحرمت حلالاً، وسددت طريقاً مسلوكاً؟
وهل حبيبٌ إلا واحد من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم؟ ولمه جاز أن يعارض الفقهاء في مؤلفاتهم، وأهل النحو في مصنفاتهم، والنُّظَّار في موضوعاتهم، وأرباب الصناعات في جميع صناعاتهم، ولم يجز معارضة أبي تمام في كتاب شذَّ عنه في الأبواب التي شرعها فيه أمر لا يُدْرَكُ ولا يدرى قدره؟
ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولَكَلَّت أَلْسُنٌ لسِنَةٌ، ولما توشَّى أحد بالخطابة، ولا سلك شِعْباً من شعاب البلاغة، وَلَمَجَّتِ الأسماع كل مردود مكرر، ولَلَفظت القلوب كل مُرَجَّع مُمَضَّغ، وحتَّام لا يُسْأَم:
__________________
قال العبد الفقير لعفو ربه وغفر لوالده واسكنه فسيح جناته العلم حياة القلوب والابدان
رد مع اقتباس