عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 23-01-14, 12:41 PM
بوحمدان بوحمدان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-12-11
المشاركات: 534
افتراضي مجالس العلم بين الأمس! واليوم!!

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه أيها الأحبة مقالة جديدة لشيخنا أبي عبد الله حمزة النايلي (وفقه الله)، نفعنا الله وإياكم بها.

مجالس العلم بين الأمس! واليوم!!
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على أشرف المرسلين،نبينا محمد وعلى آله،وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إن حلق العلم وموائد العلماء أيها الأحبة الكرام هي من أرفع المجالس قدرا وأكثرها أجرا عند الباري جل وعلا،كيف لا؟!
وهي طريق الأصفياء ،وزاد الأتقياء،وميراث الأنبياء ، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها فقال:"يا أهل السوق ما أعجزكم؟"،قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟قال:"ذاك ميراث رسول الله يُقسَّم وأنتم ها هنا!لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه!"،قالوا: وأين هو؟ قال:"في المسجد"،فخرجوا سراعا إلى المسجد ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم:"ما لكم؟"،قالوا:يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئا يُقسَّم!فقال لهم أبو هريرة-رضي الله عنه-: "أما رأيتم في المسجد أحدا؟" قالوا:بلى رأينا قوما يصلون، وقوما يقرأون القرآن،وقوما يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة-رضي الله عنه-:"ويحكم فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم".رواه الطبراني في المعجم الأوسط (2/115)، وحسنة الشيخ الألباني–رحمه الله-في صحيح الترغيب (83).
وكيف لا ؟ أيها الأفاضل والإخوان!...
وهي مجالسٌ من رياض الجنان،يُحبها الرحمن،ويحفظ أصحابها من كل سوء وخذلان، ويُجازيهم عنها بالأجر والإحسان، فعن أبي واقد الليثي–رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحدٌ،فَوَقَفَا على رسول الله صلى الله عليه وسلم،فأما أحدهما فرأى فُرْجَةً في الْحَلْقَةِ فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خَلْفَهُمْ، وأما الثالث فَأَدْبَرَ ذاهبًا فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ألا أُخْبِرُكُمْ عن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ،أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إلى اللَّهِ فَآوَاهُ الله،وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا الله منه، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ الله عنه ". رواه البخاري (66) ومسلم (2176) و اللفظ له.
يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله- :"فلو لم يكن لطالب العلم إلا أن الله يؤويه إليه ولا يعرض عنه لكفى به فضلا ".مفتاح دار السعادة(1/ 123)
ويقول الحافظ ابن حجر –رحمه الله- :"وفي الحديث فضل ملازمة حلق العلم،والذكر وجلوس العالم والمذَكِر في المسجد". فتح الباري (1 /157)
وكيف لا ؟!...
وبأهلها يُباهي العزيز العلام ملائكته الكرام،فعن أبي سعيد الخدري–رضي الله عنه- قال: أن معاوية-رضي الله عنه-خرج على حلقة في المسجد،فقال:ما أَجْلَسَكُمْ؟،قالوا:جلسنا نذكر الله،قال:آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟،قالوا:والله ما أَجْلَسَنَا إلا ذاك، قال:أما إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لكم،وما كان أَحَدٌ بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقَلَّ عنه حديثًا منِّي، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ على حَلْقَةٍ من أصحابه،فقال:"ما أَجْلَسَكُمْ ؟"،قالوا:جلسنا نَذْكُرُ الله وَنَحْمَدُهُ على ما هدانا للإسلام،وَمَنَّ به علينا،قال:"آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ"،قالوا:والله ما أَجْلَسَنَا إلا ذاك،قال:"أَمَا إني لم أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ،وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عز وجل يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ".رواه مسلم(2701)
يقول الإمام ابن القيم-رحمه الله-:"فهؤلاء كانوا قد جلسوا يحمدون الله بذكر أوصافه وآلائه،ويثنون عليه بذلك ويذكرون حسن الإسلام،ويعترفون لله بالفضل العظيم إذ هداهم له،ومنَّ عليهم برسوله-صلى الله عليه وسلم-،وهذا أشرف علم على الإطلاق،ولا يعني به إلا الراسخون في العلم،فإنه يتضمن معرفة الله وصفاته وأفعاله ودينه ورسوله،ومحبة ذلك وتعظيمه،والفرح به وأحرى بأصحاب هذا العلم أن يُباهي الله بهم الملائكة".مفتاح دار السعادة (1/ 77)
لقد عرف سلفنا الصالح (رحمهم الله) أيها الأحبة الكرام قيمة هذه المجالس المباركة وفضلها،وأنها من أقوى الأسباب التي تُعين على إحياء القلوب،والتقرب من علام الغيوب،وهي من أفضل طرق النجاح ووسائل الفلاح في الدارين بإذن رب العالمين.
فصرفوا فيها معظم أوقاتهم،وعمَّروا بها أكثر ساعاتهم، وبذلوا في الحرص على حضورها أقصى جهدهم وأعلى طاقاتهم حتى تركوا من أجل طلب العلم الأوطان والديار،وراتحلوا في تحصيله بين الأقطار والأمصار.
فهذا الحافظ الإمام ابن منده، أبو عبد الله الأصبهاني (ت395هـ) –رحمه الله-،محدث الإسلام، وأحد الأئمة الأعلام رحل في طلب العلم وعُمُره عشرون سنة،ورجع وعُمُره خمس وستون سنة، وكانت رحلته خمساً وأربعين سنة.
يقول الإمام الذهبي -رحمه الله-:"ولم أعلم أحداً كان أوسع رحلةً منه، ولا أكثر حديثاً منه، مع الحفظ والثقة، فبلغنا أن عدة شيوخه ألف وسبعمائة شيخ". سير أعلام النبلاء (17/30)
وهذا الإمام جرير بن حازم (170هـ)–رحمه الله- يقول :"جلست إلى الحسن -أي البصري- سبع سنين لم أخرم منها يوما واحدًا، أصوم وأذهب إليه ".تهذيب الكمال للمزي (30/ 188)
وهذا الإمام عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي (ت 327هـ) –رحمه الله- صاحب الجرح والتعديل يقول: "كنا في مصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة،كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ وبالليل النسخ والمقابلة،فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل،فرأينا في طريقنا سمكة أعجبتنا فاشتريناها فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس فلم يمكنا إصلاح هذه السمكة ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى على السمكة ثلاثة أيام وكادت أن تتغير فأكلناها نيئة، لم يكن لنا فراغ أن نشوي السمك. ثم قال: "إن العلم لا يستطاع براحة الجسد" . تذكرة الحفاظ (3/830)
وهذا الإمام النووي (ت676هـ) –رحمه الله- كان يحضر في اليوم اثني عشر درسا،ويقول عن نفسه:"كنت أعلق جميع ما يتعلق بها من شرح مشكل،ووضوح عبارة، وضبط لغة،وبارك الله تعالى في وقتي".تذكرة الحفاظ للذهبي(4/1470)
فهذه التضحيات أيها الكرام التي بذلها سلفنا الصالح(رحمهم الله)في سبيل تحصيل أفضل مطلب وأسمى مقصد وهو العلم الشرعي، قد لا تُستغرب!!، لأنه من عرف قيمة الشيء ضحى من أجله!!.
فهم عرفوا فضل العلم الشرعي ومكانته،!وأنه لا ينال إلا بالمرور على جسر التعب والمشقة! لا بالراحة والأماني!!.
لذا كانت مجالس العلماء وحلق الذكر في زمانهم عامرة، حيث كانوا يتسابقون إليها للتفقه في الدين وسماع حديث خير المرسلين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
إن كل مؤمن محب للخير لأمته أيها الأفاضل ليَحزن أشد الحزن عندما يرى أن الإقبال على طلب العلم الشرعي اليوم قليل!و أن الحرص على رفع الجهل لا يكون إلا من عدد من المسلمين ضئيل!.
فأكثر مجالس العلم اليوم قد هُجرت!وغالب موائد العلماء الربانيين قد تُركت!حتى ممن ينبغي عليهم أن يحرصوا على شهودها!!حتى أصبحت اليوم لأهلها تحن!وعلى فراقهم تأن!والله المستعان.
فأين الذين كانوا يتسابقون على هذه المجالس المباركة ؟!.
وأين الذين كانوا يتنافسون على حضور حلق العلم النافعة ؟!.
أين الذين كانوا ينسخون الأحاديث النبوية،ويدونون الفوائد العلمية ؟!.
أين حفاظ كلام رب العالمين،والمتون بأنواعها والصحيحين؟!.
لماذا هذا الزهد فيها؟!، والإعراض عن حضورها؟!، وقلة الإقبال إليها!!.
فما الذي شغل أهل الإسلام عن حضور المجالس التي يُحيها العزيز العلام؟!
فأين تُقضى أيام المسلمين ؟ وكيف تُصرف أوقاتهم؟!.
إن الأسباب كثيرة! والنتيجة واحدة!!.
فمنهم من غرتهم الملذات!وتغلبت عليهم النفس والشهوات! فتركوا مجالس الخير و البركات!!.
ومنهم من لا يستحضر شرف طلب العلم،و أجر حضور مجالسه!،وأنه من أجل القربات لرب البريات! فيكسل!ولا يحرص على الذهاب إلى مجالس النفع والخيرات!!.
ومنهم من شغلته وسائل التواصل الحديثة والاتصالات!عن حضور مجالس العلماء والتفقه في دين رب الأرض والسموات!.
ولا ننسى أيضا أيها الأفاضل أن بعض من اقتحم ميدان النصح والدعوة من غير زاد ولا عتاد!هم سبب كذلك في هجران مجالس العلم التي تُعقد في بيوت الله جل جلاله، حيث زهدوا الناس فيها،-قصدوا ذلك!أو لم يقصدوا!!-،وعوضوهم عنها بمجالس يغلب عليها القصص وتكثر فيها الفكاهة!والتنفيس!!فأصبح الكثير من المسلمين- إلا من رحمه رب العالمين- عن مجالس العلماء معرضين!وإلى مجالس هؤلاء! مقبلين!!.
أيها الأحبة الكرام إننا لا ننكر أن في أمتنا اليوم ولله الحمد من لا يزال حريصا على الأخذ من ميراث الأنبياء ويبذل جهده في الاقتداء بمن سبقه من الأتقياء ،فثبتهم الله على هذا الطريق القويم، وجزاهم على ذلك خير الجزاء.
فعلى هؤلاء الأصفياء من العلماء الأتقياء وطلبة العلم النجباء أن يحمدوا الله جل جلاله على هذا الاصطفاء،وأن لا ييأسوا ولا يحزنوا من قلة الأعوان وعدم تشجيع الأصحاب والإخوان!،وعليهم أن يواصلوا في طلب العلم، وليحرصوا على العمل به،وليبذلوا وسعهم في حث المسلمين على التفقه في الدين،وليخلصوا في ذلك لرب العالمين ولا يهتموا بعدد الحاضرين، فعن الإمام عبد الرحمن بن مهدي -رحمه الله- قال :(كنت أجلس يوم الجمعة في مسجد الجامع فيجلس إلي الناس فإذا كانوا كثيرا فرحت وإذا قلوا حزنت،فسألت بشر بن منصور فقال:"هذا مجلس سوء لا تعد إليه"،قال:فما عدت إليه ).حلية الأولياء( 9/ 12)
وليتذكروا دائما أن التوفيق لسلوك هذا الطريق الكريم هو من تفضل العزيز الحكيم، فعن معاوية – رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من يُردْ الله به خيرًا يُفقِّه في الدِّين ".رواه البخاري (71) ومسلم (1037)
يقول ابن بطال –رحمه الله-:" وفيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله، لأنه يقود إلى خشية الله، والتزام طاعته، وتجنب معاصيه". شرح ابن بطال على صحيح البخاري (1/154)
فالله أسأل بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يُفقهنا وإياكم في دينه، ويجعل موائد العلم ومجالس العلماء عامرة بالمسلمين، ويجزي عنا خير الجزاء علمائنا الربانيين، وطلبة العلم المجتهدين المجدِّين،فهو سبحانه ولي ذلك وأكرم الأكرمين.

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أبو عبد الله حمزة النايلي
رد مع اقتباس