عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-06-13, 01:46 AM
ابو عبد الرحمن الجزائري ابو عبد الرحمن الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-02-07
المشاركات: 2,979
افتراضي رد: بُشرى لطلبة العلم :صدور الطبعة الثانية من رسالة (كيف نخدم الفقه المالكي) للشيخ بن حنفية العابدين


مقدمة الطبعة الأولى


الحمد لله الذي أنزل كتابه هدى ورحمة للمؤمنين، وحسرة على الكافرين والمنافقين، من أراد به خيرا فقهه في الدين، وجعله من المستيقنين،والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين، الذي أقيمت برسالته الحجة على الناس أجمعين، آمن به فريق وصدقه، فكان من المفلحين،وصدف عن هديه فريق وكذبه؛ فكان من الخاسرين، المجموع له كمال العلم وكمالالعمل في الكتاب والسنة نعمة منه تعالى ومنة: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين}(الحجرات17) فالمهتدي من تمسك بهما، والضال من طلب الهدى في غيرهما، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وأهل بيته من أزواجه وذريته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد: فإن هذه المقدمة أفتتح بها تأليفا كانت نفسي تائقة منذ مدة إليه، وهو التعليق على جملة من المسائل الواردة في مختصر العلامة خليل بن إسحاق المالكي رحمة الله عليه (ت:749)، وذلك لأهمية هذا المختصر عند المهتمين بالفقه على مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه (ت:173) منذ قرون، والمذهب هذا هو الغالب على أهل بلدنا، وسائر بلدان المغرب الإسلامي، وحيث تبين لي أن لا فائدة في القيام بشرح المختصر كله، فقد آثرت أن يقتصر عملي على جملة من المسائل الواردة في هذا السفر الجليل، الذي قل أن يكون له نظير أو مثيل، فأذكر نماذج للأقوال التي تبين لي أنها على خلاف الدليل، وأخرى لما فيه أكثر من رواية عن الإمام مالك، موازنا بينها، مبينا الرواية التي يقف الدليل معها، وأورد أمثلة لما هو في المدونة مخالفا لما في الموطإ، كما أثبت نماذج للأقوال التي حاول فيها المالكية مراعاة الخلاف، فقالوا بقول رأوه جامعا لها .ولاريب أن أهل العلم قد كتبوا فيما أسلفت وغيره، ومن ذلك أن الاهتمام بجمع روايات الإمام مالك قد ساور بعض أهل العلم فشرع أحد أصحاب القاضي إسماعيل (ت:282) في جمع ديوان يضم أقوال مالك التي لا يشركه فيها واحد من أصحابه، دون التفريق بين الرواة من أي جهة كانوا، فجمع ما رواه عنه المدنيون والمصريون والعراقيون وأهل الشام وأهل أفريقيا والأندلس، وهذه أول محاولة جادة فيما أعلم لتجاوز الفقه المذهبي المتأثر بالجهة، وقد سماه كتاب الاستيعاب لكنه لم يتمه، فأكمله أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الوليد المعيطي (ت:367) وأحمد بن عبد الملك أبو عمر الإشبيلي (ت:401) بطلب من الحكم أمير المؤمنين .وددت لو أني قمت بشيء مما تقدم إيضاحا للحق، وبيانا للقوي من الأقوال، من خلال تناول هذا المختصر بالخدمة المطلوبة شرعا، وهي اللائقة بهذا الزمن الذي اهتم فيه جمهور الشباب وهم محقون بمعرفة الدليل والسؤال عنه حتى لا
يزداد عزوفهم عن مصنفات الفقهاء، للأسباب التي لا تخفى . لكني آثرت أن أتحدث في هذه المقدمة إن شاء الله عن جملة من المسائل رأيت من المفيد ذكرها قبل الشروع في المقصود حتى تكون كالمنهاج للخدمة التي ينبغي أن يقوم بها من أراد نفع الناس بكتب الفقه المذهبي، وقد رأيت بعض المهتمين بالفقه يكتفون بالقول إن هذا الكلام في الكتاب الفلاني، دون أن يميزوا بين الغث والسمين، ولا بين الأصيل والدخيل، ولا يعفيهم من التبعة أن يجدوا كلاما في كتاب، حتى ولو نسب إلى إمام، إذ ما كل ما نسب إلى الناس بثابت عنهم . وهذه المسائل على تنوعها، وما قد يبدو من عدم انتظامها، واختلال ترتيبها؛ لا تخرج عن ثلاثة أمور، مع ما يرافقها من الأمثلة التي حرصت على الإكثارمنها:

أولها: بيان أن التفقه بالنصوص هو الأصل المقدم على غيره متى تيسر، وأنه لا يتنافى مع التفقه بمذهب ما،فإن كثيرا من أهل العلم كانوا منتسبين إلى أحد المذاهب إلا أنهم معدودون من المتحررين، لبعدهم عن التعصب، إذ متى تبين لهم الدليل ذهبوا إليه، ولم يكن لديهم فرق بين الحديث والفقه، ومن ثم فقد بينت أن التفقه على المذاهب أمر حسن إذا توفر للطالب ما يجنبه التعصب، وعرف ولو في الجملة ما كان من الأقوال مصادما للدليل غير المعارَض بما يعتد به، وربي على ذلك من أول عهده .
وثانيها: بيان الخدمة التي يزعمها بعض الناس اليوم للمذهب المالكي،وكونها ظلما للمذهب وعدوانا عليه، لا نصرة له وثأرا من المخالفين له، وقد استطردت إلى ذكر الأسباب الباعثة لهم على هذا الزعم، وأثبت أمثلة تأريخية لما ترتب على نظير ما يفعلونه اليوم، فعسى أن يكون في ذلك تذكرة لهم فيقلعوا عن هذه المظالم، وينزجروا عن هذه المآثم، وقد أثبت شيئا من أقوالهم وتصرفاتهم، وعرجت في ثنايا ذلك على الخدمة الحقة التي ينبغي أن تكون .
وثالثها: بيان ما ينبغي أن يعرفه من أراد الانتفاع بكتب الفقه المتأخرة، وذكر مراتب العلم المذهبي المثبت فيها، إذ ليس كل ما فيها هو المذهب، ولا مما يصح الأخذ به، أو الجزم بأنه قول فلان أو فلان، والإشارة إلى ما
يتعين اطراحه منها، وما في مطالعة الكتب الأمهات من المنافع، وقد أشرت إلى أصول مالك بإجمال، وفصلت بعض التفصيل في شيء منها . على أني مشفق من أن أسمع من يقول: إن الكتابة في غير هذا الموضوع أجدى، فإن الأمة تعاني أخطارا جمة بلغت حد التخلي الكلي عن تحكيم شرع الله في كل جوانب الحياة، فلما ذا هذا الحديث عن الفقه والتعصب المذهبي وإثارته مجددا، فإنه كيفما كان ضرره ظل الشرع معه مصونا، وبيضة الإسلام معه محمية على مدى أحد عشر قرنا، فلنشتغل بما هو أهم، والجواب أن هذا الذي كتبته جاء بعد ما يقارب العقد من الزمن، تجاوز فيه هذا التعصب عندنا حده، وصارشعار المذهب المالكي من أكبر ما تحارب به السنة، بل كان هذا حربا على المذهب المالكي نفسه، فمن الصواب أن يبين زيف هذه الدعوى، وأن تدون صور هذا الحيف والجور الذي سلطه هؤلاء على من يظنونهم خصوما، ولأن الإصلاح ليس كلا لا يتجزأ، فمن قدر على القيام بشيء منه أو الدعوة إليه فليفعل، ولا ينبغي أن يستقل أي شيء من عمل الخير، فإن إحسان المسلم أي عمل من أعماله كيفما كانت منزلته هو من جملة هذا الإصلاح، بل إنه من أسباب النصروالتمكين، وحسبك أن الله تعالى شرع للمجاهدين في سبيله هذه الكيفية الدقيقة لصلاة الخوف، ولم تكن الحرب رخصة في ترك صلاة الجماعة، وقد روى أبو داود عن أبي علي الهمداني قال كنا مع فضالة بن عبيد برودس من أرض الروم فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال:"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها" .لكن بعض إخواننا يتأبى إذا ذكرت له أو لغيره فضيلة من الفضائل، بل واجبا من الواجبات، فيبادر إلى القول إن الحديث عن هذا الأمر في هذا الوقت غير مناسب، وقد ذكر لي بعضهم أنه حاول تسوية الصف فانتهره أحدهم قائلا: الناس يموتون في فلسطين وأنت تتحدث عن هذا . لقد أثنى الله تعالى على عبده ونبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقال:{أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} (النجم36و37)، وقال عز من قائل: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}(البقرة124)، وقد ذكر أهل العلم من هذه الكلمات أمورا قد يتقالها المتعجلون، ولا يرون أن هذه الشهادة من الله كانت لأجلها، قال ابن كثير رحمه الله: "قالوا وفى جميع ما أمر به، وقام بجميع خصال الإيمان وشعبه، وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل، عن القيام بمصلحة الأمر القليل، ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار" .وقد كنت وما زلت أسلك التعصب المذهبي في جملة الحكم بغير ما أنزل الله،بل اعتبرته بداية هذا التنكب عن الصراط المستقيم الذي تدرجت الأمة فيه شيئا فشيئا، وقد بلغت منه دركا لم تعرفه من قبل، ولأن التعود على الخضوع لشرع الله والتسليم له وتقديمه على ما عداه؛ هو الهدف من وراء هذا العمل، وهو أمر لا أرى أن الناس يختلفون في أهميته ولا في جدواه، سواء تعلق بالفرد أو بالمجموع، بل إن التفريط في هذا الأمر علة لكل ما تعاني الأمة منه في مختلف شؤونها . فما وفقت فيه إلى الحق مما تقدم وغيره فبفضل الله ورحمته، وما جانبت فيه الصواب فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، وأنا عنه راجع،وإلى الله منه تائب، ومتى دلني أحد على مخالفة للحق وقعت فيها تخليت عنها، وأخذت بما استبان، وما توفيقي إلا بالله إليه أنيب، وعليه التكلان
.
وكتب
أبو عبد القادر بن حنفية العابدين
معسكر في
24 ربيع الأول 1423
(06/06/2002)
رد مع اقتباس