عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 29-10-16, 10:47 AM
معاذ محمد عبدالله معاذ محمد عبدالله غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-08-06
المشاركات: 522
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الخامس- تابع المقدمات

الحكم الوضعي


الأحكام الوضعية خمسة: السببُ، والشرطُ، والمانعُ، والصحيحُ، والباطِلُ.
1- السببُ هو: وصفٌ ظاهرٌ منضبِطٌ مُعَرِّفٌ للحكمِ.
فالوصف هو: معنى من المعاني القائمة بالذات نحو الخمر مسكر، فالخمر ذات والإسكار وصف.
والظاهر هو: الواضح، واحترز به عن الوصف الخفي، كالرضا فهو أمر خفي لا يطلع عليه من البشر غير صاحبه، فلا يقال إن الرضا سبب للبيع لخفائه بل يقال إن القبول والإيجاب سبب للبيع لأن لفظ القبول والإيجاب أمر ظاهر مسموع.
المنضبط هو: المطَّرِدُ الذي لا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة، احترزنا به عن الوصف المضطرب مثل المشقة في السفر لا يصح جعلها سببا للقصر لأنها غير منضبطة تختلف من شخص لآخر ومن صحة لمرض ومن مكان لآخر ومن زمان لزمان وإنما السبب هو المسافة المحددة.
المعرِّف للحكم هو: المبين للحكم كالزنا سبب لوجوب الحد، والزوال سبب لوجوب الظهر، والإسكار سبب لحرمة الخمر.
وخاصة السبب المعرفة له هي: أنه ( يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم ) كالزنا يلزم من وجوده وجوب الحد ومن عدمه عدم الحد.
2- والشرط هو : وصف يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
كالطهارة يلزم من عدمها عدم صحة الصلاة ولا يلزم من وجودها وجود الصلاة أو عدمها لأنه قد يتوضأ ويصلي وقد لا يصلي.
3- المانع هو : وصف وجودي ظاهر منضبط معرف نقيض الحكم. كالقتل فإنه مانع من الإرث.
وقولنا وجودي احترزنا به عن العدمي، فلا يقال إن عدم شيء هو مانع من كذا، بخلاف السبب فإنه قد يكون وجوديا كالزنا، وقد يكون عدميا كقولهم عدم العقل سبب لعدم صحة تصرف المجنون، لهذا لم يذكر هذا القيد في تعريف السبب.
وقولنا: المعرف نقيض الحكم أي أن وجوده دال على نقيض الحكم المترتب على السبب.
كالقرابة فإنها سبب للإرث وكالقتل فإنه مانع من حصول الإرث المترتّب على السبب، فإذا كانت القرابة يلزمها وجود الإرث، فالقتل مانع من وجود الإرث.
4- الصحيح هو: الفعل الذي وافق الشرع، كالصلاة إذا استجمعت شروطها وأركانها فإنها تكون صحيحة لموافقتها الشرع.
فإذا صحت العبادة قيل عنها إنها مجزئة أي أنها كافية في سقوط الطلب.
وإذا صحت المعاملة قيل عنها إنها نافذة أي تترتب عليها آثارها كالنكاح الصحيح يترتب عليه حل الاستمتاع بين الزوجين.
والباطل هو: الفعل الذي خالف الشرع، بفقد شرط من شروطه أو ركن من أركانه.
فإذا بطلت العبادة كصلاة غير متوضئ لم يسقط الطلب وبقيت الذمة مشغولة بفعل العبادة، وإذا بطلت المعاملة لم تترتب عليها آثارها كالبيع فإنه لا يترتب عليه انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، وكالنكاح بلا شهود لا يترتب عليه حل الاستمتاع بين الزوجين.
( مسائل )


الأولى: الفعل قد يكون له وجهان من موافقة الشرع ومخالفته، وقد لا يكون له إلا وجه واحد.
فالأول: كالصلاة والبيع فإنهما تارة يقعان موافقين للشرع فيكونان صحيحين، وتارة يقعان مخالفين للشرع فيكونان باطلين.
والثاني: كمعرفة الله سبحانه والشرك به- عياذًا بالله- فالمعرفة دائما تكون موافقة للشرع، فإن لم تكن كذلك لم تكن معرفة بل كانت جهلا لا معرفة ولا يقال في الجهل إنه معرفة فاسدة، والشرك بالله سبحانه دائما يكون مخالفا فلا يوجد شرك تارة يقع موافقا وتارة يقع مخالفا.
فإذا علم هذا فقولنا الصحيح هو الفعل الذي وافق الشرع، نعني بالفعل الفعل ذا الوجهين أما الفعل الذي له وجه واحد فإنه - بحسب الاصطلاح الأصولي- لا يتصف بالصحة والبطلان.
الثانية: اختلف في تعريف الصحة والبطلان على قولين:
فالقول الأول أن الصحة هي: موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع، والبطلان هو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع.
والقول الثاني أن الصحة في العبادة اسقاط القضاء وفي العقد ترتب آثاره عليه، والبطلان في العبادة عدم سقوم القضاء، وفي العقد عدم ترتب آثاره عليه.
والفرق بينهما يظهر في صلاة شخص ظنّ نفسه متطهرا- وهو في الواقع ليس كذلك- فصلى، فعلى التعريف الأول تسمى صلاته صحيحة لأنها استجمعت الشروط والأركان في اعتقاده وهذا هو المطلوب وإن كنا نلزمه بالقضاء إذا تبين له بعد ذلك أنه لم يكن متطهرًا، وعلى التعريف الثاني لا تسمى صلاته صحيحة لأن القضاء لم يسقط عنه، والخلاف لفظي.
الثالثة: العبادة توصف بالإجزاء وعدمه، والمعاملة لا توصف بالإجزاء بل بالنفوذ أي ترتب أثر العقد على العقد.
الرابعة: هل الباطل والفاسد لفظان مترادفان أو لا ؟ ذهب الجمهور لترادفهما، وذهب الحنفية إلى التفريق بينهما فقالوا:
الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه.
وذلك أن الشيء إذا وجدت أركانه وشروطه فقد تحقق أصل ماهيته، وهنالك أوصاف لازمة للأصل لكن لا تتوقف حقيقته عليها، فإذا كان النهي راجعا لخلل في الأركان والشروط فهو باطل، وإذا كان النهي ليس راجعا لخلل فيها بل لوصف لازم فهو فاسد.
مثال ذلك الصلاة بدون بعض الشروط أو الأركان كالصلاة بلا وضوء تكون باطلة.
ومثال الفاسد: صوم يوم النحر فالصيام هنا فاسد لأن الخلل لم يرجع إلى أركان الصيام وشروطه بل لما فيه من الإعراض عن ضيافة الرحمن.
ويترتّب على هذا أنه لو نذر أن يصوم يوما فصام يوم النحر لم يصح صومه عند الجمهور وصح مع الحرمة عند الحنفية.
والخلاف لفظي.

( شرح النص )


والسَّبَبُ: وَصْفٌ ظاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُعَرِّفٌ للحُكْمِ، والشَّرْطُ: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ ولا يلزَمُ منْ وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ والمانِعُ: وصفٌ وجوديٌّ ظاهرٌ منضَبِطٌ مُعَرِّفٌ نقيضَ الحكمِ، كالقتلِ في الإرثِ.
والصِّحَةُ: موافقةُ ذي الوجهينِ الشرعَ في الأصحِّ، وبصحةِ العبادةِ إجْزَاؤُها أي كفايتُها في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ في الأصحِّ، وغيرِها تَرَتُّبُ أَثَرِهِ، ويختَصُّ الإجْزَاءُ بالمطلوبِ في الأصحِّ، ويُقَابِلُها البُطْلانُ وهوَ الفسَادُ في الأصَحِّ والخُلْفُ لَفْظِيٌّ.
.............................. .............................. .............................. .............................
بعد أن فرغ من الحكم التكليفي شرع في الحكم الوضعي فقال: ( والسَّبَبُ: وَصْفٌ ) أي معنىً ( ظاهِرٌ ) غير خفي ( مُنْضَبِطٌ ) لا مضطرب ( مُعَرِّفٌ للحُكْمِ ) قيد يخرج المانع فإنه معرف نقيض الحكم، مثاله زوال الشمس فإنه وصف ظاهر منضبط معرف للحكم الذي هو وجوب الظهر فيكون سببا شرعيا ( والشَّرْطُ: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ ) للمشروط قيد يخرج المانع فإنه لا يلزم من عدمه شيء ( ولا يلزَمُ منْ وجودِهِ وجودٌ ولا عدمٌ ) قيد آخر يخرج السبب لأنه يلزم من وجود الوجود، مثال الشرط الطهارة للصلاة يلزم من عدمها عدم الصلاة ولا يلزم من وجودها وجود ولا عدم فتكون شرطا شرعيا ( والمانِعُ: وصفٌ وجوديٌّ ) لا عدمي ( ظاهرٌ ) لا خفي ( منضَبِطٌ ) لا مضطرب ( مُعَرِّفٌ نقيضَ الحكمِ ) المترتب على السبب ( كالقتلِ ) في باب ( الإرثِ ) فإنه مانع من وجود الإرث المسبب عن قرابة أو زوجية أو ولاء ( والصِّحَةُ: موافقةُ ) الفعل ( ذي الوجهينِ ) وهما موافقة الشرع ومخالفته ( الشرعَ ) فإذا وافق فهو صحيح، وإن لم يوافق فهو باطل ( في الأصحِّ ) من القولين، وقيل الصحة ما أسقط القضاء في العبادة، وما ترتب عليه آثاره في العقد، فعلى الأول هنالك تعريف يجمع الصحة في العبادة والعقد، وعلى الثاني الصحة في العبادة لها معنى، وفي العقد لها معنى آخر والخلاف بينهما لفظي ( وبصحةِ العبادةِ إجْزَاؤُها ) إجزاؤها مبتدأ مؤخر وبصحة العبادة خبر مقدم، والأصل هو: وإجزاءُ العبادة ناشئ عن صحتها، فإذا صحت العبادة قيل عنها إنها مجزئة ثم فسر الإجزاء بقوله ( أي كفايتُها في سُقُوطِ التَّعَبُّدِ ) أي الطلب وإن لم يسقط القضاء في بعض الحالات كما في صلاة من ظنّ طهارته ثم تبين له حدثه ( في الأصحِّ ) من القولين، وعلى القول الثاني يكون المقصود بالإجزاء هو: سقوط القضاء ( و ) بصحة ( غيرِها ) أي غير العبادة كالعقد ( تَرَتُّبُ أَثَرِهِ ) عليه وهو ما شرع الغير له كحل الانتفاع في البيع، وحل التمتع في النكاح، ثم إن هذا أيضا خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والأصل هو: وترتُّبُ أثرِ العقد ناشئ عن صحة العقد ( ويختَصُّ الإجْزَاءُ بالمطلوبِ ) أي العبادة واجبة كانت كالصلوات والخمس والزكاة أو مستحبة كالوتر وسائر النوافل، فلا توصف العقود بالإجزاء ولا بعدم الإجزاء ( في الأصحِّ ) من القولين، وقيل بل لا يوصف بالإجزاء إلا الواجب من العبادات، فلا يقال: نافلة مجزئة، كما يقال فريضة مجزئة، والخلاف لفظي ( ويُقَابِلُها ) أي الصحة ( البُطْلانُ ) وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين الشرع ( وهوَ ) أي البطلان ( الفسَادُ في الأصَحِّ ) فهما مترادفان، وقال الحنفية: الباطل: ما لم يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، والخلاف لفظي لأن حاصله أن ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه هل يسمى فاسدا كما يسمى باطلا أو لا ؟ وأن ما شرع بأصله ولم يشرع بوصفه هل يسمى باطلا كما يسمى فاسدا أو لا ؟ فعند الحنفية لا وعند الجمهور نعم ( والخُلْفُ لَفْظِيٌّ ) في المسائل السابقة.
تنبيه: اعلم أن الأشعرية نفوا تأثير الأسباب، فقالوا: ليست النار هي التي تحرق بل الله هو الذي يخلق الحرق عند تماس النار مع جسم آخر، وليس الماء هو الذي يروي العطش بل الله الذي يخلق الري عند شرب الماء، وليست السكين هي التي تقطع بل الله هو الذي يخلق القطع والبين عند تماس السكين مع جسم آخر، ولهذا يقولون: إن الماء يحصل عنده الري لا به، والسكين يحصل عندها القطع لا بها، ثم طردوا هذا الأصل في الشرعيات فنفوا أي تأثير للأسباب الشرعية فليس الزنا إلا علامة معرفة على وجوب الحد من غير أن يكون له تأثير ومدخلية في وجوب الحد، وليس الحدث إلا علامة معرفة على انتقاض الوضوء بلا تأثير ولذا يقولون: يحصل النقض عند الحدث لا به، ولذا يقولون في تعريف السبب أنه معرِّف للحكم أي من غير تأثير فيه، والذي اختاره أهل الحديث والأثر هو إثبات تأثير الأسباب بإذن الله تعالى، فالزنا مثلا لمعنى فيه وأنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا حرمه الله وجعله سببا للحد ورتب عليه العقوبة. وتفصيل ذلك موكول لمحله.
__________________
سبحان الله
رد مع اقتباس