عرض مشاركة واحدة
  #57  
قديم 05-01-14, 10:55 PM
أبو يحيى بن محمد أبو يحيى بن محمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-03-11
المشاركات: 130
افتراضي السعيد من وعظ بغيره 2

قال الشيخ عبد المالك أحمد رمضانى الجزائرى فى كتاب "مدارك النظر فى السياسة":
((المتأمل في أحوال المسلمين اليوم يجزم بأنهم قد استيقظوا بعد سُبات عميق، وأحسوا بضرورة العودة إلى أصلهم التليد العريق، وتذكروا شخصيتهم الضائعة الممتهنة من قِبَل من جعلتهم قُدوتَها برهة من الزمن فلم ينصحوا لها، أقصد أن عاطفة إسلامية ما ـ كما يقولون اليوم ـ لا تزال في قلوب المسلمين، مما يبعث في النفوس السرور لأنها أول المبشرات، إلا أنه لا يجوز أن ندخل لَغَطا إعلاميا لا يمت إلى الإسلام بصلة فنبرز هذه الصورة فوق حجمها، مستعملين المجهر السياسي الكذاب، مجارين أعداء الله في مكرهم ودهائهم وتزويرهم الحقائق، بل الحق والحق نقول، إن الله لا ينصر إلا المؤمنين فهو القائل: {وكانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ} والمؤمنون مؤمنون ما لم يكذبوا ليتولاهم مولاهم القائل: {ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذينَ ءَامَنُوا وَأَنَّ الكافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُم}.
لذا فإن محاولة إفزاع العدو بإبراز هذه اليقظة الإسلامية الأولى في صورة المستيقظ النشيط، الذي لم يبق على عينيه غبش، وأنه قادر على أن يُبصر الأمور ويُبَصِّر بها على حقيقتها، وأن يقدِّر لها أقواتها تقدير العالم البصير لن يعود على الدعوة الإسلامية إلا بالبوار؛ لأن ذلك يستعدي الأعداء الأقوياء على المسلمين الضعفاء الذين لا يتولاهم الله ما داموا مقيمين على هذا الكذب والهراء، ثم هو غش للمسلمين؛ لأنه ينفخ فيهم غرورا قد رأينا عاقبته في بلاد الإسلام.
بل نقول: الحمد لله الذي أيقظنا، إلا أننا في أول الفطنة ما أحوجه إلى إرشاد، على عوج في المتابعة ما أحوجه إلى سداد، فنحن كصبي عطشان قد فرح به أبواه لنباهته فتركاه يروي عطشه بيده، لم يُؤمَن عليه أن يتناول السم الزعاف، أو سقياه ماءً زُلالا دون رَوِية في رعاية إذن لأوشك أن يَشْرَق. والذي نعتقده بصراحة تامة أن أكثر المرشدين اليوم على غير الجادة السلفية إذ أشعروا أمتهم هذه ـ التي لا تزال عليها غيبوبة المستيقظ من نومه ـ أن مشكلتها سياسية وهي لم ترفع بعدُ قدميها عن سرير النوم، فإذا بها تُدْعى للعَدْو إلى سرير الملك، في بهرج لا يترك لها عقلا تفكر به، ويا لها من جريمة! لأنها تحريف لها عن معرفة الداء، فكيف الاهتداء إلى الدواء؟! ويا لها من مصيبة!! لأنها صد عن سبيل الله المتمثلة في تعلم الكتاب والسنة وتعظيمهما والاحتفاء بمجالس أهلهما، إلى تعلم السياسات العصرية والعكوف على مصادرها من إعلام مرئي ومسموع، وجرائد ومجلات: الصدق فيها ممنوع، حتى إنه ليمضي على من دثارُه الكتاب والسنة، وشعاره الفيديو ومجلة البيان والسنة، يومُه بل أسبوعُه بل ربما شهره لا يجد وقتا ولا شوقا إلى آية من الكتاب، واسأله ـ إن شئت ـ منذ كم لم يرفع الغبار عن الصحيحين على حين عدم غفلته عن جريدة اليوم بل وخبر الحين!! والأمر لله.
ولا تسارع إلى إنكار هذا لأنني ما جئتك بعلم حتى تناقشه وإنما هو خبر الواقع!
روى أبو نعيم في الحلية بإسناده عن رجل من أشجع قال: " سمع الناس بالمدائن أن سلمان (أي الفارسي) في المسجد فأتوه فجعلوا يَثُوبون إليه حتى اجتمع إليه نحو من ألف، قال: فقام فجعل يقول: اجلسوا، اجلسوا، فلما جلس فتح سورة يوسف يقرؤها، فجعلوا يتصدعون ويذهبون حتى بقي في نحو من مائة، فغضب وقال: " الزخرف من القول أردتم؟ ثم قرأت كتاب الله عليكم ذهبتم؟! ".قلتُ: لعل اختيار سلمان - رضي الله عنه - لسورة يوسف - صلى الله عليه وسلم - دون غيرها لما فيها من معاني القناعة بقصص كتاب الله دون ما تصبو إليه النفوس من حكايات وأحَاجي، وهو قول الله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ}، واقتداءًا بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - حين سئل قصصاً غير قصص القرآن فتلى عليهم ما أنزل الله عليه من هذه السورة ، وكذلك فعل عمر - رضي الله عنه - حين رأى مَن أقبل على كتاب فيه عجائب الأوَّلين فرضي الله عنهم جميعاً؛ ما أشدّ حرصهم على الهدي النبوي!))
قال الشيخ عبد المالك أحمد رمضانى الجزائرى فى كتاب "مدارك النظر فى السياسة":
((وأدهى وأمَرّ منه أن قوماً من جهال المتديِّنين في هذا الزمان أرادوا أن يُعالجوا هذا الانحراف فضاق عليهم منهج النبيين وسبيل المؤمنين حتى اعتمدوا النظم الغربية الكافرة للوصول إلى الحكم بما أنزل الله زعموا! كالولوع باللعبة الديمقراطية ودخول البرلمانات، والاتِّكاء على الغثاء للضغط على الحكومات؛ فتارة يدَّعون أن الأمر في ذلك مصلحة مرسلة والشريعة مرِنة! وتارة يَدَّعون أنهم مضطرون إليها وقلوبهم لها كارهة!! فما زالت بهم هذه السياسة حتى استَحْسنوا الكذب والسباب، واستمْرَأوا الخيانة والمكر بالأحزاب، وجرى على لسان العوام أن لا سياسي إلا ذو كذب مرتاب. وهذه المسالك أشد من مخالفات الحكام؛ لأن هؤلاء لا يُقتَدى بهم في غالب ديار الإسلام، أما الإسلاميون السياسيون فمحطّ نظر الخواص والعوام! فما أشدّ محنتهم للناس!! وقد نبَّه ابن القيم على هذا الخلط في معاني السياسة فقال: " هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام، وهو مقام ضَنْك ومعتَرَك صعب، فرَّط فيه طائفة فعطَّلوا الحدود وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تَقوم بمصالح العباد، وسَدّوا على أنفسهم طرقاً صحيحةً من الطرق التي يُعرَف بها المحِق من المبطل، فعطَّلوها مع علمهم وعلم الناس بها أنها أدلة حق، ظناً منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوعُ تقصير في معرفة الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهم هؤلاء من الشريعة فأحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها مصالح العالم، فتولَّد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث هؤلاء ما أَحدثوه من أوضاع سياستهم شرٌّ طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمر حتى تعذَّر استدراكُه، وأفرط فيه طائفة أخرى فسَوَّغَت منه ما يُناقض حكم الله ورسوله ... ولا نقول إن السياسة العادلة مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها، وتسميتها
(سياسة) أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عَدْلاً فهي من الشرع " قلت: هذه المرونة المشروعة في سياسة الخلق يمكن التمثيل لها بما رواه الشعبي قال: قال زياد: " ما غلبني أميرُ المؤمنين (أي معاوية - رضي الله عنه -) بشيء من السياسة إلا ببابٍ واحدٍ: استعملتُ رجلاً فكثُر خراجه، فخشي أن أعاقبه، ففرّ إلى معاوية، فكتبت إليه: إنّ هذا أدب سوء لمن قبلي، فكتب إليّ: إنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسُوس الناس بسياسة واحدة؛ أن نلين جميعاً فتمرح الناسُ في المعصية، أو نشتدّ جميعاً فنحمل الناسَ على المهالك، ولكن تكون للشدّة والفظاظة، وأكون للِّين والرَّأفة " قلتُ: هذه السياسة التي فاق بها معاوية - رضي الله عنه - زياداً هي التي مكَّنَته مِن أن يحكم أهل الشام أربعين سنة في وُدّ تامّ كما ذكر أهل التاريخ.))
قال الشيخ عبد المالك أحمد رمضانى الجزائرى فى كتاب "مدارك النظر فى السياسة":
((أما ممارسة السياسة اليوم فهو عمل لا يدخله إلا من استدرجه الشيطان ليُهلكه في أسوإ الخواتيم، فأَقْنَعَه بأنه لا يجوز ترك هذه الوظائف للفساق والعلمانيين، وأنه لا يجوز للمسلم أن يتقوقع حول نفسه، وأن قانون فلان الشيوعي كاد يطبق في بلاد ما لولا وجود الوزير الفلاني إلى غير ذلك من زخرف القول الذي لم يؤسس على النظر الشرعي بقدر ما أسس على النظر الواقعي مع إغماض؛ إذ الصادق في تأمله يرى قوماً دخلوا ليغيِّروا فتغيَّروا، وحق فيهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أتى باب السلطان افتتن (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والبيهقي في ((الشعب)) وهو صحيح. ودليل المنع من مخالطتهم عند ممارستهم لسياساتهم الجائرة هو قول الله تعالى: {وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُم في الكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا ويُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُم حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُم}.
وعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كان سعد بن أبي وقاص في إبله، فجاءه ابنه عمر، فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب! فنزل فقال له: أنَزَلْتَ في إبلك وغَنَمك وتركْتَ الناس يتنازعون المُلْك بينهم؟ فضرب سعد في صدره! فقال: اسكت! سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الله يحبُّ العبد التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ (رواه مسلم.
فإذا تعارضت مصلحتك الدينية مع مصلحة غيرك فقدم مصلحتك ما دام في الجمع بينهما خيفة على النفس، قال الله تعالى: {يَأَيُّها الَّذين ءَامَنُوا عَلَيْكم أَنفُسَكمْ لاَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده قال: (إذا رأيتَ الناس قد مرجت عهودُهم وخفَّت أماناتُهم وكانوا هكذا (وشبّك بين أصابعه، قال: فقمت إليه فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: (الْزَمْ بيتك، وأملك لسانك، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة (رواه أبو داود والحاكم وأحمد وهو صحيح.
فإن قيل: ولكن المجتمع بحاجة إلى هذه المناصب؟ قلنا: نعم! ولكن بشرط أن لا يَمتهن المرءُ فيها دينَه؛ لأنه إن رضي لنفسه أن يكون حطب جهنم في سبيل إنقاذ غيره، فإن له أسوة بمن قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا بد للناس من عريف، والعريف في النار (رواه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين وغيره ومعناه: أن مَن لم يمكنه أن يحظى في عمله إلا بمفسدة محضة أو راجحة ورأى دينه إلى نقصان؛ كأن يُضطرّ إلى ترك الواجبات، فليسارع إلى إنقاذ نفسه حتى لا يكون جسراً يُقطع به إلى الجنة وعند الباب تقع الفرقة! ويكفيه في قضاء حوائجه هؤلاء العرفاء الذين لا يَخلو منهم مجتمع.
فإن قيل: ومن يقضي لكم حوائجكم إذا شحَّ العرفاء؟ قلنا: قال الله تعالى: {ومَن يَتَوَكَّلْ علَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه}. هذا الحكم تابعٌ لبيئة قد تمحَّض فيها الشرّ أو رجح.
ولست أعني هنا عدم النصيحة لولاة الأمور بالطريق المشروع وممن ينفع الله به وإعانتهم في الخير؛ فقد فعله يوسف - صلى الله عليه وسلم - من قبل حين قال: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، كما أن سيرة السلف في الإخلاص في النصيحة لولاة الأمور وعدم غشِّهم فيها معروفة، ولا سيما إذا كانت البلادُ بلادَ توحيد ومحافظة على الصلوات وحبّ للخير))
قال الشيخ عبد المالك أحمد رمضانى الجزائرى فى كتاب "مدارك النظر فى السياسة":
((فمالكم ـ يا شباب الإسلام! ـ تتهافتون على السياسة، وتهوي إليها أفئدتكم، وتأتون مجالسها من كل فجٍّ عميق، كأنها لكم! ولعل رجالها لم يخلقوا بعد في أوساطكم؟! فأولى لكم: تعلُّم ما في الكتاب والسنة مما تقدرون عليه ويجب عليكم أو يُستحب؛ لأنه أثبت لاستقامتكم وأضمن لوصولكم إلى ما قفزتم إليه الآن، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً}.
ولما أضحى العملُ السياسي ـ الذي يؤمّه الشبابُ اليوم ـ مطيّةً للولوغ به إلى العنف المسمَّى زوراً جهاداً، ولما كان هؤلاء ـ أنصافُ المتعلِّمين ـ يهجمون بلا تردّد ولا تحفُّظ على البحث في دقائق مسائل الجهاد، أجدني حينئذ حريصاً على نقل كلمة عظيمة لابن تيمية ـ رحمه الله ـ قالها في معرض كلامه عن الجهاد، فقال: " وفي الجملة فالبحثُ في هذه الدَّقائق من وظيفة خَواصّ أهل العلم "))
رد مع اقتباس