عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 20-08-19, 04:40 PM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 122
Arrow رد: الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء

الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء (9) :

قال ابن تيميّة : وكذلك المصنّفون في السّنة من أئمّة الحديث وهم كثير وكذلك أئمّة الصّوفية كالحارث المحاسبي وأبي الحسن بن سالم وغيرهما وكذلك الفقهاء من جميع الطوائف : المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية المصنّفون في أصول الفقه يقرّرون أنّ الأمر والنهي والخبر والعموم له صيغ موضوعة في اللغة تدلّ بمجرّدها على أنّها أمر ونهي وخبر وعموم ، ويذكرون خلاف الأشعرية في أنّ الأمر لا صيغة له ، ثمّ المثبتون للصّوت منهم المعتزلة الذين يقولون : القرآن مخلوق يقولون كلامه صوت قائم بغيره ومنهم الكرّامية وطوائف من أهل الحديث من الحنبلية وغيرهم يقولون : يتكلّم بصوت قائم به لكن ليس الصّوت بقديم، ومنهم طائفة من متكلّمة أهل السّنة من الحنبلية وغيرهم يقولون : يتكلّم بصوت قديم قائم به ، ومنهم طائفة من الفقهاء من الحنفية وغيرهم يقولون : يخاطب بصوت قائم بغيره والمعنى قديم قائم به . فلمّا أظهرت الأشعرية - كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني وغيره في أواخر المائة الرّابعة - أنّ الكلام ليس بحرف ولا صوت ولا لغة وقد تبعهم قوم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وقليل من أصحاب أحمد ، رأى أهل الحديث وجمهور أهل السّنة من الفقهاء وأهل الحديث ما في ذلك من البدعة ؛ فأظهروا خلاف ذلك وأطلق من أطلق منهم أنّ كلام الله حرف وصوت . انظر مجموع الفتاوى ج12 ص580 .
فتأمّل مخالفة الحنابلة للأشاعرة ، وافتراق الحنابلة فيما بينهم عند هذه المسألة ، قال عبد الله بن أحمد : قلت لأبي : إنّ أقواما يقولون : إنّ الله لا يتكلّم بصوت ، فقال : هؤلاء جهمية ؛ إنّما يدورون على التّعطيل . انظر مجموع الفتاوى ج12 ص580 .
فمن نفى الصّوت من الحنابلة فقد خالف أصول الإمام أحمد رضي اللّه عنه وما انتسابه إليه إلّا زورا وبهتانا ، ومثله من أثبت الصّوت وجعله قائما بغيره لأنّ هذا تصريح بخلقه وهو ما دارت عليه الفتنة أيّام المأمون وغيره من أولاد الرّشيد مع الإمام أحمد وهو قول المعتزلة ، فكيف ينتسب إلى أحمد من يرى هذا الرّأي ؟! ولكنّه الجهل قاتله اللّه . فلم يبق إلّا قول من يقول أنّ كلام الله حرف وصوت كما هو مذهب السّلف لأنّك لا تتصوّر كلاما بغير حرف ولا صوت ، ولكن هل هذا الحرف والصّوت قديم أم حادث ؟ إن قلتَ قديما على اطلاقه ولم تفصّل فقد خالفت السّلف ، وإن قلت حادثا على اطلاقه خالفتَ السّلف أيضا ، ومن هنا اختلطت الأفهام ونشأت الأوهام في مسألة الكلام وثار بسببها غبار الخصام .
سبق وأن مرّت بي فرقة من الفرق المبتدعة تُسمّى السّالميّة وافقوا الأشاعرة الكُلّابيّة في نفي الأفعال الإختياريّة وهذا مذهب الآباء كما صرّح ابن تيميّة ، ووافقوا أهل السّنّة في إثبات الحرف والصّوت وهذا مذهب الآباء كذلك ، وهم ينتسبون إلى أهل الأثر والحديث وهذا مذهب الآباء أيضا ، كما أنّهم على المذهب الحنبلي وهذا مذهب الآباء من غير شكّ ، ويباينون الأشاعرة ويعادونهم ويذكرون مثالب في أبي الحسن الأشعري وهذا مذهب الآباء أيضا ، وكذلك فإنّ فيهم تصوّف وهذا مذهب الآباء كذلك ، بل فيهم من ذهب إلى عقيدة الحلول وإن كان ابن تيميّة برّأهم من ذلك واللّه أعلم بحالهم ، فسارعت إلى ما قال فيهم ابن تيميّة فإذا بي أقف على كلام منه عنهم ، منه هذا النّقل :
قال ابن تيميّة : وحدثت طائفة أخرى من السّالمية وغيرهم - ممّن هو من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوّف ومنهم كثير ممّن هو ينتسب إلى مالك والشّافعي وأحمد بن حنبل وكثر هذا في بعض المتأخّرين المنتسبين إلى أحمد بن حنبل - فقالوا بقول المعتزلة وبقول الكلّابية : وافقوا هؤلاء في قولهم إنّه قديم ووافقوا أولئك في قولهم إنّه حروف وأصوات وأحدثوا قولا مبتدعا - كما أحدث غيرهم – فقالوا : القرآن قديم وهو حروف وأصوات قديمة أزلية لازمة لنفس الله تعالى أزلا وأبدا ، واحتجّوا على أنّه قديم بحجج الكلّابية وعلى أنّه حروف وأصوات بحجج المعتزلة . انظر مجموع الفتاوى ج12 ص320 .
ثمّ قال : ومن هؤلاء من يطلق لفظ القديم ولا يتصوّر معناه ومنهم من يقول يعني بالقديم إنّه بدأ من الله وإنّه غير مخلوق وهذا المعنى صحيح ؛ لكن الذين نازعوا هل هو قديم أو ليس بقديم لم يعنوا هذا المعنى فمن قال لهم : إنّه قديم وأراد هذا المعنى قد أراد معنى صحيحا لكنّه جاهل بمقاصد النّاس مضلّ لمن خاطبه بهذا الكلام مبتدع في الشّرع واللّغة . انظر مجموع الفتاوى ج12 ص321 ، وانظر كذلك ج12 ص166 .
وهذا كلام من خَبَر مرادهم وربّما كان منهم وهو وصف صحيح ، فإنّ مذهب السّالميّة في القرآن أنّ الله تكلّم به بحرف وصوت ، وإذا رآه المرء ظنّهم كأهل السّنة إلّا أنّهم يوافقون الأشعرية في أنّ الله عزّ وجلّ لا تقوم به الصّفات الفعلية ، فالله عندهم لا يتكلّم بما شاء متى شاء بل كلامه شيء واحد لا يتقدّم بعضه عن بعض ولا يتأخّر بعضه عن بعض ، ولا يتفاضل بعضه على بعض ، ولا هو أثر يحدث ويتأثّر به سمع السّامعين ، وبهذا جانَبوا اعتقادَ السَّلَف فقولهم خيرٌ من قولِ الأشعرية من وجه ، وشرّ منه من وجه لما تضمّن من غَرر وربّما يُفضِي إلى القول بالحُلول وهذا ما وقعت فيه طائفة منهم إذ زعمت أنّ الصّوتَ القديمَ هو المسموعُ من القاريء فكأنّ صفة الخالق التي هي صوتُهُ بكلامه قد حلّتْ بالمخلوق . وغير خافٍ عليك أنّ من السّالميّة من ذهب إلى عقيدة الحلول كما مرّ قريبا وان كان ابن تيميّة برّأهم من ذلك ، لكن من تتبّع أقوال شيوخهم بان له أنّ كلامهم يفوح بذلك واللّه أعلم .

يُتبع ....
رد مع اقتباس