عرض مشاركة واحدة
  #16  
قديم 05-03-19, 03:45 PM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 119
Arrow رد: هل ادعى الزبيدي صاحب تاج العروس المهدوية ؟!!

الجــــــــــاسوس (8) :

فصل : في علم الجفر والزّايرجة والحروف
يزعم بعضهم أنّ الجفر مأخوذ عن عليّ رضي اللّه عنه ، وينسبون لشيخ الطّائفة محيي الدين بن عربي جفرًا يسمّونه الشّجرة النّعمانية ، ويقولون : إنّه يحتوي على جميع الحوادث العظيمة إلى يوم القيامة . وقد كتبه عليّ بأمر من النّبي عليه السّلام حروفًا متفرّقة على طريقة سفر آدم في جفر - أي جلد ماعز صغير - فاشتهر بين النّاس ؛ لأنّهم وجدوا فيه ما جرى للأوّلين وما سيحدث عند الآخرين . وكانوا يزعمون أنّ هذا الجفر هو إخبار عن المغيّبات بالتّصريح تارة وبالتّرميز تارة أخرى ، ولمّا أرادوا أن يجعلوه علمًا أدخلوه في علم الحرف والعدد . ومن النّاس من خلط بين الجفر والتّنجيم وسمّى كلّ ما كتب في الملاحم والحدثان جفرًا ، ومنهم من يعتقد أنّ الجفر لا يكون إلّا عن كشف .
نعم لا ينكر العاقل أنّ في النّاس محدَّثين وملهمين يخبرون بشيء أن سيقع فيقع كما قالوا ، لكن هذا نادر ومخصوص بالجزئيات ، قال تعالى : { عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ } [الجن: 26-27] . [أمّا أن يكون إخبارا بحجم كتاب وبالتّعميم والتّخصيص كما أنّه يقرأ في اللّوح المحفوظ فهذا أمر مرفوض وهو بالعرافة والكهانة أشبه ، ولا يؤمن به إلّا صوفي ضال يعتقد أنّ مخبره وليّ يعلم ما بين العرش والفرش وذا كفر اكبر، وأمّا ما سوى الصّوفي فكفره أصغر إن لم يصدّقه] .
لقد صحّ من أخبار الجفر أشياء ، وذلك كقول شيخهم الأكبر في الشّجرة النّعمانية على ما يقولون : ((إذا دخل " س " في " ش " ظهر قبر محيي الدين)) وقد كان كذلك ؛ فإنّ السّلطان سليمًا [س] هو الذي أظهر قبر الشّيخ [محيي الدين] عندما دخل الشّام [ش] وبناه وأجرى عليه الأوقاف . وكقوله : ((ويل للإسكندرية من الأساطيل البحرية)) ، [وهي إشارة إلى وصول سفن الحملة الفرنسية إلى مياه الإسكندرية إيذانا بالاقتحام الوشيك للمدينة وبدء الحرب على مصر، بقيادة الجنرال الفرنسي نابليون ، وذلك يوم 1 يوليو عام 1798 م] ، وفي موضع آخر ((ويل للقاهرة من العاهرة)) [وهي إشارة إلى انتشار ظاهرة البغاء بشكل قانوني في عصر محمّد علي باشا وقد أجّج نار ازدهارها توافد الأجانب إلى مصر، وكان أشهر الشوارع : «محمّد علي ، وكلوت بك ، وعماد الدين ، ووش البركة ، ودرب طياب ، وعطفة الجينينة ، والحوض المرصود ، وقد انقسمت العاهرات – آنذاك - إلى قسمين «عايقة» و«مقطورة» والأولى هي القوّادة والثانية هي التي تمارس النّشاط ، ولا يخفى ما يقمن به من جوسسة ونقل الأخبار] . وفي تاريخ ابن خلدون قصّة الدانيالي ، وملحمة الباجريقي الصّوفي [وغيرها] [وكذلك في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد] .
وذلك أنّ من يخبر بأشياء كثيرة من شأنها أن تقع لا بدّ أن يصدق بعضها ، ولو كان الجفر حقًّا لوقع كلّ ما أخبر به ، وأمّا الرموز فمجال التضليل فيها واسع وميدانه فسيح ؛ لأنّ هذه الحروف تصدق على أشياء كثيرة وتنطبق عليها من غير أن تكون موضوعة لها ، ولم يوضع ذلك إلّا لخداع الأمراء والملوك لابتزاز أموالهم وابتغاء الزلفى عندهم .
والزّايرجة ضرب من أعمال الحساب وتكسير الحروف يُقصد به معرفة الغيب [وهي غريبة العمل وصنعة عجيبة وحلّها صعب على الجاهل] ، والرّمل من قبيل الزّايرجة ، ولعلك قرأته فهو صناعة ، والغيب لا يمكن أن يعرف بصناعة ، ومن آية بطلان هذا العمل أنّه لا يروج إلّا في سوق الجهالة كما قال ابن خلدون . وأنت ترى أنّهم زادوا في هذا الزّمان أمورًا أخرى كالنظر في ورق اللعب ، والنظر في الكف ، ومن ذلك كتاب البروج لأبي معشر وغيره يحسبون اسم الرّجل واسم أمّه بالجُمَّل . باختصار وتصرّف من مقال : المحاورات بين المصلح والمقلد - مجلة المنار مجلّد 4 ص51 ، وشيء من إضافة تجد غالبها بين معكوفين [...] .
وأمّا علم أسرار الحروف فقد صار عند خاصة المتصوّفة وغلّاتهم أشبه بالطلاسم . جنحوا فيه إلى كشف حجاب الحسّ وظهور الخوارق على أيديهم والتصرّفات في عالم العناصر وزعموا أنّ الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب وأنّ طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء فهي سارية في الأكوان . وهو من العلوم التي لا يوقف على موضوعه ولا تحاط بالعدد مسائله . وحاصله عندهم وثمرته تصرّف النّفوس الرّبانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السّارية في الأكوان . ثم اختلفوا في سرّ التصرّف الذي في الحروف بم هو ؟ فمنهم من جعله للمزاج الذي فيه ، ومنهم من جعل هذا السر للنسبة العددية . ويختص كلّ صنف من الحروف بصنف من الأوفاق الذي يناسبه من حيث عدد الشكل أو عدد الحروف . والسّر فيه أمر عسر على الفهم وليس من قبيل العلوم والقياسات وإنّما مستندهم فيه الذوق والكشف . (جمعت هذه المعلومات من مواضع مختلفة ، من كشف الظنون لحاجي خليفة ، ومقدّمة ابن خلدون ، وأبجد العلوم لصدّيق حسن خان ، ولقطة العجلان له أيضا ، ودستور العلماء المسمّى : جامع العلوم في اصطلاحات الفنون للأحمد نكري) .
قال رفيق العجم : وممّا تجدر الاشارة إليه في هذا الصدد مثلا أنّ علمي الرّمل والجفر قد اختفيا تماما من المصطلح العلمي المعاصر. مقدمة موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم ص50 . وهذا إخبار منه على حدّ علمه ، ومن وقف اليوم على ما يزعمه كثير منهم من تنبّؤات مستقبليّة حصل منها ما توقّعوه حتّى تسارع إليهم رؤساء وملوك الدّول علم أنّ الأمر أنُف ، وأنّ الشياطين لا تتوقّف عن شرّها ، وأنّ الجفر وإن لم يظهر جفرا فقد ظهر بما يساويه كفرا أو صفرا . { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [آل عمران: 66] .
وحاصل هذه العلوم أنّها من القوانين الصّناعية لاستخراج الغيوب . واعجب ما في الأمر ما قاله أهل المعرفة في مثل هذا العلم أنّه عبارة عن العلم الإجمالي بلوح القضاء والقدر المحتوي على كلّ ما كان وما يكون كلّيا وجزئياً . والجفر: عبارة عن لوح القضاء الذي هو عقل الكل . وأنّ هذا علم توارثه أهل البيت ومن ينتمي إليهم ويأخذ منهم من المشائخ الكاملين وكبار الأولياء وكانوا يكتمونه عن غيرهم كلّ الكتمان . وقولهم : لا يفقه في هذا الكتاب حقيقة إلّا المهدي المنتظر خروجه في آخر الزّمان .
وهذا الكلام ممّن يظنّون أنّهم في طبقة الكمال عند الإنسان ، هو أشبه بصوت العافطة أو النّافطة من الحيوان ، { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } [الشّورى: 6] .
وإذا كان للنّفس الإنسانيّة استعدادا للانسلاخ من البشريّة إلى الرّوحانيّة الّتي فوقها بهدي من اللّه وفضل ، فإنّ لها استعدادا كذلك للانسلاخ من البشريّة إلى الشيطانيّة التي تحتها بإضلال من اللّه وعدل ، وشتّان ما بينهما .
رد مع اقتباس