عرض مشاركة واحدة
  #56  
قديم 13-06-17, 06:23 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 145
افتراضي رد: دروس في شرح متن لب الأصول في علم الأصول للمتوسطين

الدرس الحادي والخمسون- مباحث الكتاب

تأخير البيان


أولا: البيان يكون لمجمل لم يتضح معناه، ولظاهر لم يرد ظاهره.
فالأول: كمشترك يبين أحد معانييه، والثاني: كعام يبين تخصيصه، ومطلق يبين تقييده، ودال على حكم يبين نسخه.
ثانيا: تأخير البيان لمجمل أو لظاهر غير مراد ظاهره عن وقت العمل غير واقع في الشريعة؛ فلا يوجد في الشريعة خطاب كلفنا بالعمل به إلا وقد بيّن.
وأما تأخير البيان عن وقت الخطاب فواقع في الأصح.
وصورة المسألة: أن يرد خطاب مجمل ولا يرد معه البيان لعدم الحاجة إليه حينذاك إذْ أَن وقت العمل به لم يحن بعد، ثم يرد بعد ذلك بيانه متراخيا عنه.
كما في إيجاب الله سبحانه الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج ولم يبين أوقاتها، ثم نزل جبريل عليه السلام فبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات. متفق عليه.
ثالثا: وقع خلاف في جواز- لا في وقوع- تأخير البيان عن وقت الحاجة فقد أجازه قوم بناء على جواز التكليف بالمحال ابتلاء من الله تعالى، ومنعه قوم لأنه لا فائدة منه، وقد تقدم ما له صلة بالموضوع.
رابعا: يجوز للرسول تأخير تبليغ ما أوحي إليه إلى وقت العمل فلا يبلغ حتى يحين وقت التكليف لأن وجوب المعرفة للعمل ولا حاجة إليه قبل العمل.
وقال قوم: لا يجوز ذلك لأن الله تعالى يقول: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) أي على الفور بناء على أن الأمر للفور.
خامسا: يجوز أن لا يعلم المكلف الموجود وقت الخطاب بوجود المخصص فيعلم بالنص العام ولا يعلم بالمخصِّص.
كما وقع للسيدة فاطمة رضي الله عنها فقد جاءت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها مما تركه أبوها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعموم قوله تعالى: ( يوصيكم الله في أولادكم .. ) الآية. فاحتجّ أبو بكر بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا نورث ما تركناه صدقة ) متفق عليه.
فالبيان هنا لم يتأخر وإنما تأخر علم المكلف به.

( شرح النص )


مسألةٌ: تأخيرُ البيانِ عنْ وقتِ الفعلِ غيرُ واقِعٍ وإنْ جازَ، وإلى وقتِهِ واقِعٌ في الأصحِّ سواءٌ أكانَ للمبيَّنِ ظاهِرٌ أم لا.
وللرسولِ تأخيرُ التبليغِ إلى الوقتِ، ويجوزُ أنْ لايعلمَ المكلفُ الموجودُ بالمخصِّصِ ولا بأنَّهُ مخصِّصٌ ولو على المنعِ.
......................... ......................... ......................... .........................

هذه ( مسألةٌ ) في تأخير البيان ( تأخيرُ البيانِ ) لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره ( عنْ وقتِ الفعلِ غيرُ واقِعٍ وإنْ جازَ ) وقوعه عند جمهور الأشاعرة ومنعه غيرهم ( و ) تأخيره عن وقت الخطاب ( إلى وقتِهِ ) أى وقت الفعل أي إلى الزمن الذي جعله الشارع وقتا لبدء الفعل جائز و ( واقِعٌ في الأصحِّ سواءٌ أكانَ للمبيَّنِ ظاهِرٌ ) وهو غير المجمل كعام يبين تخصيصه ومطلق يبين مقيده ودال على حكم يبين نسخه ( أمْ لا ) وهو المجمل كالمشترك يبين أحد معنييه مثلا، وقيل يمتنع تأخير البيان ولو إلى وقت الفعل لإخلاله بفهم المراد من النص وقت الخطاب لأنه في المجمل لا يتضح المراد منه وفي الظاهر يتبادر منه غير المقصود ( و ) يجوز ( للرسولِ ) صلى الله عليه وسلم ( تأخيرُ التبليغِ ) لما أوحى اليه من قرآن أو غيره ( إلى الوقتِ ) أى وقت العمل ولو على القول بامتناع تأخير البيان عن وقت الخطاب لانتفاء المحذور السابق عنه وهو إخلاله بفهم المراد من النص وقت الخطاب لأنه لم يبلغه بعد، ولأن وجوب معرفته إنما هو للعمل ولاحاجة له قبل العمل، وقيل: لا يجوز عل القول بامتناع تأخير البيان مطلقا لقوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك. أى فورا ( ويجوزُ أنْ لايعلمَ ) المكلف أي بعض المكلفين ( الموجودُ ) وقت الخطاب (بالمخصِّصِ ولا بأنَّهُ مخصِّصٌ ) أى يجوز أن لايعلم بوجود ذات المخصص، أو يعلم المخصص لكن لابوصف أنه مخصص مع علمه بذاته كأن يكون المخصص للنص هو العقل، فالدليل العقلي حاصل في الفطرة وإنما التقصير من جهة السامع لم يتنبّه له ( ولو على المنعِ ) أى يجوز ذلك ولو على القول بامتناع تأخير البيان، وقيل: لايجوز على القول بذلك بالنسبة للمخصص السمعي- من كتاب وسنة- لما فيه من تأخير إعلامه بالبيان. قلنا: المحذور إنما هو تأخير البيان وهو منتف هنا، وعدم علم المكلف بالمخصص بأن لم يبحث عنه تقصير منه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبلغ كل أحدٍّ بعينه بل بلغ البعض وقال: ليبلغ الشاهدُ الغائبَ. متفق عليه. أما العقل فاتفقوا على جواز أن يسمع الله المكلفَ العامَ من غير أن يعلمه بذات العقل بأنه ثمة مايخصصه وكولا إلى نظره، وقد وقع أن بعض الصحابة لم يسمع المخصص السمعي إلا بعد حين منهم السيدة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم طلبت ميراثها مما تركه أبوها لعموم قوله تعالى: يوصيكم الله فى أولادكم. فاحتج عليها أبو بكر رضي الله عنه بما رواه لها من خبر الصحيحين: لانورث ما تركناه صدقة. وبما تقرر علم أن قوله: ولو على المنع راجع الى المسألتين: أي مسألة جواز تأخير تبليغ الوحي إلى وقت العمل، ومسألة عدم علم المكلف بالمخصص.
رد مع اقتباس