عرض مشاركة واحدة
  #57  
قديم 17-06-17, 10:02 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 147
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الثاني والخمسون- مباحث الكتاب

النسخ


أولا: النسخ: رفع حكم شرعي بدليل شرعي. كنسخ التوجه بالصلاة إلى بيت المقدس بقوله تعالى: ( فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ).
فقولنا: رفع أي أن خطاب الله تعلق بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لكان الحكم باقيا مستمرا لكن الناسخ رفعه أي قطع تعلقه بالفعل.
وقولنا: حكم شرعي خرج به الحكم العقلي كالبراءة الأصلية الثابتة بالعقل قبل إيجاب الأحكام بالشرع فإن رفعها بتشريع العبادة لا يعتبر نسخا لأنها لم تثبت بحكم شرعي وذلك كوجوب الزكاة فإنه رفع إباحة منعها الثابتة بالعقل قبل الشرع.
وقولنا: بدليل شرعي يخرج به رفع الحكم عن الميت والمجنون والنائم بالموت والجنون والنوم فلا يسمى ذلك الرفع نسخا.
ثانيا: يجوز نسخ بعض آيات القرآن إما تلاوة وحكما، أو تلاوة فقط، أو حكما فقط.
مثال نسخ التلاوة والحكم معا: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرّمن فنسخن بخمس معلومات.
ومثال نسخ التلاوة فقط: ما رواه الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. فإنا قد قرأناها. والمقصود بالشيخ والشيخة المحصنان.
ومثال نسخ الحكم فقط: قوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول ) فقد نسخ بقوله تعالى: ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ).
ثالثا: يجوز نسخ الفعل قبل التمكن منه. بأن يطلب شيء من المكلف ثم قبل دخول وقت الفعل أو بعد دخوله وقبل مضي مقدار من الزمن يتسع لفعله ينسخ الطلب.
ومثاله أمر الله سبحانه لإبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل ثم قبل أن يتمكن من الفعل نسخ وفدي بذبح عظيم.
رابعا: القرآن والسنة ينسخ بعضهما البعض.
فيجوز نسخ القرآن بالقرآن كما مر التمثيل بآيتي عدة الوفاة.
ويجوز نسخ السنة بالقرآن كما مر التمثيل بنسخ التوجه إلى بيت المقدس الثابت بالسنة بالقرآن.
ويجوز نسخ القرآن بالسنة متواترة وآحادا كنسخ الخبر الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره: لا وصيّة لوارث.لآية: ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إنْ ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين ).
ويجوز نسخ السنة بالسنة المتواترة بمثلها وبالآحاد، والآحاد بمثلها وبالمتواترة ومن ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور ثم قوله بعد ذلك: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها. رواه مسلم.
وحيث وقع نسخ للقرآن بالسنة فمع السنة قرآن عاضد لها يبين توافقهما كنسخ الوصية للوارث عضدها من القرآن آية المواريث يوصيكم الله في أولادكم... الآية.
وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمع القرآن سنة أيضا كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بقوله تعالى: فول وجهك.. الآية معها من السنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم واستقباله للكعبة الثابت بالتواتر.

( شرح النص )


النسخُ: رفعُ حكمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ، ويجوزُ في الأَصحِّ نسخُ بعضِ القرآنِ، والفعلِ قبلَ التَّمَكُّنِ، ونسخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ كهوَ بهِ، ونسخُهُ بها، ولم يقعْ إلا بالمتواترةِ في الأصحِّ، وحيثُ وقعَ بالسنة فمعها قرآنٌ عاضِدٌ لها، أَو بالقرآنِ فمعَهُ سُنَّةٌ.
......................... ......................... ......................... ......................... ..
النسخ لغة: الإزالة كنسخت الشمس الظلّ أي أزالته، والنقل مع بقاء الأول كنسخت الكتاب أي نقلته، واصطلاحا ( رفعُ ) تعلق ( حكمٍ شرعيٍّ ) بفعل ( بدليلٍ شرعيٍّ ) والقول بأن النسخ: بيان لانتهاء أمد حكم شرعي. يرجع إلى ذلك فلا خلاف في المعنى. قال العلامة البرماوي: فإن قلتَ: سيأتي أن من أقسام النسخ ما ينسخ لفظه دون حكمه ولا رفع فيه لحكم. قلت: رفع اللفظ يتضمن رفع أحكام كثيرة كتعبد بتلاوته وإجراء حكم القرآن عليه من منع الجنب ونحوه من قراءته، ومسّ المحدث وحمله له وغير ذلك. وخرج بالشرعي أي المأخوذ من الشرع رفع البراءة الأصلية أي المأخوذة من العقل، وبدليل شرعي رفع الحكم كالصلاة بالموت والجنون والنوم فإن رفعها لعارض من العوارض وليس بدليل شرعي ( ويجوزُ في الأَصحِّ نسخُ بعضِ القرآنِ ) تلاوة وحكما، أو أحدهما دون الآخر والثلاثة واقعة. روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات فنسخن بخمس معلومات. فهذا منسوخ التلاوة والحكم. وروى الشافعي وغيره عن عمر رضي الله عنه: لولا أن تقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة- أي المحصنان-إذا زنيا فارجموهما ألبتة. فإنا قد قرأناها. فهذا منسوخ التلاوة دون الحكم لأمره صلى الله عليه وسلّم برجم المحصن رواه الشيخان. وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة هو الكثير كقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول. نسخ بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا. لتأخره في النزول عن الأول وإن تقدمه في التلاوة، وقيل: لا يجوز نسخ بعضه كما لا يجوز نسخ كله، وقيل: لا يجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه وهو نسخ الحكم دون التلاوة ( و ) يجوز في الأصح نسخ ( الفعلِ قبلَ التَّمَكُّنِ ) منه بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسعه، وقيل لايجوز لعدم استقرار التكليف، قلنا: يكفي للنسخ وجود أصل التكليف فينقطع بنسخه، وقد وقع ذلك في قصة الذبيح فإن الخليل أمر بذبح ابنه عليهما الصلاة والسلام لقوله تعالى حكاية عنه:يا بنيّ إني أرى في المنام أني أذبحك..الآية ثم نسخ ذبحه قبل التمكن منه بقوله: وفديناه بذبح عظيم ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُ السُّنَّةِ بالقرآنِ ) كنسخ تحريم مباشرة الصائم أهله ليلا الثابت بالسنة بقوله تعالى:أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم. وقيل لا يجوز نسخ السنة بالقرآن لقوله تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم. جعله مبينا للقرآن فلا يكون القرآن مبينا لسنته. قلنا لا مانع لأنهما من عند الله قال تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. ويدل للجواز قوله تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء (كهو ) أي كما يجوز نسخ القرآن ( بهِ ) أي بالقرآن جزما كما مرّ التمثيل له بايتي عدّة الوفاة ( و ) يجوز في الأصح ( نسخُهُ ) أي القرآن ( بها ) أي بالسنة متواترة أو آحادا قال تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم. وقيل: لا يجوز لقوله تعالى: قل ما يكون لي أن أبدّله من تلقاء نفسي. والنسخ بالسنة تبديل من تلقاء نفسه، قلنا: ممنوع قال تعالى: وما ينطق عن الهوى. وقيل: لا يجوز نسخ القرآن بالآحاد لأن القرآن مقطوع والآحاد مظنون. قلنا: محل النسخ الحكم ودلالة للقرآن عليه ظنية ( و ) لكن نسخ القرآن بالسنة ( لم يقعْ إلا بالمتواترةِ في الأصحِّ ) فمع تجويزنا النسخ بالآحاد إلا أنه لم يقع مثال صحيح لذلك. وقيل وقع بالآحاد كنسخ خبر الترمذي وغيره: لا وصية لوارث. لآية: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية. قلنا: لا نسلم عدم تواتر ذلك ونحوه للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمن الوحي. ويجوز نسخ السنة المتواترة بمثلها والآحاد بمثلها وبالمتواترة، وكذا المتواترة بالآحاد على الأصح كما مرّ من نسخ القرآن بالآحاد ( وحيثُ وقعَ ) نسخ القرآن ( بالسنة فمعها قرآنٌ عاضِدٌ لها ) على النسخ يبين توافقهما لتقوم الحجة على الناس بهما معا، ولئلا يتوهم انفراد أحدهما عن الآخر، إذ كل منهما من عند الله ( أو ) وقع نسخ السنة ( بالقرآنِ فمعَهُ سُنَّةٌ ) عاضدة له تبين توافقهما لما مرّ، كما في نسخ التوجه في الصلاة إلى بيت المقدس الثابت بفعله صلى الله عليه وسلّم بقوله تعالى: فولّ وجهك شطر المسجد الحرام. وقد فعله صلى الله عليه وسلّم ونقل عنه بالتواتر.
رد مع اقتباس