عرض مشاركة واحدة
  #59  
قديم 17-06-17, 10:04 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 147
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الرابع والخمسون- مباحث الكتاب

تكملة مسائل النسخ


أولا: لا يجوز نسخ الخبر.
أي أن النسخ إنما يرد على الإنشاء كافعل كذا أو لا تفعل كذا ولا يرد على الخبر فإذا أخبر الشرع بخبر استحال أن يخبر بنقيضه ولا يقال إن هذا من باب النسخ لأنه يوهم الكذب.
وقيل: يجوز النسخ في الخبر إن كان عن شيء متغير سيقع في المستقبل مثل أن يقال: سيكون كذا بعد شهر، فيجوز أن يتغير حاله فيقول لن يكون ذلك بعد شهر.
والصواب لا يجوز لأن الله سبحانه يعلم كل شيء فتناقض الأخبار يوهم الكذب وهو محال في حق الله تعالى.
ثانيا: يجوز النسخ في الإنشاء ولو كان خبرا في لفظه أو اقترن بما يدل على التأبيد.
لأن النظر هو للمعنى وليس للفظ فإذا ورد إنشاء وتكليف بصيغة الخبر فهذا يصلح أن يدخله النسخ مثل قوله الله تعالى: ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) فهذا وإن كان خبرا في صيغته لكن معناه هو ليتربصن فيقبل النسخ.
ومثل الإنشاء إذا اقترن بلفظ قضى مثل: قضى ربكُ أن افعلوا كذا. أي أمر.
وكذا إذا ورد الإنشاء بلفظ التأبيد أو نحوه نحو: صوموا أبدا أو صوموا حتما أو صوموا دائما، فكل هذه إنشاءات تقبل النسخ؛ لأن التأبيد قد يستعمل فيما لايراد به التأبيد وذلك كقول القائل: لازمْ غريمك أبدا، ويريد به إلى أن يقضيك دينك، وكذلك هنا يجوز أن يقيد الحكم بالتأبيد ونحوه ويريد به إلى وقت النسخ.
ثالثا: يجوز نسخ طلب الإخبار بشيء وذلك بإيجاب الإخبار بنقيضه.
أي يجوز أن يوجب الشارع على شخص الإخبار بشيء كأن يقول له: أخبرْ بقيام زيد، وقبل الإخبار بذلك ينسخه ويقول له: أخبرْ بعدم قيامِ زيد؛ لأن هذا من باب الإنشاء فيجوز أن يتغير حال زيد من القيام إلى القعود مثلا.
وهنا مسألة مهمة وهي: هل يجوز أن يكلف الشارع أحدا بالإخبار بشيء لا يتغير كحدوث العالم ثم ينسخه بالتكليف بالإخبار بنقيضه؟
قال كثيرون: لا يجوز لأنه تكليف بالكذب الصريح وهو لا يجوز.
وقال آخرون: يجوز لأنه قد يدعو إلى الكذب مصلحة كإنقاذ حياة مسلم.
رابعا: يجوز النسخ ببدل وبغير بدل.
فالنسخ ببدل هو أن ينسخ الحكم القديم بحكم آخر جديد، وهذا الحكم الجديد قد يكون أخف من الحكم القديم، وقد يكون مساويا له، وقد يكون أثقل منه.
مثال الأخف: نسخ العدة على الأرملة سنة كاملة إلى أربعة أشهر وعشرة أيام.
ومثال المساوي: نسخ التوجه إلى بيت المقدس، بالتوجه إلى الكعبة.
ومثال الأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والفدية في بداية الإسلام في قوله تعالى: ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) بوجوب الصوم على من شهد الشهر في قوله تعالى: ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ).
وأما النسخ بلا بدل فهو أن ينسخ الشارع الحكم السابق، دون أن يأتي بحكم جديد بدل عنه. فأجازه قوم وقالوا مع جوازه عقلا إلا أنه لم يقع شرعا، ومنع جوازه آخرون.

( شرح النص )


ويجوزُ نسخُ الإنشاءِ ولو بلفظِ قضاءٍ أَوْ بصيغةِ خبرٍ أَو قُيِّدِ بتأبيدٍ أو نحوِهِ، والإخبارِ بشيءٍ ولو مما لا يتغيَّرُ بإيجابِ الإخبارِ بنقيضِهِ، لا الخبرِ وإنْ كانَ مما يتغيَّرُ، ويجوزُ عندنا النسخُ ببدلٍ أثقلَ وبلا بدلٍ ولم يقعْ في الأصحِّ.
......................... ......................... ......................... ......................
( ويجوزُ نسخُ الإنشاءِ ولو ) كان مقترنا ( بلفظِ قضاءٍ ) وقيل: لا يجوز بناء على أن القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير نحو: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه. أي أمر ( أَوْ بصيغةِ خبرٍ ) نحو: والمطلقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء. أي ليتربصن نظرا للمعنى، وقيل: لا يجوز نظرا للفظ ( أَو قُيِّدِ بتأبيدٍ أو نحوِه ِ) كصوموا أبدا، صوموا حتما، صوموا دائما، وقيل: لا لمنافاة النسخ التقييد بذلك. قلنا لا نسلم كما يقال لازم غريمك أبدا أي إلى أن يعطي الحق وليس أبد الدهر ( و ) يجوز نسخ إيجاب ( الإخبارِ بشيءٍ ولو مما لا يتغيَّرُ بإيجابِ الإخبارِ بنقيضِهِ ) كأن يوجب الاخبار بقيام زيد ثم بعدم قيامه قبل الإخبار بقيامه لجواز أن يتغير حاله من القيام إلى عدمه، ومنعت المعتزلة وغيرهم ذلك فيما لا يتغير كحدوث العالم لأنه تكليف بالكذب فينزه الباري عنه، قلنا: قد يدعو إلى الكذب غرض صحيح فلا يكون التكليف به قبيحا بل حسنا، كما لو طالبه ظالم بوديعة عنده أو بمظلوم خبأه عنده فيجب عليه إنكاره، ويجوز له الحلف عنه ويكفر عن يمينه ( لا ) نسخ ( الخبر ِ) أي مدلوله فلا يجوز ( وإنْ كانَ مما يتغيَّرُ ) لأنه يوهم الكذب حيث يخبر بالشيء ثم بنقيضه، وذلك محال على الله تعالى، وقيل: يجوز في المتغير إن كان خبرا عن مستقبل بناء على القول بأن الكذب لا يكون في المستقبل لجواز المحو لله فيما يقدّره. قال الله تعالى: يمحو الله ما يشاء ويثبت ( ويجوزُ عندنا النسخُ ببدلٍ أثقلَ ) كما يجوز بمساوٍ وبأخف، وقال بعض المعتزلة: لا يجوز بالأثقل إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر. قلنا: لا نسلم وقد وقع كنسخ وجوب الكف عن الكفار الثابت بقوله تعالى: ودع أذاهم. بقوله: اقتلوا المشركين ( و ) يجوز عندنا النسخ ( بلا بدلٍ ) وقال بعض المعتزلة: لا إذ لا مصلحة في ذلك. قلنا: لا نسلم ذلك ( و ) لكنه ( لم يقعْ في الأصحِّ ) وقيل: وقع كنسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة النبي الثابت بقوله: إذا ناجيتم الرسول.. الآية. إذ لا بدل لوجوبه فيرجع الأمر إلى ما كان قبله مما دل عليه الدليل العام من تحريم الفعل إن كان مضرة أو إباحته إن كان منفعة. قلنا: لا نسلم أنه لا بدل للوجوب بل بدله الجواز الصادق هنا بالإباحة أو الندب فتبقى الصدقة مباحة أو مندوبة.
رد مع اقتباس